الطب الروحاني في فكر المحاسبي

فئة :  مقالات

الطب الروحاني في فكر المحاسبي

الطب الروحاني في فكر المحاسبي

عبد الفتاح الشاذلي

توطئة

اهتم العلماء المسلمون القدامى والمحدثون كثيرا بتربية النفس على القيم الفضلى تطلعا إلى إرساء نظام أخلاقي قوامه السعي إلى استحضار البعد الروحي في المجتمع. وقد آمنوا، أن الروح هي مظهر "الأنا"، وقائد "الذات" إلى العمل الصالح: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".[1]

عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق"*. وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أكمل المؤمنين أحسنهم خلقا".

لا مرية أن منظومة القيم الروحية لا تتشكل دفعة واحدة، لكنها لا تستعصي عن الانبناء بتخطيط منظم، وتدبير متدرج، وتربية مبكرة مستدامة ترافق مسارات التربية والتعليم منذ المراحل المبكرة للتعليم. ولذا، فقد تقتضي مرتكزات الصحة النفسية على فطم النفس على مخالفة الهوى الذي يكرس أمراض القلوب وعلل النفوس. فالفطم والمخالفة مبدآن من مبادئ التربية النفسية التي قعد أسسها أعلام الفقه والحديث والفكر والتصوف.

إن من يتحلَّ بالأخلاق الحميدة، لن يجترح إلا فعلا صالحا، أو عملا نافعا، أو سلوكا قويما؛ لأن الإنسان بالنفس يكمل لا بالجسد. وقد اهتم علماء ومتصوفة المسلمين بصلاح النفس؛ ومنهم أبو الفرج ابن القيم الجوزي الذي رأى في كتابه "تهذيب الأخلاق" أن طب الروح علاج للقلوب والنفوس والأرواح. وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي عقل وتدبير؛ إذ لا تخلو روح من الأرواح من الأمراض... لذلك، كان لابد من تعلم هذا العلم والتشمير والجد في علاجها وإصلاحها.[2]

لا يخفى أن النفس، لا تتقي، ولا ترتقي إلا بـ"الرياضة" "والمجاهدة" اللتين تنفران من الرذيلة، وتحببان الفضيلة، باعتبارها الخيار الأفضل للمواطن الكوني الصالح. وما "يعين على الرياضة صحبة الأخيار، والبعد عن الأشرار، ودراسة القرآن والأخبار، وإجالة الفكر في الجنة والنار، ومطالعة سير الحكماء والزهاد"[3].

لقد تفطن علماء المسلمين كالمحاسبي، والجنيد، والترمذي، والغزالي، وابن تيمية، وابن القيم الجوزية، وابن الجوزي...وغيرهم لزوغان النفس، فنصّبوا القلب ملكا على الجوارح مؤكدين أن من نور الله تعالى قلبه قويت معرفته واطمأنت وسكنت ووثقت وتفرغت لحفظ الحدود ونبذ النواهي كالكسل والتواكل، والغش، والرعونة، والحسد، والعنف، والتطرف، والاعتداء.. وهي العادات السيئة، والسلوكيات البغيضة التي تقومها "رياضة النفس" بوصفها المدخل الرئيس للتربية على القيم الإنسانية المثلى. إنها الطب الروحاني للعقل والإحساس والوجدان.

1- في صلاح الباطن

تقطر مؤلفات الحارث المحاسبي الغزيرة (آداب النفوس، الوصايا، المكاسب، شرح المعرفي، معاتبة النفس، رسالة المسترشدين، المسائل في إعمال القلوب والجوارح...) بدُرَرٍ علمية، ومسالك تربوية رائدة تعالج موضوعات نفسية وصوفية وفقهية غاية في الأهمية؛ لأنها تحفر في البواطن وتبسط المسائل المتصلة بتهذيب القلوب والأرواح المهددة لمسالك الصالحين وأخلاق السائرين الذين اتصفوا بقوامة الإرادة الخفية التي تصلح بواطن النفوس، وتقوم أعمال الجوارح. ولهذا، صارت أعماله محطات تأملية للارتقاء بالنفس في معارج التقوى. فما "كان من أعمال العبد من عمل ظاهر قوبل به من الباطن، فما صحّ ووافق باطنه صلح، وقَبُلَ ظاهِره، وما خَلُفَ، وفسد باطنه رُدَّت عليه أعمال ظاهره وإن كثرت، وخسر ظاهرها لفساد باطنها"[4].

بهذه القولة ونظيراتها، أمسى الحارث المحاسبي أبا روحيا للمدرسة النفسية الإسلامية، والأب "اسم لكل من كان سببا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره"[5]. فهو إذا، صاحب السبق في النبش عن نواقص النفس، واختلالات الباطن، وما لها من أثر على السلوك الظاهر، إذ لم ينشغل أحد قبله أو بعده بآفة الأعمال، وعورة الجوارح، والجمع بين الظاهر والباطن. ولئن سمي بعالم العارفين وأستاذ السائرين، وخبير الأمة في علم المعاملة، فلأنه - حسب لويس ماسينيون - في كتاب "مصطلحات التصوف" قد سما في (كتابه الرعاية بحقوق الله عز وجل)، على وجه الخصوص، بالتحليل النفسي إلى مرتبة لا نجد لها مثيلا في الآداب العالمية إلا نادرا"[6]. ولذلك، يحق أن ينعت هذا الرجل بالأب الروحي للعلم، خاصة وأن الأب صفة للتجلية والإبراز أو الإشاعة والإصلاح. ولعلها الخلفية التي استند إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خاطب عليا كرم الله وجهه قائلا: "أنا وأنت أبوا هذه الأمة".[7]

كانت قواعد الصوفية إبان القرنين الثاني والثالث الهجريين في طور التكوين بالقوة؛ لأنها لم تكن ذائعة ذيوع قواعد علوم الآلة والعلوم الشرعية؛ إذ لم تكتب وقتئذ مؤلفات تُعَرِفُ بهذا النمط الفكري الجديد، وتُفَسرُ أصوله وخصائصه وأهدافه. الأمر الذي جعل التصوف في تلك الحقبة أقرب إلى الإلحاد، الذي كان ذريعة للإجهاز على بعض جهابذة الفكر الإسلامي، منه إلى العلم المعرفي المنظم أو إلى الطريقة الفلسفية الروحية في الفقه والتفسير والتأمل والتفكير. وقد لاحت بوادر هذا التوجه بسبب ما علق بالنفس العربية الإسلامية من أمراض للقلوب، وعلل للجوارح، حولتها إلى كيان مهترئ، هش وسقيم، منخور بالميل إلى الهوى، وسياسة التفرقة المذهبية، والابتعاد عن أصول العقيدة. ولعلها التداعيات، التي سيكشف عنها الحارث المحاسبي من خلال ما دونه في مقدمة كتاب "الوصايا" قائلا:

"تبين لي من كتاب الله وسنة نبيه وإجماع الأمة: أن اتباع الهوى يعمي عن الرشد، ويضل عن الحق، ويطيل المكث في العمى. فبدأت بإسقاط الهوى عن نفسي. ووقفت عند اختلاف الأمة مرتادا لطلب الفرقة الناجية، حذرا من الأهواء المردية، متحيزا من الاقتحام قبل البيان، والتمس سبيل النجاة لمهجة نفسي".[8]

2- في إصلاح دواخل النفس

شكلت هذه الملابسات العقدية والفكرية والسيكولوجية والروحية نقطة انطلاق التصوف السني الرائد، حيث تم وضع ضوابط نفسية وسلوكية ساهمت بشكل جلي في صياغة واعية لتربية روحية باطنية يعمل من خلالها المحاسبي على تأطير محددات تعامل الفرد مع ذاته داخل جماعة ربانية أصبحت في عصره مهددة بالفتن والبدع، والحقد، واتباع الهوى... وغيرها من التصدعات التي ناهضها، منذ وقت مبكر، الصحابة والتابعون، والعارفون من أمثال عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص، والإمام أحمد بن حنبل، وأبو سعيد الأعرابي... الذين اشتغلوا جميعا بتصحيح المعرفة العقدية، وتقويم سلوك المسلم. وفي هذا السياق يندرج الهوس التصحيحي ـ الإصلاحي للحارث المتطلع إلى العودة بالأمة الإسلامية إلى مرحلة عدم الانفصال بين فقه أعمال القلوب، وفقه أعمال الجوارح، حيث لم تكن أبدا علة الفصام قد أصابت سيكولوجيا الإنسان المسلم المرتد عن التناغم المتأصل في النفوس بين مشاعر القلوب ومقاصد الشريعة. إنه الهوس الذي حرك الرؤية التربوية الشمولية عند المحاسبي من أجل تأسيس منهاج منشغل بتقنين مرتكزات العقيدة، وسَنِّ أصول فقهية تثبت القيم القلبية ـ الروحانية القادرة على بناء التماسك الداخلي للنفس التي باتت مهددة بتحديات المدنية الجديدة التي نخرتها الشكليات الأخلاقية التي أفرزها الاحتكاك الثقافي والبذخ الاجتماعي. وقد وجد المنهاج الروحاني الذي عمل هذا المفكر على تأسيسه ومأسسته، خلفيته المرجعية في اجتهادات الإمام الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك. وغيرهم ممن انشغلوا بالفقه والتفسير وأصول العقيدة فلم يمهلهم تسارع وتيرة الصراع السياسي والتفرقة المذهبية، والتحولات الجذرية في الحكم والخلافة حتى يخصصوا جانبا من أفكارهم لمُدَارَسةِ فقه أعمال القلوب، وفقه أعمال الجوارح. ولئن حاول الزهاد الأوائل، أمثال داود الطائي، والفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح، وأبو إسحاق الفزاري، سدّ الفجوة الفاصلة بين الفقهين، فإنهم لم يفلحوا بسبب تصدع وعي المشاعر، وتقهقر أعمال الجوارح. لكن أبا الحارث المحاسبي لم يستسلم للخراب الممنهج المدمر على عهده، بل انكب على تقويم أوذ التضارب القائم بين قلب المرء وجوارحه.

طغا بين "الناس الكذب في العمل والقول. الأمر الذي دفع المحاسبي إلى وضع الحق في نصابه في أعمال القلوب وأعمال الجوارح على السواء لأول مرة في تاريخ الفكر الإسلامي. فكان مدرسة متميزة تعنى باستكشاف النفس الإنسانية ودراسة حركاتها، ووصف أمرضها وتحديد عناصر علاجها"[9]، ولم يسعفه في صك هذا المنهج التربوي العام إلا نظرته الشمولية الثاقبة لفقه الواقع، وتغلغله في دواخل النفس البشرية، وعيا منه بضرورة الانخراط العضوي للمفكر في رسم خارطة فقهية تربوية روحانية محايدة منضبطة لمعايير الكتاب والسنة في إصلاح نظام القيم وترميمها في عصر باتت أخلاقه المنحرفة تهدد كيانه الحضاري.

رام منهاج الحارث المحاسبي الحفر في باطن النفس الذي يعد أساس الإصلاح والبناء من خلال "تصحيح السرائر، واستقامة الإرادة، وصدق النية، ومفاتشة الهمة، ونقاء الضمير"[10]، يقول الإمام أبو السعود أبو العشائر (ت سنة 644هـ). "يجب على السالك إذا رأى من نفسه خلقا سيئا من كبر أو شرك أو بخل وسوء ظن أن يدخل نفسه في ضد ما دعت إليه، ثم يقبل على ذكر الله تعالى بالكلية ويستنجد بحوله وقوته ومجاهداته. فتضعف أخلاق نفسه، ويكثر نور قلبه، وينزل الله تعالى في القلب ذرة من حبته، فيترك الإنسان الرذائل بدون مكابدة"[11].

انصب التراث التربوي الصوفي على إصلاح دواخل النفس من أجل الارتقاء الروحاني الذي يعد السند الرئيس لتقويم الذات، وتطهير القلوب، وتهذيب النفوس، ومبتدأ السير الصحيح إلى الخالق؛ لأن "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (حديث شريف). فمن صلب هذا المعنى، تنبع أفكار المحاسبي الخاصة بالارتقاء الروحاني اقتفاء بالسنة وآراء الخلفاء الراشدين والأولياء العارفين الذين انشغلوا بتأديب النفس درءا لشؤم الآثام وظلمة الذنوب. فالمحاسبي الذي يمثل الجيل الثاني بعد صوفية الصحابة، وصوفية التابعين، وتابعي التابعين، يركز على إصلاح النفس عملا بالأوامر وتجنبا للنواهي، عبر نقد ذاتي وحوار باطني واعظ يمد النفس بالإرشاد. ولا سبيل إلى العروج إلا بالسلوك الذي يسمو بالقلوب ويحث المشاعر على اجتراح صالح الأعمال، إذ لا يخفى أن الارتقاء بالنفس منزلة مشهودة في سلوك السالكين، وطريق لا يقطع إلا بالمكابدة التي توصل إلى الظفر بالمحبة والإخلاص في العمل، وترك الشهوات... وغيرها من دلائل الارتقاء التي لا تتأتى إلا بالترويض الذي يعد خصيصة من خصائص النفس العارفة التي تتلقى الأوامر والنواهي بالحلاوة لا المرارة. و"إنما تقع حلاوة صنع الصانع في قلبك على قدر حبك للصنائع، وإنما تحب الصانع على قدر معرفتك بقدره وكلما كنت به أعلم، كان قدره عندك أعظم... فهو إليك أحب.".[12]

[1]- سورة النحل. الآية 97

*ـ حديث حسن صحيح رواه الترمذي.

[2]- عبد الرحمن أبو الفرج ابن الجوزي: تهذيب الأخلاق. شرح وتحقيق الشيخ عبد العزيز السيروان. دار الأنوار. بيروت الطبعة الأولى، 1993، ص 94

[3]- ابن الجوزي - تهذيب الأخلاق - المرجع نفسه-ص 94

[4]- الحارث المحاسبي، آداب النفوس. مقدمة الكتاب بقلم عبد القادر أحمد عطا، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الثانية، 1991، ص 28

[5]- الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن. القاهرة. ص16

[6]- عبد القادر محمود. الفلسفة الصوفية في الإسلام، مصادرها ونظرياتها ومكانها من الدين والحياة. دار الفكر العربي. الطبعة الأولى 1966-1967 ص178

[7]- الراغب الأصفهاني، مرجع سابق. ص16

[8]- أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي. الوصايا. دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان. تحقيق وتعليق وتقديم عبد القادر أحمد عطا. هامش ص106

[9]ـ محمد عابد الجابري. نقد العقل العربي 4. العقل الأخلاقي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية السادسة، ص: 33

[10]ـ نفسه، ص: 34

[11]ـ أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي. الوصايا. دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان. تحقيق وتعليق وتقديم عبد القادر أحمد عطا. هامش ص.97

[12]ـ الإمام أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترميذي. "أدب النفس". تحقيق وتعليق الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى، 1413-1993. ص: 26.