إعادة تأسيس المقدّس الديني في الإسلام: الرمز الديني والمجال

فئة :  مقالات

إعادة تأسيس المقدّس الديني في الإسلام: الرمز الديني والمجال

يحتلّ الرمز بما هو منتج ثقافي يصنع ويوثّق الروابط الاجتماعية للأفراد[1]، عموما في كل الأديان التوحيدية أو الوثنية، بعدا مركزيا في الخطاب الديني وفي فصل المقال بين المقدّس والمدنّس ضمن حياة كل الأيام. فالرموز حمّالة معاني يمنحها ويسقطها الأفراد على الأشياء التي تحيطه، وعلى المجال الذي يحيا ويتواصل ضمنه. وتدعو رمزية الحياة كل الألوان والروائح والأشكال والاتجاه والمكان والمجال إلى انتقائية المعنى الموثّقة ضمن الرمز[2]. فيستحيل الرمز بوّابة الفرد نحو عالم الجماعة والاعتراف الجماعوي به مثلما يقولب مخياله الجماعي ورؤاه للعالم وللأشياء وللأزمنة المقدّسة والمدنّسة. فالرمز يشكّل سيميائية تواصلية[3] توصل وتقطع في الآن ذاته روابط وصلات الأفراد والجماعات ضمن اليومي. فهي توصل المؤمنين بتلوّن أديانهم بعوالمهم الدينية المقدّسة، وتؤسس رمزية اجتماعية تخلق وتوطّد الرباط الروحي الجماعوية للفرد ضمن المجتمع، وهي ترسم فواصل مجالية واجتماعية وعلائقية بين الجماعة المؤمنة وغيرها من الجماعات المخالفة أو المعارضة أو الرافضة لها. لذا اتّجهت كل الأديان إلى افتكاك المجال وتلوينه روحيا عبر هذا الرابط بالمقدّس[4]. فالمسجد مثلا هو مجال المسلم ورمز تدينه وارتباطه الهووي بالجماعة الدينية. فلا يمكن أن يكون مجالا دينيا قادرا أو قابلا لاستيعاب المسيحي أو اليهودي أو الوثني. وضمن المجال المقدّس، يعيد المجتمع ترتيب الفواصل والحدود بين تقسيماته المتأسسة على البعد الديني. فهوية المجال هي هوية مرتاده ومتعاطيه والمتعامل معه. لذا سارعت كل الأديان إلى إحاطة المجالات المقدّسة لديها بمدوّنة رموز تنظم تعاطي الأفراد مع الأمكنة والأشياء والأفعال الموصولة بطبيعة المجال. فجغرافيا المقدّس تمنحنا مورفولوجيا المشاعر تجاه مجالات معيش المتديّن؛ أي موروفولوجيا الخوف والمحبّة والتعلّق والنفور والإقبال والإدبار والقبول والرفض ترافق وتوجّه مورفولوجيا حركة وانتقال الجسد في المجال ضمن الحياة اليومية، وتلوّن تبعا لها تجربته الحياتية والاجتماعية.

يتكثّف الرمز الديني وينحرف عن أصله اللاهوتي ليتوسّع حضوره في أفعال وأشياء وممارسات لم تنصّ عليها التعليمات الأولى المؤسّسة للرمز والمقدّس

أوّلا: "القِبْلَة"[5] في الإسلام وسيميائية المجال في معيش المسلم

إنّ ما يصطلح عليه "بالقِبْلَةِ" في الإسلام يشي بتلوّن الحمولات التاريخية والهووية والرمزية الاجتماعية تستدعي حقول فعل ومستويات متعدّدة لعلاقة المسلم بعوالمه المادية والغيبية عبر ما تبنيه من عوالم رمزية تصنع الحدود والفواصل، وتعيد بناء علاقة المسلم بأشيائه وأفعاله ومجالاته وأمكنته. فثمّة رمزية قوية تتوسّط علاقة الفرد المسلم بمجاله، توزّع أفعاله وحركة تموضع وانتقال الجسد ضمنه بين المقدّس (المقبول والمباح والواجب) والمدنّس (غير المقدّس والممنوع وغير المحمود). فللمجال موروفولوجية لا مادية يصيغها الرمز المقدّس أو المخيال الديني الجماعي للفرد يقيّد فعله ويوجّهه لا وعيا، ويخلق له روتينية تصطبغ بها علاقته بالمجال والمكان وأشيائه.

لا تهيكل "القِبْلًة" سلوكيات المسلم التعبّدية اليومية (الصلاة الفردية أو الجماعية) فحسب، بل تلوّن هوويّا نظرته للحياة وللكون وللمجالات. فتاريخيا مثّل تغيير وجهة صلاة المسلم من بيت المقدّس (البعيد والغائب) إلى الكعبة (القريب والمرئي) حدثا بنيويا أعاد تشكيل علاقة المسلم لا بالمقدّس فحسب، بل خلق للمجال في تمثّلاته وممارساته جغرافية ذهنية تتأسس على تفاضلية دعائمها تعليمات لاهوتية لهذا الدين الرسولي[6] الباحث عن هوية مخصوصة (ارتباطه بالأصول الإبراهيمية) لا تنقطع بها صلته بالأديان الرسولية السابقة بقدر ما تستجدي لها الخصوصية والاختلاف. فأصبحت كل الاتجاهات المجالية غير مسلمة (لا رمزية لها) إلاّ التي تناسلت قداستها من تعليمات النص المؤسس (القرآن والحديث)، وبالتالي تحوّلها إلى رمز ديني جمعوي. فلم تنحصر الفاعلية التوجيهية "للقِبْلًة" في الطقس التعبّدي، بل في ممارسات يومية معيشة أخرجت تدريجيا الرمز الديني من حقل "اللاهوتي" إلى حقل "الثقافي"، ومن المقدّس الثابت إلى التاريخي المتحوّل وبالتالي من الدين إلى التديّن بما هو الشكل الاجتماعي للدين. فأن ينام المسلم راضيا مرضيّا؛ فذلك يعني في مخياله ورأسماله الثقافي أن يوجّه وجهه عند النوم وجوبا أو تبرّكًا او تماهيا إلى اتجاه "القِبْلَة" التي هي اتّجاه الصلاة. وفي ذلك رمزية قوية بما هي دلالة على البقاء في وضعية صلاة؛ أي وضعية عبادة أثناء النوم (الموت الوقتي أو احتمالية موت تنقل المسلم من الواقع المعلوم إلى الممكن المجهول) الذي يتّخذ في تمثّل المسلم دلالة تحرير الروح (عالم الأرواح والغيب) من الجسد (عالم المادة والمحسوس) وتسليمها إلى خالقها قد لا يعقبها حياة دنيوية (انقطاع الزمن غير المقدّس) أو تصنع الموت للنائم المتوفي جسرا نحو حياة أخروية (انتقال إلى زمن مقدس غير دنيوي). فأن يموت المسلم مولّيا وجهه "قِبْلَة" الصلاة فتلك رمزية تحمل رسائل مشفّرة لا يفقه معانيها غير المسلم، تحيل إلى الرضا الإلهي والسعادة الأخروية ونجاح التجربة الدينية للمتوفي على غرار اعتقاد المسلم في أنّ موت المسلم يوم الجمعة أو في رمضان أو الأعياد أو أثناء الصلاة هو عنوان الرضى الإلهي وعلامة التقوى والاستقامة الدنيوية التي يقابلها الفوز والسعادة في العالم الغيبي الموعود به.

يتكثّف الرمز الديني وينحرف عن أصله اللاهوتي ليتوسّع حضوره في أفعال وأشياء وممارسات لم تنصّ عليها التعليمات الأولى المؤسّسة للرمز والمقدّس. فالرمز الديني بما هو استحضار للعالم الروحاني في الحياة الدنيوية يصطبغ بالسياق الثقافي والتاريخي الذي تكوّن فيه ويتلوّن بمضامين تغيّرات هذا السياق الثقافي. فعودة على "القِبْلَة" وانحرافها عن اللحظة المقدّسة المؤسسة وتوسّع استعمالاتها كرمز ديني في التجربة الدينية للمسلم المتعدّد؛ أي المسلمين المنتمين لثقافات متعدّدة ومتنوّعة ومنفتحة على التبدّل والتغيّر التاريخيين، نجد أنّها لا تقف عند الطقس التعبّدي، بل إنّ حضورها توسّع تدريجيا ومنذ اللحظة الإيمانية الأولى (الدين في حضور النبي محمد) إلى اليوم، في كثير من الطقوس الأخرى على غرار الجنائزية. فدفن الميّت أيضا يستوجب توجيه وجهه الذي سيلقى به ربّه إلى البيت الحرام؛ أي الكعبة وجهة المسلم في الصلاة، مثلما أن الذبائح اليومية أو القربانية توجّه نحو "القِبْلَة" لتتّخذ معنى الحلال[7] ومقبولية لاهوتية؛ أي إمكانية تقبّلها من المسلم عند ربّه. فلا يكفي أن تذبح الذبيحة وفق شروط قطع الوريد وإسالة الدم والبسملة والنيّة وغيرها، بل إنّها لا تصبح طقسا إسلاميا، إلاّ إذا اتخذت تموقعا مجاليا معيّنا؛ أي توجيهها نحو "القِبْلَة" (شطر المسجد الحرام)[8] بما يؤسّس لرمزية الفعل المجالي عند المسلم يفيد تأسيس المقدّس عبرها.

تصبح، إذن، هذه الطقوس الدينية المتنوّعة والمتعدّدة في الزمان والمجال إعادة تأسيس للمقدّس عبر إعادة تأكيد هذا الارتباط الرمزي "بالقِبْلَة". فكلّ فعل ديني لا يتّخذ عند المسلم نفس الدلالات والمعاني لانتصاب الجسد في المكان وتقسيمه للمجال. فالصلاة لا تكون إلاّ في مكان يستجيب لكتلة من شروط النظافة الموصولة بالمجال (استثناء المجال المعرّض الأقلّ قابلية للنظافة التي تعادل الطهارة) والمتعلّقة بالإنسان. ولكنّها أيضا لا تستقيم إلاّ إذا توفّر شرط التوجّه نحو زاوية معيّنة من المجال يمنحها المقبولية ومشروعية اعتبارها عبادة إسلامية. فحتّى قراءة القرآن تقترن في تمثّل المسلم وتجربته الدينية بأفضلية الانتصاب في اتّجاه "القِبْلَة" تماهيا مع طقس الصلاة وذبيحة القربانية. تصبح بذلك الكعبة، وجهة المسلم في كثير من طقوسه، محورا.

ثانيا: الرموز المجالية ورحلة الانتقال من اللاهوتي (الديني) إلى التاريخي (الثقافي)

لا تتسيّج القوّة التأثيرية للرمز الديني والمقدّس لدى المسلم بالطقس الديني ومجالاته المخصوصة والمغايرة لمجالات الزمن غير المقدّس. فالرمز الديني يسجّل حضوره بقوّة في متعدّد مناحي معيش المسلم اليومي[9]. وتختلط أو تتداخل ضمن هذا المعيش الدلالات والمعاني المقّدسة والثقافية. فتستحيل مجالات اليومي حقلا لإعادة تأسيس العلاقة بالمقدّس عبر حضور الرمز في المجال وتقسيمه له بين منتمي للزمن الديني والزمن اللاديني، غير أن تحوّل الرمز من ديني إلى ثقافي يضعف الفواصل والحدود بين عوالم الديني واللا ديني وبين المقدّس المدنّس. فالوضوء والاغتسال هو فعل صحي في الأساس، ولكنّه يتّخذ بعدا رمزيا في حضور الطقس الديني. فأن يستحمّ المسلم، فلهذا الفعل الصحي معنى ودلالة رمزية (رمزية الماء) تتلوّن بحسب أسباب البحث عن النظافة. فإذا عقبت عملية الاستحمام الاتصال الجنسي، فإنّها توجب سلسلة من الأفعال والحركات تفاضلية في المكان والزمن لتحقّق من النظافة غير غايتها الصحية أي تتحوّل إلى طقس تطهّر ينقل المسلم من مرحلة دنيوية إلى مرحلة أخرى مقدّسة؛ أي يبيح له الانتقال إلى عالم المقدّس (لمس القرآن وتلاوته/ الصلاة) والنظافة هنا هي رمز للطهارة في الفعل الديني والطهارة شرط لولوج الزمن الديني وعالم المقدّس، يوجب شروطا وطقوسا تشمل المكان والأفعال والحركات والأقوال في تناغم رمزي يجيز للمسلم أن يكون في حضرة الله؛ أي اكتساب مقبولية شغل المجال الديني (المسجد أو الجامع أو فضاء التعبّد عموما)[10] أو التعاطي مع طقوسية أشكال العبادة الموصولة بها، مثل العبادة الشفوية (الدعاء وقراءة القرآن). غير أنّه مع الوقت تهترئ هذه الحدود والفواصل التي يرسمها الرمز الديني بتنوّع أشكاله وحقوله بين الديني والثقافي لتتداخل وتتنافذ بشكل يتلوّن معه اليومي بالمقدّس، ويحمل المقدّس أشكالا وتعابير ثقافية ورمزية تغلّفه وتوهن نقاوته التي توصله بأصوله الدينية. فيصبح المسلم حاملا عبر الطقس الديني ورموزه لعناصر ثقافية يعيد إنتاجها ورسملتها رمزيا، ويجهل أحيانا كثيرها مصادرها ومدلولاتها التاريخية.

وإذا عدنا إلى "الكعبة" لا كمحدّدة لتصوّرات والتمثّلات المسلم للعالم وللفواصل بين الدنيوي والروحي، فإننا نجد أنّ موروفولوجيا حركة الجسد وانتقاله في المجال أي ضمن حول هذا البيت العتيق المتحوّل إلى رمز الدين الجديد، تكون دائرية، رغم شكل البيت المربّع. فالشكل الدائري أكثر قدرة على ملء وشغل المجال بوجود وحركة الجسد البشري، فكأنّما هي في الحقيقة رمز لرغبة المسلم في أن يتطهّر ويتقّدس عبر التواجد في كل نقطة ضمن المجال المقدّس أو رغبة في الكمال والالتحام بالله كما في الفهم الصوفيّ للدوران أو كما يذهب إلى ذلك هشام جعيط[11] إلى كونه طقس من طقوس تطهير لا الجسد، بل المجال (البيت ومحيطه الفارغ). فالطقس الديني هنا لا يحافظ على أصوله اللاهوتية، بل ينفتح على رمزيات تشي تنوّع وتلوّن المرجعيات والسياقات الثقافية الموجّهة والضابطة للفعل الديني ولأفهام المسلمين لهذا الرمز الديني المشترك وغيره. فلا مشترك في الممارسة إلاّ الشكل. أمّا المعاني والرموز، فتتلوّن بالمعطى الثقافي التاريخي الذي يحيلنا إلى تعدّد مدلولات الرمز الديني المشترك ثقافي البراكسيس. فالطواف بالكعبة ليس طقسا إسلاميا خالصا، وليس استثنائيا محمديا، بل إنها طقوس تعبدية إبراهيمية تواصلت ضمن المجتمع "الجاهلي". فالكعبة كانت رمزا دينيا للقبائل العربية يحمل معنى البيت الأرضي للإله المتعالي في السماء، وهو ذات المعنى الذي يحمله المسلم ويتناقله إلى اليوم من أنّ الكعبة محور الكون لا الأرض فحسب، بما أنّها نظيرة بيت سماوي يقابلها علوّا (اللوح المحفوظ). كما أن طقوس الحج ورموزه يحتفظ في جانب مهم من نسخته الإسلامية على العادات القديمة لما قبل الإسلام، ولكنّه ينحرف بمدلولاتها الأصلية في سياق إعادة تأسيسه للمقدّس الذي يمرّ دائما بإعادة ترتيب المجال بالنظر إلى المقدّس. فالمدينة قديما تكوّنت حول بيت الله الأرضي، وشكّلت مجال جذب عبر شعيرة الحج التي تعيد إنتاج مركزة المجال في محور اهتمام القبائل العربية ما قبل الإسلام. لذلك انحرفت الشعيرة عن أصولها الإبراهيمية التوحيدية لتنفتح على شعائر وثنية تقوم على تعدّد الآلهة. لذلك أحاطت العرب الكعبة بأصنام تحيل إلى تعدّد آلهة العرب، وليستجيب المجال لهذا التعدّد ويحافظ على ديناميته الجاذبة للبشر والمال. فالرمز الديني للكعبة قبل الإسلام تعدّدي من جهة استيعابه لتعدّد الآلهة وتعدّد وظيفة المجال المحيط بالبيت الإلهي، ليشمل الأبعاد التجارية والعسكرية والسياسية. لذلك اشتدّ الصراع بين صاحب الرسالة الدينية الجديدة، وبين سادة قريش حول المجال الديني الذي يمنح المهيمن السلطة والقوة والسيادة. ولذلك تمحور الحدثان المحوريان في تاريخ الرسالة المحمدية حول مكة؛ تمثّل الأوّل في تحويل وجهة الطقس التعبدي (الصلاة) نحو الكعبة، وبالتالي تغيير رمز البيت ودلالاته الدينية والتاريخية في حركة تعيد بناء المقدّس عبر إعادة تثبيت رباطه الإبراهيمي (التوحيدي). أمّا الحدث الثاني، فتمثّل في فتح مكة الذي شكّل حدثا أنتج تغيّرا هيكليا في ميزان القوى بين الإيمان والكفر وانطلاقة جديدة ومختلفة بكل المقاييس لتثبيت الدين الجديد، وتوسيع إمكانية انتشاره وعقده التحالفات الجديدة التي تمنحه الامتداد المجالي والجغرافي الذي يبتغيه. فالدعوة المحمدية انطلقت من المدينة (مكة) واستمدت أوّل تحالفاتها القوية مع الهجرة نحو المدينة أيضا (الحبشة)، وامتلكت مقوّمات القوة والتنظيم العسكري والسياسي في المدينة المنورة (يثرب) التي احتضنت المرحلة التأسيسية لهذا الدين الجديد. وقد اتخذت بذلك المدينة في كل المراحل الأولى لانتشار الإسلام رمزية قوية.

إن تحوّل الرمز من ديني إلى ثقافي يضعف الفواصل والحدود بين عوالم الديني واللا ديني وبين المقدّس المدنّس

خاتمة:

تتوثّق صلة الفرد المؤمن بدينه عبر الرموز الدينية وطقوس ممارستها، غير أن التجربة الدينية للمسلم تظلّ مفتوحة باستمرار على تعابير ثقافية أخرى تتسلّل إلى حقل الديني من خلال بحث المسلم على إثبات تعلّقه بالرمز، فيضيف عليه من الأشكال والصور والعلامات ما ينحرف به عن أصوله اللاهوتية وخصوصيته المرتبطة بسياقها الثقافي الذي ظهرت فيه. من هنا تسّلت إلى الطقوس الدينية والرموز المتّصلة بها ممارسات وثنية تعود إلى ما قبل الإسلام أو إلى ثقافات أخرى. ولعل أكثر الأبعاد تأثّرا بهذه الدينامية الثقافية التاريخية التي تطبع وتوجّه التجربة الدينية للسلم تلك التي تتصل بتمثّلات المجال واستعمالاته التي تلوّن رؤية المسلم للعوالم التي يعيشها ويحيا ضمنها. ولذلك، فإن دراسة الرموز الدينية تستوجب مقاربة أنثروبولوجية دينية تحفر في أصول الأشكال والعلامات والرموز وتطوّرها وانتقالها بين الثقافات حتى يفهم المسلم بعمق حدود التماس بين دينه (التعاليم) وتديّنه (براكسيسه اليومي)، وبين لاهوته (المقدّس) وثقافته (الإنساني والتاريخي). فالدين تاريخ والتاريخ يجرّ النص المؤسّس للمدوّنة الدينية إلى معقوليته التي تضعنا أمام تطوّر العلامة وتسلّل الرموز الثقافية التي هي نتاج تغير اجتماعي تاريخي إلى الرمز الديني الذي يعيد تأسيس علاقة الفرد المسلم بمجاله اليومي والمناسباتي، الديني واللاديني، المقدّس والزمني. ولا تحافظ هذه المجالات على وضوح حدودها وصلابتها دائما، بل إنّ التبادل بين الثقافي والديني يبرّر إخضاع التراث الديني وما يحيلنا إليه من علامات ورموز إلى مراجعات مستمرة من أجل رصد ما يتغيّر وما يستمرّ في تاريخنا وفي واقعنا.

  


[1] Godelier. Maurice, L'imaginé, l'imaginaire et le symbolique, Paris, CNRS Éditions, 2015

[2] Dortier. Jean-François, Le Dictionnaire des sciences sociales, Paris, Éditions Sciences humaines, 2013

[3] بوعزيزي. محسن، السيميولوجيا الاجتماعية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010

[4] Dortier. Jean-François, Le Dictionnaire des sciences sociales, op cit

[5] القبلة هي الاتجاه الذي يجب أن يستقبله المسلم أثناء القيام بطقوس دينية مختلفة مثل الصلاة وقراءة القرآن ودفن الميّت أو ذبح الحيوانات وغيرها

[6] زيدان.يوسف، اللاهوت العربي، دار الشروق، القاهرة، 2010، ص 20-23

[7] اليحياوي. شهاب، المنتج "حلال" أسلمة التجارة أم تتجير الإسلام؟ نحو ديناميكيات معولمة للتوسّع الديني، مؤمنون بلا حدود، ديسمبر 2019، https://www.mominoun.com/articles

[8] سورة البقرة. الآية 144

[9] الهرماسي. عبد الباقي "علم الاجتماع الديني: المجال-المكاسب-التساؤلات"، الدين في المجتمع العربي-كتاب جماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 2000، ص 16

[10] الهواري. مختار عادل، "الأصول الاجتماعية التاريخية للظاهرة الدينية: نموذج المسيحية في أوروبا"، الدين في المجتمع العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 2000، ص 69

[11] جعيط. هشام، في السيرة النبوية 1: الوحي والقرآن والنبوة، دار الطليعة، بيروت، 2008، ص 104