الحريات الدينية في المغرب

فئة :  مقالات

الحريات الدينية في المغرب

لماذا يغير بعض المغاربة دينهم من أجل اعتناق المسيحية مثلا؟ أو من أجل التشيع عوض تسننهم الأصلي؟ هل يشكل التحول الديني أو المذهبي تتويجا لتجربة روحية باسم حرية الضمير؟ أم التحول (conversion) يعود في الحقيقة إلى إغراء تبشيري مادي أو إلى انجذاب إيديولوجي سياسي؟ ما وقع التحول الديني أو المذهبي على حياة المتحول دينيا أو مذهبيا؟ وما هو موقف المجتمع المغربي من المتحولين (convertis)؟ ماهي المشاكل والمخاطر التي يتعرض لها المتحولون؟ وهل يجوز قانونيا للمغربي المسلم أن يتحوّل دينيا أو مذهبيا في المغرب؟ هل يمكن له أن يجاهر بحرية ودون خوف عن تحوله؟ وهل يمكن له أن يمارس طقوسه العبادية بحرية في الفضاء العمومي؟ ماذا إذن عن موقف السّلطات العمومية من المُتحولين؟ وقبل هذا وذاك، هل تسمح التقديرات الإحصائية بالحديث عن التحول الديني و/أو المذهبي كظاهرة اجتماعية في المغرب يواجه المغرب بسببها إشكاليات ثلاث: إشكالية تشكل التعدد (pluralisation) الديني كصيرورة لا مفر منها، إشكالية التعدد (pluralité) الديني كواقع أصبح قائما، إشكالية التعددية (pluralisme) الدينية كنظام نسقي آت لا محالة؟

تلك هي مجمل الأسئلة التي نحاول الإجابة عنها في هذه الورقة التركيبية بالاستناد إلى المعطيات العلمية القليلة في حقل سوسيولوجيا الدين في المغرب.

دوافع التمسح

لماذا يعتنق بعض المغاربة المسلمين السنيين المسيحية؟ لماذا يفضلونها على الإسلام؟

على رأس الدوافع في الانتقال من الإسلام إلى المسيحية تأتي دوافع مادية بحتة. وهذه بعض الشهادات من عينة القائلين بالدافع المادي. فهذا طالب يصرح قائلا: "اعتنقت المسيحية لأسباب مادية، ولكي أهاجر إلى أوروبا... فقد اتصلت بي جمعية بروتستانتية عبر الإنترنيت، وبعثت لي هدايا... لكني أحب أفكار المسيح... واكتشفت أن المسيح منقذ...". وهذه امرأة شابة دون عمل تعترف أيضا بنفس الشيء قائلة: "اعتنقت المسيحية قصد تسوية وضعيتي في إسبانيا، حتى أقترب أكثر من الشاب الذي أريد الزواج منه".

وتأتي الدوافع الروحية في المرتبة الثانية، حيث يقول في هذا الصدد باحث مغربي مسلم اعتنق المسيحية: "المسيحية دين أكثر سلاسة، فهي لا تفرض طقوسا يومية كثيرة، وهي تقبل الآخر كما هو، ودون شروط". وفي نفس الاتجاه، يقر طالب أنه عند مخالطته للمسيحيين، اكتشف "حسهم الإنساني وسُمُوهم الأخلاقي"، ثم إنه يجد رفاهه في المسيحية. ويختتم قائلا: "أثناء حلم، طلب مني المسيح أن أغير ديني إلى المسيحية، فغيرته". أما ضابط شرطة، فيقر أنه اعتنق المسيحية ليثور على دينه الأول؛ أي على الإسلام لأنه دين متشدد.

وفي المرتبة الثالثة، ذهبت أقلية من المبحوثين إلى القول بدوافع متعوية وراء تمسحها، حيث أقر طالب بأن اعتناقه للمسيحية كان قصد "التحرر من التشدد الإسلامي في حقلي الكحول والجنس".

بديهي أن جل الشهادات أعلاه تبين قوة الدافع المادي المصلحي، ومحاولة تغطيته أو تجاوزه بفضل الإقرار بتفوق المسيحية الروحاني. وتبين أيضا عن جهل البعض عند القول إن المسيحية أقل تشددا من الإسلام في الحقل الجنسي، وهو ما يدل على الخلط بين المسيحية والغرب الحداثي، وما يدل أكثر على قوة الدعوة/الدعاية الإنجيلية التبشيرية. فالبروتستانيون الإنجيليون بالخصوص يستعملون فعلا وسائل مختلفة للدفع بالمغاربة إلى تغيير دينهم واعتناق المسيحية الإنجيلية. من بين تلك الوسائل، خلق مواقع إلكترونية خاصة بالمغاربة، مثل lovemorroco.net وMOVEME GOD. وهناك أيضا مبشرون يجولون أنحاء المغرب من أجل توزيع مناشير على الشباب، وهي مناشير تبسيطية تعد بحياة أفضل وبعالم كامل الأوصاف بفضل تفوق المسيحية. علاوة على ذلك، تقدم الدعوة الإنجيلية خدمات صحية وخيرات مادية مباشرة (مال، ألبسة، أطعمة...). وطبعا تقدم وعودا بتكوين عالٍ وبالهجرة إلى أوروبا وإلى أمريكا الشمالية. وتنصب الدعوة بمختلف وسائلها على الشباب العاطل من الشرائح الاجتماعية المعوزة، خصوصا في المناطق الأمازيغية المعروفة تاريخيا بتغلغل أضعف للفقه الإسلامي على حساب العرف القبلي، وهو ما أوَّلته الأنثربولوجيا الاستعمارية كأسلمة ناقصة تؤهل الأمازيغيين لاستيعاب أسهل من طرف ديانة المستعمر (القديم والجديد)؛ أي المسيحية.

دوافع التشيع

يشكل الانتقال من التسنن إلى التشيع أهم تمظهر للتحول المذهبي في المغرب، رغم وجود تحولات إلى البهائية أو الإباضية مثلا.

وتأتي الدوافع الإيديولوجية والسياسية على رأس الدوافع المؤدية إلى التحول إلى المذهب الشيعي. في هذا الإطار، يشير بعض المغاربة الشيعة إلى أن دخول الإسلام إلى المغرب كان على يد إدريس الأول، وبالتالي فإن إسلام المغرب الأول كان إسلاما شيعيا، لأن إدريس الأول من آل البيت. ويشيرون أيضا إلى أحد رموز تاريخ المغرب، وهو المهدي بن تومرت الذي كان شيعيا. علاوة على ذلك، يرون في استمرار المغاربة على الاحتفال بعاشوراء دليلا على أن الإسلام الشعبي إسلام شيعي، وأن الإسلام الشيعي يسكن اللاشعور المغربي بامتياز، وأنه قاوم التسنن الفوقي الذي فرضته ومأسسته الدولة منذ عصر المرينيين.

لكن ما هو أهم وأقرب إلى سيكولوجية المتشيع المغربي الراهن هو مدح الثورة الإسلامية الإيرانية والإعجاب بها، لأنها أبانت عن قدرة الشيعة على إقامة نظام سياسي يقوم على الإمامة وعلى تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل حرفي. وتؤشر أيضا على العصيان السياسي وإزاحة شاه يرمز بجلاء إلى الإمبريالية وإلى التبعية. فعكس الأنظمة السنية، قطعت الثورة الإسلامية مع الإمبريالية منذ البدء، ولعبت دورا أساسيا فيما بعد في دعم حزب الله وفي انتصاره على إسرائيل في جنوب لبنان. وقد رُفعت أعلام "حزب الله" في مسيرات مغربية متعددة مؤيدة للبنان وللعراق. وطبعا لعبت الإطاحة بصدام حسين سنة 2003 دورا مهما في تعاظم نفوذ الشيعة في الكثير من الدول العربية، من بينها المغرب.

أما الدوافع الثقافية، فمن بينها قراءة مجلات شيعية مثل "رؤى معاصرة"، "الكلمة"، "الوعي المعاصر"، "البصائر"، "المحجة"، "المنهاج" و"الغدير". ثم هناك متابعة المغاربة لقنوات فضائية شيعية مثل "المنار" و"العالم" وهي المتابعة التي تصل في بعض الحالات إلى درجة الارتباط والإدمان. ويزور الكثير من المغاربة مواقع إلكترونية شيعية يكتبون من خلالها إلى "مراجع" شيعة قصد الاستفسار في أمور تخص بعض نقط العقيدة والفقه.

في هذا الإطار، يرى بعض الشباب من المغاربة المتشيعين أن الشيعة أكثر تفهما من السنة لنفسية المسلم غير القادر على الزواج لأسباب مادية دون أن يستطيع كبح رغباته الجنسية المتقدة. فالصوم والزواج المبكر، وهما الحلان اللذان تقترحهما السنة لإنقاذ الشاب المسلم من البؤس الجنسي، يبدوان غير واقعيين ودون مستوى الحل الشيعي المتمثل في زواج المتعة. وبالفعل يكتفي البعض بإباحة زواج المتعة من طرف المذهب الشيعي للانتقال إليه والتخلي عن المذهب السني الأصلي الموروث عبر التنشئة الأسرية والمدرسية والاجتماعية.

التقية المزدوجة

هناك بعض المواقف المحايدة الإيجابية إزاء التحول الديني أو المذهبي، لكن أغلب المواقف المعبر عنها تذهب في اتجاه رفضهما معا.

من بين المواقف الإيجابية تجاه التحول الديني الموقف الذي عبر عنه باحث مهني قائلا: "أنا مع حق الفرد في التحول الديني". وفي الاتجاه نفسه سار طالب اعتبر أن موقفه من المتحول لن يتغير، وأن الإيمان مسألة شخصية تهم علاقة الفرد بالله. ودقق قائلا: "طالما لم يحاول المتحول إقناعي بتغيير ديني، لن أقطع علاقتي به". وأشار طبيب إلى الإسلام بأصابع الاتهام قائلا: "الإسلام لا يعترف (للمسلم) بالحق في التحول الديني، وأعتقد أن هذا ظلم للمسلمين".

أما المواقف الرافضة، فمن بينها ما صرح به طالب دون أدنى تحفظ: "إذا غير أحد والِداي دينه، سأقطع كل علاقة معه لأنه أصبح مرتدا... يعجبني أن يعتنق المسيحي أو اليهودي الإسلام، وليس العكس". وذهب فنان في نفس الاتجاه حين قال: "سأتنكر له"، وهذا تعبير قطعي مفرط يعني رفض النسب مع "المرتد" ولو كان أبا أو أما. أما عامل في البناء، فيعلن استعداده للذهاب أبعد: "إذا رفض المتحول الديني نصيحتي بالعودة إلى الإسلام، وإذا أصر على البقاء في البدعة (الشيعية)، سأكون عنيفا معه، فهو مرتد وكل مرتد خائن". ويعيد موظف إلى الأذهان موقف الإسلام السائد من الردة قائلا: "الإسلام لا يعترف للمسلم بالحق في تغيير دينه... فهناك حكم بالقتل ضد المرتد". وتنهي ربة بيت (مستوى باكالوريا) هذه المواقف الرافضة بقولها: "أطلب من الدولة أن تمنع ظاهرة الردة".

من الطبيعي إذن، أن تقود المواقف الرافضة السائدة اجتماعيا جل المتحولين الدينيين والمذهبيين إلى التستر وإلى التقية، خصوصا إزاء الأسرة والجيران والأصدقاء والزملاء. ويكمن الاختلاف بين المتمسح والمتشيع في كون تحول المتشيع يعتبر مجرد بدعة وليس خروجا من الإسلام بينما يُنْظر إلى التمسح كردة حقيقية. هذا الامتياز الاجتماعي للمتشيع، إن صح التعبير، لا يوازن الامتياز "السياسي" الذي يتوفر عليه المتمسح، لأن المتحول إلى البروتستانتية الإنجيلية يشعر بالحماية من طرف قوى عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية في حين لا قوة خارجية عظمى تحمي المتشيع وتدافع عن حقه في التشيع. من ثم يمكن الإقرار بوجود سرية اختلافية لا متساوية بين المتمسح والمتشيع إزاء المجتمع وإزاء السلطات العمومية.

من المؤشرات على ذلك، وجود "تنسيقية المسيحيين المغاربة" كجمعية لها أنشطة علنية مختلفة، رغم أنها جمعية غير معترف بها قانونا، شأنها في ذلك شأن الجمعيات المزعجة. في المقابل، لا وجود لجمعية تحمل علنا نعتا شيعيا. فالمغاربة المتحولون إلى الشيعة يتسترون في جمعيات (غير معترف بها أيضا) مثل "التواصل" بالحسيمة، و"الانبعاث" بطنجة، و"الغدير" بمكناس. ويدل اسم هذه الأخيرة على المكان الذي عين فيه الرسول علي بن أبي طالب خليفة له (حسب الرواية الشيعية)، وبالتالي فهي الجمعية الوحيدة الرامزة إلى هويتها الشيعية من خلال اسمها. من جهة أخرى، ترى السلطات العمومية أن أحزاب سياسية مثل "حزب النهضة والفضيلة" تضم أعضاء شيعيين، وأن أخرى متأثرة بنظريات الخميني مثل حزبي "البديل الحضاري" و"الحركة من أجل الأمة".

وبالتالي يشكل التحول الديني و/أو المذهبي مصدر قلق بالنسبة للسلطات العمومية وموضوع متابعات وملاحقات أمنية للكثير من المتحولين. ففي سنة 2007 مثلا، تمت محاكمة ستة طلبة مغاربة تحولوا إلى المذهب الشيعي، وأعلنوا مبايعتهم لإيران. في هذا الصدد، اتهمت "وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية" جمهورية إيران بإرادة زرع لوبيات شيعية في المغرب تحت غطاء الحوار الديني. وفي برامج تلفزيونية على القناة الأولى، الرسمية إن صح التعبير، يتم تقديم المذهب الشيعي كبدعة تحرف القرآن وتقول بخلافة علي بن أبي طالب بعد الرسول، وبرفض الصحابة وخلافتهم ورواياتهم، وبتلقي الوحي من طرف الأئمة... وراء تبديع التشيع إرادة للحفاظ على تبعية كل المغاربة المسلمين لإمارة المؤمنين وتجنب ولائهم الروحي لإمام الشيعة في النجف أو لدعمهم "السياسي" لإيران ولامتداداته الإرهابية، وهو ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران سنة 2009.

من جهتها، طرحت بعض الأحزاب المحافظة مثل "الاستقلال" و"العدالة والتنمية" قضية التمسح الإنجيلي للمغاربة في البرلمان من كظاهرة تهدد الأمن الروحي للمغاربة، بل وحدة الأمة المغربية، وهو ما يعني ضمنيا أن تلك الأحزاب تعتبر المغرب أمة إسلامية أكثر مما هو وطن يعترف بالحريات الدينية.

ردود سياسية بصيغة شبه قانونية

على الرغم من كون المغرب دولة تجعل من الإسلام دينها الرسمي، فإنها دولة لا تستعمل مصطلح الردة في قانونها الجنائي، بل ولا تجرم التحول الديني و/أو المذهبي، كما أنها تقر بحرية العبادات. فعلى أي أساس تستند إذن متابعة المتحول والتضييق على الحريات الدينية؟ صحيح أن "المجلس العلمي الأعلى" أصدر "فتوى" تدين الردة وتقول بتجريمها، لكن "وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية" رأت في تلك الفتوى مجرد رأي لستة أعضاء من المجلس المذكور، وأنه لا مجال لتحويلها إلى قانون (تنفيذا للحديث القائل "من بدل منكم دينه فاقتلوه"). وقد سار على هذا النهج خطيب جمعة أورد في خطبته أن الردة غير مجرمة في الإسلام، وذلك بحضور أمير المؤمنين، حامي الملة والدين. ولذلك دلالة قصوى تعني أن متابعة المتحول والتضييق على الأقليات الدينية الناشئة لا تتم باسم الدين، وإنما من أجل مقاصد أمنية وسياسية، وهو ما يذكر في الواقع بالتمييز بين المرتد الصامت غير المحارب الذي لا يجوز قتله، وبين المرتد المحارب الذي يتوجب قتله ومحاربته. فالمتحول الديني و/أو المذهبي يعتبر إذن محاربا بالقوة ينبغي على الأقل الاحتياط منه.

من الأمثلة على ذلك، وقبل صدور القانون الجنائي سنة 1962، تم حل الحزب الشيوعي المغربي، باعتباره حاملا لإيديولوجيا مادية لا تتلاءم مع الإسلام حسب محكمة الاستئناف بالرباط؛ ويعني ذلك أن الحزب الشيوعي اعْتُبِر إطارا لتجمع وصنع ملاحدة معارضين من خارج المرجعية الإسلامية، وذلك حتى قبل صدور أول دستور مغربي يقر أن الإسلام دين دولة، وأن الملك أمير المؤمنين.

وبالرجوع إلى القانون الجنائي المغربي، لا وجود لفصل يجرم التحول الديني/أو المذهبي. فالتحول ليس لا بمخالفة ولا بجنحة ولا بجناية، لكنه يؤدي بصاحبه في حالة إعلانه فقدان الكثير من الحقوق المدنية المتعلقة بالأحوال الشخصية؛ ذلك أن المتحول يُطلَّق قسرا من زوجته المسلمة، ويفقد الحق في الإرث منها وفي توريثها، كما يفقد الحق في توريث أبنائه أو في الإرث منهم، ويفقد أيضا الحق في حضانتهم. وبالتالي، يتبين أن الإقدام على التحول الديني يعامل مدنيا كردة مع كل ما تؤدي إليه الردة من سلب حقوق تسقط بمجرد التخلي عن الإسلام. إن هذه المقتضيات كافية لثني الكثير عن التحول الديني أو على الأقل عن الإجهار به.

ما هو مجرم بشكل صريح ومباشر في القانون الجنائي هو إعاقة ممارسة عبادة أو حضورها من جهة، واستعمال وسائل إغرائية لزعزعة عقيدة مسلم أو لتحويله إلى دين آخر (طبقا للفصل 220). فالقانون لا يسمح باستغلال ضعف المسلم وحاجياته قصد زعزعة عقيدته من خلال مؤسسات تعليمية أو بنيات تبشيرية أو مراكز صحية أو ملاجئ أو مراكز أيتام. بالاستناد إلى هذا الفصل، تم ترحيل الكثير من المبشرين الإنجيليين، وتم إغلاق المدارس الإيرانية في المغرب. وفي الوقت ذاته، ورغم أن الدستور المغربي (2011) يعلن في الفصل الثالث أن "الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية"، فإن المغاربة المتحولين لا يُقبَلون في الكنائس المسيحية لا من أجل تعميدهم ولا حتى من أجل أداء الصلوات والأذكار. فالكنائس بدورها تخاف من تهمة التبشير، وبالتالي يضطر المتحولون المغاربة إلى ممارسة عباداتهم فرادى أو جماعات في بيوتهم، بشكل شبه سري غير قانوني وكأنهم يقترفون جرما.

ما هو مصدر هذه الظاهرة؟ بالرجوع إلى 1962، أعطى الملك الحسن الثاني تأويله الخاص للفصل الدستوري القائل بحرية العبادات. فبمناسبة محاكمة المغاربة الثمانية الذين تحولوا إلى البهائية، صرح الملك أن حرية العبادات لا تعني إمكانية اعتناق أي دين، وإنما فقط اعتناق الديانة اليهودية أو الديانة المسيحية، وهما الديانتان الوحيدتان اللتان يسمح بهما الإسلام. فالنظام العام حسب الملك الراحل لا يسمح بعبادة الأصنام أو للشمس، ولا يقبل بالبهائية التي هي (في نظره) بدعة حقيقية. على إثر التصريح الملكي، ذهب جل فقهاء القانون في المغرب إلى أن حرية العبادات تخص فقط المواطنين المغاربة اليهود (أصلا) أو الذين "ازدادوا" مسيحيين (المزدوجتين من عند الكاتب)، فهم وحدهم لهم الحق في ممارسة شعائرهم علنا وبشكل حر. وطبعا لا تسري هذه الحرية على المغاربة الذين "يزدادون" مسلمين (سنيين) ثم يتحولون فيما بعد إلى شيعيين أو إلى مسيحيين. واضح أن هذا التأويل الخاص لحرية العبادات لا يزال مهيمنا على ممارسات السلطة العمومية تجاه المغاربة المسلمين المتحولين، رغم مرور ما يناهز 60 عاما عليه، ورغم الاعتراف بمرجعية حقوق الإنسان كمرجعية دستورية، بل ورغم الاعتراف بتفوقها في حالة تعارض القوانين الداخلية المحلية معها. إن ذلك التفوق تنازل صوري أقره دستور 2011 في ديباجته بحيث يذهب البعض إلى أن ما أتي في الديباجة لا يلزم القوانين والثوابت الوطنية. علاوة على ذلك، لم تتم دسترة حرية العقيدة والضمير، وهي حرية أشمل وأعمق من حرية العبادات. ومن المعلوم أن "حزب العدالة والتنمية" هدد بعدم التصويت بنعم على الدستور إن هو احتفظ بالحق في حرية الضمير كما جاء في مسودة مشروع الدستور. ونظرا للضرورة السياسية للخروج من "الربيع المغربي" بأقل خسارة ممكنة، تم إصلاح دستوري لا يتضمن الحق في حرية الضمير، وحافظ على تجريم زعزعة عقيدة مسلم وعلى تجريم التبشير وعلى تجريم الإفطار العلني في شهر رمضان. واستمر الوضع على ما هو عليه إلى اليوم، حيث إن "خطة العمل الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان (2018ـ2021)" التي تقدمت بها الحكومة لم تشر لا إلى حرية العبادات، ولا إلى حرية الضمير والعقيدة.

طبعا، نددت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" و"المنظمة المغربية لحقوق الإنسان" بموجة الاعتقالات التي تطال المتحولين في الكثير من الجهات والمدن المغربية، كما انتقدت حملات حجز المنشورات الشيعية من الخزانات والمكتبات. ففي تصريحات الجمعيتين، كل على حدة، يشكل استنطاق المواطن المغربي بسبب معتقداته الدينية شيئا غير مقبول، كما أن متابعة المتحول باسم الفصل 220 أمر لا يستقيم قانونيا لأن تهمة التبشير لا تنطبق على المتحول، فالمتحول ليس مبشرا.

خاتمة

هل يشكل التحول الديني و/أو المذهبي خطورة على النظام السياسي المغربي؟ هل يشكل تهديدا للأمن الروحي للمغاربة؟ هل تحول التحول الديني و/أو المذهبي بالفعل إلى ظاهرة اجتماعية بلغت درجة كافية من التكرارية تعطيها دلالة إحصائية مهددة؟ هل تتوفر السلطات العمومية على إحصاء دقيق للمتحولين يجعلها تخاف الظاهرة نظرا لانتشارها الكبير أم إنها تتصرف بنوع من التشدد تجاه المتحولين في إطار استراتيجية استباقية وقائية؟ ليس لعلم الاجتماع الديني في المغرب جواب ضافي عن هذه التساؤلات، لأنه لا يستطيع تشخيص التحول الديني و/أو المذهبي تشخيصا إحصائيا دقيقا في مجتمع وفي دولة لا يعترفان معا بالحريات الدينية. كيف يمكن للمواطن المغربي أن يجيب بحرية عن سؤال معتقداته، وهو يخاف المجتمع والسلطة معا؟ ما هو متداول إحصائيا أرقام متضاربة لا تسمح بتكوين فكرة موضوعية عن عدد المتحولين إلى الشيعة وإلى المسيحية. في هذا الإطار، يعترف مسؤول في "تنسيقية المسيحيين المغاربة" بأنه لا يمكن أن يقيس عدد المغاربة المسيحيين، "فـ 90 في المئة منهم يعيشون في السرية. وبالنسبة إلى البعض منهم، أسرهم نفسها لا تعرف أنهم مسيحيون. وقد يحدث أن يتمسح أخوان دون أن يبوح الواحد منهما للآخر بذلك، خوفا"، ثم إن المعطيات المتوفرة الغير موثوق بها، ولو أنها صادرة في بعض الأحيان عن مراكز بحث أجنبية (بل ولأنها صادرة عنها)، لا تتضمن معلومات عن المتغيرات السوسيوـ اقتصادية الخاصة بالمتحولين مثل السن والجنس والمستوى الدراسي ومكان الإقامة... وبالتالي، يشكل الفقر العلمي حول التحول الديني في المغرب عائقا إبستمولوجيا كبيرا يمنع من وصف الظاهرة ومن تحليلها ومن التعامل معها بموضوعية قصد تشخيص حقيقة خطورتها الاجتماعية والسياسية التي تقتضي، إن صح الأمر، التضحية بمبدأ الحرية الدينية. وهل علينا أن نضحي بذلك المبدأ النبيل الذي يطهر الإيمان من النفاق حفاظا على استقرار نظام غير ديمقراطي يحافظ على استقرار مجتمع متخلف؟

فإذا كان من المشروع ألا يتحول الإسلام إلى معارضة سياسية و/أو إلى محرك إرهاب، فإنه لا يعقل أن يضطر كل مغربي مسلم أن يظل مسلما، رغم أنفه. صحيح أن التحول الديني أو المذهبي ليس جرما يعاقب عليه القانون، لكن إسلام الدولة كضامن مزعوم لاستقرار الدولة والمجتمع له وزن أكبر من وزن القانون، بل ينتصر على القانون أو يشوه تطبيقه. وبالتالي، فإن معركة السلطة اليوم ضد التحول الديني شبيهة بحروب الردة التي خاضها أبو بكر الصديق من حيث إن هدفهما واحد، سياسي بالدرجة الأولى، هو الحفاظ على البيعة؛ أي على خضوع الرعية سياسيا. هذا هو السياق الذي تتموقع فيه إرادة الحفاظ السياسية على إسلام الفرد كقناع ظاهر، وهي إرادة تخفي مقاصد غير دينية في العمق وفي نهاية المطاف.

ما يضفي شيئا من الشرعية على السياسية الدينية القمعية تجاه التحول الديني لبعض المغاربة شبهات تصاحب سيرورة التحولات الدينية الفردية. بتعبير آخر، وبالرجوع إلى الكثير من التقارير، يتبين أن التحول الديني و/أو المذهبي ناتج عن إغراءات متنوعة مصدرها خارجي. قليلون فعلا هم المغاربة الذين يغيرون دينهم أو مذهبهم أو يتخلون كلية عن الدين، انطلاقا من سيرورة فكرية أو وجودية وجدانية، حميمية وخاصة، وهي السيرورة التي تحتاج إلى زاد فكري وثقافي متقدم لا توفره السياسات العمومية لأغلبية المواطنين المغاربة. من هنا، يغدو الصراع القانوني (المتناقض مع ذاته) ضد التحول الديني و/أو المذهبي صراع ضد إرادة خارجية تسعى إلى خلق مسلسل تعدد ديني (pluralisation religieuse) باسم الحرية الدينية، وهو المسلسل الذي سيفضي حتما إلى تعدد ديني (pluralité religieuse) على الأمد البعيد؛ أي إلى إيجاد أقليات دينية تطالب بإقامة نظام ديني تعددي (pluralisme religieux) يحترم حقوقها كأقليات على كافة المستويات. وفي نهاية المطاف، يمكن الوصول إلى مطلب دولة طائفية مع كل مخاطرها. ويمكن أيضا أن يؤدي التعدد الديني إلى مطلب دولة لائكية لا دين لها، أو إلى مطلب دولة علمانية لا تستمد فيها السلطة شرعيتها من دينها الرسمي. إنها "المخاطر" المفترضة الكامنة وراء الصراع الاستباقي ضد التحول الديني و/أو المذهبي. إنه اليوم صراع ضد تشكل التعدد الديني، وهو صراع ذو طبيعة سياسية يضحي بالحرية الدينية من أجل الحفاظ على الوحدة الدينية للوطن (مع العلم أن مفهوم الوطن لا يقوم على الوحدة الدينية)، ومن أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار، في حال ما إذا حاولت استراتيجيات "ثورية إسلامية" أو "إرهابية إسلامية" التستر بغطاء مبدأ الحرية الدينية.