نحو نهضة إسلامية يقودها العقل المعرفي والوجداني

فئة :  قراءات في كتب

نحو نهضة إسلامية يقودها العقل المعرفي والوجداني

نحو نهضة إسلامية يقودها العقل المعرفي والوجداني*

الكتاب: تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات

المؤلف: د. فهمي جدعان

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2014


يعاين المفكر العربي فهمي جدعان، في كتابه الجديد "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"، أحوال الإسلام في اللحظة الراهنة، والمقدّس والحرية، وكذلك الحداثة، والعدالة والشورى والديمقراطية، فضلاً عن نظريات الدولة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، ويتطلع إلى نهضة إسلامية يقودها العقل المعرفي والوجداني.

ويقسم جدعان كتابه إلى قسمين؛ منوهاً إلى اختلافهما الزمني وتكاملهما في المنهج والموضوع: القسم الأول "تحرير الإسلام"، والعنوان في حد ذاته موحٍ ومفعم بالدلالات والالتزامات التي فرضت نفسها على المفكر الملتزم مصير أمته ودينها المهدد من الأبناء والأعداء في زمن الربيع العربي، "زمن التحولات" الذي أخذت فيه الثورات العربية بالانحراف عن أهدافها النبيلة، منوهاً في الوقت نفسه بقيمها النبيلة التي حركت عقول وقلوب الملايين؛ قيم الحرية والعدل والديمقراطية. أما المخاوف التي استثارت جدعان، فهي هذه المآلات التي سارت وتسير فيها هذه القيم في ظل التصلب والعنف اللفظي والمادي الذي تمارسه حركات الإسلام السياسي ودعاته المتنمّرون على المجتمع والدولة، لتطبيق أحكام الشريعة (الأحكام وليس المبادئ)، بغض النظر عن تاريخية هذا التطبيق الذي لا يراعي ظروف المكان والزمان.

فهل يمكن الحفاظ على القيم الدينية النبيلة التي هي في النهاية من صميم القيم الإنسانية؟ وفي الوقت نفسه، كيف نخلّص الإسلام ونحرره من الصور النمطية السالبة التي اختزلته وحوّلته في نظر الغرب إلى دين الإرهاب والاضطهاد؟

أمّا معرفياً، فالكتاب يندرج في إطار النقد الحضاري الشامل الذي يميز طبيعة المرحلة الراهنة في الفكر العربي المعاصر التي "تعج بالمقاربات الفكرية والنقد العقلي وتضارب الاتجاهات والنظم المعرفية" لتجاوز الأزمة الراهنة وطرح البدائل المطابقة لحاجات الأمة العربية في الواقع والتاريخ.

ويتحدد هدف المفكر وقصده منذ الفصل الأول "تحرير الإسلام" بالدفاع عن صورة الإسلام الوحي الصادرة عن منطوق كتابه العظيم وتحريره من المواقف السالبة والفهوم المغلوطة. ويندرج جهده التحليلي، كما يقول، في إطار الاجتهاد الإنساني المشروط بالتمثل الشخصي والاجتهاد النقدي وجدارة العيش في دين الإسلام. ومعنى الدفاع عن الإسلام عنده هو استعادة صورته النقية من التشويه المقصود وغير المقصود من أهل الإسلام وأعداء الإسلام سواء بسواء. أمّا عن نفسه، وهو يروم الإصلاح والتغيير، فليس داعية مذهب أو إصلاح لاهوتي، بل هو"مفكر ملتزم التزاماً منهجياً عقلانياً تكاملياً واقعياً نقدياً لمقاربة المسألة الإسلامية المرتبطة بالعربية".

نزعة أخلاقية وغيرية

وتكشف تحليلاته، من أول الكتاب إلى آخره، عن نزعة أخلاقية وغيرية منقطعة النظير، وانخراط كلي بالمشكل الإسلامي الذي يستحضر كل الأسئلة الاستنكارية التي واجهت وتواجه الإسلام اليوم بمكر ودهاء، وتتطلب تفكيكها لردها إلى أصولها، وتخليص الإسلام وتحريره منها تحريراً معرفياً.

وفي الفصل الثاني، يناقش جدعان المشكل السياسي والحكم وعلاقته بالإسلام، ويعتبره بمثابة عقب أخيل (نقطة ضعف الإسلام ومقتل التجربة التاريخية للإسلام)، فيشير أولاً إلى الخلاف الناشب بين الإسلاميين وخصومهم؛ أي بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة المدنية، بالحديث عن مصدر السيادة في الدولة، والتي لن تكون في التطبيق العملي إلا للأمة في ظل الدولة الدينية أو المدنية، ولكن القضية الأخطر، كما يشير المؤلف، هي: لمن تكون الأولوية في التطبيق في ظل الدولة الإسلامية؟ وكيف؟ هل هي للمبادئ (المقاصد) أم للأحكام الشرعية؟. ويعيدنا التساؤل إلى مهام وأسئلة النهضة العربية التي طرحتها على ذاتها، ولم تستوف إجاباتها بعد، خاصة مع علي عبد الرازق وكتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي رفض الخلافة أصلاً من أصول الشرع. ولكن ما يؤرق المفكر جدعان هو زجّ الإسلام بالسياسة الذرائعية غير الأخلاقية بطبيعتها، والتي كيّفت الدين لمصلحة السياسي الانتهازي. وبالتالي فلا مندوحة من إعادة نصاب السياسي إلى السياسي، ونصاب الديني إلى الديني، ولا يعني هذا القول الفصل بين الدين والدولة، فالدولة السياسية الحديثة هي الدولة العقلية التي تبتغي تحقيق العدل، وهي الغاية القصوى للشريعة.

وفي الفصل الثالث "شيء من المنهج" يشير إلى خطورة القراءات الإتباعية والتفسير الظاهري لقضايا المرأة، على سبيل المثال، والتي انتهت في التحليل الأخير إلى الانتقاص من آدميتها وتأكيد نقص أهليتها على جميع المستويات. والبديل المنهجي المجرب الذي أضحى دائم الحضور وامتلك الوجاهة والفاعلية، هو التأويل العقلي لفهم النص القرآني، آخذاً في الاعتبار متغيرات العصر.

وعلى مستوى الحديث النبوي الشريف، يتطلب الإصلاح تمثّله بالمنهج العقلي نفسه، وشرطه التوافق مع المنطق القرآني ودلالته الكلية؛ أي مطابقاً لمنطق المقاصد والمنهج الهولستي، والتوافق مع الواقع والعقل، أو ما سمي في الخلدونية بضرورة مطابقة الخبر للعقل. أمّا على صعيد علم أصول الفقه، فدعا إلى تمثل واتباع مبادئ الشرع، وليس الأحكام الشرعية وإحلال فقه المقاصد وأساسه المصلحة.

النزاع المذهبي السني الشيعي

مقالة "السيكوفريزينيا"، وهو مصطلح مشتق من علم النفس المرضي، ويعني تفكك الشخصية وظهور أعراض التناقض والعصاب، تتناول ما أصاب الشخصية الإسلامية الآن نتيجة النزاع المذهبي السني الشيعي الذي أضعف الأمة الإسلامية، وقد آن الأوان لتجاوزه لعدم وجود مرجعية قرآنية تزكّي هذا أو ذاك، كما أنّ أسبابه السياسية أضحت في ذمة التاريخ، وتم تجاوزها بالفعل.

أمّا في نقده وتحليله للإسلام العربي، في الفصل الخامس، فثمة مقارنة بين الإسلام العربي وإسلام المسلمين غير العرب، إذ يرى المؤلف أنّ إسلام الآخرين أكثر تحرراً وتسامحاً ودعوة للمساواة من الإسلام العربي الذي تحوّل بعيونهم إلى إمبريالية ثقافية عربية، لتنصيبهم أنفسهم (العرب) قيّمين على هذا الدين ومصدر أحكامه ومعاييره، من خلال امتلاكهم ومعرفتهم اللغة العربية لغة الكتاب المقدس القرآن الكريم.

والحل، كما يطالب جدعان، هو الدخول إلى فضاء القرآن من أبواب أخرى غير اللغة والألفاظ العربية، واللجوء إلى مقاربة مفهومية جديدة للنص القرآني تتعلق بمعاني القرآن ومقاصده. ودون ذلك سيتحول الإسلام إلى دين قومي كاليهودية، سواء بسواء.

هكذا يبني جدعان خطابه النسقي البرهاني بأدوات أساسها الوضوح والرؤية شرط الخطابات التواصلية التي تحمل رسائل تستهدف الإصلاح والتغيير، وفي ذهنه مستقبل هذا الخطاب: المسلم والعربي والمفكر والسياسي ورجل الدين والمثقف العام وفئات عريضة من الغربيين المسلمين وغير المسلمين.

ويدين المؤلف في الفصل التالي "الإغراء السحري" التمثّل الخرافي والترويج للسحر والفهم السحري للدين والانشغال بالغيب والجن، وما إلى ذلك في الفضائيات الدينية التي تروّج لفتاوى وموضوعات لا علاقة لها بالقرآن ولا بالعقل العلمي.

وفي تحليله للقبيلة والقبلية التي ما تزال فاعلة فعلاً سلبياً في المجتمعات الإسلامية، يشير إلى تحالف الأنظمة السياسية قديماً وحديثاً، منذ تحول الخلافة الإسلامية والحكم الرشيد إلى ملك عَضوض استمال القبيلة، وشجّع القبلية المناهضة لروح الإسلام ووحدته القائمة على الإيمان والتقوى. وفي السياق نفسه، رفض مظاهر التقديس التي تمارس بحق الصحابة والسلف الصالح لافتقاره للمسوغات الدينية والعقلية.

الفقه التقليدي الذكوري

ويعود جدعان في الفصل التالي (حواء) لتأكيد طبيعة الفقه التقليدي الذكوري في المسألة النسوية المرفوض عقلاً ونصاً، فيشير أولاً إلى البنى الحاكمة والمتحكمة في الشكل النسائي، والتي جعلته على ما هو عليه الآن، وهي المواقف من الرجل والمجتمع والدين والثقافة الكونية، وهي الأسباب التي اصطنعت دونية المرأة وهيمنة الرجل.

أمّا الرجل، فتم التعامل معه في الفقه الذكوري كفرد وليس كشخص أو ذات حاملة لخصائص الشخصية، ويمثل الفرد، كما يقول، الذات المغلقة، بعكس الشخص الذي يمثل الذات التفاعلية التواصلية، والمطلوب الآن رفض الفقه الذكوري؛ أي رفض منطق الفرد واتباع الشخص وتعزيز قيم الاعتراف المتبادل وتحقيق التكامل والمساواة بين الرجل والمرأة، لأن الفرق بينهما وظيفي وليس ماهوياً.

ويعيد المؤلف التذكير بمنهجه الأثير ودعوته الخلاقة التي أطلقها في كتبه السابقة، وبخاصة في كتابه "خارج السرب"، القاضية بضرورة اتباع منهج التأويل العقلي والمنهج الكلي (الهولستي) وعدم الاكتفاء بالقراءة الذريّة لنصوص القرآن. وهدفه من كل ذلك تحقيق أفضل مقاربة وأفضل دلالة لحل المشكلة النسوية التي تواجه التحدي الأخطر في زمن الحرية والعولمة الكونية التي أوصلت المشكلة في العالم إلى حدود الإباحية التي أثقلت كاهل شبكات المجتمع المدني والدفاع الاجتماعي، وأبانت عن عجزه الكامل عن تقديم العون والمساعدة.

وخصص الباحث الفصل الأخير من هذا القسم "عقدة الأفاعي أو جحيم الآخرين" للبحث في حق الاختلاف والاعتراف بالآخر المسوّغ بحق الحرية وخاصة حرية الرأي والاعتقاد، وهو الحق الذي تضمنه الإسلام (إسلام الوحي) وضمنه حقاً نظرياً وعملياً واخترقه لاحقاً، بل خانه الإسلام التاريخي بتحوله إلى ملك عَضوض في الممارسة السياسية.

يقارن د.جدعان بين رؤية الإسلاميين السلفيين الأصوليين المناهضة لحق الاختلاف، ورؤية المعتدلين الذين يتميزون بموقف براغماتي انتهازي تناقض أفعالهم أقوالهم، وانعكس هذا الموقف السلبي والمتردد سلباً على الآخر وعلى علاقة المسلمين بالفضاءات التالية:

"الفضاء المسيحي العربي، الفضاء الغربي الليبرالي العلماني، الفضاء الغربي وثقافته؛ ثقافة الحداثة، الفضاء الفني". (ص 90)

مخاوف المسيحيين العرب

على صعيد "الفضاء المسيحي العربي"، تنامت مخاوف المسيحيين العرب، وخاصة بعد الغزو الأمريكي للعراق وارتفاع منسوب الإسلام الأصولي، وشيوع خطاب الكراهية للغرب المسيحي الصليبي (والتعامل مع المسيحية كعدو) والإصرار في الخطابات الأصولية على إقامة دولة دينية تطبق أحكام الشرع وحدود الله مع المخالفين وأهل الذمة؛ مما دفعهم للهجرة والانعزال حفاظاً على وجودهم وهويتهم الدينية.

وعليه، فلا بد من مصالحة الإسلام وأهل الإسلام مع منطق العصر، ورفض تكفير العلمانية والليبرالية، وضرورة التوصل إلى المركب التوفيقي بين الإسلام وعلمانية الحياد، وتبني الليبرالية التكاملية لتجاوز العلمانية المتصلبة والليبرالية الجديدة، والاعتراف بأهمية الشعر والفنون، واستعادتها إلى حظيرة الإسلام، وتخليص المسلمين من ردود الأفعال العصابية على إساءات الغرب للإسلام والمسلمين، والبحث عن طرق آمنة حضارية وقانونية للرد على تلك الإساءات.

القسم الثاني:

يبدأ الفصل الأول، من القسم الثاني من الكتاب، بالحديث عن حال الإسلام اليوم، ويصفه بأنه خوف على الإسلام من الحريصين عليه، وخوف من الإسلام من أعداء الإسلام، ومصدر هذا الخوف الغربي هو انتشار ظاهرة الإرهاب الأصولي، وهجرة المسلمين إلى ديار الغرب وصعود الإسلام (الصحوة الإسلامية) المتحدي لإرادة الغرب الذي انتصر على نظم وعقائد شمولية سابقة، فهل ينتصر على الإسلام؟

أمّا الخوف على الإسلام، فمصدره المشكلات المستعصية التي تواجه الإسلام والمسلمين وهي:

1 – المشكلة المعرفية، وتعني استمرار منهج قياس الغائب على الشاهد، والانشقاق السني الشيعي، والقراءة الظاهرية للنص والخطاب الأصولي الوجداني الذي يصر على رد القيم الإنسانية إلى قيم دينية.

2 – المشكلة السياسية: وتعني اختزال الإسلام بالإسلام السياسي الحركي الجهادي، وفهمه الحرفي والمنحرف للنصوص الدينية.

3 – المشكلة الاجتماعية، وتعني اختلال علاقة الإنسان بالفضاءات المعاصرة بالوضع النسائي والتواصل الاجتماعي والعلاقات الدولية. ويعيد د.جدعان التذكير بالحلول المطروحة في كتابه "خارج السرب" لحل هذا الإشكال كما ورد سابقاً.

أمّا فيما خصّ صلابة الغرب وتصلبه من الإسلام، فمردّه في رأي المفكر فهمي جدعان شعور الغرب الدائم بقدرته على الانتصار، وثقته بحداثته، وربط مصيره بقوته للانتصار على الإسلام لاحقاً.

وعلى الرغم من تعقيد الصورة وقتامتها، إلا أنّ جدعان لا يسمح لليأس بالتسلل إلى وجدانه وعقله، فيروح يفتح نافذة الأمل بالإصلاح والتغيير الداخلي، ويطرح الحلول التي ظلت تتردد في الكتاب، وهي التخلي عن منهج قياس الغائب على الشاهد، ونبذ الخلاف المذهبي، واعتماد التأويل العقلي، واستعادة الإسلام من أيدي خاطفيه "الأقلية التحريضية المتصلبة"، والتوجه إلى الغرب بخطاب حضاري، ودعوة المهاجرين إلى الاندماج الواعي بدلاً من العزلة والانعزال.

وفي الفصل التالي "العدل في حدود ديونطولوجيا عربية"، استعراض لمفاهيم العدل والعدالة وتمظهراتها في الفكر العربي الإسلامي للوصول إلى أفضل صياغة نظرية قياسية للعدل الذي تمظهر قديماً في الفكر الإسلامي بالعدل الكلامي/ الفلسفي/ الشرعي/ السياسي. واكتسب أهمية بالغة في السياسة الشرعية، وامتد الاهتمام حتى وصل إلى مفكري الإسلام في عصر النهضة.

غياب نظرية عربية إسلامية للعدالة

وتكمن إشكالية العدل في غياب نظرية عربية إسلامية للعدالة، رغم كثافة الحديث عن العدل قديماً وحديثاً، ما أرهق مفكري الإسلام نظراً وتمحيصاً. فهذا سيد قطب الذي افتقرت مقاربته لأساس فلسفي، وذاك خطاب مصطفى السباعي الذي يندرج في الإطار التكافلي في عصر النهضة.

ويصل جدعان في عرضه التاريخي إلى المفكر العربي ناصيف نصار الذي استلهم نظرية جون رولز في العدالة (مع تحوير بسيط) لاستخلاص أفضل تركيب ممكن للعدالة.

وتطلب الأمر التعريف بالنظريات الغربية الخاصة بالعدالة، وهي: المنفعة، والمساواة الليبرالية، والليبرالية الجديدة، والماركسية، والنظرية الجماعية، والنسوية. للتعرف على الممكن والمستحيل أو الضار والنافع من تلك النظريات. لقد رفض النظرية الماركسية والليبرالية الجديدة، وتحفظ على نظرية المنفعة، وقبلها بشرط ربطها بفضيلة الاعتدال والتخلي عن الأنانية، وثمّن جهود النسوية، واستعار منها فهمها للعدالة والمساواة وأخلاق العدل، واستجاب للنظرية الليبرالية التكافلية، لأنها ترفض حيادية الدولة. وأخيراً استدرك مقومات هذه العدالة عملياً ونظرياً بالديمقراطية العالمة لضمان تحقيقها، وحتى تستقيم الأمور تحتاج هذه الديمقراطية لمبدأ أخلاقي ناظم هو المسؤولية.

يكمل د.جدعان موضوعه في فصل "في العدالة والشورى والديمقراطية"، فيربط الطاعة بالحكم العادل، وهي القضية التي قسمت الفقه السلطاني بين مؤيد ومعارض؛ فقد افترضها السلفيون واجبة وجوباً مطلقاً، بغض النظر عن طبيعة الإمام الحاكم، ومنهم من دعا للخروج والرفض في حالة معصية الإمام لشرع الله، ومنهم من آثر السكوت والانزواء، ولا تقل الشورى إشكالية، فقد دبّ الخلاف والاختلاف بين المعنيين، فهل هي واجبة ملزمة. وهل هي خاصة بأهل العقد والحل أم تخص جموع المسلمين؟ ومن هم هؤلاء أهل العقد والحل؟.... إلى غير ذلك من التساؤلات والخلافات، وانتقل الموضوع والخلاف إلى عصر النهضة العربية، فناقشه الرواد في القرن التاسع عشر، رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهما ممن انتقدوا الاستبداد، ليكون مدخلاً للحديث عن الشورى والعدالة. وساهم مفكرو الإخوان: حسن البنا، ومحمد سليم العوا، وعبد القادر عودة في هذا السجال، وتميزوا عن غيرهم باعتبار الشورى ملزمة. أمّا الإسلام الحركي المعاصر، فكفّر الديمقراطية، واعتبر الحكم الإسلامي حكم شورى مكتفياً بذاته.

التوفيق بين الشورى والديمقراطية

أما بدائل الدكتور جدعان في التوفيق بين الشورى والديمقراطية أو استكمال الشورى بالديمقراطية خلال منهجه الكلي سابق الذكر، فهي:

1 ـ لا تتمثل دلالة الشورى كونها بديلاً مكافئاً للديمقراطية

2 ـ الأمّة أصل الأحكام الاجتهادية، وإجماعها أساس الحكم

3 - المشاركة في الحكم واختيار الحاكم

4 ـ مراقبة الحكام

5 ـ لا فرق بين غائية السلطة الحديثة وغائيتها في الإسلام (ص 177-178)

ويتميز المفكر العربي فهمي جدعان بمقدرته على تحويل خطابه النظري إلى أفكار تداولية إجرائية، تبدأ بتشخيص الحالة وتنتهي بطرح الحلول، وهو ما يميز الفيلسوف الحكيم، والحكمة هي عين الفلسفة.

وما زالت الديمقراطية نموذجاً مفارقاً بعيد المنال، كما يصفها المؤلف، بتنكر الحركات السياسية، وتعاملها مع الشعب الذي ادعت تمثيله بالقمع والاستبداد. ويستعرض نماذج الديمقراطية عبرالتاريخ، ويصنفها إلى:

ـ النموذج الكلاسيكي ومثاله الديمقراطية الأثينية والديمقراطية الجمهورية.

ـ النموذج الثاني، نموذج الديمقراطية الليبرالية.

ـ النموذج الثالث، نموذج الديمقراطية المباشر (الاشتراكي)

ومن كل هذه النماذج التي سقطت، بقيت الديمقراطية الليبرالية وتمظهراتها الراهنة كالديمقراطية الكونية (العولمة). وفي المجال العربي، أصبحت الديمقراطية ديدناً ومطلباً ملحاً لكل الحركات والتيارات الفكرية والسياسية. ولا يكتفي د. جدعان بالنقد، كما نوّهنا سابقاً، فقد تطلب النقد طرح البدائل، بعيداً عن العدمية التي تغلق باب الأمل وتشرع أبواب الجحيم.

وتتطلب الديمقراطية، المطابقة لحاجات العرب والمسلمين، مطابقتها الشروط المهنية التالية:

"نقد تنويري للمفهوم؛

اختبار فاعلية النموذج الغربي ومدى صلاحيته؛

استحضار التراث الحي بالموضوع وتوفيقه مع النموذج الغربي المناسب؛

عزله عن الضغوط الخارجية الخبيثة التي تروم شيئاً آخر غير الديمقراطية". (ص 199)

أمّا المخاطر التي تتهدد هذا النموذج الأمل، فهي الحرية الليبرالية المنفلتة المهيمنة على المجال الدولي خارجياً وداخلياً، وضحالة الوعي السياسي في الديمقراطية المنفتحة. ونموذجه المفضل الذي انحاز إليه هو الديمقراطية الاجتماعية التي تسمح بتدخل الدولة لتصويب خلل الحرية، ودعم الديمقراطية، ونقلها من قانون البداوة إلى قانون الحضارة.

وفي حديثه عن العلمانية، ينطلق من التساؤل الجدلي: هل يمكن قيام علمانية إسلامية؟ يرجح د.جدعان هذا الإمكان بشروط وتحفظ؛ أي بتعديل الصيغة القلقة لتكون أكثر إقناعاً ومنطقية بإسلام متصالح مع العلمانية، أو علمانية موافقة للإسلام، استلهاماً لتجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي حقق هذا الإمكان بعلمانية الحياد. أما العلمانية الفرنسية المتصلبة، فلا مجال فيها للتوافق والتصالح مع الدين. ولم ينجح هذا التركيب إلا بفهم عصري للدين بعيداً عن مبدإ الانفصال بين الدين والعلمانية، وقراءة العلمانية قراءة إنسانية، وتضافر العقل المقاصدي مع العقل العلماني الحيادي. لقد وظف حزب العدالة والتنمية جهوده للوصول إلى هذا المركب الفكري من الإسلام التركي، وعقلانية المعتزلة، وحكمة الرأي الحنفي، وأخذ من الغرب التأويل (فلسفة غادامير).

ويتحدث جدعان، في الفصول السادس والسابع والثامن، عن الحرية مفهوماً وواقعاً، مستعرضاً موضوعها من الإسلام الكلاسيكي إلى الفكر العربي المعاصر، فيشير أولاً إلى مظاهر التحرر المنفلت والمنضبط في المدينة العربية، رمز التحضر والتمدن والحداثة، ويعدد مظاهر هذا التحرر كتحرر النساء الذي مرّ بثلاث مراحل من القرن التاسع عشر حتى اليوم، وهي: مرحلة الدعوة إلى التعليم مع رفاعة الطهطاوي (ق 19)، ومرحلة المطالبة بالحقوق مع قاسم ورفاقه ورفيقاته (ق 20). والمرحلة الراهنة؛ مرحلة النسوية المعاصرة التي ثارت على كل التفسير التقليدي للنصوص الدينية. وينوه جدعان إلى ردّات الفعل على التحرر بالعودة إلى الحجاب. أما مظاهر التحرر الأخرى، فهي تفكك المجتمع الأبوي، وانهيار سلطة الأب بالطاعة واحترام الكبير، وتمرد الأبناء واختراق المقدس والنيل منه لفظياً ووجدانياً، والانتشار العلني لظواهر الجنس والإباحية الطبيعية والشاذة.

الحرية في الثقافة العربية

أمّا في الفصل الذي يليه، وهو الحرية في الثقافة العربية، فاعتمد منهجاً تاريخياً تحليلياً مقارناً بعرض مساهمات المفكرين العرب من عصر النهضة حتى المرحلة المعاصرة. ففي التمهيد لهذه الفكرة، اعتمد مقاربة عبد الله العروي في رصد معاني الحرية في التراث العربي المطابقة لمعناها المتداول في العصر الحديث فوجدها مبثوثة في الفقه والأخلاق وعلم الكلام والتصوف والاجتماع.

يبدأ الدكتور جدعان تحليله التاريخي المقارن مع الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي كان أول من نوّه بالحرية، صعوداً إلى الشيخ خير الدين التونسي الذي أسّس التمدن على ثنائية العدل والحرية، ومنه انتقل إلى رائد الليبرالية العربية أحمد لطفي السيد، مستنتجاً من هذا العرض غلبة البعد الميتافيزيقي على النظر في موضوع الحرية قديماً وحديثاً.

أمّا في الفكر العربي المعاصر، فطرح المقاربات والنماذج التالية:

1ـ قراءة عزت قرني الفلسفية في كتابيه "تأسيس الحرية" و"طبيعة الحرية"

2- قراءة زكريا إبراهيم "مشكلة الفلسفة الوجودية"

3- قراءة محمد عزيز الحبابي الشخصانية المتطورة عن وجودية زكريا إبراهيم

4- قراءة القوميين: قسطنطين زريق، منيف الرزاز، عبد الله عبد الدايم

5- قراءة مهدي عامل الماركسية

6- قراءة سري نسيبة النقدية الموحدة للحرية بمعناها الأنطولوجي وبمعناها السياسي.

7- قراءة الإسلاميين المعاصرين، وظهور مصطلح "العبودية المتحررة"، ويمثلها يوسف القرضاوي وحسن حنفي وراشد الغنوشي وحسن صعب وحسن الترابي.

ومن خلال استعراضه، يستنتج إجماع كل التيارات على أهمية الحرية والحقوق للإنسان شرطاً من شروط النهضة الثلاثة (الحرية والعدل والتنمية)، وينهي الفصل بتأييد تحليل ناصيف نصار وخياره لبناء فلسفة للحرية تقوم على ليبرالية اجتماعية، سماها ناصيف نصار الليبرالية التكاملية. (ص 287)

وفي الفصل الأخير (الحرية والمقدس)، يذكّر المؤلف مجدداً بمظاهر اختراق حرمة المقدس والخروج على المعطى الإسلامي، كما فعلت النساء الرافضات اللواتي أشار لخطابهن الجارح في كتابه "خارج السرب". ويقترح للخروج من هذا المأزق اتباع آليات حضارية وديمقراطية لوضع حد لهذا الانتهاك باسم الحق بالحرية، حرصاً على السلم الاجتماعي. وتتمثل هذه الآليات في الديمقراطية الاجتماعية التي تقدم مصالح المجتمع والجماعة على مصالح الفرد وحريته، وعقلنة ردود الأفعال الإسلامية على الغرب، والتسامح، تسامح الكبير مع المخالفين.

السلفيات

وفي تحليله التاريخي، يصنف الباحث السلفية إلى ثلاثة أصناف، وهي: السلفية التاريخية في الفكر العربي الإسلامي الكلاسيكي، والسلفية المجددة في عصر النهضة، والسلفية الجهادية المعاصرة التي سماها السلفية المتعالية المباشرة. ومبدأ السلفية، كما يقول، هو الاتباع وليس الابتداع، وتعظيم سلطة النص والسلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين (من عهد الرسول حتى القرن الثالث الهجري)، وهي السلفية الأولى التي كانت ردة فعل على تيار العقل والرأي في العلوم الإسلامية. أما في مرحلتها المتأخرة؛ مرحلة ابن تيمية، فكانت رداً على الأهواء والبدع وأصحابها.

وتعود أصول النظام المعرفي السلفي، كما يقول، إلى سلسلة متصلة من السلفيين القدامى تبدأ بابن حنبل رائد السلفية، مروراً بالطحاوي (القرن الرابع الهجري) وصولاً إلى سلفيي القرنين السابع والثامن الهجرييين، ابن تيمية، وابن القيم الجوزية، ويعتبر أنّ أبا جعفر الطحاوي الممثل الحقيقي لهذه السلفية. أما ابن تيمية، فواضع قواعدها وأسسها المعرفية التي استلهمها لاحقاً محمد بن عبد الوهاب والسلفيون الجدد.

وتتصف السلفية التاريخية، وفق جدعان بأنها: أخلاقية إيمانية، لا عقلانية، انقيادية محافظة قليلة الثقة بالإنسان. أما السلفية المجددة (سلفية عصر النهضة)، فهي سلفية وفّقت بين الإسلام والتمدن الغربي، وقدمت العقل على ظاهر النص، ومثّلها جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده والسلفيون المعاصرون حسن البنا وعبد القادر عودة من ضمن الذين أزاحوا مرجعية السلف الصالح وأحلوا مكانها سلطة الأمّة.

ومع الزمن، انكسر تيار السلفية المجددة مع سيد قطب الذي أعاد البوصلة إلى الوراء، وكفّر المجتمع والدولة، وأجاز الخروج منها وعليها، وفتح المجال للسلفية المعاصرة التي سماها السلفية المتعالية المباشرة، وسماها كذلك لأنها "تعلو على الأصول الوسيطة وعلى التراث والتجربة التاريخية وتذهب إلى النصوص مباشرة تستنطقها بقدراتها الذاتية الواثقة، وهي مباشرة بمعنى أنها تختار الفعل المباشر لتغيير الواقع دون المرور بمؤسسات وقوى المجتمع". (ص 342) وتمثلها تيارات الإسلام الجهادي والحركات الراديكالية ومنظروها: صالح سرية، أحمد عبود الزمر، كمال حبيب، شكري مصطفى، وتتميز هذه السلفية بالتركيز على المسائل العملية وإهمال القضايا النظرية.

وفي النهاية، يقر فهمي جدعان بوجود سلفيّات، وليس سلفية واحدة، تتباين درجة ارتباطها بالواقع وهموم المسلمين المعاشة، وأخطرها السلفية المتعالية التي جرّت العداء والكراهية والويلات بخطابها الإقصائي وممارستها الدموية، وفي النهاية يراهن جدعان (بتحفظ وحذر شديدين) على السلفية المجددة.

الحداثة والحداثة العربية

أما في "الحداثة والحداثة العربية "، فيشير المؤلف إلى أن الحداثة معطى تاريخي كوني لا تقتصر على الغرب، ومعناها عنده "إزاحة المعطيات السابقة وتجاوزها بالتعديل أو الحذف أو القطيعة، والتعلق بالعلم والحرية والعقل والأصالة الشخصية وإقصاء السحري والغيبي والتراثي". (ص 357)

وفي فصل الطاعة والاختلاف، يعود د.جدعان إلى موضوع الطاعة الذي لم يشبع من البحث فيه لخطورته في الممارسة السياسية الراهنة في الفقه والفكر الإسلاميين. فالاختلاف حق من حقوق الإنسان، والطاعة حق لولي الأمر (الدولة والحاكم) على المحكوم، ولا تستقيم فاعلية الحكم ونفاذ العدل إلا بالطاعة، وقد بقيت قضية خلافية بين السلفيين والمجددين، ورأيه أن الطاعة واجبة، لكنها مشروطة بالاستطاعة؛ أي بعدم تحميل الفرد ما لا يستطيع من الجور، وبمعنى أدق مشروطة بتحقيق العدل والصالح العام. أما الاختلاف، فحق إنساني، وأن الفقهاء لم يسوغوا منه إلا الاختلاف الفقهي بين المذاهب.

أمّا في الفصل ما قبل الأخير (نظريات الدولة في الفكر العربي المعاصر)، فيحيلنا إلى الرموز والتصنيفات نفسها التي أدارها في موضوع الديمقراطية والحرية ونظام الحكم، فيشير أولاً إلى التوتر والقلق الذي اعترى الفكر السياسي العربي بعد إلغاء مصطفى أتاتورك منصب الخلافة في تركيا سنة 1924، وإعلان الجمهورية، وما أعقبه من هرج ومرج على صدور كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" سنة 1925، وفي المقابل ظهر تيار أصولي لا يفصل بين الدين والدولة، وعلى رأسه محمد رشيد رضا، والشيخ بخيت المطيعي اللذان نافحا عن الدولة الدينية وامتد تأثيرهما إلى جماعة الإخوان المسلمين، ووصل تأثير ردة الفعل إلى دساتير الدول الإسلامية. وفي سياق تحليله المطول للمؤيدين والمعارضين، يستنتج ضرورة الحل الوسطي التوفيقي الذي انقسم في الواقع إلى اتجاهين:

1- اتجاه تشريعي شدد على وجود فقه تستند إليه الدولة ـ كما يقول أهم رموز هذا الاتجاه عبد الرزاق السنهوري فقيه القانون الكبيرـ وهذا الفقه هو الفقه الإسلامي.

2- الاتجاه الثاني، وهو التيار الإنساني، ومن ممثليه محمد أحمد خلف الله الذي رأى أنّ الإسلام لم يجيء بنظام سياسي محدد، وأنّ النظم الحكومية متروك أمرها إلى الإنسان بتفويض من الله. أما محمد عمارة، فأشار إلى ضرورة التميز وليس الفصل بين الدين والدولة.

وفي الفصل الأخير الذي جاء بعنوان (ضميمة: أفكار موجهة من أجل استراتيجية ثقافية لهذا العصر)، فجاء بمثابة رسالة نهائية ووصية فيلسوف منخرط في الحدث، فقّيم التجربة وشخّصها وعرف الداء والدواء، وأشار إلى عجز التيارات الفكرية المتصارعة عن إنجاز التغيير ما دامت تفكر وحدها وبعقليتها المتفردة. فلا بد من تضافر سائر الجهود والقوى السياسية والفكرية، إذ استلهم حل أنطونيو غرامشي بتشكيل الكتلة التاريخية لإجراء التغيير، ودعا لتأليف جبهة وطنية استثنائية يقودها الفلاسفة ورموز التنوير لتحقيق النهضة، وضرورة تمثل العقل المعرفي والوجداني في مقاربة الفيلسوف للواقع وكيفية تغييره. وبرؤية أفلاطونية - لكن واقعية- شدد على أهمية الفيلسوف قيّماً على السياسي والسياسة، وبيّن دوره في هذا المشروع المصيري لتخليصه المشروع من السياسي الانتهازي والغوغائية.

أمّا القضايا والمشكلات التي يراها ملحّة أكثر من غيرها وتطرح نفسها مهاماً على الفيلسوف العربي اليوم، فهي "مسألة الأفول الحضاري والفراغ والسلم والحرب والعنف والمسألة النسوية والراديكالية الدينية وفشل التربية والطائفية والمذهبية والقبلية وفلسفة الدين والثقافة المحلية والثقافة الكونية". (ص 477)

هكذا تكلم فهمي جدعان، وتلك رسائله التي تمكث في الأرض، فهل يتاح لأفكاره ورسائله بالتداول والتجريب في المحافل الإسلامية والدولية، لتبديد سوء الفهم، ونقض الصور النمطية، وإرساء صور مشرقة وعادلة للإسلام المطابقة لذاته في زمن التحولات الكبرى؟.


*- مجلة ألباب، العدد الثاني، ربيع 2014