الأصولية والحرمان الجنسي: المرأة في مواجهة الفتاوى

فئة :  مقالات

الأصولية والحرمان الجنسي: المرأة في مواجهة الفتاوى

لماذا المرأة؟؟

قيل الكثير وما زال يقال عن قضية المرأة وحقوقها وظروفها وحضورها وغيابها، ليتبيّن أنّها الجرح الغائر في هذا المجتمع، والقلب النّابض الذي لا يريد أنْ يتوقّف إلاّ مع آخر إعلان يسترجع فيه ما تبقّى من إنسانيته. هنا وهناك وفي قلب كلّ مجتمع أسئلة لم تعلن عن هويتها بعد، أو لنقُلْ بتعبير أدقّ لا تريد الكشف عن وجهها في مجتمع يفضّل الصمت على الكلام، والجواب بدل السّؤال، وإغماض العيون بدل فتحها، حيث يتوجّب ذلك. لم تكن المرأة يوماً إلا ذلك السّؤال الحارق الذي يسائلنا جميعا، ويقيس خصوبة تفكيرنا، ويضعنا أمام المحكّ الحقيقي لكلّ شعاراتنا الزّائفة. ربما نتكلّم كثيرا، ولكنّ الأخطر هو أنّنا وخلال مسارات تشكّل وعينا الذّكوري لا نفعل تّجاه هذا الموضوع إلاّ القليل. ربّما خوفاً من خدش تلك الصّورة المعيارية للرجل، وربّما لأنّ المجتمع أَلِف منذ تحوله إلى صفّ الرجل أنْ يقدّم نفسه، باعتباره الوصيّ والحاكم والآمر والنّاهي والمنتهي في قضية المرأة. وربّما لأنّنا تَعلَّمْنا كيف نخاف (ثقافيا / سياسيا / اجتماعيا / دينيا) لكي نهدر ما تبقى من إنسانيتنا. تعلَّمنا كيف نضبط سلوكنا ونوجّهه وفق المرسوم والمسموح به لنا. تعلَّمنا كيف نرتدع ذاتيا، ونمارس الرّقابة على أنفسنا، وندرك بأنّ لكلّ سلوك كلفة cost of behavior. تعلّمنا أنّ ما يمارسه الجلاّد علينا ليس مجرّد تأديب، أو قتل، أو حتى تفنّن في التّعذيب. إنّه تحويل الفضاء الإنساني إلى مجال حيوي يطبعه التّهديد. ومن هنا نفهم حضور العقاب أيضا في الموروث الدّيني.

يجعل الهوس الذّكوري من المرأة مادّة للإخضاع، أو وسيلة لإبراز الجنون الذّكوري وهو هوس تشترك فيه كلّ الأصوليات سواء الدّينية أو العرقية والقومية

لا بدّ من الاعتراف، ولا بدّ من الوقوف أمام الذّات لا لمحاكمتها، أو جلدِها. ولكن فقط لتعريتها أمام عيوبها. لعلّها تسترجع التّاريخ من منظور آخر لا قدسية فيه إلا لما يحقِّق إنسانيتنا الضّائعة. وكذلك لتقرّ بأنّنا تعرّضنا لهدر إنساني، أو عملية قرصنة ممنهجة أضاعت منا بوصلة الأمان. وما يدلّ على ذلك هو هذا الاستسلام الجماعي للإنسان، وانبطاحه أمام أفكاره ومسبقاته وثوابته، حيث يساق إليها طوعاً أو كرهاً بفعل هذا التّراجع والتخلّف عن الرَّكب. الخوف والتردّد من ملامسة المسكوت عنه مهمّة صعبة في واقع ثقافي مغلق، يقف فيه الباحث عاجزاً عن إدراك حجم التّحريم والتّأثيم والتّجريم الّذي تمارسه الثقافة لضمان استمراريتها وبسط نفوذها على هذا الكائن الإنساني، في رغبة ملحَّة وأبدية هدفها التّكرار من أجل الاستمرار. ولا ضير ما دامت وظيفة كلّ فكرة مغلقة، هي أنْ تنزَع بالإنسان ليكون فردا ضمن قطيع، بدل أنْ يجترح مواطن السّؤال، يتحوّل همّه إلى البحث عن إجابات نهائية، وهنا يقع ضحية الإيديولوجيات، والسّرديات الكبرى، والأسطرة، والتّفكير من داخل صندوق الحقيقة أو التّفكير من داخل النّسق الفكري الذي ينشأ فيه الإنسان.

إنّ حضور المرأة في ذهنية الأصولي - باعتبارها عصب تفكيره، أو مركزاً لدورانه - هو حضور لا يفهم من حيث المكانة الاعتبارية التي تحتلها، ولا لأنّ فكره الذّكوري يسمح بمنحها ما تستحقّه، أو على الأقلّ ما يجعلها في مصاف الإنسانية المساوية له. هذا الهوس الذّكوري أو الهوام الذّكوري كما يسمّيه مصطفى حجازي[1]، يجعل من المرأة مادّة للإخضاع، أو وسيلة لإبراز الجنون الذّكوري أو ما يمكن تسميته بفوبيا المرأة، وهو هوس تشترك فيه كلّ الأصوليات سواء الدّينية أو العرقية والقومية، حيث تتشابك هذه الأصوليات بداية في إسقاط كلّ مظاهر الضّعف والشّيطنة والخبث والكيد على المرأة، وتنتهي بإعلان الحرب الخفية والمتسترة بالخوف عليها بدلاً من الخوف منها. ولأنّ عملية الإسقاط تخضع لمنهجية صارمة تصير فيها المرأة مصدر كلّ نزوة وشهوة، فإنّ الأصولية تفرض على المرأة منطق القيود، والمنع والحجب: "ومن المعروف في سيكولوجيا الأعماق أن تصعيد الميول المتطرفة والذوبان في الجماعة الذكرية يمر بقمع الميول العاطفية: الحرب ضد الحب، أو تحويل المرأة إلى أداة متعة المحارب في لحظات راحته"[2]. كما يمكننا أنْ نفهم هنا بأنّ حب التملّك الذي تحظى به المرأة في ذهنية الأصولي نابع أيضا من أنّه ينظر إليها على أنهّا وسيلة لتعزيز قوّة الفكر الأصولي الدّاخلية، وتعزيز أواصر اللُّحمة مع باقي الأصوليات أو العصبيات المنافسة. وكأنّ هذا التّدبير المتطرف والمتزمِّت لا يرى لوجوده معنىً إلا من خلال علاقة التّغييب الممنهج، فكلّما زاد التغييب، زاد الحضور الذّكوري سيادة وسطوة. وقد تلعب المرأة دوراً قياديا من موقع الضحيّة داخل هذا الفكر الأصولي، فتتماهى مع المتسلّط الذّكر في المواقف والسّلوك، حيث يتمّ تعزيز كلّ القيم المفروضة عليها وعلى جسدها، وتدخل في حالة حربٍ معلنة مع الجسد والرّغبة. وهذا ما يسمّى في علم النّفس بالتّماهي بالمتسلط[3]، ويتمّ ذلك عبر ثلاثة أشكال: التّماهي بأحكام المتسلّط، التّماهي بعدوانه، والتّماهي بأسلوبه الحياتي ومُثله العليا وقِيمه. فلكي تتماهى المرأة بأحكام المتسلّط يلزمها استبطان كلّ القيم الذّكورية العدوانية والمسلّطة عليها، وتوجيهها إلى الذّات في شكلِ إحساسٍ مزمن بالذّنب، وتبخيس لقيم الذّات. أمّا عن التّماهي بعدوانه، فيتركز أساساً بتسليط المرأة كلّ عدوانيتها على الأقلّ منها ضعفا، وربّما يكون الأبناء هنا هم الضّحايا. أمّا التماهي بقيم المتسلّط ومُثله العليا، فيكون عبارة عن حالة ذوبان في عالم المتسلّط، بالتقرّب من أسلوبه الحياتي، رغبة في حلّ مأزقه الوجودي، أو تشخيصاً وهميا لجبروته وقوّته.

الأصولية تعبيرٌ عن حرمان جنسي:

بهذا العنوان المستفز، يؤكّد عبد الصّمد الديالمي على ربط الأصولية بالعامل الجنسي، وهو ربطٌ يبدو منطقيا إذا ما استحضرنا الواقع الذي يشهد عليه. وبعيداً عن المقاربات الاختزالية أو الأحادية التي كانت ترى فقط في الفقر والظّروف السّياسية المنشأ الوحيد للأصوليات وأشكال التطرّف، فإنّ الواقع يؤكّد في الكثير من الأحيان عكس ذلك. فليس معنى أنْ تكون متطرّفا أو أصوليا أو إرهابيا أنْ تكون مجنوناً، أو محروماً اجتماعياً، أو مقموعاً سياسياً أو عاطفياً، بالرّغم من أهمية هذه الشّروط لتشكيل حاضنة يؤسِّس عليها العقل قابليته للتطرّف. وهذا ما أكّد عليه جيرالد برونر وينسحب على مجموعة من المتطرّفين من جهاديي القاعدة وداعش والإخوان المسلمين، إلى هواة التّجميع القهري للعاديات والصّور المستعملة، إلى عاشقي بعض الفنّانين المعاصرين. لكنّ التطرّف ينبت فينا كما يرى برونر، لأنّنا مجتمعات اعتقاد بالرّغم من الطفرة العلمية الكبيرة التي حقّقها الإنسان المعاصر، حيث قال برونر: "مهما كان التقدّم المحرز في المعرفة الإنسانية، فإنّ الفرد يظلّ ما كان عليه دائماً؛ أي فرداً محدود القدرات على المعرفة بحدود لا يمكنه تجاوزها، ولا إمكانيّة لأيّة علاقة للإنسان مع العالم إلاّ بطريقتين: المعرفة أو الاعتقاد[4]".

يصر الديالمي[5] وفي مقاربته الكثير من الصواب على أنّ العالم العربي ما زال يعرف حضوراً مركزيا للمرأة، حيث يثير سلوكيات ذكورية عنيفة تنطلق من النّظرة المفتِّشة الملحّة، لتنتهي بالاغتصاب مرورا بالمعاكسة والتحرّش. لسببٍ بسيط أشرنا إليه سابقاً، وهو أنّ الشّارع العربي أو الذّكر داخل مجتمعاتنا يجعل المرأة في قلْبِ الحدث الأخلاقي؛ أيْ إنّها المسؤولة الأولى على كلّ انحلال أو تفسّخ أو تفكُّكٍ اجتماعي، وهي الذّهنية الأصولية التي تحدَّثنا عنها سابقاً. وأمام هذا التّحليل يؤكِّد الدّيالمي أنّ هذه الذّهنية سادت في المغرب، وما زالت منذ زمن بعيد، ولعلّ أهم شاهد هو ما عرفه المغرب في القرن السّادس عشر الميلادي أو العاشر الهجري. فبالرغم من وجود علامات فارقة في الفقه الإسلامي أثناء هذه الحقبة التّاريخية، إلا أنّ هذا القرن عُرِف بكونه مسرحاً لانحلال جنسي بدون حدود، وفي الوقت ذاته منتجاً لفقه إصلاحي متشدّد طهراني، حيث غيرة الرّجال تلاشت، والاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة ازداد، والأعراس شهدت مناكر متعددة. هذا الواقع حسب الكثير من المؤرخين الاجتماعيين قاد فقهاء العصر إلى الإفتاء بالضّعيف، وهو العصر نفسه الذي ظهر فيه عبد الرحمن المجذوب، وعلاقته المتوتّرة والمأزومة بالأنثى؛ تلك العلاقة التي خلَّفتْ أثرا عميقا في ذهنية الرّجل المغربي، عبر ما تمَّ تكريسه من خلال ما سمّي بـ "رباعيات عبد الرحمن المجذوب"، التي شكَّلَت الملاذ الأول للإنسان المغربي بمختلف مستوياته الثقافية والفكرية وبمختلف شرائحه الاجتماعية. ظلت هذه الرباعيات المصدر الأساسي للذَّكَر المغربي ونظرته للأنثى بعيدا عن تهليلات السّياسة ولعبة الحقوق، فبها ومنها وعبرها كان يشكِّل الصّورة النّمطية لهذه العلاقة المهزوزة والشّبه عدائية، ولو جمع بين الذكر والأنثى سقف واحد وأطفال وأسرة واحدة، فلن تُغيَّر الصورة ما دامت حكمة عبد الرحمن المجذوب المروية، وحكاياته لغرائب النساء تدور كلها في فلك عقدة الأنثى في الثقافة المغربية. أضف إلى ذلك أنّ بعض الفقهاء قالوا بحلية إتيان الأم والأخت.

إنّ تحميل المرأة مسؤولية كلّ انحلالٍ خلقي داخل المجتمع، هو تحليل بحسب الديالمي راجع إلى سيادة المنطق الذّكوري، وهو مجانب للصّواب التاريخي. فالمشكلة في القرن السّادس عشر كانت سياسية بامتياز، حيث تمزّقت السّلطة السّياسية بين الوطّاسيين والسّعديين، علاوة على احتلال المدن الشّاطئية من طرف البرتغال. لكنّ العقل الأصولي يتجاوز كلّ المعطيات التّاريخية ويحاول أنْ يلبس كلّ مآسيه إلى المرأة، فهي عنوان كلّ فجور وفسق وتفكّك حاصلٍ أو قد يحصل اجتماعيا. والسّؤال اليوم هو كيف تقبل المرأة نفسَها بهذا الواقع لتصبح مادة أصولية بامتياز، يعمل الكلّ على وأده من المجال العام والخاص بطرق مختلفة؟. هنا يقترح الدّيالمي فرضية التّرابط بين الشّخصية الأصولية المتشدّدة، وبين الحرمان الجنسي انطلاقا من خمسة براهين نظرية وإمبريقية[6]:

البرهان الأول: يكمن في البرهان الذي أقامه فيلهم رايخ انطلاقا من تجربته الإكلنيكية التي قارن فيها بين الزّهد في الحياة، وبين اضطراب التّجربة الجنسية. وهذا ما قاده إلى اعتبار النّزعة الصّوفية حنيناً لا شعوريا إلى لحظة الذّروة الجنسية.

البرهان الثاني: وضعه عالم نفس اجتماعي أمريكي اسمه والين، مفاده أنّ تديّن الزّوجات الأمريكيات يهدف إلى تقليص انعكاس المفعول السّلبي لحرمانهن الجنسي على حياتهن الزّوجية؛ أي إنّ التدين هنا تديّن تعويضي.

البرهان الثالث والرابع: توصل إليه العالم كينزي وماسترز وجونسون، ويبيّن بدوره الرّابط بين الاضطرابات الجنسية، وبين ارتفاع الممارسات الدّينية.

البرهان الخامس: للعالم الألماني هلموت رايش، ويبين كيف أنّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصّعبة تساعد على ظهور أخلاق جنسية متشدّدة.

الفتاوى الجنسية أو نحو تسليع المرأة إسلاميا:

يمثِّل موضوع "الفتوى" بعداً من أبعاد الامتداد الثّقافي والفكري والديني، أو ما يعبَّر عنه بحركة التّثاقف. فالدِّين واحد في بنيته، والوقائع مختلفة، والأحداث قابلة للتّبديل والتّغيير. فلو أمعنّا النّظر لوجدنا بأنّ مختلف الأفكار، والتصوّرات، والعقائد نتقاسمها مع غيرنا من أتباع الديانات السماوية، وبأنّ المؤسَّسات الفقهية لم تنفصل بتاتاً عن الهيمنة عن الحقل الديني، وإنْ أخذَت أشكالاً متعدّدة. فالأحبار، والرهبان، والفقهاء، والمفسِّرون، وغيرهم عناوين لهذا الكهنوت، أو المؤسَّسة الدّينية بتجلياتها المختلفة. والفتوى هي ذلك الإطار الذي يتتبّع المتديّن ليرسُم له معالم الطريق، ويعطيه الحُكم في مختلف النّوازل والحوادث المستجدّة، وكأنّها عملية تكييف مرحلية من المؤسسة الدينية مع التطوّرات اللاّمحدودة للواقع.

حب التملّك الذي تحظى به المرأة في ذهنية الأصولي نابع من أنّه ينظر إليها على أنهّا وسيلة لتعزيز قوّة الفكر الأصولي الدّاخلية، وتعزيز أواصر اللُّحمة مع باقي الأصوليات أو العصبيات المنافسة

أمّا الجنس وإنْ كان ذلك الممنوع غير المرغوب فيه لدى الكثير من صنّاع الفتوى أو تجّار الدّين، إلا أنّ الاهتمام به، وإعادة تشكيله، وترسيمه في العقل المسلم بوصفه الإثم الكبير، والذّنب الذي لا يغتفر، يعتبر مؤشِّرا حقيقيا على ما أكّدنا عليه سابقا من كون أنّ الأصولية الدّينية هي تعبيرٌ عن حرمان جنسي. والنّاظر في شكلِ هذه الفتاوى من غضّ البصر إلى تحريم الاختلاط وعدم جواز السّفر دون محرم، وحرمة المصافحة يتبيّن له بأنّنا بإزاء: "سطحية في التّفكير مقيّدة بحدود النصّ، وهما سمتان تمتاز بهما منتجات سوق الفتاوى الجنسية بشكل عام، ولكنّ الفتوى الجنسية تمتاز بصفة أخرى هي الهاجس المرضي من انتشار الفحشاء في المجتمعات المسلمة مع الإصرار على المؤامرة التي يحيكها الغرب ضدّ المسلمين"[7]. وفيما يلي بعض الفتاوى المثيرة للجدل:

فتوى رضاعة الكبير: والتي تستند إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن واقعة سالم مولى أبي حذيفة.

حرمة خلع الملابس أثناء المعاشرة الزوجية: أصدرها أحد الأساتذة في جامعة الأزهر.

- فتوى ختان الإناث: رفض أحد شيوخ الأزهر منع بعض الأطباء ختان الإناث، وأعلن أنّ ختان الإناث من شعائر الإسلام.

عدم جواز الجلوس على كرسي كانت تجلس عليه امرأة إلا بعد مضي 5 دقائق تقريبا.

حرمة مصافحة المرأة: وهذا أمر شبه متفق عليه بين مختلف رجال الدين.

حرمة نظر الشخص إلى أعضائه التناسلية: لأنها تثير الشهوة، وتحرّك الغريزة.

في السياق المغربي، يؤكّد إدريس هاني من خلال كتابه سرّاق الله[8]، ورصده للتّجربة الإسلامية داخل المغرب بأنّ الهوس الجنسي بلغ ذروته مع المدّ الوهّابي. ولعلّ الزمزمي المثال الحيّ للفقيه الحنبلي، والوهابي الاعتقاد. فلقد تخصّص هذا الأخير فيما يسمّى بالفتاوى الجنسية، حيث تحدّث عن جواز استعمال الفواكه والخضر والأدوات المنزلية والدّمى في إرواء الحاجة الجنسية عند الجنسين، كما أنّه أفتى بجواز إتيان الرّجل لجثة زوجته الميّتة. كما أنّ المغراوي أجاز حسب الفقه الوهابي زواج الطفلة ذات التسع سنوات. والأخطر في هذه المعادلة ليس هو الفتاوى فحسب، بل تحوّل الفتوى إلى استراتيجية جديدة من أجل التّغلغل الوهّابي، والتّرغيب في الاستقطاب النّاعم. فحينما أدركت الوهابية أنّ نقطة ضعفها تكمن في هذا الحظر والمنع الجنسي، وضعت خطة بديلة للتّنفيس والتّعويض عن طريق التدليس، إذ لا يمكن أن تقنع الشّباب بالصيام وتتمتع بالنّساء مثنى وثلاث ورباع. أمّا ابن عبد الوهاب صاحب المذهب الشهير نفسه، فلقد تمتّع بصفية وآسية كما روت ذلك مذكّرات مستر همفر.

لم يتوقف الأمر هنا حسب هاني، فلقد بدأت الوهابية تصدِّر إشكالياتها إلى خارج البقعة المطهّرة للتّنفيس الجنسي، ما دام الرّيع الوهابي يبدأ من التطرّف الدّيني وينتهي بالتطرّف في الإثارة، من خلال امتلاكه لغالبية وسائل الإعلام سواء الدّينية، أو التي تلعب على وتر الجنس والجسد والرّغبة. هذا الواقع لا يمكنه إلا أنْ يفرز الهشاشة النّفسية والاجتماعية، ويولّد العنف باعتباره صيغة تعويضية على الجنس. فالإرهابي الوهّابي يمارس عدوانيته وفي مخيّلته أنه يقدِّم مهراً للظّفر بحور العين، والتمتّع بالجنس الأخروي. إنّ الزائر لمراكز القرآن أو دور القرآن باعتبارها بوابات المدّ الوهّابي بالمغرب، يكتشف أنّ لهذه الدّور مآرب أخرى بالنّسبة إلى الزّائر الوهابي: فهناك تتعزّز العلاقات العامّة، وهناك تتوطّد العلاقات الجنسية، ولا أدلّ على ذلك أنّ بعض الشيوخ أنفسهم زاروا المغرب وتم تزويجهم بمغربيات صغيرات في السنّ كما فعلوا ذلك مع القرضاوي تعويضا له عن زوجته الجزائرية. وأيضا كما فعلوا مع الصحفي المصري في قناة الجزيرة أحمد منصور، حينما تمّ تزويجه بعقدٍ عرفي غير معترف به في المغرب. كما أنّ هناك ظاهرة جديرة بالدّراسة، وهي التّعاطي الوهابي مع حرفة الرّقية الشّرعية، فقد تعاطى الوهابيون الصّغار هذه الحرفة إيماناً منهم بقدرة الجنيّ على التلبّس بالجسد الإنساني، وكذلك هي فرصة للتّعاطي الجنسي مع هذا النّوع من النّساء. كما أنّ النّساء أنفسهن أصبح هذا النّوع من التّدليس بالنّسبة إليهنّ فرصة للظّفر بالزوج أو ممارسة الجنس. المهم أن هذا العالم من الخيال الجنسي، والهوس الدراماتيكي بالمسألة الجنسية، والشّبق الفكري بالفتوى يوضِّح لنا الاضطراب الحاصل في هذه العقلية الجنسية، ويؤكّد صحّة الافتراض القائل بأنّ الأصولية بتنوّع أشكالها هي تعبيرٌ أو تعبيرات عن حرمان جنسي.


[1]- انظر ما كتبه حجازي، مصطفى. حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوة الأصولية. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط1، 1998. ص 119

[2]- نفس المرجع. ص 120

[3]- حجازي، مصطفى. التخلف الاجتماعي. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط9، 2009. ص 127

[4]- قراءة في كتاب الفكر المتطرف كيف يصبح الناس العاديون متطرفون، ترجمة محمد أحمد سالم. على الرابط التالي:

http://www.mominoun.com/articles/الفكر-المتطرف-كيف-يصبح-الناس-العاديون-متعصبين-2621

[5]- الديالمي، عبد الصمد. المدينة الإسلامية والأصولية والإرهاب: مقاربة جنسية. دار الساقي مع رابطة العقلانيين العرب. ط1، 2008. ص 81

[6]- المرجع السابق. ص 86

[7]- واثق، غازي. الدين واحتكار الحقيقة: آراء في نقد التفكير والسلوك الديني. بيروت. مؤسسة الانتشار العربي. ط، ص 123

[8]- هاني، إدريس. سراق الله. الإسلام السياسي في المغرب تأملات في النشأة والخطاب والأداء. دون دار نشر أو تاريخ أو طبعة. ص 238