الخطاب الديني بين الأدلجة والتوحش العراق أنموذجاً


فئة :  مقالات

الخطاب الديني بين الأدلجة والتوحش العراق أنموذجاً

الخطاب الديني بين الأدلجة والتوحش

العراق أنموذجاً

مدخل

قبل البدء بطرح المحاور التي اعتمدناها في ورقتنا هذه، التي اهتمت بالخطاب الديني(العراق أنموذجاً) لابد لنا من قراءة المشهد المجتمعي للعراق، فهو مجتمع متكون من إثنيات – عرب – أكراد – شبك، وانقسامات دينية سماوية وغير سماوية – مسلمون – مسيحيون – يزيديون – صابئة، وتنوعات مذهبية – سنية - شيعية – فضلاً عن الانقسامات المجتمعية – عشائر – مدن، والانقسام الفكري – حداثيون – محافظون. وهذا التنوع والتعدد له مردودات سلبية وإيجابية في آنٍ واحد، فهو سلبيٌ في الفضاءات الضيقة والمتقوقعة على نفسها، والتي لا تتمكن من مغادرة ما ورائياتها، ومرجعياتها، وتشكلاتها العقلية، وترفض الحداثة، وتنوعاتها، على المستوى الديني والمجتمعي والسياسي والثقافي. ولهذا ينتقد بعض المفكرين، مفهوم التعايش انطلاقاَ من أن الدول والجماعات البشرية (العرقية والإثنية والدينية)، إنما هي في طبيعتها صراعية. وعليه لا بد من الإقرار بحتمية التصادم، ومن هنا فلا يطلق مصطلح التعايش إلا من قبل الأغلبية لكي يفرضوا سيطرتهم على الأقلية؛ وذلك للحفاظ على هيمنتها بطرح أشكال وأنماط التعايش السلمي.

بينما يرى آخرون هذا التنوعُ إيجابياً باعتباره مجتمعاً مفتوحاَ، يمكن له أن يتجاوز أزماته الطائفية، وتشكلاته الدينية والمذهبية، بقدراته العقلية والنقدية، ولا سيما لدى المثقفين من أبنائه، على اختلاف توجهاتهم ومرجعياتهم العلمية والثقافية. فتنجلي لهم أسس التعايش المشترك، وقبول الآخر المختلف، إثنياَ ودينياَ وعرقياَ. لتصبح بعد ذلك الهوية العراقية، هي القوة الدافعة الأساسية في التركيبة المجتمعية، التي تتطور من حالة الحد الأدنى من الاعتراف بالاختلاف وقبول الآخر والتنوع والتسامح. إلى وجود علاقة تحويلية في المجتمعات، ربما على مرور الزمن قد تجد الآليات والمؤسسات المناسبة لتلتحم ومستوى أعلى للتعايش والتنوع.

مرجعيات الخطاب الديني

تتعدد الفضاءات في بلدنا الحبيب (العراق) بمذاهبها الدينية وتياراتها الفكرية ومرجعياتها الفقهية، لتتمحور بعد ذلك في مذهبين إسلاميين أساسيين؛ لهما الصفة الغالبة على مستوى الفضاء المجتمعي (المذهب السني والمذهب الشيعي) ليتفرع بعد ذلك من كل منهما تمذهبات فقهية متعددة، وتيارات فكرية متنوعة، تتكئ في خطاباتها السائدة، على مرجعيات مختلفة، تتفاوت في فهمها للنصوص الدينية، بين التأويل والتفسير والأحكام الفقهية، التي تشكلت حولها، وفق تاريخية معينة، ومشروطية محددة، وتوجهات مختلفة، ومنهجيات متعددة، وعلى كافة المستويات والأصعدة، الذاتية والموضوعية للمفسر أو الفقيه. وحتى على مستوى الفضاء العام الذي كان يعيش فيه ذلك الفقيه أو المفسر، فضلا عن التكوين العلمي والمعرفي، والضغوطات السياسية، التي كان لها الأثر الأكبر في تَوَجُهَاتِ العديد من النخب العلمية والفكرية، في عُصورِ بكورية تكوين الخطابِ الديني.

ويمكننا القول إننا لسنا معنيين بإبراز إشكالية الفصل بين مفاهيم ثلاثة يمكن أن تكون معقدة وصعبة التفريق بين أجزائها _ الدين - والفكر الديني - والخطاب الديني _ في عالم العلوم الاجتماعية والشرعية، ولاسيما عند بعض الكتاب، والسياسيين، وعوام المجتمع[1]، بل ما يعنينا من ذلك هو الخطاب الديني الذي تشكل في مراحل مـتأخرة للبعثة النبوية، وفق تلك المرجعيات الفقهية والتفسيرية والتأويلية للنص الديني (القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة) والولوج في منطلقاته، وحيثياته، ومستوياته، وأبعاده، وانشغالاته الإنسانية، والمجتمعية على كافة الأصعدة. فالخطاب الديني مر بمراحل متعددة وألوان مختلفة، فمن خطاب النهضة مع الأفغاني 1897 ومحمد عبده 1905، إلى الخطاب السلفي الاجتهادي مع رشيد رضا 1935، إلى السلفية الجهادية القطبية ثم الخطاب الثوري الإيراني، إلى الخطاب النقدي المعرفي الجديد ... أشكالٌ من التجارب والإرهاصات والمخاضات التي تحكي عن ولادةٍ كبرى تحضّرها قوانينُ التاريخ والاجتماع لعالمنا المسلم.

ومن بين ألوان الخطابات الدينية، خطاب التجديد الذي ظهر في بدايات القرن الماضي على ما يبدو. وقد تنازع فيه فريقان رافض له ولمعطياته، وتمثل ذلك في سيد قطب بتأطيره بجاهلية القرن العشرين (معالم في الطريق) رافضاً فيه تطور الدراسات الإسلامية، واجتراح الفقه الإسلامي لقوانين تواكب العصر. والفريق الآخر يوافق ذلك التجديد ويواكبه، بصور وأشكال مختلفة، وفق منهجيات متنوعة، وآليات متعددة، ترجع في غالبها إلى الماورائيات المكونة للعقليات، على مستوى الفرد والجماعة، كأحزاب أو تجمعات.

وهنا يمكننا الذهاب إلى أن العقل الديني، داخل المجال العربي الإسلامي، بما فيه العراق، وفي مراحل مبكرة تفككت لديه الروح الأخلاقية، فضلاً عن قبول الآخر، ويرجع السبب في ذلك إلى مأسسته، وارتهانه للمرجعيات الفقهية الأحادية، مما سهل انقياده للمؤسسة السياسية، التي تماهت مع المؤسسة الدينية، لدرجة اندماجهما في الرؤى والأحكام. ولم يتمكن العقل الديني من الدخول في مسار الحداثة الدينة[2]. في حين لو عدنا إلى الوراء وبالذات عصر النبي عليه الصلاة والسلام، سنجد ميثاق المدينة، ينص على منح أبناء المجتمع المدني بكل الحقوق والحريات، ولاسيما الدينية منها. يشير إلفير دورانوفيتش إلى الوثائق الأساسية الخاصة بحماية حقوق الإنسان ((الإسلام يحمي الوثائق الأساسية الخاصة بحماية حقوق الإنسان، فميثاق المدينة كان أول ما كُتب من وثائق، على أساس الحقوق المتساوية للجميع، وحماية القيم الديمقراطية. يكمن ذلك في الأهمية التي يوليها للتفرد الديني والقانوني والثقافي، فإن رسالة الميثاق الأساسية هي قبول مصادر الحقوق التي لا تتناقض مع الشريعة، وهي رسالة واضحة لمثقفي العصر ليعترفوا بجميع مساعي الإنسانية النبيل))[3].

ولا تزال حرية التفكير والتعبير، بصفتها ممارسة إيمانية، تخضع لمقولات النظام العام، أو ما يقابله بالمصطلح الفقهي(المعلوم من الدين بالضرورة)، حيث ذهبت بعض المذاهب الفكرية، السنة (يعدون أنفسهم مالكين لمنهج السلف والجماعة) والشيعة (يعدون أنفسهم تحقيقاً لأصول التجربة الدينية) على حد سواء، بصياغةِ تصورٍ معياريٍ للإيمان، ونظريةٍ حول الاعتقاد، أو الإيمان الصحيح، على شكلِ نظامٍ مغلقٍ، وهو تصورٌ مُرتبطٌ بمفاهيمَ ومرجعياتٍ تاريخيةٍ معينة، تولدت في فضاءٍ فقهي محدد، وظروفٍ تاريخية، ارتبطت ارتباطاً وثيقا بمساقات سياسية، كان لها الدور الفاعل في تحديد مسار المؤسسة الدينية. لذا شهد تاريخنا الإسلامي القريب محنة العشرات من المفكرين الأحرار الذين تعرضوا للتكفير وللاضطهاد والقتل، وما زالوا إلى يومنا هذا؛ وذلك لكونهم اختاروا لأنفسهم طريقاً خاصاً للإيمان، أو فهم العلاقة بالله، اتهموا بالزندقة، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وزعزعة الثوابت والنظام العام. كأمثال نصر حامد أبو زيد، وعلي عبدالرازق، ومحمود محمد طه وفؤاد زكريا وغيرهم.

ولا يعني هذا أننا ندعو إلى القطيعة مع التراث، بل إلى قراءتهِ قراءة علمية، نقدية، وفق المنهجيات الصالحة لزماننا، وكما أشار إلى ذلك الدكتور عبد الجبار الرفاعي (إلا في حدود ما هو ميّتٌ ومميتٌ فيه التجديدُ البنّاء يتأسس على فهمٍ علمي للتراث، واستيعاب نقدي لمعارف اليوم)، وذهب إلى إخفاقِ كلِ المشاريعِ والدعوات التي دعت إلى القطع الجذري مع التراث، ولم توصلنا إلى أي محطةٍ لبناء الفرد والمجتمع والدولة. والطريق الصحيح هو دراسةُ التراثِ دراسةً علميةً معمقةً، والتوغلُ في اكتشافِ بنيتهِ التحتية ورؤيته للعالم، في ضوء منطق العلوم والمعارف الحديثة، ومغادرةُ ما استنفدَ غَرضُهُ فيه، ولم يعد صالحاً لغير زمانه[4].

أدلجة الخطاب الديني

لايزالُ سؤالُ الحريةِ الدينيةِ سؤالاً مركزياً وراهنياً، داخل المجتمعات المعاصرة، بفعل تنامي الوعي بحقوق الإنسان، ولعل هذه الراهنية تُطرح بشكل أكثرَ عمقاً في المجتمعات العربية الإسلامية، التي دخلت ومنذ الربيع العربي، مرحلة تساؤلات كبرى، وبداية تفكيك لَبِنَاتِها الشمولية[5].

ولو عدنا إلى المجتمعات الغربية، التي طُرحت فيها تساؤلات كثيرة، وبأوقات مبكرة حول الدين ومساراته، وفضاءاته، التي يمكن أن تنحسر فيه، فتشكلت الرؤيةُ العلمانية في بداياتها، لتُعلِنَ فصلَ الفضاء الديني عن الفضاء المجتمعي بما فيها السياسي، بعد مخاضاتٍ عسيرةٍ كانت السلطةُ المطلقةِ فيها للكنيسة، التي سيطرت وبإحكام على جميع مرافق الحياة، فانبثقت تلك الثورةُ الخلاصيةُ لحكمِ الكنيسةِ ومرجعياتها التسلطية، لتعلنَ عدم القبول بالنظام الكنسي الأرثوذكسي. ولقد مرت العلمنةُ بمراحلَ متعددةٍ، يمكن أن تكونَ صلبة في بداياتها، كردة فعل لتلك المرحلة على الواقع الكنسي، وَرُبِطَ مَسَارُها بانحسارِ قيمِ الإيمانِ الديني، وتبين ذلك من خلال عدة كتابات غربية (غروب المقدس) سابينو أكوافيفا و(زوال الاختلاب أو الوهم عن العالم) مارسيل غوشيه، إلا أنه ومنذ مدة ليست بالقليلة، بدأ يتضح قصور تلك الأطروحات، أمام العودة القوية للإيمان الديني، بمظاهر عدة كالانتشار المتنامي للطوائف الدينية، والجماعات شبه الدينية ذات النزعة التصوفية، وتنامي دور نموذج لاهوت التحرير، وازدياد عدد الغربيين الذين اختاروا التصوف الإسلامي ملجأ روحياً. وأوضحت دراساتٌ قام بها الاتحاد الأوروبي، حول وضع القيمِ عند الشباب، أن أغلبيتَهم يرفضونَ الانتماء إلى ديانةٍ معينة، إلا أنهم يُظهرون ارتباطاً مُطرداً بالقيم الإيمانية المؤسسة للديانات الكبرى، مثل الإيمان بالله، والحياة بعد الموت[6]. ولهذا نجد الدكتور الرفاعي يعقد مساجلة بين إيمان المتكلمين وإيمان المتصوفة، فيقول: جلال الدين الرومي وزملاؤه كأبي يزيد البسطامي والحلاج والنفَّري ومحيي الدين بن عربي حرّروا الدين من مضايقِ أفق دين المتكلَّمين، الذي وضعَ عقل المسلم داخل أسوارٍ مقفلةٍ، ودين الفقهاء الذي وضعَ كلَّ قولٍ وفعلٍ في حياة المسلم تحت وصايتهم، داخل دائرة مغلقة، وجعل الروحَ تختنقُ وتستغيث من أعباءِ تحريماتٍ لا تُعبرُ عن روح الشريعة، مثل تحريم أكثر أشكال الفنون الجميلة. وعلى الرغم من أنَّ تلك التحريمات، لم ترد في آيات القرآن الكريم أو في أدلّة أخرى معتبرة، لكنها تصادر على الإنسان الاستمتاع َ بكل ألوان التعبيرات الجمالية في العالم، التي هي من الحاجات الأساسية لكل كائن بشري[7].

وعند العودة إلى انشغالات المثقف الديني، بكل المصطلحات التي تنطبق عليه (كخطيب وموجه ومربي وفاعل ومهتم ومشتغل) في هذا الفضاء، تتمحور جُهودُه حول تفسيرِ ونقدِ ما يتفشى في مجتمعاتنا، من قراءة خَرافية للنصوص الدينية، كما يعمل على تقويض القراءة الفاشية المتوحشة، والأيديولوجية لهذه النصوص، بينما نجد الواقع الديني في خطاباته اليوم، وعلى مستوى المذهبين السني والشيعي، حُوِلَ إلى خطابات وعظية تخاطب في أغلب محتواها ومعالجاتها العواطف، بمسائلَ جزئية، أو أنها عبارةٌ عن استجرار للماضي الذي يُفتَخَرُ به، لتاريخيات معينة وظروف محددة، ليس لها اهتماماتٌ بمشاكلَ عصرنا الحاضر، وكأن مجتمعاتنا اليوم قد بلغت الذروةَ في تمامها وحل ازماتها الإيمانية والأخلاقية والسلوكية. دون التعرض للأولويات التي ينبغي طرحها على المتلقي، ومحاولة توجيهه نحو قضايا كبرى شغلت العالم اليوم، ولاسيما المجتمع العراقي.

فالمثقف الديني وفق تعبير الرفاعي غيورٌ على الحياة العقلية للناس، لا يمل من إيقاظ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين. تنشد رسالته: إيقاظَ العقل، وإحياءَ الروح، وإثراءَ الأخلاق، وتربيةَ الذوق الفني. يعمل على حماية العقل من أن تستهلكه الخرافاتُ، وما تفضي إليه تلك الخرافاتُ من أوهامٍ وتشوهاتٍ في رؤية العالم، ليتوصل بعد ذلك إلى بناءِ تدينٍ عقلاني، من خلال اكتشاف ما هو دنيوي وما هو ديني، ورسمِ الحدود الخاصة بكل منهما، ثم بناءِ الروح الإيمانية وتمتينِها، ومحاولةِ حماية الأجيال الجديدة من التمزق، والعبثية، والضياع في دروب التيه[8].

الخطاب الديني بين التوحش والتكفير

يتحتم على العالم العربي على وجه العموم، والمجتمع العراقي بالذات، لخصوصياته الإثنية والدينية التي تكوَّن منها، أن يعيشَ مشروعَهُ الإصلاحي للدين، من خلال إعادة بناء العلاقةِ الأخلاقيةِ بين الدين – الأديان والدولة - وفكِ الارتباط بين البعد الفردي للإيمان، والبعد المدني للقوانين[9]، والذي يبدو حاضراً في السياق العربي الإسلامي، امتداداً لمحنةِ الإيمانِ في التاريخ الديني الإسلامي، وفشلِ التجربة التاريخية للمسلمين، في تدبير العلاقة بين حرية الإيمان، ومفهوم الثوابت العقدية للأمة. ولهذا نجدُ المجتمعات العربيةِ الإسلامية في غالبيتها، لازالت تعيشُ تحت سلطة قوانينَ تشرّع انتهاك حرية الإيمان بالإكراه المباشر أو غير المباشر، أو حتى رفض الاعتراف بالطابع الديني للتجربة الإيمانية، لبعض الجماعات الإسلامية، تحت ذريعة حماية الوحدة الدينية[10].

ويمكننا الذهابُ إلى أن الغزو الأمريكي للعراق، ساهمَ في تعميقِ جوانب التشظي وتوسيعِ معاناةِ المجتمع العراقي، وعلى كل الأصعدةِ وفي كل الفضاءاتِ بما فيها الفضاء الديني، ومنذ الأسابيعِ الأولى التي أعقبت الغزو في سلسلة الإجراءات التي اتخذتها سلطةُ الاحتلال، وإلى ذلك يشير مايكل أوترمان في كتابه (محو العراق) إلى أن الحاكم الأمريكي بول بريمر شرع في بداية تعيينه بتفكيك الدولة العراقية، في انتهاكٍ لقوانينِ الاحتلال الواردة في اتفاقيات جنيف. تسلح بريمر بسلطات تنفيذية كاسحة، فحلّ الجيش العراقي وأنتج فيضاناً من الرجال الغاضبين الذين تلقوا تدريباً عسكرياً، وانضموا سريعاً إلى التمرد، والجماعات المسلحة التكفيرية[11].

فأصاب المجتمع بما يسمى الوهن الاجتماعي، تجلت معطياته في ضعف أداء نُظمه ومؤسساته الاجتماعية والدينية، ولم تتمكن المؤسسة الدينة من مواجهة هذا الوهن، باعتبارها فاعلةٍ وحيويةٍ في المجتمع العراقي، ويرجعُ السببُ في ذلك إلى ضعفِ خطابها الفكري المنفتح وانحساره في الخطاب الوعظي والأيديولوجي، الذي لا يكاد يغادر محيطَه الذي ولد فيه (دور العبادة) ولم يتمكن من الولوجِ إلى المشكلاتِ الحقيقيةِ التي يعاني منها أبناءُ المجتمع، ومحاولةِ معالجتها وفق عقلانياتٍ منفتحةٍ ورؤى ايمانيةٍ علمية، فضلا عن عدم القبول بالحداثةِ الدينية لدى المؤسسة الدينية التي تُنتجُ وتتولى الفاعلينَ والمشتغلينَ بالخطابِ الديني، والذين يتصدرون المشهدَ في الفروع المنبثقة من تلك المؤسسة. إضافةً إلى عدم القدرة على معالجةِ تلك الأزمات، بما يتلاءم والمعطيات الإنسانية، والمحافظةِ على السلم المجتمعي، فتفككت المنظومةُ القيميةِ والأخلاقيةِ والسلوكية، وبدأ المجتمعُ يعاني من مظاهرِ التلوثِ والعنفِ والتعصبِ والتزييف في القيم، والمعايير والمبادئ الأخلاقية والإنسانية.

فتولدت الصراعاتُ المذهبيةِ، وتنامت العصبياتُ الطائفية، بين الفرق الإسلامية، ولعبت الأحزاب السياسة الدور الفاعل في مثل تلك الأزمات، ولاسيما بين الشيعة والسنة، ويمكن أن يكون مرجعُ الطائفتين في ذلك هو البعد الفقهي الضيق والمُشَكِّل لعقل أبناء تلك الطائفتين، من خلال الخطاب الديني المعبأ بعدم قبول الآخر ورفضه وتكفيره، وإخراجه من الفضاء الإيماني. متكئين في ذلك لما ورد من حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيه إشكالياتٌ سندية ومتنية، بروايات متعددةٍ والفاظٍ متقاربةٍ مؤداها واحدٌ (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) وقد ورد هذا الحديث في المراجع الشيعية والسنية على حد سواء[12]. فشكل مجالاً تمجيدياً للذات، وكرسَ فكرةَ حتميةِ الاختلاف، والروح الإقصائية، ما كان له التأثيرَ البالغ في تفكيكِ وحدة المسلمين، حيث أصبح يُشكل الأساس العقائدي للطائفية، وصناعةِ التكفير، كما اصبح مركزَ الانغلاق اللاهوتي داخل المنظومات الأرثوذوكسية السنية (عقيدة أهل السنة والجماعة)، والشيعية (عقيدة أهل البيت) التي تتنازعُ حق احتكارِ الإسلام الصحيح، وَتَمَثُلِ المشروعية العقائدية للإسلام، من خلالِ تفسيرِ النصوص التأسيسية، وقراءةِ التاريخ التراثي. يقول هنري لاوست في كتابه(الانقسامات في الإسلام): إن التكفيرَ لم يقتصر على اصحاب الأديان الأخرى، إنما تعداه إلى المسلمين أنفسِهم، فقد أصبحت كلُ طائفةٍ تكفرُ الطوائفَ الأخرى، وتبيحُ دمَهَا طيلةَ عصرِ الانحطاط حتى اليوم... كما لو أنها لا تنتمي إلى دين واحد وكتاب واحد، ولذا فإن الهُوة النفسيةِ السحيقة بين السنة والشيعة أكبرُ أحياناً من تلك الهوة التي تفصل المسلمين عن اليهود والمسيحيين[13].

في حين أن التجربةَ الإيمانية الغربية، بفعل مجمل التحولات اللاهوتية والسياسية، التي عاشها السياق التاريخي الغربي، استطاعت أن تدمج الفعل النقدي في مجالها التداولي، من خلال تفعيل قيمة التسامح، كما أن القوانين تمت صياغَتُها كي لا تَحُولُ دونَ ضمانِ حرية التفكير، بصفتها أساس كل القناعات الإيمانية، بينما السياق العربي الإسلامي الديني لم يستطع بعدُ أن يلج مفهوم أخلاق الاختلاف، التي هي نتاج هشاشة التصورات الإيمانية، حيث لا يزال حبيس وهم الحقيقة الدينية المطلقة والواحدة، لذا فإن طريقة فهمه للمقدس تجعله عاجزاً عن التواصل مع الفعل النقدي، والوعي بأنه يشكل تجربةً إيمانية، مادام البحث عن الحقيقة جوهرَ كل التجارب الإيمانية.

وعلى الرغم من أن كونَ الإسلام، هو آخرُ الرسالات السماوية، حيثُ يفترض، بالعقل الإسلامي، أن يكونَ محركاً وفاعلاً وطليعياً في عملية التحرير الديني، وممارسةِ الحداثةِ الدينية، إلا أنه انبثقت الحركاتُ الأصولية والسلفية الإقصائية من رحمه (وأعني بذلك لدى المذهبين الشيعي والسني على حدٍ سواء)، فسيطرت العقليةُ النصية، والمعارف النقلية، على المشهد الديني، والتي أدت إلى إلغاء الإنسان المستخلَف، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُون)[14]، حيث أصبح التراثُ هو مَن يصنع الإسلام، وعملت السلفية الجهادية على توسيع دائرة المقدس، للحفاض على سلطة النصوص والناطقين باسم الحقيقة الإلهية؛ الفقهاء، مما أدى إلى انحسار دائرة المُفكًّر فيه، واتساعِ دائرةِ المحظور، من خلال مقولةِ المعلومِ بالدين بالضرورة، بالإضافةِ إلى نشأة منظومة من الأساطير، التي تَدُلُ على عدم دخول الفكر الديني مجال الفاعلية البشرية، وبقائه رهينَ أوهام الاصطفائية والانتظارية.

وهذا ما حذرنا منه عليه الصلاة والسلام بقوله: (إنَّ ما أَتَخوَّفُ عليكم رجلٌ قَرَأ القرآنَ حتى إذا رُئِيَتْ بَهْجتُه عليه، وكان رِدْئًا للإِسلام، غَيَّرَه إلى ما شاء الله، فانْسَلَخَ مِنْه ونَبَذَه وراءَ ظَهْرِه، وسَعَى على جاره بالسَّيف، ورمَاه بالشِّرك، قال الراوي: قلتُ: يا نبيَّ الله، أيُّهما أوْلى بالشِّرك، المَرْمِي أم الرَّامي؟ قال: بل الرَّامي)[15].

ويعد التكفيرُ معضلةُ الأديانِ كلّها، ظهر التكفيرُ في الإسلام في وقتٍ مبكر. ليس هناك استثناءٌ في التكفير لدى الفرق في الإسلام، في كل الفرق نجد من يكفّر المختلفَ في المعتقد، وإن كانوا يختلفون في عدد من يقول بالتكفير ودرجة تشدّده وحدوده. ويرتب الفقهاءُ على ذلك أحكاماً وفتاوى تُقيّد التعاملَ مع المحكومين بالتكفير[16].

يشير د. عبدالمجيد الشرفي في شرحه لطلابه نصاً من نصوص كتاب المنتظم لابن الجوزي يتعلق بما كان يثار من فتن بين الشيعة والسنة في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي حول مسجد براثا ببغداد، فكان الطلبةُ يستغربون أن يبلُغَ التعصبُ المذهبي بمتساكني العاصمة العباسية إلى التقاتل والحرق والنهب، ولا يرون فائدة في الاهتمام بأحداث تنم على تخلف، تجاوزناه في عصر حقوق الإنسان، لكن الماضي والموروث لا يموت فينا، بل قد يخمد ويتوارى إلى حين، ولكنه قد يبرز من جديد، وإن بشكل آخر. لذلك، فمن الضروري لتشييد حياةٍ عصرية، معرفة هذا التراث وتصفية الحساب معه، بالقراءة والتحليل والنقد وبكل الأدوات التي تتيحها لنا علوم الإنسان والمجتمع من لسانيات وإناسة وفلسفة وعلوم نفس واجتماع وتاريخ وما إليها[17].

وختاماً، أدعو المؤسسات المعنية المتمثلة في الوقفين السني والشيعي، والحوزات العلمية الدينية، والجامعات الإسلامية، والمراكز البحثية، ودور العلم المهتمة بالشأن الديني، والمشتغلةِ بالإعدادات البشرية الفاعلة في مجتمعنا العراقي، أو ما يسمى باللغة الدينية (بإعداد الدعاة) إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية التي يتناولها الطلبة في كل المراحل التي يدرُسونها، ولا سيما في المدارس الدينية، ومحاولة إدماج مفاهيمَ لطالما غابت عن العقل الديني في تلك المؤسسات، كالتسامح وقبول الآخر، وإشاعة المحبة، ونبذ العنف والتطرف، وإلغاء الحقانية الدينية، والاعتدال في الخطاب والتوجيه، وإعادة النظر في العلاقة الجدلية بين الخالق والمخلوق، التي بُنيت على أساس الخوف والرعب والإحراق بالنار، إلى نوازع المحبة، والرحمة، والرأفة، والمسامحة، وبث معاني الإيمان، وإحياء الضمير الديني، لتنشأ بعد ذلك علاقات حميمية رابطة بين العبد وربه، وبين أبناء المجتمع من جهة أخرى على اختلاف أديانهم ومذاهبهم.

 

المصادر

1-      الإبراهيم، نظال، تجديد الخطاب الديني، مقال منشور على صفحة الحوار المتمدن، الجزء الأول.

2-      السعدي، رشيد، محنة الإيمان وانغلاق الفقه وتهافت القانون، مؤمنون بلا حدود، 2016

3-      الرفاعي، د عبدالجبار،

الدين والنزعة الإنسانية، دار الرافدين، 2022

مقدمة في علم الكلام الجديد، دار الرفادين، 2022

الدين والكرامة الإنسانية، دار الرافدين، 2022

4-      أوترمان مايكل، محو العراق، خطة متكاملة لإقلاع العراق وزرع آخر، نقلا عن كتاب عشر سنوات هزت العالم.

5-      المستقبل، الأربعاء 9 كانون الثاني/ يناير 2013 – العدد 4569

6-      ابن حنبل، المسند.

7-      ابن ماجة، السنن.

8-      الترمذي، السنن.

9-      الشيخ المفيد، الأمالي، دار التيار الجديد.

10-  المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، وزارة الإرشاد الإسلامي.

11-  حسن ناظم، أياد عنبر، الصراع المذهبي، فصول في المفهوم والتاريخ، دراسات جامعة الكوفة.

12-  صالح، هاشم، الإسلام والانغلاق اللاهوتي، دار الطليعة.

[1] الإبراهيم، نضال، تجديد الخطاب الديني وما بعد تجديد الخطاب الديني، مقال منشور على صفحة الحوار المتمدن، الجزء الأول.

[2] السعدي: رشيد، محنة الإيمان وانغلاق الفقه وتهافت القانون، 13

[3] ميميسيفتش: إليمانا، الخطاب الديني والديمقراطية والحريات المدنية في المطبوعات الإسلامية، كتاب الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، مجموعة مؤلفين، ج2 – 292

[4] الرفاعي: د عبدالجبار، الدين والكرامة الإنسانية، 16 - 18

[5] السعدي: رشيد، محنة الإيمان، 12

[6] المستقبل، الأربعاء 9 كانون الثاني/ يناير 2013 – العدد 4569

[7] الرفاعي: د عبدالجبار، الدين والنزعة الإنسانية، 46

[8] الرفاعي: د عبدالجبار، الدين والنزعة الإنسانية، 84

[9] السعدي: رشيد، محنة الإيمان وانغلاق الفقه وتهافت القانون، 12

[10] السعدي: رشيد، محنة الإيمان وانغلاق الفقه وتهافت القانون، 14 - 15

[11] أوترمان: مايكل، وآخرون، محو العراق، خطة متكاملة لاقتلاع العراق وزرع أخر، نقلاً عن كتاب عشر سنوات هزت العالم 170

[12] ورد هذا الحديث في مراجع أهل السنة عند الترمذي برقم (2640)، أحمد بن حنبل (2/ 332)، ابن ماجة (3993). وفي مراجع الشيعة عند الشيخ الصدوق (الخصال 584- 585) بحار الأنوار – 28، أمالي المفيد 132 وغيرها من المصادر.

[13] صالح: هاشم، الإسلام والانغلاق اللاهوتي، دار الطليعة، بيروت، 225

[14] البقرة – 30

[15] رواه ابن حبان وأبو يعلى الموصلي.

[16] الرفاعي: د عبدالجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، 216

[17] الشرفي، د. عبدالمجيد، عبثية الصراع المذهبي، بحث مقدم في كتاب: الصراع المذهبي فصول في المفهوم والتاريخ، 57 – 58