الإسلاميّون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب


فئة :  قراءات في كتب

الإسلاميّون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب

الإسلاميّون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب

صدر كتاب "الإسلاميّون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب" عن المركز العربي للَأبحاث ودراسة السياسات (بيروت/الدوحة) في طبعة أولى في أيلول/سبتمبر 2013. وقد حوى الكتاب، الذي جاء في ثماني عشرة وسبعمائة صفحة من القطع المتوسّط، خمسة عشر فصلا لمؤلّفين مختلفين إلى جانب فهرس عام. وهذه الفصول هي في أصلها، كما جاء في مقدّمة الكتاب، ورقات بحثية وقع تقديمها في مؤتمر علمي عقده المركز في تشرين الأول/أكتوبر تحت نفس العنوان. وقد تمّ توزيع هذه الفصول في الكتاب إلى قسمين كبيرين: قسم أول جاء موسوما بـ "اتجاهات الإصلاح والديمقراطية والسياسة"، وقد احتوى على سبعة فصول، هي: "فكر النهضة والثورات العربية" لكمال عبد اللطيف، و"الإسلاميون في طور تحوّل: من الديمقراطية الأداتية إلى الديمقراطية الفلسفية (حالة حزب العدالة والتنمية المغربي) لامحمد جبرون، و"صعود إسلامي أم فشل علماني؟ محاولة لفهم نتائج الانتخابات المصرية بعد ثور 25 يناير" لمروى فكري، و"التيارات السلفية في مصر: تفاعلات الدين والإيديولوجيا والسياسة" لخليل العناني، و"الوسطية الإسلامية وفقه الدولة: قراءة نقديّة" لمعتزّ الخطيب، "القوى الإسلامية والتحالفات المبرمة قبل الربيع العربي وبعده: محاولة في الفهم" لرشيد مقتدر، و"محمد مهدي شمس الدين ونقد ولاة الفقيه" لفرح كوثراني.

أمّا القسم الثاني من الكتاب الذي تمّ وضعه تحت عنوان "تجارب في الحكم"، فقد ضمّ فصولا ثمانية، هي: "الحكم الإسلامي من دون إسلاميين: جدلية الدولة والحركة في التجربة السودانية" لعبد الوهاب الأفندي، و"تجربة الإسلاميين السودانيين في الحكم: تطبيق الشريعة في فضاء متعدّد ثقافيا ودينيا وإثنيا" لشمس الدين الأمين ضو البيت، و"ّالأداء السياسي للتيارات الإسلامية في مصر منذ ثورة 25 يناير" لمحمد السيد سليم، و"الإسلاميون في تونس وتحديات البناء السياسي والاقتصادي للدولة الجديدة قراءة في تجربة حركة النهضة" لأنور الجمعاوي، و"الإسلاميون في تونس وقضايا المرأة بين مطرقة النصّ وسندان الواقع" لحمّادي ذويب، و"تجربة مشاركة حزب الله السياسية في لبنان بين ولاية الفقيه وولاية الأمّة على نفسها" لطلال عتريسي، و"حزب الله: مشروع قراءة سوسيو-تاريخية" لسعود الملولى، و"تاريخ الإسلاميين وتجربة حكمهم في العراق" لرشيد الخيُّون.

تحوّلات الممارسة والخطاب عند الإسلاميين: الحادثة والجارية والمستشرفة

أهمية الفصول التي يحويها هذا الكتاب، تكمن في أنّها منجزة في لحظة مفصلية ما عادت فيها "قضية العلاقة بين الإسلاميين وقضايا نظام الحكم الديمقراطي مسألة نظرية، بل مسألة سياسية – اجتماعية خاضعة للاختبار بامتياز. ونشأت هذه العلاقة الجديدة؛ أي وصول حركات إسلامية عدّة إلى السلطة أو مشاركتها فيها، في خضم عملية التحوّل الاجتماعية – السياسية الكبرى الجارية في الوطن العربي" (ص 13). وبالفعل، إنّ شطرا مهمًّا من فصول الكتاب اشتغل بالتجارب الوليدة في سياق الحراكات الثورية المندلعة سنة 2011، وهي التجارب التي أفضت إلى مشاركة الإسلاميين في مسارات الانتقال الديمقراطي التي شهدتها كلّ من تونس ومصر والمغرب، وإلى فوزهم بأوّل انتخابات حرّة وشفّافة ونزيهة في هذه المسارات. وإذا كانت ورقة مروى فكري قد تموحرت، بصورة أساسية، على محاولة فهم الأسباب لتي أدت إلى فوز الإسلاميين في الانتخابات المصرية التي أعقبت ثورة 25 يناير مباشرة، مفترضة أنّ هذا الفوز لا يعبّر عن نجاحهم بقدر ما يعبّر عن "فشل النخب العلمانية في تقديم بديل سياسي واقتصادي وأخلاقي للفكرة الإسلامية" (ص 81)، فإنّ الهاجس الذي غلب على بقية الورقات التي اشتغلت على تجارب الإسلاميين بعد الحراكات الثورية لسنة 2011، كان التحوّلات الجارية في خطابات هؤلاء وفي أدائهم السياسي، أو التحوّلات التي يحب أن تجرى، بعد تحوّلات جماعاتهم من جماعات معارضة ومحضورة في معظمها إلى أحزاب سياسية تمسك بسلطة الحكم أو تشارك فيها بفاعلية في مسارات يمثّل الانتقال الديمقراطي عنوانها الرئيس. فورقة امحمّد جبرون حاولت أن تبرز من خلال تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي، أنّه لا مفرّ للإسلاميين من التحوّل من تبنّي الديمقراطية بمفهومها الأداتي التقني إلى الديمقراطية بمفهومها الفلسفي "التي تجسّدها مفاهيم الحرية والقانون الوضعي والمساواة". أمّا ورقة رشيد مقتدر التي تدرس التجربة نفسها (تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي)، فترصد ضربا آخر من ضروب التحوّل الذي يطال الممارسة السياسية لأحزاب الإسلام السياسي، حينما تدخل غمار التحالفات والمناورات في سبيل المسك بالسلطة، مما يؤدي إلى "تنمية النزعة الواقعية في العمل السياسي التي قد تنحرف إلى نزعة تبريرية هاجسها المغانم السياسية، وتتحوّل البراغماتية إلى انتهازية سياسية تقتل العمل السياسي وأهدفه النبيلة فتغدو السياسة هيكلا بلا روح" (ص 221).

ترصد ورقة خليل العناني من خلال تجربة التيارات السلفية في المشهد السياسي المصري الذي أعقب ثورة 25 يناير مظهرا آخر من مظاهر التحوّل عند جماعات الإسلام السياسي مجسّما في التغيّر الجدري الذي طال موقف السلفيين من قضية المشاركة السياسية في إطار نظام سياسي ديمقراطي، "وهو تغيّر وإن لم يصرّح ويعترف به قادة التيار السلفي، إلّا أّنّ ممارساتهم وأفعالهم تدلّ وتبرهن عليه" (ص 138). وقد أبرز الباحث بالخصوص كيف "تغلّبت السياسة على الإيديولوجيا في جلب السلفيين بعيدا من مقولاتهم وشعاراتهم التقليدية في شأن تحريم المشاركة السياسية وتقييدها" (ص 145)، بيد أنّ ورقة محمد السيد سليم كانت أقلّ وثوقا في حدوث مثل هذا التغيّر الجذري والتباين مع المرجعيات الإيديولوجية الأصولية للإسلام السياسي في مواقف جماعته التي شاركت بفاعلية في المسار السياسي الانتقالي الذي أعقب ثورة يناير في مصر، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين المجسّدة في جناحها السياسي حزب الحرية والعدالة؛ ذلك أنّ صاحب الورقة يخلص من خلال رصده وتحليله لمظاهر الأداء السياسي للتيارات الإسلامية في العشرين شهرا التي تلت ثورة 25 يناير إلى أنّ "رفع الشعارات الإيديولوجية يختلف عن العمل من داخل الجهاز التشريعي والتنفيذي للدولة. من ثمّة، فإنّ مستقبل تلك التيارات مرهون بمدى قدرتها على تقديم خطاب توافقي عام يضعها في قلب العلمية السياسية الديمقراطية من خلال التخلّي عن ادعاء امتلاك الدين والتعبير عنه، ومن خلال الإدارة الرشيدة لخلافاتها مع القوى الأخرى وخلافاتها الداخلية" (ص 459 – 460).

أمّا تقييم تجربة حركة النهضة الإسلامية في تونس بعد ثورة 14 يناير، وتحديدا تقييم مدى تطوّر منظورها الإيديولوجي وانسجامه مع مفترضات الانتقال الديمقراطي المنشود، فقد كان هو الآخر مدار خلاف في التقدير بين كل من ورقة أنور الجمعاوي وورقة حمّادي ذويب. فالورقة الأولى ذهبت إلى حدّ القول بأنّ حركة النهضة "طوّرت مقولاتها السياسية في العشرية الأخيرة خصوصا بعد أن ساهمت تجربتها النضالية في الداخل والخارج في نحت تصوّر جديد للتعامل مع الآخر وبلورة فكر منفتح على الرافد الحضاري للثقافة السياسية الغربية يفيد منها، ويحاول أن يستوعب منجزاتها التنويرية الديمقراطية، ويدرجها في السياق الإسلامي على كيف ما" (ص 482). وعموما يرى الجمعاوي أنّ حركة النهضة قد رفعت تحدّي تطوير مرجعيّتها الفكرية والإيديولوجية، ولم يعد أمامها غير رفع التحديات العملية، السياسية منها والاقتصادية التنموية، من أجل تحقيق البناء المنشود للدولة المدنية الديمقراطية ذات المرجعية الإسلامية. في حين أنّ ورقة حمادي ذويب، واستنادا إلى دراسة مواقف رموز حركة النهضة من قضايا المرأة وحقوقها، تخلص إلى تبيّن "أنّ خطاب الإسلاميّين في تونس في المواضيع المتّصلة بالمرأة مرتبك بعض الشيء، فهو أحيانا يتطابق مع متطلّبات الحكم الديمقراطي وأحيانا أخرى يبدو في تعارض معها" (ص 548).

غير أنّ استحواذ تجارب الإسلاميين في سياقات بلدان الثورات العربية المندلعة سنة 2011، تونس والمغرب ومصر، على هذا الجزء المهمّ من فصول الكتاب، لم يمنع أنّ فصولا منه قد اشتغلت بتجارب سابقة خاضها الإسلاميون في كل من السودان ولبنان والعراق. فلقد درست كلّ من ورقة عبد الوهاب الأفندي وورقة شمس الدين ضو البيت تجربة الإسلاميين في السودان، وبخاصة تجربة سيطرتهم على الحكم وأدائهم فيه والنتائج المترتّبة عليه. واللافت أنّ الورقتين انتهتا إلى خلاصات وتقييمات تبدو متقاربة، إلى حدّ بعيد، في مضمونها السلبي؛ فالأفندي خلص إلى أنّ "ما سمّي نظريا بالحركة الإسلامية، وهي حركة كان من المفترض أن تكون هي الحاكمة في السودان، اختفى وراء غشاء كثيف من الأجهزة الأمنية – البيروقراطية من جهة، من التحالفات الطبقية والقبلية من جهة أخرى" (ص 330). أمّا خلاصات ضو البيت، فقد كانت أكثر قتامة وسوداوية، معتبرة أنّ ما يقرب من ربع قرن من تاريخ ما سُمّي بـ "المشروع الحضاري" للحركة الإسلامية السودانية "قد كشف عن عشرة إشكالات أساس أقرب إلى أن تصبّ في حزمة "المفاسد والتبلّد والضياع" في مشروع الدولة الإسلامية التي تقوم على تطبيق الشريعة في فضاء متعدّد ثقافيا ودنيا وعرقيا". ومن أهمّ هذه الإشكالات التي يرصدها الباحث: إدارة الدولة عبر آلية التمكين واعتماد آليات فقهية لا تستجيب في معظمها إلى مشكلات البلاد الحقيقية، ومنطق الأسلمة المعارض للمنطق المدني العام المعتمد في إدارة الاختلافات الوطنية، وتحوّل البلاد إلى ساحة للعنف اللفظي والمادي والمواجهات الدامية (دارفور وجنوب السودان ...)... إلخ (ص 390 – 397).

تجربة الحركة الإسلامية الشيعية، ممثّلة في تجربة حزب الله، خلال العقود الثلاثة الأخيرة في لبنان كانت مدار تحليل كلّ من ورقة طلال عتريسي وورقة سعود المولى. وبين هاتين الورقتين، نقف مرة أخرى على مظهر آخر من مظاهر اختلاف التقدير في شأن التحوّلات التي شهدتها أو يمكن أن تشهدها مواقف جماعات الإسلام السياسي ومنظوراتها الإيديولوجية والعقائدية. فعتريسي خلص إلى أنّ حزب الله "قد قام مبكّرا من خلال تجربة مشاركته السياسية في لبنان بتغليب "ّالخصوصية اللبنانية" على منطلقاته الإيديولوجية الإسلامية ذات الصلة بالثورة الإيرانية وولاية الفقيه" (ص 582). أمّا المولى، فيخلص إلى عكس ذلك تماما، معتبرا أنّ حزب الله "لم يطوّر (ولا يستطيع) مشاركته السياسية في الحكم إلى مشروع لَبْنَنَة حقيقي من جهة، كما لم يطوّر (ولا يستطيع) وضعه التنظيمي الداخلي بشكل ديمقراطي من جهة أخرى" (527 - 528).

أما ورقة رشيد الخيُّون التي مثّلت الفصل الأخير من الكتاب، فقد جاءت خلاصتها مدعمّة لفكرة عدم قدرة حركات الإسلام السياسي على استيعاب تحوّلات جذرية في منظوراتها وخطاباتها الإيديولوجية؛ فلقد اهتمت هذه الورقة بتاريخ حركات الإسلام السياسي في العراق، السنّية منها والشيعة، وتحوّلاتها، خاصة بعد 2003، حينما أصبحت اللاعب الرئيس في الحياة السياسية وفي إدارة شؤون الدولة في ظل الاحتلال الأمريكي. وقد وقف الباحث عند بعض الخطابات والبيانات التي بدت داخلة ضمن "محاولة لتغيير الخطاب"، وفيها "ما يلمّح إلى الدولة المدنية غير الدينية، وإلى حرية المجتمع والابتعاد من الدوائر الخارجية"، غير أنّه ينتهي إلى القول: "يصعب اعتبار تلك الخطابات أو البيانات مشروعا نهضويا جديدا لدى الإسلاميين في العراق (...)، حيث أدخلوا العراق في تيه طائفي أو مذهبي، وتحوّل الحرص على إيجاد أساليب للبقاء في السلطة، وبذل الجهد في تجهيل المجتمع، وتحوُّل الإسلامين الشيعي والسنّي إلى ممثليْن للطائفتين، وليس مهتمّيْن بإنضاج مشروع تنوير إسلامي يتناسب مع تطوّر الزمن" (ص 686).

على هذا النحو، نرى كيف أنّ مدار اثني عشر فصلا من فصول الكتاب الخمسة عشر كان قراءة حركات الإسلام السياسي وتحوّلات الخطاب عندها في علاقة مباشرة بتجارب عملية مخصوصة. وقد اهتمت سبعة فصول بتجارب الإسلاميين الجارية سنة 2012 في مسارات الانتقال الديمقراطي التي شهدتها كل من تونس ومصر، في حين اشتغلت خمسة فصول على تجارب أكثر امتدادا في الزمن، هي تجربتا حكم الإسلاميين في كل من السودان والعراق وتجربة مشاركة حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية. أما بقية فصول الكتاب، وعددها ثلاثة، فقد تناولت مسائل في تحوّلات الأفكار والخطاب عند الإسلاميين بصورة مجرّدة ومنفصلة عن مجريات الواقع العملي لتجاربهم في الحكم والمعارضة. ولمّا كانت ورقة كمال عبد اللطيف ذات طابع استشرافي عام يتشوّف ما سمّاه "تحديات جديدة ومعارك مرتقبة" في ما بعد الثورات العربية، فإنّ حديثها عن التحوّلات الفكرية المرتقبة عربيا، ومنها التحوّلات المرتبطة بأفكار الإسلاميين وطروحاتهم، كان أقرب إلى منطق "الأمنيات" الساذج منه إلى منطق الاستشراف المؤسّس على التفكير والعميق، فهي تخلص إلى أنّه "لا تنفصل معارك المجال الثقافي والديني عن مشروع ترسيخ الحداثة السياسية في فكرنا. في هذا السياق، نحن نعتبر أنّ انتشار دعاوي تيارات الإسلام السياسي ودعاوى تيارات التكفير في ثقافتنا ومجتمعنا يمكّننا أكثر من أي وقت مضى من بناء النظر النقدي القادر على كشف فقر ومحدودية وغربة التصوّرات الموصولة بهذه التيارات، الأمر الذي يتيح لنا بناء الفكر المبدع المساهم في إنشاء مواقف وتصوّرات مطابقة لتطلّعاتنا في النهضة والتقدّم" (ص 44).

أمّا ورقة معتزّ الخطيب، فقد حاولت أن تكون نقدية في مقاربة "فقه الدولة" وتطوّراته في طروحات من يسمّون أنفسهم بـ "الإسلاميين الوسطيين" وخطاباتهم. والمقصود بهؤلاء الوسطيين، كما يتّضح من سياق الورقة همّ منظّرو التيار الإخواني والجماعات القريبة منه (بدءا بحسن البنا وصولا إلى يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي مرورا بعبد القادر عودة وغيرهم ...) الذين يتخذون "موقفا وسطا" بين الرؤى "المتشدّدة" (الجماعات الجهادية) والرؤى العلمانية. ورغم أنّ الخطيب فحص أفكار هؤلاء "الوسطيين" بشكل مجرّد، أي بمنعزل عن نتائج تنزيلها في الواقع العملي، فإنّ منظوره النقدي أوصله إلى أن يستخلص ما سمّاه "مغالطة كبيرة جدّا" في فكر هؤلاء، وهي مغالطة وقعوا فيها "حين تمثّلوا الإسلام وأصبحوا يتحدّثون باسمه. فحين جعلوا الحكومة أو الدولة ركنا من أركانه، واجهوا مشكلة عدم وجود شكل محدد للحكم وعدم وجود تفاصيل تضاهي منجزات فكر الدولة الحديثة، فراحوا يجتهدون في استنباط هذا النظام الإسلامي، وفي سبيل ذلك اضطروا إلى توطين كثير من المفاهيم الحديثة ضمنه مع بعض التحوير تارة، مع إعادة اكتشاف أجزاء من التراث تارة أخرى، ولكن من منظور الأفكار الحديثة" (ص 206). واستنادا إلى تحليل طبيعة فقه الدولة في كتابات الوسطيين ينتهي الباحث إلى بلورة "الإشكالات التي تحيط بالتفكير السياسي الوسطي على مستوى المنظومة وعدم اتساقها أولا، ثم على مستوى عدم دقة أطروحات أصحابها بالاستناد إلى مرجعيتهم الفقهية؛ ذلك أنّ الفقه الحركي ارتكب جملة من التوليفات التراثية والحديثة لبناء تصوّراته عن المسألة السياسية وموقعها من المعتقد الإسلامي، حتى صار من لا يؤمن بذلك منقوص الإسلام" (ص 210).

ورقة فرح كوثراني كانت هي الأخرى من نفس جنس ورقة معتزّ خطيب من حيث كونها معالجة مجرّدة للأفكار، غير أنّ ورقة كوثراني بدت لنا مختلفة عن ورقة الخطيب لا من جهة أنّها اهتمت بالخطاب الإسلامي السياسي الشيعي فقط، ولا من جهة أّنّها اشتغلت على مدوّنة عَلَم مفرد، هو محمد مهدي شمس الدين الذي "ارتكز فكره السياسي على مركزية الأمّة باعتبارها مؤسسة إسلامية بدلا من فكرة الدولة" (ص 286) فحسب، بل كذلك من جهة حضور البعد الإشكالي وتفعيل الوعي النقدي؛ ذلك أنّ ورقة الباحثة كوثراني بدت لنا أقل حظا في هذا المستوى، وأكثر "احتفائية" بالتحوّلات التي تظهر على سطح الخطاب، الأمر الذي جعلها تخلص إلى أنّ "العقد الأهم من حياة شمس الدين، وهو العقد الأخير من القرن العشرين الذي شهد ميلا عميقا لما يمكن تسميته "إسلاما مدنيا" حاضرا بقوة في الحياة العامة والمجتمعية للناس. وفي سياق دفاعه عن الدولة المدنية، أقرّ شمس الدين أنّ الحكومة الإسلامية ليست الحلّ الأفضل للمجتمعات الإسلامية، وليست الإطار الأفضل الذي يحمي الدين ويجعله يزدهر على صعيد المجتمع؛ فالإسلام ينتعش أكثر في ظل مجتمع أهلي ودولة مدنية لا تتسلط على مؤسسات دينية أهليةّ" (ص 294).

بين مفترضات الانتقال الديمقراطي والإرث الإيديولوجي

تكمن أهمّية هذه الفصول التي حواها كتاب "الإسلاميّون ونظام الحكم الديمقراطي: اتجاهات وتجارب"، كما سبق وأن ذكرنا، في كونها تعكس شطرا مهمّا من مشاغل المهتمين بقضايا الإسلام السياسي وقضايا الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية في لحظة تاريخية مفصلية تميزت بصعود الإسلاميين إلى دفة الحكم في كل من تونس ومصر والمغرب، وذلك عن طريق انتخابات ديمقراطية حرّة ونزيهة وشفافة أعقبت الحراكات الثورية العاصفة التي شهدتها هذه البلدان في مفتتح 2011. كانت الأحداث المتسارعة في مشاهد الحراكات السياسية والاجتماعية، وحتى العسكرية والقتالية (في سوريا وليبيا واليمن)، في تلك الفترة، تطرح على الباحثين والمثقفين العرب الكثير من المسائل الإشكالية الخطيرة، من ضمنها مسألة الإسلاميين ونظام الحكم الديمقراطي. وهذه المسألة طرحت نفسها بقوة، في ذاك السياق المخصوص، لا باعتبارها مسألة نظرية فقط، بل كذلك باعتبارها مسألة عملية وأحد العناصر الحاسمة في إنجاح مسارات الانتقال الديمقراطي الناشئة أو إفشالها وإجهاضها. وكان المشغل العملي الثاوي وراء المسألة النظرية تترجمه مجموعة من الأسئلة، من قبيل: كيف سيتصرّف الإسلاميون مع أنظمة الحكم الديمقراطي الوليدة التي كانوا هم أكبر المستفيدين منها؛ لأنّها أوصلتهم إلى الحكم ومنحتهم فرصا لإبراز قدراتهم في إدارة الدولة وتطبيق البرامج التي يدّعون امتلاكها؟ هل سيعكس الأداء السياسي للجماعات الإسلامية في السلطة التي وصلت إليها عبر صناديق الاقتراع صورة الحزب السياسي المدني المؤمن بجميع مقتضيات الحكم الديمقراطي بما فيها صيانة الحريات العامة والخاصة القبول بمبدأ التداول السلمي على السلطة... إلخ؟ وفي الأخير هل سيسهم انتصار الإسلاميين في أوّل انتخابات ديمقراطية عرفتها كل من تونس ومصر والمغرب في إنجاح مسارات الانتقال الديمقراطي التي انخرطت فيها هذه البلدان، وتثبيت أركانها أم سيكون صعود الإسلاميين للسلطة عاملا معرقلا في هذه المسارات وخطرا على ديمومتها؟

كانت مقاربة هذه الأسئلة ذات الطابع الاستشرافي العملي تستدعي نظريا الإجابة عن السؤال التالي: هل استوعب الإسلاميون الفكرة الديمقراطية في كلّيتها، وأصبحوا من ثمّة يؤمنون بكل مقتضياتها؟ بيد أنّنا لاحظنا أنّ مثل هذا السؤال لم يكن مناط اهتمام مركزي في الكتاب؛ ذلك أنّ جميع ورقاته تقريبا (أي إذا استثنينا ورقة أنور الجمعاوي ربّما) تنطلق من حقيقة أنّ الإسلاميّين يدخلون غمار المشاركة السياسية وإدارة الدولة في ظل أنظمة حكم ديمقراطي وليدة، وهم مثقلون بتراث إيديولوجي كبير مناوئ للديمقراطية، باعتبارها جزءا لا يتجزّأ من الحداثة السياسية وقيمها الإنسانية الوضعية العلمانية (منظومة حقوق الإنسان بصورة عاملة). لذلك، نرى أنّ جلّ الورقات التي اشتغلت على تجارب الإسلاميين في مسارات الانتقال الديمقراطي الجارية زمن ذاك قاربت المشكلات المطروحة، لا من جهة سؤال: هل يمثّل الإسلاميون قوى ديمقراطية حقيقية؟ بل من جهة سؤال: هل سيدفع الانخراط العملي في مسارات الانتقال الديمقراطي الإسلاميين إلى مراجعات إيديولوجية حقيقية تفضي بهم إلى تبنٍّ فعليٍّ للفكرة الديمقراطية والقبول بكل مقتضيات الحكم الديمقراطي؟

حيال هذا السؤال الذي استبطنته، بطريقة أو بأخرى، جلّ الورقات التي اشتغلت على تجارب الإسلاميين في مسارات الانتقال الديمقراطي الجارية عربيا زمن ذاك، برز اتجاه تخلّل شطرا مهما من هذه الورقات مغلّبا الفرضية التي مؤداها أنّ انخراط الإسلاميين في المشاركة السياسية وفي أنظمة الحكم الديمقراطي سيكون العامل الحاسم، وهي فرضية استخفّت، بشكل أو بالأخر، بالتراث الإيديولوجي المعادي للحداثة السياسية الذي راكمه الإسلاميون خلال العقود الماضية، وتجاهلت، بشكل واضح، تجاربهم في الحكم، وفي العمل السياسي بصورة عامة، قبل تجارب "الربيع العربي". وقد ظهر هذا الاتجاه، كما رأينا أعلاه، في كل من ورقة كمال عبد اللطيف (القول بإمكانية بناء بدائل جديدة من طروحات الإسلاميين التقليدية) وورقة امحمد جبرون (القول بأنّ الإسلاميّين في طور تحوّل نحو الاستيعاب الكامل لـ "الديمقراطية الفلسفية") وورقة رشيد مقتدر (القول بانخراط الإسلاميين في البراغماتية السياسية والابتعاد عن تكريس مشروعهم الإيديولوجي) وورقة خليل العناني (القول بانخراط السلفيين في المشاركة السياسية بعيدا من مقولاتهم وشعاراتهم التقليدية في شأن تحريم المشاركة السياسية وتقييدها) وورقة أنور الجمعاوي (القول بإمكانية نجاح حركة النهضة في بناء "دولة مدنيّة ديمقراطية جديدة" في تونس).

لكن في مقابل هذا، نلاحظ أنّ بعض ورقات هذا الكتاب التي اهتمت بتجارب الإسلاميين الجارية زمن ذاك قد مالت أكثر إلى التنبّه، والتنبيه، إلى هذا التراث الإيديولوجي الثقيل الذي يحمله هؤلاء وإلى كونه يمثّل عاملا من العوامل المهدّدة للمسارات الديمقراطية الناشئة. ونخصّ بالتحديد كلاّ من ورقة محمد السيد سليم وورقة حمادي ذويب؛ فالأولى رصدت تجلّيات هذا التراث الإيديولوجي في سياسة مرسي "التمكينيّة" لجماعة الإخوان المسلمين ونتائجها في بداية التأسيس لاستبداد سياسي جديد باسم الدين وزرع بذور التفرقة في المجتمع المصري. أمّا الثانية، فقد وقفت عند الكثير من مواقف الإسلاميين التونسيين تجاه المرأة وحقوقها، لا تنسجم مع فكرة المساواة المواطنية التي يقوم عليها كل نظام سياسي ديمقراطي بالضرورة.

طبعا، حين نعود إلى هذا الكتاب اليوم، لا نملك إلاّ أن نقول إنّ شطرا مهما من فصوله التي اهتمت بتجارب الإسلاميين في سياقات الانتقال الديمقراطي الوليدة سنة 2011 قد سقطت في تقديرات غير دقيقة، حتى لا نقول خاطئة، حينما استخفّت بأهمية التراث الإيديولوجي المناوئ للديمقراطية عند جماعات الإسلام السياسي، ورأت أنّ الممارسة العملية للسياسة والحكم في إطار نظام ديمقراطي كفيلة بأن تجعل هذه الجماعات تتخلّى عن هذا التراث أو، على الأقلّ، تعطّله وتتبنى، بشكل أو بأخر، مفترضات الحكم الديمقراطي. وحينما ننظر للكتاب، في كلّيته، نرى أنّ مخرجاته ونتائجه واستشرافاته كانت بالإمكان أن تكون أكثر دقة وأكثر قدرة على التنبّه إلى الإشكالات التي ستعترض مسارات التجارب الديمقراطية الناشئة زمن ذاك التي كان فيها الإسلاميون أكثر الفاعلين السياسيين تأثيرا في مجريات هذه المسارات، بحكم فوزهم في الانتخابات؛ ذلك أنّ "قطيعة" بدت لنا واضحة في بنية الكتاب بين الورقات التي اشتغلت على تجارب الإسلاميين الجارية من جهة، والورقات التي اهتمت بتجاربهم السابقة والفصول التي تناولت تطوّر بناهم الإيديولوجية وخطاباتهم السياسية من جهة أخرى. فالتحليل النقدي الذي تضمّنته ورقة معتزّ الخطيب، والذي كشف عن عدم اتساق منظومة "فقه الدولة" في الفكر الإخواني وعدم دقة أطروحتها التوليفية (بين المفاهيم التراثية والمفاهيم الحديثة) كان يمكن أن يعدّل كثيرا من تفاؤلية ورقة أنور الجمعاوي المطمئنة إلى القول بأنّ حركة النهضة الإسلامية التونسية قد طوّرت بالفعل مقولاتها السياسية بما يحاول أن يستوعب منجزات الثقافة الغربية التنويرية الديمقراطية، ومن وثوقية ورقة امحمد جبرون في قولها بأنّ الإسلاميين سائرون إلى تحوّل "حتمي" يتبنّون بمقتضاه الفكرة الديمقراطية بكلّ مقوماتها الحقوقية الوضعانية. كما كان بإمكان النتائج التي خلصت إليها ورقات الأفندي وضو البيت والمولى والخيّون، وهي التي عالجت تجارب حكم (أو المشاركة في الحكم) ممتدّة خاضتها الحركات الإسلامية في السودان ولبنان والعراق، أن تجعل الباحثين الذين عالجوا التجارب الناشئة زمن ذاك المتعلّقة بحكم الحركات الإسلامية في تونس ومصر والمغرب أكثر حذرا في الأخذ بظاهر خطاباتها القائلة بأنّها تحولّت فعلا إلى أحزاب ديمقراطية تؤمن بالتعدّدية والتعايش والتداول السلمي على السلطة تحت سقف الدولة المدنية المواطنية الحديثة. فتجارب حكم حركات الإسلام السياسي، أو مشاركتها في الحكم، في السودان والعراق ولبنان كانت تفيد بأنّ ممارستها لم تغادر مربّع سياسات الجماعات الدينية العصبوية الطائفية التي تؤدي عمليا إلى زرع بذور الفرقة والصراع في المجتمع، كما كانت تفيد بأنّ جماعات الإسلام السياسي لا تتوانى في إعادة إنتاج الاستبداد السياسي والثقافي بمجرد أن تجد إمكانا لذلك (التجربة السودانية دليل واضح على ذلك). وفي التطوّرات التي شهدتها تجربتا حكم الإسلاميين في مصر وتونس بداية من سنة 2012 ما يعزّز هذه الحقائق.

الخاتمة

إذا كان ثمة من درس نستفيده من هذا الكتاب في الجدال المتواصل اليوم حول حقيقة التطوّرات أو التغييرات التي تعرفها، أو يمكن أن تعرفها، جماعات الإسلام السياسي على مستوى الخطاب والممارسة، فإنّ هذا الدرس مؤدّاه أنّ الإرث الإيديولوجي التاريخي لهذه الجماعات هو من الثقل والتكلّس، حيث يغدو من الصعب الحديث عن إمكانية تجاوزه بمجرّد رصد نزعات "اجتهادية" أو مواقف "جديدة" على سطح الخطاب. صحيح أنّ فرضية تطوّر حركات الإسلام السياسي تحت ضغط حقائق الواقع العملي تبقى فرضية قائمة، في تقديرنا، غير أنّ ذلك لا يعني الاستخفاف بوزن التراث الإيديولوجي لهذه الحركات وفاعليّته الكبيرة في معاندة وعرقلة هذا التطوّر الممكن.