الإيمان والتجربة الدينية


فئة :  قراءات في كتب

الإيمان والتجربة الدينية

عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، وبالتعاون مع دار التنوير ببيروت، صدر الجزء الثاني من "موسوعة فلسفة الدين"، بعنوان: "الإيمان والتجربة الدينية"، في 550 صفحة. اعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي. وكان الجزء الأول من هذه الموسوعة قد صدر العام الماضي أيضاً، بعنوان: "تمهيد لدراسة فلسفة الدين"، في 500 صفحة.

وستصدر هذه الموسوعة في أجزاء عدة، يتسع كل واحد منها الى ما لا يقل عن عشرين مقالة علمية لفلاسفة ومفكرين وباحثين معروفين، من الغربيين والعرب والإيرانيين. وقد أخذ "مركز دراسات فلسفة الدين"، على عاتقه؛ بإمكاناته المادية الشخصية المتواضعة، اعدادَ وتحرير "موسوعة فلسفة الدين" بالعربية؛ وهي محاولة أولية، وخطوة على الطريق الطويل. تضم هذه الموسوعة مجموعة نصوص جادة في قضايا فلسفة الدين، مترجمةً عن الألمانية والفرنسية والانجليزية والفارسية، بموازاة مساهمات أخرى مما هو مدون بالعربية. ولم نشأ اللجوءَ للنصوص المترجمة، لولا عدم كفاية الكتابات العربية في فلسفة الدين حتى هذه اللحظة.

فلسفة الدين هي الأفق البالغ الراهنية والاهمية في الدراسات الدينية اليوم. وما تعد به فلسفة الدين بتعبير المحرر عبدالجبار الرفاعي: "يتطلب الكفّ عن الموقف الارتيابي المسكون بالتوجس من فتوحات واكتشافات عقل الآخر، والشفاء من الفوبيا "الخوف" من كلّ ما هو جديد في العلوم والمعارف البشرية.. في فلسفة الدين لا نحذر الإفادة من سلة العلوم الإنسانية، وما انتهى إليه العقل البشري، من دون تجنيس هذا العقل أو تصنيفه: أثنيًا، أو جغرافيًا، أو لغويًا، أو دينيًا، أو ثقافيًا.. فلسفة الدين لا يمكن أن تستغني في دراسة النصوص الدينية، والتجارب الدينية، والموروث الديني، عن: اللسانيات الحديثة والمعاصرة، والهرمنيوطيقا وعلوم التأويل، وفلسفة اللغة، وعلم نفس الدين، وعلم اجتماع الدين، وأنثروبولوجيا الدين.. الخ.. إنّها مغامرة جسورة في عبور أنفاق الموروث، والانعتاق من تكرار الحواشي والشروح وشروح الشروح".

تتناول أجزاء "موسوعة فلسفة الدين" الموضوعات التالية:

1 - تمهيد لدراسة فلسفة الدين.

2 - الإيمان والتجربة الدينية.

3 - تمهيد لدراسة علم الكلام الجديد.

4 - المعرفة الدينية.

5 - الهرمنيوطيقا وتفسير النصوص الدينية.

6 - لغة الدين.

7 - التعددية الدينية.

8 - الوحي.

9 - الدين والأخلاق.

10 - مشكلة الشر.

الجزء الثاني الذي صدر تواً؛ كما الجزء الأول تم اعداده من أجل اعتماد موضوعاته كمرجع للأساتذة والتلامذة والباحثين في دراسة وتعليم فلسفة الدين. ويمكن القول انه أول مرجع متخصص بالعربية في فلسفة الدين يجري اعداده بغرض اعتماده مرجعاً في هذا الحقل الجديد للدراسات الدينية.

يتضمن هذا المجلد من الموسوعة 20 مقالة، لفلاسفة ومفكرين وباحثين معروفين، قدّم لها: د. عبدالجبار الرفاعي، بمقالة مطولة بعنوان: "التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي"، أوضح فيها ما يعنيه مفهوم "التجربة الدينية"، بوصفها: "تعني مواجهةَ الله وإدراكَ حضوره، والمثولَ في حضرته، وتحسسَ هذا الحضور وتذوقَه روحيا. هي نحوُ تجلٍ وجودي للالهي في البشري.. التجارب الدينية متنوعة، كتجربة الانجذاب والهيبة، تجربة الاعتماد، تجربة الأمل، تجربة الحب، و... إلخ. الايمان الديني يرتكز الى هذه التجارب، والنوع الأعمق والأشد لهذه التجارب ما عاشه الأنبياء والأولياء والمتصوفة والقديسون، إذ كانت لهم تجارب عميقة جداً، وقريبة غاية القرب من الألوهية. التجارب الدينية أعمق مستويات الأديان، فهي النواة المركزية للأديان. معارف الدين تهتم بتفسير هذه التجارب وتصنيفها، والكشف عن الحقيقي والزائف منها، وكيفية تمييزها عن: الحيل، والشعوذات، والهلوسات، والاضطرابات، والتشوهات، والعقد، والجروح النفسية، والأمراض العقلية، والانهيارت العصبية. ففي ميراث التصوف المعرفي والعرفان النظري نعثر على شروح وتفسيرات؛ تضئ لنا: حقيقة التجارب الدينية، وطبيعتها، وحدودها، وأنماطها، ووسائل تحققها، وآثارها في بناء الحياة الروحية".

ثم أفاض في بيان ما يرمي اليه "الظمأ الانطولوجي"، وطبيعة العلاقة العضوية للتجارب الدينية بإرواء الظمأ الانطولوجي. يكتب الرفاعي في تفسيره للظمأ الانطولوجي انه: "يعني افتقار الشخص البشري الى ما يُثري وجودَه، ويكرّس كينونته، ويمنحه وقوداً لحياته، حيث تفتقر حياته لوقود يحركها، ويشبع حاجته لمعرفة معنى لحياته، ويكشف له عن سر الحياة، ويعزز قدراته؛ بالمستوى الذي يجعله قادرا على التغلب على مشكلة الوجود البشري في هذا العالم. الظمأ الانطولوجي يجتاح حياةَ كل كائن بشري، بوصف هذا الكائن يتعطش للامتلاء بالوجود، كي يتخلصَ من الهشاشة، ويجعلَ حياتَه ممكنةً في هذا العالمِ الغارق بالآلام والأوجاع، وتكونَ له القدرةُ على العيش بأقلَ ما يمكنُ من المرارات والأحزان، ويخرجَ من حالة القلق إلى السكينة، ومن اللامعنى إلى المعنى، ومن العدمية إلى الحقيقة.

التجربة الدينية تمثل البعد الأنطولوجي في الدين، وجوهره وذاته وروحه وباطنه العميق. التجربةُ الدينية جوانيةٌ، غاطسةٌ في الذات، بل متماهيةٌ معها، لا يمكن بلوغُها بأدواتٍ ووسائلَ حسية، وربما لا تشير اليها ظواهرُ التدين الخارجية، أو قد تشي بعكسها أحياناً، كما لدى معظم رجال الدين، الذين ربما يؤشر خطأ ما يمارسونه من قداسات وطقوس وشعائر؛ إلى عمق تجاربهم الدينية، رغم أن عالمهم الباطن مظلم بعيد عن الله.

يستمد كل شخص فهمه من ذاته ووجوده الخاص وأفق انتظاره. يتلون الفهم على الدوام بفضاء الذات وخبرتها. لذلك لا يُفهم الايمان إلاّ في فضاء الايمان، ولا تُفهم التجربة الدينية إلاّ في فضاء التجربة الدينية، فما لم نتحقق بهذه التجربة ليس بوسعنا تقديم فهم واضح لها. مثلما لا يفهم طبيعة الحب إلاّ من يتذوق الحب. ولا يفهم البهجة إلاّ من تشرق نفسه ابتهاجاً، ولا يفهم القلق إلاّ من يغرق بالقلق".

يشتمل المجلد الثاني من "موسوعة فلسفة الدين" على النصوص التالية:

التجربة الدينية والظمأ الأنطولوجي، د. عبدالجبار الرفاعي. التجربة الدينية: ما الذي تعنيه بمواجهة الله؟، ميشيل بيترسن وآخرون. دفاعاً عن التجربة الدينية، شلايرماخر. التجربة الدينية، د. أديب صعب. أعمال المحبة، سورن كيركگورد. إله الجمال، عبد النور بيدار. التجربة الدينية واحياء الدين، محمد مجتهد شبستري. التجربة الدينية، مصطفى ملكيان، د. محمد لغنهاوزن. التجربة الدينية، د. علي شيرواني. التجربة الدينية والنص من التنزيل الأوّل إلى الثاني، د. عدنان المقراني. الإيمان والفرد عند سورن كيركگورد، د. قحطان جاسم. الإيمان والتجربة الدينية، مصطفى ملكيان. الحب والإيمان عند كيركگورد، د. حسن يوسف طه. التجربة الدينية من منظور السوسيولوجيا الألمانية، د. حسن الضيقة. الإيمان والتجارب الدينية، محمد مجتهد شبستري. الإيمان، مصطفى ملكيان، الإيمان والحرية، محمد مجتهد شبستري. التجربة الدينية والعرفانية عند ابن عربي، د. قاسم كاكائي. الإيمان عند كيركگورد، د. نعيمة بور محمدي. الإيمان عند جون بيشوب، د.شيماء الشهرستاني، د. محسن جوادي.

يشار الى أن جهود "مركز دراسات فلسفة الدين"، تواصلت منذ عشرين عاماً تقريباً، متمحورة حول قضايا فلسفة الدين، من خلال إصداراته التي تجاوزت 200 كتاباً، ومجلته المتخصصة في فلسفة الدين "قضايا إسلامية معاصرة"، والتي خصّص "المعهد البابوي في روما" التابع للفاتيكان، في ديسمبر 2012 كتابَه السنوي لمواد منتقاة من هذه المجلة، وأصدرها بالايطالية والانجليزية والفرنسية؛ اعترافا بالمهمة التي نهضت بها في تحديث التفكير الديني في ربع القرن الأخير، وبوصفها الدورية الأهم المتخصصة في فلسفة الدين والأديان باللغة العربية..

وأخيراً قرّرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق إدراج "فلسفة الدين" في المقررات التعليمية لأقسام الفلسفة في الجامعات العراقية. وهكذا تم تبني فلسفة الدين في المساقات التعليمية في بعض الجامعات العربية..كما تناولت مجموعة رسائل ماجستير ودكتوراه هذا الموضوع ومسائله المتنوعة في السنوات الأخيرة في عدة جامعات عربية. وانشغلت مجموعة مراكز بحوث ودوريات عربية في السنوات الأخيرة بالاهتمام بفلسفة الدين.