فاعلية الفن العربي والتّربية الفنية والجمالية في تذويب التطرف


فئة :  مقالات

فاعلية الفن العربي والتّربية الفنية والجمالية في تذويب التطرف

فاعلية الفن العربي

والتّربية الفنية والجمالية في تذويب التطرف(1)

مما لا شكّ فيه، أن كلاً من التطرف والتربية الفنية، يؤثر كلاهما في الآخر، حيث يعمل الفن على تذويب التطرف وتسجيل ما ينتج عنه بالخط واللون... فتصبح الأعمال التشكيلية وثيقة إدانة تُرفعُ في وجه من صنعوا الوضع الدموي، وما نتج عنه من قتل وتشريد للبشر وتدمير للحجر، وهنا يأتي دور الفن في فضح وتعرية من يرتكبون القتل أمام الرأي العام المحلي والخارجي.. مع العلم أننا لسنا بحاجة لأن ينتشر التطرف، أو يمارس العنف ضدنا وترتكب المجازر في حقنا باسم الدين وغيره، كي ننتج فنّاً يعبّر عنه وعن الفجيعة، لأن الحروب التي تشنّ على أمتنا العربية بتقنياتها التكنولوجية وما ينتج عنها من عنف، وقتل، ودمار، وتهجير.. تمثل أعلى أشكال الظلم، لذلك لا مجال لمدح ما ينتج عن الحروب.. ولا جمال في مشاهد القتل والموت والفناء والدمار! لأن الفن إبداع، ولا إبداع في الموت.

وما تَناوُل الفنان التشكيلي العربي للحروب التي شنها الإرهابيون الصهاينة ومشاهدها المؤلمة، إلا لتعبير عن انفعالاته ومواقفه الرافضة لها، لأنه يدافع عن قضاياه وعن الحياة وعن السكينة والجمال والسلام، وإن أيّ موقف لا يصب في هذا المعنى، يخسر الفن المعنى والرسالة!

وإذا كانت اللوحة الفنية العربية قد تفاعلت مع القضايا الوطنية ضد الإرهاب الصهيوني، فإنني أسجل هنا بأن موضوع التطرف لم ينل الاهتمام الكافي من قِبل الفنانين التشكيليين العرب، بل غابت اللوحة الفنية التي تتحدث عن التطرف، وما رافقه من عنف ضد الآمنين والعزل من الناس، والتي ستكون وثيقة إدانة ترفع في وجه من حرضوا على الفتنة الطائفية والمذهبية، والذين صنعوا الوضع الدموي في مناطق كثيرة في وطننا العربي، حتى إنه لم يبق شبر في الوطن العربي، إلا وأصابته شظية من الفتنة، ودخلت على الخط دول مولت ودربت وسلحت الجماعات المتطرفة، والتي أفضت إلى الدمار والخراب والموت.

هذه الأجواء غابت عن اللوحة العربية، حتى أصبحنا نفتقر افتقارًا شديدًا إلى الفنان الذي يواكب أحداث أمته، ويسجل آلامها وأفراحها وتاريخها وكفاحها وانتصاراتها من وجهة نظره المبدعة.

وقبل الخوض في موضوع التربية الفنية والجمالية في مواجهة التطرف، لا بد من التمييز ما بين الفن والتربية الفنية، وكذلك التمييز ما بين التطرف والتدين.

فبالنسبة إلى الفن والتربية الفنية، فإن هناك كثيرا من الناس يخلطون ما بين الفن والتربية الفنية؛ فدارس الفن يختلف عن دارس التربية الفنية في أن الأول شخص يدرس فرعــًا من فروع الفن، ويتخصص فيه. أما دارس التربية الفنية، فلا ينحصر مجال تخصصه في ميدان واحد، إذ لا بد من اطلاعه على جميع الأنشطة الفنية، وفروعها وأصولها وتاريخها، إضافة إلى إلمامه بعلم النفس التربوي وطرائق التدريس، والمناهج وطرائق البحث العلمي، وفلسفة التربية، وفلسفة الفن، ومبادئ فروع المعرفة الأخرى.[2]

كما لا بد من التمييز بين التطرف والتدين؛ فالتدين يعني الالتزام بأحكام الدين والسير على منهاجه، وهو أمر مطلوب ومرغوب فيه، يعود بالخير والفلاح على أصحابه، والتدين ظاهرة إيجابية لما فيها من فهم صحيح لنصوص الدين. أما التطرف، فقد يصل بالمرء إلى درجة الغلو في الدين.[3]

ورد لفظ الغلو في القرآن الكريم في وصف التطرف، وقد نهى الله عنه في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ).[4]

وورد في السنة المطهرة في حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي (ص) قال: (إياكم والغلوَّ في الدين! فإنه أهلك من كان قبلكم).

كما أن النبي (ص) كان يأخذ العفو، ويأمر بالمعروف، ويعرض عن الجاهلين، ولم يهاجم مشركــًا قط بلون من ألوان العنف، وكان يطرح ما عنده على شكل دعوة للحق مُعَزَّزَة بالدليل، وأخذ فيها بنظر الاعتبار احترام المقابل، فإن النبي (ص) يضع أمامه الخطاب السماوي: (أادعُ إِلى سبيل رَبِّكَ بِالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهُم بالَّتي هِيَ لأحسنُ).[5]

والغلاة المتهورون يضربون بعض النصوص ببعض، أو يأخذون نصًّا يلائم غلوَّهم يسلِّطون عليه الأضواء، ويعتِّمون على نصّ آخر، ينقض غلوهم؛ فالآيات التي يمكن أن تغطي غلوَّهم، يشدُّونها عن طريق التأويل المتكلف إلى ما يوافق أهواءهم، والآيات التي تناقض غلوهم يغفلون عن ذكرها، وإذا ذُكّروا بها صرفوها إلى غير المعنى الذي أراده الله. أما فيما يتعلق بالأحاديث الشريفة، فهم يقبلون الضعيف، بل الموضوع، إذا غطّى غلوهم ويُعرضون عن الحسن، بل الصحيح إذا فضح انحرافهم، ثم إنهم فيما سوى القرآن والسنة يقبلون كل قولٍ يدعم غلوهم متجاوزين القاعدة المنهجية: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإذا كنت مدَّعـيــًا فالدليل.[6]

والغلو نوعان: الغلو الاعتقادي والغلو العملي، ولا شك أن الغلو الاعتقادي هو الأخطر، لأن صاحبه لا يتراجع عنه، إذ يعتقد أنه على صواب، فهو لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، وهذا النوع من الغلو افترقت منه الفرق، وبزغت عنه الأهواء، واختلفت فيه العقول، وتباعدت من أجله القلوب، وسالت من تداعياته الدماء.[7]

ويعتبر الغلو الاعتقادي الجانب النظري لصناعة الإرهاب، حيث لا يختلف اثنان على أن الإرهاب الذي ظهر في الآونة الأخيرة كان وليد التطرف الديني، حيث يتراءى للمتطرف أن الزاوية التي يرى منها هي الزاوية الوحيدة للنظر، وأن جميع سواها باطل. ولقد ظهر التطرف في ظل غياب التربية والتنوير والتثقيف فوقع الشباب في فخ الأفكار والمعتقدات المغلوطة، ولم يجدوا من يصححها لهم، فترسخت في عقولهم؛ الأمر الذي يستلزم دق ناقوس الخطر، والتركيز على التنشئة الصحية من خلال صياغة مناهج دراسية بعقلية منفتحة والبعد عن القوالب الجاهزة، حتى لا يكون الطلبة ضحايا الأفكار المتطرفة، ولاسيما أن من أولى أهداف التطرف الأساسية إشاعة الفوضى، ونشر ثقافة العنف والترهيب لتحقيق نواياه الخبيثة التي يرفضها الدين والعقل والمجتمع، وقد أصبح التطرف واحدًا من المحرمات الكبرى التي انخدع عامة الناس فيها، وتزايدت خطورته مع الشعارات "الوطنية" التي يرفعها والعباءة "العقائدية" الدينية التي يتلحف بها. لذلك، لا بد من فضح هذا الفكر ومن يدعمه؛ فالتطرف، فكرة تجد من يسلحها ويمولها ويقف خلفها، فتتحول إلى الإرهاب وإلى القطيعة مع الثقافة المحلية والثقافات الأخرى، وخصاما مع أية تقاليد أو موروثات، وهذه تشكل "جاهلية" جديدة لا بدّ من التصدي لها ليس بالسلاح فقط، بل يجب التصدي لها بالفكرة، لأن الفكرة لا تقضي عليها إلا الفكرة، تمامــًا كما الظلام لا يبدده إلا النور. والنور هنا هو المناهج، وأخص بالذكر التربية الفنية، لأنها تعد من الوسائل البالغة الأهمية في تحقيق الأهداف المرجوة، والتي تترجم إلى نشاطات وخبرات سلوكية يتعامل الطلبة معها... ومن خلال هذا التفاعل يحدث التعلم أو التعديل المطلوب في سلوكهم.

لذلك تعد المدرسة أحد الركائز المهمة في دعم واستقرار المجتمع، وذلك بغرسها في الطفل منذ البداية الأولى قيم ومعايير المجتمع الضرورية لإحداث عملية التكامل الاجتماعي من خلال العملية التربوية، والتي تسهم بشكل حيوي في الحفاظ على المجتمع وخلق الانتماء الوطني ومشاعر الوحدة الوطنية بين أفراده. وهذا لن يتحقق ما لم تتوافر مناهج دراسية جديدة قادرة على مواكبة التطورات السريعة في مجالات الحياة المختلفة، حيث تمثل المدرسة الوسط الاجتماعي الثاني بعد الأسرة التي يكتسب فيها الناشئة القيم الاجتماعية والثقافية والجمالية في المجتمع، إذا ما فشلت المدرسة في إكسابهم تلك القيم؛ فإن المجتمع يفقد خط الدفاع الثاني ضد التطرف والإرهاب. لذا، فإن مقاومة التطرف من خلال التربية الفنية أصبح أمرًا ضروريـًا لما تمثله المدرسة من ثقل حيوي في بناء ثقافة المجتمع الجمالية، حيث يلعب الفن في ذلك دورًا مهمــًا، ولا سيما أنه: "عامل أساس من عوامل التغيير، إذ إنه ينتشر بين الناس انتشارًا سريعــًا لا شعوريا، فيؤثر في الأفراد أكثر مما تؤثر الأساليب الاجتماعية الأخرى.. ولقد فطنت الدول المتقدمة إلى وظيفة الفن في الثقافة والمجتمع فأخذت تقبل على تقدمه وتطوره من الناحيتين الإنتاجية والاستهلاكية... أي ارتفاع مستوى الأفراد عن طريق الفن هو ارتفاع لمستواهم الجمالي وارتفاع لمستوى المجتمع أيضـًا".[8]

وبهذا الخصوص، يتحدث الناقد الفني والكاتب البريطاني المعروف "جون رسكين" عن مفهوم المدنية، فيقول:

"الأمم العظيمة تكتب سيرتها في كتب ثلاثة مختلفة: كتاب أعمالها، وكتاب أقوالها، وكتاب فنونها"، ولا سبيل للمرء إلى فهم أحد هذه الكتب ما لم يطلع على الكتابين الأخيرين. ويتابع "رسكين" الحديث، فيقول: "أما الكتاب الأجدر بالثقة بين الكتب الثلاثة، فهو بلا ريب الكتاب الأخير: كتاب الفنون".[9]

نعم، تقدم الشعوب وتطورها يقاس بتقدمها في فنونها، وهذه الفكرة تبحث عمن يؤمن بها، لتتحول إلى سلاح يعصم عقل الأمة من أخطار التطرف والفكر الظلامي، حيث ازدادت في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ الأمة سطوة تكفير المبدعين والمفكرين على يد بعض الجماعات الظلامية المتطرفة، التي أصبح شغلها الشاغل التربص بالفعل الإبداعي والفكري، وإصدار الفتاوى التي تحرم كل أنواع الفنون؛ وأصبح هذا الفكر يقف ضد تاريخ الوطن وطلائع الثقافة وروادها مما يعود بنا مرة أخرى إلى محاكم التفتيش التي كانت منتشرة في القرون الوسطى التي راح ضحيتها عشرات من أصحاب الفكر والرأي كالحلاج والسهروردي، بالإضافة إلى حرق كتب ابن رشد. والآن باسم الدين، تحارب الطوائف والمذاهب والأديان، وتعلق المشانق، وتدمر النصب والآثار وكنوز الأمة.

هذه الجرائم التي ترتكب باسم الدين، أصبحت تسيء إلى الأمة في مرحلة تستوجب الحفاظ على ذاكرتها، التي لو فقدنا شيئاً منها، فإننا نكون قد بددنا قيماً ثقافية وفنية سوف تحاسبنا عليها الأجيال القادمة. وهذا يتطلب كشف الحجاب عن أعداء التنوير، إما بالدعوة التي تنقي ما تعكر، وتصوب ما أصابه الزلل، أو من خلال المناهج التربوية، ومن بينها مناهج التربية الفنية، وحصص الرسم التي أصبحت لا قيمة لها في مدارسنا، لأنها لم توظف التوظيف الصحيح في تذويب التطرف، لذلك لا بد من الضغط على وزراء التربية والتعليم من أجل إعادة الاعتبار لحصة التربية الفنية من خلال احتساب علامة التربية الفنية ضمن المعدل العام، وكذلك زيادة عدد حصصها وتطوير مناهجها، وتوفير المدرسين المتميزين، وهذا كفيل بخلق مجتمع متماسك يحب الجمال ويكره القبح، وإذا لم نفعل ذلك فلننتظر مزيدًا من المتطرفين ومزيدًا من سفك الدماء.

لقد واجهنا في السنوات الأخيرة موجة من العنف والإرهاب والصراعات البغيضة، دون أن يطرح التربويون على أنفسهم سؤال: لماذا هذا العنف وما هي أسبابه؟ وكأن التربية والتعليم ليست المسؤولة أو المعنية بمثل هذا الأمر، كما أن القائمين عليها لا يعنيهم ذلك، أو إنهم لا يهتمون ولا يريدون أن يعملوا.[10]

إن فقدان جودة التعليم الجمالي في المنطقة العربية جعل من التطرف أرضية خصبة، ومحركًا رئيسًا للانتماء والانتشار، وأداة للوصول بالشباب واستخدامهم كعوامل دفع وجذب لتقودهم إلى التطرف، كما أن وزراء التربية في الوطن العربي يتناسون أن الخبرة الفنية تزداد جمالاً كلما اتسعت آفاق الطلاب الثقافية عمقــًا، ويتناسون أيضــًا أن الذين أضافوا إلى التراث الإنساني من إنتاجهم هم جميعــًا من ذوي الثقافات الأدبية والعلمية والفلسفية، ومن هنا كانت أهمية التربية الجمالية التي ما زالت غائبة عن مناهجنا الدراسية؛ وهذه المناهج سواء كانت جمالية أو غير ذلك، لا يمكن أن نواجه من خلالها آفة التطرف، إن لم تتم مراجعتها وتنقيتها من الشوائب وتطويرها بما يتناسب وعقلية الأجيال الناشئة في عصر الثورة المعلوماتية، وضرورة إدراك أن التعليم لا ينفصل عن الثقافة، لأن التعليم المتطور يسعى إلى غرس قيم الانفتاح والتسامح، كما أن التعليم بحاجة وبشكل مستمر إلى مواد تساعد على نشر الوعي الجمالي في المجتمع بما يسهم في سد ثغرات تحاول أن تنفذ منها الجماعات المتطرفة، والتعليم يسهم مساهمة كبيرة في تجفيف أية بيئة خصبة تستغلها الجماعات المتطرفة لنشر أفكارها، فضلاً عن أن التعليم يسهم في تنشئة النشء والشباب منذ وقت مبكر على منظومة القيم الإيجابية التي تحث على التعايش والوسطية والاعتدال وقبول الآخر ونبذ التعصب والتطرف.

إن الدور الذي تقوم به التربية الجمالية يساعد ولا شك على نمو الشخصية الإنسانية البعيدة عن التطرف، ويتيح الفرصة أمام شريحة الطلاب، وهي شريحة مهمة ومؤثرة في المجتمع، لتندمج في نشاط بناء خلاق، ومن خلال هذا النشاط تستغل قدرتها على التخيل، بل إن النشاط الفني يمكن استغلاله كوسيلة علاجية من الناحية النفسية.

إن كل طالب لديه ما يقوله وما يعبر عنه، وكل ما في الأمر هو كيفية توجيه قواه التحليلية والبنائية والتركيبية والإبداعية والخيالية توجيــهــًا سليمــًا، وهنا يأتي دور الفنان المعلم والمشجع للطلاب على التعبير وإيقاظ كوامنهم وحثهم على إثارة قوى الملاحظة عندهم وابتكار صور وأشكال ورموز يجدون فيها مجالاً لإظهار عواطفهم وانفعالاتهم، وهذا لن يتأتى دون منح الثقة للتلاميذ، ولا سيما أنهم ينتمون إلى مجتمعات محافظة ومنغلقة، ويشعرون بالخجل والتردد والخوف، وعدم القدرة على التعبير، رغم أن كل طالب لديه ما يقوله ويعبر عنه، وكل ما في الأمر هو كيفية توجيه قوى الطالب الإبداعية التوجيه الصحيح، وهذا يجعله قادرًا على إصدار أحكام جمالية على جميع ما يتاح أمامه من أعمال فنية.

إن الدور الذي تقوم به التربية الجمالية يساعد بلا شك على نمو الشخصية الإنسانية وإذابة التطرف؛ فالذي يستقبل الجمال ويقدره يستطيع أن يخرج من ذاته ليقدر الجمال في كل شيء من حوله أو يقابله، ويستمتع به، وهذه القدرة على الاستجابة الجمالية هي التي تستطيع التربية الفنية أن تنميها في الفرد، وهنا لا تستطيع المدرسة وحدها أن تنمي الإحساس بالجمال أو تقديره أو التعبير عنه، وإبداعه إلا إذا كانت البيئة الخارجية تساعد في هذا المجال، وعلى المجتمع والدولة بكافة مؤسساتها تقع مسؤولية المساعدة في تنمية الإحساس بالجمال، وفي إتاحة الفرصة لجميع أفراد المجتمع ليقدروا الفن ويستمتعوا به، ويجب أن لا ننسى أن التربية الفنية بما تملك من أسلوب وأدوات هي المادة الوحيدة التي تساعد على تنمية حواس الأطفال وإدراكهم، لتجعل منهم أكثر إرهافــًا ورقة للمس والإدراك والفهم، حيث تؤكد الأبحاث التربوية المعاصرة أن مادة التربية الفنية هي أحد الأعمدة الأساسية الرئيسة التي تسهم في تنمية الجوانب الابتكارية لدى الطلاب، وهي خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والإرهاب، ولا سيما أن الجماعات المتطرفة تقوم جميعها - ودون استثناء - بإحباط مظاهر الفن والجمال كخطوة أساسية لنشر فكر التطرف؛ والأمر ليس مصادفة، فإحباط التذوق الفني في العقل يتشابه مع إحباط قدرة الإنسان على تذوق الطعام، وبالتالي قدرته على أن يميز بين الجميل والقبيح من الأشياء.

وفي حالة إحباط قدرة الإنسان على تذوق الفن، فإن عقله يصبح في هذه اللحظة عاجزًا عن التمييز بين الجميل والقبيح، فيصبح من الأسهل ملء عقله بغثاء فكري، سيتقبله لأنه عاجز عن التمييز، ولذا فإن كراهية الفن وإحباط مظاهر الجمال ومنعه، هو صفة مميزة لكل الجماعات المتطرفة، لأن الفن والجمال هما في أغلب الأحوال عوامل مقاومة للتطرف الفكري والعنف في المجتمع.

إن الفن إذا وجد مؤسسات تحتضنه وترعاه وتشجعه، فهو سيكون قادرا على مناهضة التطرف والإرهاب الجبان، وتغيير سلوك الإنسان، وتهذيب الروح من أجل إزالة الحواجز واحترام قبول الآخر، لكن هناك مشكلة تكمن في عدم قيام الفن بالدور المنوط به، وهذه المشكلة تكمن في حكومات الكثير من دول العالم العربي التي لا تقوم بتخصيص ميزانيات كبيرة للإنفاق على الفن، لذلك لم تقدم الحكومات العربية حتى الآن معالجة واقعية لما عانته الأمة من ويلات التطرف والإرهاب، وللأسف نرى أن إنفاق الحكومات على الفن ومؤسساته يصل إلى 1 % من إنفاقها على التسلح، وفي بعض الدول صفر، فالفن قادر على محاربة التطرف إذا اهتمت الحكومات بدوره ورسالته، لأن الأحداث أثبتت أن التطرف لا يتعايش مع الفن؛ وأن التشدد في التطرف سيبقى ملازمــًا لشروط الإنسان تعلو وتهبط، لكن أهمية الفنون تكمن في كونها وسائل بديلة وضرورية للناس، لكي يكونوا طبيعيين، ويصعب شدهم للانضواء تحت عناصر التطرف والتشدد.

إن التبعية الشاملة التي تعيشها المنطقة العربية بكاملها تخلق حالة تشوه ثقافي واضحة في الوجدان الجماهيري، ولعل عدم الاهتمام بالتربية الفنية والفن عند المواطن العربي يوضح ذلك، فلم يعد ذلك الاهتمام أصيلا لدى غالبية أبناء الأمة، وهذه الأزمة الجهنمية دائمة التشويه لوجدانه وعقله، ووسط الإحباط والفراغ تتقدم الرداءة الفنية كبديل لشغل الفراغ، وبين الطرفين يراوح الإبداع مكانه عاجزًا عن اختراق مناخ الرداءة في كل مجتمع، فيبدأ التكور على نفسه، ويدخل حالة العزلة والجنوح رافضــًا ذلك المجتمع يائســًا منه، وهذا يحدث تشوّهــًا ثقافيــًا.

إن ما يقوم به الفكر الظلامي الإرهابي من جرائم تستهدف الفنون والفكر التقدمي النير، والثقافة الإنسانية المتحررة، والإبداع الملتزم، والفن الأصيل وعمالقة الفكر التنويري النهضوي والحداثي التحرري في العالم العربي، هو استكمال لمشاريع "صهيو أمريكية" وغربية ورجعية تستهدف تدمير إبداعه الحر الخلاق، واغتيال رموزه الفكرية والثقافية والفنية، وإزهاق ألق الإبداع في روحه، واغتيال ماضيه المضيء والمؤسس لغده القادم.

أخيراً، إن جرائم الإرهابيين التي أصبحت تنتشر في أقطار عربية وعالمية كثيرة، لن تستثني أحداً، وهذا يتطلب من الحكومات والمثقفين والفنانين المؤمنين بقدسية وحرية الكلمة التصدي للممارسات المتطرفة، ولا سيما أن التطرف آفة خطيرة تجاوزت الحدود، وتخطت قيم المجتمع وسلامته، وهذا يتطلب وضع ميزانيات وخطط استراتيجية من قبل وزارات الثقافة العربية، ووزارات الأوقاف الإسلامية لدعم المؤسسات الفنية والثقافية والفكرية، لتقوم بدورها على أكمل وجه في مواجهة كافة الأفكار المتطرفة وسلوكيات العنف، وهذا يسهم في تفعيل التنمية الثقافية وقطع الطريق على أصحاب الفكر الرجعي من نشر ثقافتهم في أوساط المجتمع.


[1] نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 57

[2] د. محمد بن عد المجيد فضل، التربية الفنية "مداخلها، تاريخها، وفلسفتها" - جامعة الملك سعود، عمادة شؤون المكتبات - الرياض 1990 م – ص 9

[3] مجلة ميسان للدراسات الأكاديمية (عدد خاص) للمؤتمر العلمي الثاني الذي تقيمه كلية التربية الأساسية - جامعة ميسان تحت شعار (خطاب الفن واللغة في مواجهة الإرهاب الفكري) أبريل (نيسان) 2015 ص 933

[4] (سورة المائدة - الآية: 77).

[5] (سورة النحل - الآية: 125).

[6] منقول عن: الخطبة الإذاعية (73): خ 1 - الغلو في الدين لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ 6 / 6 / 2006

[7] المصدر السابق.

[8] التربية الجمالية في مجتمع متغير (تجربة الإمارات العربية المتحدة) دائرة الثقافة والإعلام - الشارقة - ط 1 - 1992 - ص 28

[9] عبد الرسول سلمان: بداية مسيرة الفن التشكيلي في الكويت - مطبعة حكومة الكويت 1975، ص 11

[10] عادل الشجاع: الجمهورية 8 / 7 / 2008

البحث في الوسم

مقالات ذات صلة

المزيد