السلفية المدخلية؛


فئة :  مقالات

السلفية المدخلية؛

السلفية المدخلية؛

السياق التاريخي، ظروف النشأة، الواقع والتحديات:

مقاربة سوسيو سياسية للحالة التونسية

د. عبد الكريم العراجي (الجزائر)

مقدمة

السلفية المدخلية ظاهرة دينية فرضت العديد من التساؤلات في المجتمعات العربية؛ وذلك ليس بسبب نمط عملها الدعوي، وإنما من خلال معارضتها للعمل السياسي، وبالخصوص في فترة ما عرف بالربيع العربي الذي ساهم في إسقاط الأنظمة القمعية والبوليسية التي كانت تعتمد استراتيجيات شيطنة الإسلام السياسي بكل تياراته وفروعه، وبالخصوص في المجتمع التونسي الذي يتميز بنوع من الاستثناء الفكري والثقافي بسبب نهضته الثقافية والفكرية واللافت للانتباه في الحالة التونسية هو أن كل أطياف المعارضة كانت تلتقي في هدف مشترك، وهو إسقاط نظام بن علي.

يتميز الفضاء العمومي التونسي بتنوع التيارات السياسية كالتيار العلماني بشقيه اليساري والليبيرالي، والتيار الإسلامي المتمثل في حركة النهضة التونسية المنتمية لتيار الإخوان المسلمين والمهم في هذه النقطة هو أن كل التيارات السياسية التونسية تكونت داخل مؤسسات الدولة الوطنية التونسية، حيث كانت الحداثة السياسية والثقافية بمثابة عامل وحدة للمعارضة التونسية المتجسد في مطلب راديكالي وحيد، وهو سقوط نظام بن علي.

ومع نجاح الشعب التونسي في إسقاط نظام بن علي الذي كان يمثل العلمانية الدوغمائية التي ترفض الدين وأنماط التدين في الحياة العامة، بزغ نجم الإسلام السياسي ممثلا من طرف حركة النهضة بزعامة الغنوشي، لكن الثورة المضادة والتي تستمد وجودها من الدعم الخارجي وتأييد بعض الدوائر الدولية لم تقبل بوجود حركة النهضة كفاعل رئيس في العملية السياسية التونسية، وهذه الدوائر لم تكن غربية فقط، بل كانت عربية ترى في حركة النهضة أو المشروع الإخواني استنساخا للتجربة الإيرانية في شمال إفريقيا.

لم يكن هذا الرفض السياسي عبارة عن مواقف سياسية ترفض الاعتراف بحركة النهضة كحقيقة سياسية في المجتمع التونسي، بل عملت على بلورة استراتيجيات تجلت في إبرام تحالفات متناقضة إيديولوجيا بين القوى العلمانية والوطنية والحركة السلفية التي تحتكر الخلاف الشرعي مع حركة الإخوان المسلمين. ومن هنا سعت قوى إقليمية على دعم السلفية المدخلية كفكر يعيق التغلغل الاجتماعي والسياسي لحركة النهضة والقوى العلمانية في المجتمع التونسي والترويج للمذهب الوهابي وفق آليات وأساليب العمل الدعوي والالتزام باستراتيجية إقليمية تقتضي تغطية منطقة شمال إفريقيا بالفكر الوهابي. ومن هنا سوف ننطلق من السؤال المحوري لدراستنا، وهو كالتالي: كيف يؤثر السياق التاريخي والظروف الاستراتيجية على واقع السلفية المدخلية في تونس؟

أولا: السياق السوسيو سياسي التونسي وتأثيره على مسار السلفية:

في هذه الورقة البحثية لا يمكننا تشخيص الظاهرة السلفية المدخلية بمعزل عن المسار التاريخي والسياسي الذي عرفته تونس بداية مع دخول المستعمر، وما أحدثه من تغيرات اقتصادية واجتماعية مع العلم أن تونس في فترة البايات كانت مستقلة عن السلطة المركزية للباب العالي، وهذا ما سهل على المستعمر الفرنسي عملية استعمار تونس وإخضاعها للإمبريالية الغربية التي كانت تتستر بغطاء المهمة الحضارية في شمال إفريقيا، وهذا ما جعل المجتمع التونسي يتعرض لعملية تحديث قمعية جعلته يعاني الاستلاب بسبب تعرض مقومات شخصيته وثقافته وتقاليده لهجمات عنصرية غربية كانت تسعى إلى إحداث شرخ حضاري بين المجتمع التونسي وانتمائه العربي والمغاربي.

على ضوء هذه التراكمات التاريخية التي عايشها المجتمع التونسي، لم تكن الحداثة الفرنسية الاستعمارية المعتمدة من طرف القوى الغربية تهدف إلى تجسيد مشروع الهيمنة الاقتصادية والتموقع في جنوب المتوسط، بل كانت تطمح إلى ما هو أكبر وأعمق على المدى البعيد، وهو ترسيخ قيم الثقافة الفرنسية وكانت المدرسة الاستعمارية هي عراب مشروع التحديث والعلمنة في المجتمع التونسي، حيث عملت على إقصاء المدارس الدينية وأقرت اللائكية[1] بهدف تحرير المجتمع التونسي من الهمجية والتخلف وتأسيس نموذج مجتمع حداثي يؤمن بالإيديولوجيا الاستعمارية، وكانت اللغة الفرنسية هي المحرك والدافع الأساسي لتجريد المجتمع التونسي من قيمه القومية والحضارية.

ومع بزوغ فجر الدولة الوطنية التي أعقبت الاستعمار بزعامة الحبيب بورقيبة الذي كان حداثيا حتى النخاع، وكان يؤمن بمبادئ وقيم المدنية الفرنسية التي كانت تنص على ضرورة علمنة الحياة العامة وتغليب الحقوق المدنية على الحقوق الشرعية، إيمانا منه بضرورة تحرر المرأة وبناء نموذج مجتمع يؤمن بالحداثة والديمقراطية، ويمقت كل الذهنيات الرجعية التي تؤمن بالتراجعات الماضوية.

في هذا السياق، يمكن القول إن الحبيب بورقيبة كان بمثابة نسخة أصلية لمصطفى كمال أتاتورك؛ لأن كليهما كان يرى بأن القيم الإسلامية التقليدية هي حاجز يعيق المجتمعات في عملية إقلاعها الحضاري، وهذا ما جعل العديد من المفكرين الإسلاميين والدعاة يناصبون العداء للعلمانية التونسية، باعتبارها خطرا على الهوية الدينية والثقافية للشعب التونسي، وكان على رأس هؤلاء يوسف القرضاوي الذي كان يتابع عن كثب الواقع المعاش للجماعات الإسلامية في العالم العربي، وكان يرى أن العلمانية المتبناة من طرف نظام بورقيبة، والتي كانت متطرفة في جوهرها أن كانت ترفض الدين في الحياة العامة، وكان يسعى إلى طمس مقومات الأمة التونسية؛ ذلك أن بورقيبة كان يعتمد على منطق راديكالي في مواجهة الإسلام حسب القرضاوي، وخاصة عندما قام بغلق جامع الزيتونة وقام بتأميم الوقف والمساجد[2].

تدل هذه المؤشرات على أن النظام السياسي في تونس تعمّد إحداث فجوة عميقة بين المجتمع التونسي وهويته الدينية، وهذا ما ساهم في تكون نوع من الاحتقان الديني داخل المجتمع التونسي الذي فقد التواصل مع قيمه الدينية من خلال ولاية الدولة على الدين، وترجيح كفة الحداثة على حساب الموروث الديني، وخاصة عندما تم غلق جامع الزيتونة، باعتباره مؤسسة مجتمعية تعد بمثابة مرجعية دينية وحضارية لتونس التي حاربت الاستعمار في الماضي القريب، وحارب علماؤها قانون الجنسية.

هذا الموقف العدائي الذي تبنته العلمانية ضد الإسلام من وجهة نظرنا، هو أن الحبيب بورقيبة كان يؤمن بأيديولوجية سياسية حداثية وفق المعالم الغربية؛ لأنه كان يريد ربط تونس بالفضاء الحضاري المتوسطي والغربي، بل كانت خلفيات فكرية وفلسفية كونه تأثر بالنموذج الغربي والليبيرالي، وكان ينادي بتحرير المجتمع التونسي من الرواسب الفكرية التقليدية التي تعيق تقدمه الحضاري، وتعيق بناء مشروع الدولة الوطنية الحديثة؛ بمعنى أن العلمانية في عهد بورقيبة كانت تستند على قناعات فكرية وفلسفية، بينما العلمانية في عهد بن علي لم تكن ترقى إلى الرؤى والتبريرات الفكرية، بل كانت علمانية متزمتة تعبر عن مصالح السلطة الديكتاتورية؛ ذلك أن بن علي كان يتقرب للغرب والمعسكر الأوروبي بالعلمانية واستعمال الأصولية كفزاعة للغرب، وفي ظل هذه الممارسات القمعية بدأت القوى الإسلامية تنشط في الخفاء، لكي تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الهوية الإسلامية في المجتمع التونسي. ومن هنا ظهر التيار السياسي الإخواني والحركة الدعوية المتمثلة في التيار السلفي؛ اللذان كانا يدركان مخاطر الثقافة العلمانية[3].

كل هذه الممارسات لم تكن ناتجة عن فعل عفوي، بل كانت ممنهجة من وجهة نظر الإسلاميين في تونس، حيث إن العلمانية كانت تتجلى في ثقافة الانحلال التي كانت تهدد الكيان التونسي[4] وتهميش المقدسات والشخصيات الدينية وفتح المجال أمام القوى العلمانية التي كانت ترى بأن الحركة الإسلامية السياسية تعد بمثابة مشكل عويص يعيق مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة التي تؤمن بالقيم الديمقراطية والانفتاح على الآخر، وتكون لها قابلية الاندماج في المجتمع الدولي. وفي هذا السياق كان للقوى العلمانية والتقدمية هاجس تجاه الحركات الإسلامية التي كانت ترتكز على الشارع في نشر أفكارها والترويج لمشروعها السياسي من خلال المنابر، وهذا ما جعل النظم السياسية الحاكمة تتداعى بنوع من التغافل تجاهها بهدف خلق توازنات في العملية السياسية، لكن هذا التغافل سرعان ما تحول إلى يقظة قمعية تجاه هذه الحركات بسبب ثورة الخميني سنة 1979 وأفرزته من تداعيات على المحيط العربي والإسلامي، حيث جاءت بمثابة رجة زلزالية للنظم العربية التي كانت تتبنى النهج الطليعي الذي يرى بأن الدين هو ظاهرة انقسامية. ومن وجهة المراقبين العرب أصحاب النهج الطليعي، فإن ثورة الخميني هي تراكمات للحركة الوهابية والحركة المهدية[5] وهذا ما ساهم في تعميق الفجوة بين النظم العربية الحاكمة والحركات الإسلامية، وعلى ضوء هذا الحدث الدولي بدأ المخاض العسير للتجربة الإسلامية بصفة عامة والتجربة السلفية على وجه الخصوص التي تعتبر التجربة الإيرانية كخصم استراتيجي وعقائدي للسلفية وعامل دعم للفكر الإخواني. ومن هذا المنطلق، تتحدد وجهة السلفية وماهيتها في مواجهة المد الشيعي والتحزب السياسي الإخواني، وتبني نظرية تموقع مع الأنظمة الحاكمة المعادية لكلا النموذجين.

ثانيا: تأثير السياق الدولي على نشأة السلفية المدخلية في تونس

في هذه الورقة البحثية، سنعمل على دراسة السلفية المدخلية وفق باراديغم علم الاجتماع السياسي؛ ذلك لأننا سوف نشخص واقع العلاقة بين الفرد السلفي المدخلي والسلطة السياسية في تونس، وعلاقته كذلك بالفعل السياسي والظاهرة الحزبية وعلاقته بالفضاء الخارجي والجوار الإقليمي، وهل يمكننا أن نستسيغ فرضية مفادها أن السلفية المدخلية هي رقم مهم في المعادلة الإقليمية للمد السلفي في المغرب العربي والمدعوم من قوى لها نفوذ مالي وسياسي في العالم العربي بهدف تجفيف منابع الإسلام السياسي الأصولي.

الباحث في حقل العلوم الاجتماعية لا يهتم بالمفاهيم الكلاسيكية للحركة السلفية، بل يهتم بالمسارات التي ساهمت في تكوينها وتكوين السلفية المدخلية كان نتاج رد فعل، فيوجه الصعود الصاروخي لحركة الإخوان المسلمين في مصر والأردن والجزائر والمغرب، وانتشار التشيع السياسي في العالم العربي تحت شعار تصدير الثورة كان المثقفون العرب الشيعة هم سدنة هذا المشروع وحراسه. لذلك لم تتأسس السلفية المدخلية كرد فعل مباشر لهذه المستجدات الدينية والسياسية في العالم العربي والإسلامي، بل كانت خيارا استراتيجيا، وتأسست في مخابر فكرية وبحثية تعتمد على كوادر بحثية متفوقة في مجال العلوم الاجتماعية والدراسات السياسية واللاهوت وخبراء في مجال الإحصاء وسبر الآراء بسبب جدية المتغيرات التي عرفتها المنطقة العربية، وهذه المؤسسات الفكرية ليس لها حدود مستقرة، بل تعمل على صياغة استراتيجيات هيمنة خارج حدود الدول التي تنتمي إليها، وتعمل بشكل مباشر من خلال تفاوضها مع الجهات الاجتماعية المؤثرة والفاعلة[6] في دولها مثل الحركة السلفية، وكانت الهيئات الشرعية في المملكة العربية السعودية بمثابة جهاز تبرير للحركة المدخلية، باعتبارها تيارا يعمل على صيانة الفكر السني من الأخطار الفكرية والعقدية التي تؤدي إلى الفتنة والخراب والخروج على الأنظمة الحاكمة التي تضمن الاستقرار لشعوبها.

ويعد غزو الكويت من طرف نظام البعث العامل الأساسي في نشأة السلفية المدخلية في تونس، وسبب نشوء هذه الفئة لم يكن نتاج جهد عمل دعوي أو اجتهادات فقهية، بل سياق دولي فرضه صراع عربي عربي بين نظام البعث العلماني في العراق ودول الخليج وعلى رأسها السعودية التي تمثل السلطة الروحية في العالم الإسلامي. لذلك يمكن القول إن السلفية المدخلية تأسست بسبب فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز[7] الذي أفتى بجواز الاستعانة بالأجنبي في دحر المفسدة، والمتمثلة في تحرير الكويت وسرعان ما تحولت هذه الفتوة إلى استراتيجية إقليمية معتمدة من طرف المملكة السعودية، وبتنظير وتخطيط مراكز فكرية متخصصة في توجيه العقل الجماهيري والرأي العام الدولي ضد الإسلام السياسي الطامح لتحقيق نموذج دولة وفق المعايير الإيرانية، وهذا يعد بمثابة تهديد لمصالح القوى الغربية في المنطقة العربية.

العامل المؤثر في السلفية التونسية هو العامل العقدي، حيث تتجرد المدخلية من البراغماتية السياسية[8] مثل التيار الإخواني، بل هي تعتمد على الضوابط الشرعية التي تحول دون وقوع الفتنة؛ ذلك لأنها تفتقد للممارسة السياسية، والتي ترفضها شرعا ونصا، وهي تفتقد لآليات العمل السياسي والتعبئة الجماهيرية، بل تحصر جل أعمالها في العمل الدعوي وهذا ليس من باب الاستقالة السياسية، بل من باب طاعة ولي الأمر، وهو العالم أو الفقيه الذي يصدر الفتوى من خارج الحدود والالتزام بالاستراتيجية الإقليمية.

ما يمكن استنتاجه بخصوص التشكل الإيديولوجي للسلفية المدخلية في تونس هو أنها كانت متأثرة تأثر عضوي ومباشر بطبيعة الفعل السياسي الدولي للمعارضة التونسية في الخارج المتمثلة في القوى العلمانية التي كانت ممثلة من طرف الحقوقيين؛ وكذلك حركة النهضة بزعامة الغنوشي الذي كان يقوم بتغطية دبلوماسية لحركة النهضة، وكان يعرف بقضية الحركة في عدة منابر إعلامية دولية بهدف كسب التأييد؛ ذلك لأنه كان متمرسا في السياسة وكانت له حنكة واسعة في مجال الاستقطاب الإعلامي والسياسي، وكانت له جرأة في نقد سياسات المملكة السعودية في المنطقة العربية ودعمها المباشر والصريح لنظام بن علي. لذلك، فإن الفاعلية السياسية لحركة النهضة هي التي فرضت على السلفية حتمية سياسية وواقعية جعلتها تتعامل مع النشاط الدولي لحركة النهضة كامتداد للمشروع الإيراني وإمكانية تغلغل فكر الإخوان المسلمين في المجتمع التونسي، والعامل الأساسي والرئيس الذي فرضت تشكل السلفية المدخلية من وجهة نظرنا كباحثين في حقل سوسيولوجيا العلاقات الدولية هو أن موقف الغنوشي الداعم لنظام صدام البعثي إبان غزو الكويت جعل السعودية وحلفاءها يتخوفون من تقارب استراتيجي بين نظام البعث وحركة الإخوان المسلمين بسبب الموقف الحرج الذي عرفته المملكة السعودية، عندما استعانت بقوات التحالف الدولي من أجل مواجهة النظام العراقي، وبذلك كانت السلفية المدخلية في تونس بمثابة وسيط بين المملكة والمجتمع التونسي، حيث عمدت على تفسير الموقف السعودي، باعتباره حافظا للوحدة الإسلامية وحاميا للمقدسات.

في تحديد نموذج الدولة الإسلامية، وبالتالي جاء التيار الجامي والمدخلي كحركة مضادة للصحوة الإخوانية.[9]

هذه الثورة المضادة ضد الصحوة الإخوانية، كانت ثورة داخلية في الفضاء الاجتماعي السعودي لكنها كانت مبرمجة للتصدير من طرف الحكومة السعودية لكل الدول العربية، بعد وأد مشروع الصحوة التي كانت تعارض التقارب السعودي الأمريكي، وكانت هذه الثورة ممثلة من طرف تيار عقائدي معين، وهو تيار الجامية والمداخلة الذين كانوا يمثلون مدرسة الحديث الحليف الجديد للعائلة المالكة.[10]

ولم تتوان المملكة العربية السعودية في نشر هذه المستجدات في باقي أصقاع العالم العربي. لذلك سخرت لكل الوسائل من أجل التعريف بالتيار المدخلي والجامي، وكانت تساهم في نشر الكتب والمطويات التي تؤكد على ضرورة اتباع هذا التيار الجديد الذي يعد بمثابة المخرج من الفتنة، وهذا ما جعل السلفية المدخلية في تونس تلتزم بمبدأ الولاء والطاعة لولي الأمر من باب حفظ الدين وحفظ الوطن، وهنا تأسس مخيال جماعي Imaginaire collectif للمداخلة يقتضي محاربة التحزب، وتقويض كل الحركات الاحتجاجية.[11]

وهذا ما جعلها تدخل في هدنة هي عبارة عن اعتراف بسلطة النظام الحاكم، وتسخير الجهود في التغلغل في الفضاء الاجتماعي، وهذا يعود إلى حداثة السلفية في تونس من حيث النشأة والمسار التاريخي. لذلك لم تتأثر بالنشاط الحركي للإخوان على الصعيد السياسي، بل اعتمدت على العمل الدعوي وتميزت بالخصوصية المجتمعية، وهذا راجع إلى تركيبة المجتمع التونسي الاجتماعية والثقافية التي ساهمت في تحديد معالم الحركة السلفية بكل تجلياتها وفروعها في المجتمع وعلاقتها مع الدولة ومؤسساتها.

ثالثا: السلفية المدخلية في تونس قراءة سوسيولوجية للواقع والتحديات

الظاهرة السلفية في تونس لا تحتاج قراءة سوسيولوجية أحادية المقاربة من أجل تشخيصها وتحديد معالم الإحداثيات التي ترتكز عليها في عملية انتشارها؛ بل الباحث المتتبع للمسار الظاهرة المدخلية في تونس ملزم بتبني قراءة سوسيولوجية متعددة المقاربة Une lecture sociologique multi approches

إن القراءة العلمية لواقع السلفية المدخلية لا تتحقق إلا بتحقيق عنصر الفهم العميق لطبيعة المجتمع التونسي الذي يتميز بنوع من الاستثناء الثقافي في العالم العربي كما ذكرنا من قبل، كونه مجتمعا حداثيا تشكل العلمانية جزءا أساسيا من حياته الثقافية والاجتماعية، وهو يحوي فضاء عموميا يعترف باختلاف الثقافات والهويات والتيارات، مثل التيار الليبيرالي والتيار اليساري؛ فالمجتمع التونسي هو مهد الالتزام السياسي بسبب تعدد الأحزاب المعارضة للنظام السابق وهيمنة الثقافة النقابية على الأوساط العمالية، وكذلك هيمنة الخطاب العلماني اليساري على المجتمع السياسي، وهناك عنصر آخر يفرض تحديات على الواقع السلفي هو فعالية الجامعة التونسية وتنتجه من نقاشات عمومية حول الحياة العامة في تونس، حيث تحمل على عاتقها مشروع التحرير والتنوير من خلال القيام بدراسات نقدية للتراث الإسلامي ونقدها للرجعية والإمبريالية زيادة على ذلك وجود حركة النهضة، باعتبارها كتلة تاريخية ساهمت في عملية التحول الديمقراطي في تونس هذه المحددات الثقافية والفكرية في المجتمع التونسي لم تكن ناتجة عن الربيع العربي، بل كانت متجذرة في تونس بسبب قدم مشروع التحديث في عهد خير الدين باشا ودور مدرسة الصادقية في تنوير الشعب التونسي بالقيم الحداثية ودعم الدولة الوطنية في عهد بورقيبة لتحرر المرأة والتخلي عن القيم الرجعية التي كانت تتجلى في قيم الإسلام التقليدي، ولا يمكن أن نهمل نمط الاقتصاد التونسي المبني على السياحية والقطاع الخدماتي؛ فكل هذه الفواعل تساهم في تأطير نموذج السلفية المدخلية التي تنشط في مجتمع حداثي علماني يؤمن بالنشاط الحزبي والعمل السياسي، وهذا ما سيفرض على المداخلة مساندة النظام القائم عن طريق العمل الدعوية والتقيد بأهداف الاستراتيجية الإقليمية التي تنادي بمكافحة توسع وانتشار صحوة الإخوان المسلمين في تونس والعالم العربي، مما يفرض على السلفية المدخلية مساندة النظام العلماني خشية تحول الربيع التونسي إلى ربيع إخواني بقيادة النهضة.[12]

كل هذه المحددات تساهم في تحديد الواقع السوسيوسياسي للمداخلة في تونس، باعتبارهم جزءا من السلفية المحافظة[13] التي تتحالف مع الأنظمة الحاكمة وفق ضوابط شرعية، وهذا ما سيساهم في تعميق الفجوة بين السلفية والحقل السياسي في تونس بسبب موقفها الراديكالي من المشاركة السياسية والفعل الانتخابي، باعتبارهما نقطتي التقاء بين السلفية الحركية والإسلام السياسي المتمثل في جماعة الإخوان، هذا الموقف لم يكن إن صح القول موقف تونسي محض، بل هو موقف وافد على السلفية التونسية من خارج الحدود يلزم السلفية المدخلية بتتبع نهج السلف وعدم الخروج عن الحاكم.

هذا التقيد العقدي إن صح القول، جعل السلفية المدخلية تعتمد على استراتيجية مغايرة عكس حركة النهضة وباقي الأحزاب اليسارية والعلمانية، حيث عمدت إلى تبني فئة معينة من المجتمع التونسي، وهي فئة الشباب وبالخصوص الشباب القاطن في المناطق الجنوبية[14]؛ بمعنى أنها استثمرت في هامش المجتمع التونسي؛ وذلك بسبب فقدان هذه الفئات وأوساطها للعمل الحزبي والنقاشات الفكرية الثقافية والحزبية التي تكرس مشروع العلمانية وضرورة إنجاح التجربة الديمقراطية في البلاد، فالدور السلفي في واقعه المعيش يتجسد في الدور الاجتماعي المؤسس على التضامن والتواصل مع فئة الشباب بهدف التعبئة العقائدية ولمن هذا الدور المجتمعي يحمل في طياته استراتيجية سياسية، وهي ترهيب الشباب من العمل الحزبي وتنفيره من كل أشكال العمل السياسي الذي يؤدي إلى إحداث الفتنة.

من وجهة نظرهم هذه الأساليب تقتضيها المصلحة الشرعية، مما يوجهها على تبني خيار آخر، وهو أن تكون بمثابة جماعة ضغط ليس من باب ممارسة الضغط على السلطة من أجل تحقيق أهدافها، بل تعمل على تحقيق أهدافها التي ترتبط بمصالح السلطة السياسية [15] ومن هذا الدور المنوط لها هي تمارس ضغطا اجتماعيا باحتكارها للشارع دون أن ننسى فعالية نشاطها الاقتصادي والتجاري في المجتمع، مما يخولها القدرة على التغلغل في الأوساط الاجتماعية التي لا تغزوها برامج الأحزاب والجمعيات الثقافية والأدبية لباقي الفاعلين السياسيين، وتكون بمثابة إسفين بين الصحوة الإخوانية والمجتمع.

هذا الانتشار السريع للظاهرة السلفية كان مع بداية الألفية، حيث كانت الأوساط الشعبية هي الحاضنة الاجتماعية لهذه الظاهرة، وكانت تعتمد على خطابات تنبذ العنف والتطرف، وكانت معادية لأفكار السلفية الجهادية. لذلك لم تكن تشكل أيّ قلق أمني على النظام الحاكم؛ ذلك لأنها كانت متعاونة مع النظام في رصد تحركات السلفية الجهادية، وهناك من يشكك بأن المدخليين كان لهم دور في هذه المسألة خاصة بعد انطلاق حرب العراق في 2003[16] فهذه النشاطات والتمركزات في الأحياء الشعبية كانت قبل الثورة، وهذا الانتشار كان ثمرة من ثمار الاستراتيجية الإعلامية للملكة السعودية التي مارست الغزو الفكري والديني للمجتمعات العربية والإسلامية.

لكن المراقب للشأن التونسي بصفة عامة والحركة السلفية بصفة خاصة يرى بأن ثورة 14 جانفي 2011 ساهمت في حل عقدة الانغلاق لدى السلفيين وأرغمتهم على الخروج من الأوساط الشعبية ودفعت بهم إلى النشاط في الساحات العمومية وفق آليات الوعظ والإرشاد والتحذير من مخاطر التيارات الإسلامية التي تحرض على التكفير لكن لو ندقق الملاحظة والتدبر في مسار السلفية يتبين لنا بأن خرج هذا التيار من الظل إلى العلن لم يكن عفويا، بل كانت له ضمانات وجهات توجهه كجمعيات ومؤسسات مثل برنامج المناصحة الذي يشرف عليه الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي.[17]

هذا الواقع الذي تعيشه المدخلية هو ناتج عن حداثة التيار السلفي في تونس وعدم قدرتها في مجابهة التيارات السياسية وحتى الموجات الثقافية التي عصفت بالمجتمع التونسي على مدى ستين سنة ساهمت في توسيع الهوة بين السلفية والمجتمع التونسي. لذلك فلسلفية المدخلية في تونس هي سلفية مهادنة للسلطة[18]؛ لأنها تعادي فكر الإخوان المسلمين والإسلام السياسي الذي يؤدّي إلى جلب المفاسد والفتن. لذلك، فإن واقعها مقترن بالتحديات التي تواجهها، باعتبارها ظاهرة وافدة من المشرق ولا تتمتع بالتغلغل العميق في أوساط المجتمع التونسي ووجودها أصبح مرهونا بالمتغيرات الدولية والإقليمية، فهي تتأثر بكل المتغيرات التي تطرأ على دول الخليج وعلى رأسها السعودية التي ترى بأن المدخلية تندرج في سياق أجندتها الدولية، كذلك النهضة الثقافية التي تعيشها تونس تضيق الخناق على هذه الطائفة؛ لأن المجتمع التونسي يؤمن بقيم المدنية والحداثة السياسية. لذلك، فيمكننا القول بأن الفعل الدعوي للحركة المدخلية لا يمكنه مجابهة الفعل الثقافي والوعي السياسي الذي تعيشه تونس إضافة للزخم الفكري والحضاري الذي يعيشه الفضاء العمومي التونسي يمكنها أن يكون بمثابة صخرة محطمة للموجة السلفية المدخلية.

وما يمكن أن نختم به ورقتنا البحثية هو أن السلفية المدخلية تسعى إلى إنتاج فعل توافقي يكرس قيم الوفاق السياسي بين السلطة والمجتمع. لذلك، يعمل هذا التيار جاهدا على نشر قيم المنهج الوهابي في المجتمع التونسي بهدف عرقلة المد الإخواني وتجسيد مشروعwahhabisation de la société [19]

وإنتاج خطاب ديني مهادن للسلطة، وهذا ما سيجعل من هذا التيار نموذج معرفي على الصعيد الشرعي والسياسي ربما لا يقرّ بشرعية وجود الفعل السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية.

استنتاج عام:

ما يمكن استنتاجه من هذه الورقة البحثية المتواضعة هو أن السلفية المدخلية لم تكن ناتجة عن خيارات دينية أو وطنية تفرضها المصلحة العامة، بل جاءت نتيجة استراتيجية إقليمية تسعى إلى تحقيق الاستقرار السياسي وإقصاء تيارات الإسلام السياسي. لذلك، فإن هذه السلفية المهادنة هي خيار من أجل مجابهة التيار الإخواني والسلفية الجهادية، وهذا التأسيس يعيدنا إلى التاريخ ولو برهة، عندما يتذكر الباحث العربي كيف كان تأسيس منظمة العرب الأفغان التي كانت سد منيع في وجه الشيوعية المتطرفة وتأسيس هذه المنظمة كانت ناتج من فتوى شرعية تبنتها القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الغربي، وبعد أن حطت الحرب الباردة أوزارها ظهر مصطلح جديد، وهو محاربة العدو القريب والمتمثل في الأنظمة السياسية القومية في العالم العربي، والتي كانت مخالفة للشريعة من وجهة نظر الحركات الإسلامية ومع تطور الإسلام السياسي في مصر والجزائر وسوريا والسودان أدركت القوى الغربية هذه الخطورة، ورأت ضرورة تبني نظرية انقسامية في وسط الحركات الإسلامية، حيث عمدت على الفصل بين حركات إسلامية علمية تؤمن بالشريعة والدين والفقه وحركات إسلامية تؤمن بضرورة بناء دولة إسلامية ومواجهة الغرب الكافر ومع غزو العراق للكويت ونجاح الإسلاميين في الانتخابات في الجزائر عمدت القوى الغربية ومراكزها الفكرية على إيجاد حلول لدعم دول الخليج من أجل تقويض طموحات نظام البعث في العراق وإقصاء الإسلام السياسي من المجال العربي الإسلامي وهذا الحل تمثل في المدخلية والجامية التي بررت استعانة السعودية بالقوات الأجنبية بالفتوى الشرعية وخوف ولي الأمر على مصلحة المسلمين، وأن الإسلام السياسي غايته الفتنة والحديث عن المدخلية بكل فروعها ونقاط انتشارها يتطلب جهد معرفي كبير وتفكيك للاستراتيجيات الغربية في عالمنا العربي. لذلك، فإن نجاح هذا التيار هو نجاح متحكم فيه من خارج الحدود القومية للعالم العربي، لذلك يمكننا صياغة فرضيتين مفادهما أن هذا التيار، إما يكون مشروع سياسي إقليمي أو قوة مالية مؤثرة في المنطقة والسياسات الداخلية.

[1]- حمة الهمامي، المجتمع التونسي دراسة اقتصادية اجتماعية، صامد للنشر والتوزيع تونس، ط1جوان 1989. ص.41

[2]- يوسف القرضاوي، التطرف العلماني في مواجهة الإسلام نموذج تركيا وتونس، دار الشروق القاهرة ط، 2001.1ص122

[3]- يوسف القرضاوي، التطرف العلماني في مواجهة الإسلام نموذج تركيا وتونس، مرجع سبق ذكره. ص 138

[4]- هيفاء أحمد محمد، الإسلاميون في تونس بين السلطة والمعارضة، مجلة دراسات دولية العدد الثامن والخمسون، مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جامعة بغداد، ص.21

[5]- وضاح شرارة، حول بعض مشكلات الدولة في الثقافة والمجتمع العربيين، دار الحداثة للطباعة والنشر بيروت 1980 ط1.ص 155

[6]- كايت ناش، علم الاجتماع السياسي المعاصر العولمة والسياسة والسلطة، ترجمة ذيب بن محمد الدوسري، دار دامعة الملك سعود للنشر الرياض، ص.111

[7]- Abderrahman Moussaoui, la salafia au Maghreb: courants, dynamiques et enjeux, institut nationale d’étude de stratégie globale 3(2015) p.19

[8]- فتحي السعيدي، التيار السلفي في تونس التحولات، التحديات والآفاق، أوراق ونقاشات مؤتمر "التحولات السلفية" الدلالات والتداعيات والآفاق الأول من تموز 2013، مركز الدراسات الاستراتيجية الجامعة الأردنية، ص.23

[9]- ستيفان لاكروا، زمن الصحوة الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية، ترجمة عبد الحق الزموري، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ص282

[10]- المرجع نفسه، ص 283

[11]- المرجع نفسه، ص187

[12]- محمد أبو رمان، الصراع على السلفية قراءة في الإيديولوجيا والخلافات وخارطة الانتشار، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، مركز الدراسات الاستراتيجية الجامعة الأردنية ص173

[13]- محمد أبو رمان، حسن أبو هنية، السلفية المحافظة استراتيجية أسلمة المجتمع وسؤال العلاقة الملتبسة مع الدولة، مؤسسة فريدريش ايبرت الأردن 2010، ص.50

[14]- حافظ بن عمر، إثبات الهويات في سوسيولوجيا الآخر قراءة سيكو سوسيولوجية في بروز الظاهرة السلفية في تونس، مجلة إضافات العددان 24.23صيف وخريف 2013، ص220

[15]- أحمد عمرو، الخيارات السياسية للتيارات السلفية، المركز العربي للدراسات الإنسانية، ص82

[16]- مهدي بن يوسف، سفيان بن صغير، خير الدين باش، السلفية في تونس: الواقع وآفاق التطور، ص21

[17]- مهدي بن يوسف، سفيان بن صغير، خير الدين باش، السلفية في تونس: الواقع وآفاق التطور، مرجع سبق ذكره. ص23

[18]- اعلية علاني، من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين الإسلام السياسي في تونس، مركز المسبار للدراسات والبحوث الطبعة الأولى فبراير 2011، ص.359

[19]- Hakim El Karoui, La fabrique de l’islamisme, Institut Montaigne, rapport Septembre 2018, p163