الموروث الدينيّ: مقاربة نقديّة استشرافيّة


فئة :  مقالات

الموروث الدينيّ: مقاربة نقديّة استشرافيّة

الموروث الدينيّ: مقاربة نقديّة استشرافيّة*


مدخل سياقيّ:

نرجّح أنّ تغليب التفكير النقليّ على التفكير العقلانيّ في مختلف فروع المعرفة والثّقافة في أغلب بلاد العرب والمسلمين، عطّل الانطلاق الفعليّ نحو العالم الحديث قيما وثقافة وتمثّلا للإنسان خَلْقا ومقصدا. ولذلك، نرى أنّ الإصلاح الدينيّ مطلب أساس في شواغل التفكير الحداثيّ.

المحور الأوّل/ الموروث الدّينيّ: في تعدّد المقاربات

تعدّدت المقاربات الفكريّة التي ناقشت هذه المسألة؛ فمن جهة هناك سعي حثيث للعودة إلى الموروث تبنّيا واندراجا فيه، ومن جهة أخرى هناك من يعتبر أنّ الانحباس في الماضي عائق حقيقيّ أمام الإبداع والخلق والابتكار. وفي أجواء الخصومة المركّبة والمعقّدة بين هذيْن الاتّجاهيْن، يبقى المسلم اليوم متردّدا بين خطاب يغريه بالماضي الأصيل وخطاب يزّينُ له المستقبل، إنْ بُنيَ على النجاح في الفكاك من سطوة التّراث. وبناء على هذا نسأل: إلى أيّ مدى نجحت المجتمعات العربيّة والإسلاميّة في تعاملها مع الموروث الدّيني؟

يمكن الانطلاق ونحن نزمع النّظر في تداعيات السؤال الذي طرحْنا من العمل على تفريعه إلى روافد وظيفيّة صغرى قصد الإسهام في رفع الغموض الذّي يغشى بعض المصطلحات والمفاهيم: ما المقصود بـ"الموروث الدينيّ"؟ وكيف تعامل الدّارسون معه؟ وما انعكاسات مقارباتهم على الحقول المعرفيّة والثقافيّة الواقعة تحت سلطانه؟ وما البدائل أو الإمكانات التي تستطيع أن تنقل أصداء ذاك السؤال من مجال القراءة التبجيليّة أو الإلغائيّة إلى مجال القراءة البنّاءة؟

من شأن مثل هذه الأسئلة أن تشرّع للكلام على مشروع حضاريّ آخَرَ، قد يجيب عمّا غاب عن بعض القراءات التي تشبّثت بالتّراث المقطوع عن حركة التّاريخ وعدّتْه مَنجاةً، ممّا هي فيه اليوم وغيّبتْ النظر إلى المستقبل واستكشاف ما أمكن فيه من البدائل. وههنا وظيفة الفكر حصْرا. إذ لا مجال للحديث عن "الفكر الذّي يسعى إلى الارتداد بالواقع الاجتماعيّ والتاريخيّ إلى عصور سابقة، فليس ذلك فكرا على الإطلاق، وإنّما الفكر في جوهره وحقيقته حركة لاكتشاف المجهول انطلاقا من آفاق المعلوم" (أبو زيد، 1993، ص 185).

فالإشكاليّة التي يمكن أن تطرح إذن، هي إشكاليّة كيفيّات التّعامل مع الموروث لاقتحام حضارة "العالم" و"العصر" والدّخول في "الحداثة الثّقافيّة والفكريّة" دخولا واعيا وإيجابيّا. وانطلاقا من هذا المعنى، فإنّ المسألة التي نحن بصدد مقاربتِها تتعلّق إذن بجدليّة التراث والرّاهن. فمن جهة، هناك انشداد إلى الماضي، ومن جهة أخرى ثمّة عيشٌ ماديّ أو زمنيّ أو فيزيقيّ في الرّاهن. ولا شكّ في أنّ هذه الجدليّة ذاتُ قاعٍ إشكاليّ، وهي إنْ لم تدرسْ درْسا موضوعيّا نقدا وتجاوزا تظلّ ركنا مكينا في أزمة الثّقافة العربيّة المعاصرة.

وهذا تقريبا ما أشارت إليه الصيغة التركيبيّة التي وردت فيها صيغة العنوان: "الموروث الدينيّ". وردت الكلمة الأولى "الموروث" في صيغة اسم مفعول، وهي في المعجم من: "ورث يرث ورثا وإرثا وراثة وتراثا، يقال: ورث المال والمجد عن فلان وأورث إيراثا: جعل له ميراثا، وتوارث القوم: ورث بعضهم بعضا، يقال: توارثوا المجد كابرا عن كابر، و"المجد متوارث بينهم فهم في إرث مجد"، و"توارثتني الحوادث؛ أي تداولتني" (المنجد في اللّغة والأعلام، 1997، ص 895). ويهمّنا أن نضيف في هذا المستوى، فنقول لقد "أُعطيَ هذا اللّفظ اللّغويّ بعدا حضاريّا وإيديولوجيّا في أدبيّات الفكر العربيّ الحديث. فوضع في مقابل اللّفظ الفرنسيّ tradition أو اللّفظ patrimoine أو اللّفظ Héritage. ويعرّف القاموس الدّولي للأنثروبولوجيا مفهوم التّراث بالثّقافة التي تنتقل من الجيل الماضي إلى الحاضر، بكلّ أنماطها وأشكالها، شفهيّة كانت أم كتابيّة" (الكتّاني، 2000، ص 89).

ويمكننا أن نصوغ من نفس المعجم الدّلالي لكلمة الموروث: التراث، الأصالة، الأصوليّة، السّلف، النّقل، القديم؛...أي كلّ ما يمتّ بصلة إلى القديم، "لأنّ لمفهوم القديم نفس الأبعاد لمفهوم التّراث. ولا سيّما حينما وضع القديم في مقابل الجديد أو الحديث أو المعاصر" (الكتّاني، 2000، ص 89).

تعدّدت التعريفات مدارُ هذه اللّفظة وذلك لأهمّيتها الإشكاليّة من جهة، ولعلاقتها المباشرة والمعقّدة بسؤال التقدّم والتأخّر من جهة أخرى. يقول حسن حنفي: "التّراث هو كلّ ما وصل إلينا من الحاضر داخل الحضارة السّائدة؛ فهو قضيّة موروث، وفي الوقت نفسه قضيّة معطى حاضر على عديد من المستويات"، وقريبا من هذا يقول عابد الجابريّ: "أنّ التّراث هو كلّ ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، ماضينا نحن أم ماضي غيرنا، القريب منه أم البعيد". وينبغي التنويه بالجهد البارز الذي بذله فهمي جدعان في تعريف التراث. كان لا يخفي ما يواجهه من صعوبات في التعريف. وكأنّه في الأخير "اضطرّ لأن يعرّفه تارة بحدّ البساطة كما يقول، وتارة بحدّ التجريد. بحدّ البساطة، التّراث هو كلّ ما ورثناه تاريخيّا من الأمّة التي نحن امتداد طبيعيّ لها. وبحدّ التجريد، التّراث هو وعي التّاريخ وحضوره الشّعوريّ في الكيان الفرديّ الجماعيّ" (الميلاد، 2004، 28 أكتوبر).

ومثلما استوقفتنا كلمة الموروث، تستوقفنا الكلمة الثّانية، وهي "الدّين". ولسنا في هذا المقام راغبين في التوسّع في ما توسّع فيه المتخصّصون من علماء دين وعقائد وثقافة... وحسْبُنا أنْ نكتفي بالإشارة إلى أنّ مصطلح الدّين "يرد مقابلا لمصطلح الدّنيا. وتتمثّل هذه الثنائيّة في تمييز جانبين من شؤون الحياة الجانب الدنيويّ والجانب الدينيّ. الأوّل يحتكم فيه للقوانين والتشريعات الوضعيّة وما تتوصّل إليه العقول وحاجات الإنسان من غايات ووسائل. والثّاني قوامه الطّقوس والعبادات والشّعائر. هذه الثّنائيّة قد يعبّر عنها في التمييز الاصطلاحيّ بين ما هو زمنيّ وآنيّ، وما هو أزليّ أبديّ في شؤون الحياة، أو بين ما هو مقدّس وبين ما هو غير مقدّس profane. وكما يقول دوركهايم: إنّ كلّ عقيدة دينيّة تفترض تصنيف الأشياء الواقعيّة والأشياء المثاليّة إلى نوعين متقابلين تدلّ عليهما بكلمتين متميّزتين هما المقدّس وغير المقدّس..." (الفرّان، 2007، ص 61).

ويمكننا أنْ نقول بناء على ما تقدّم، إنّ بعض قطاعات الحياة الإسلاميّة ولأسباب تاريخيّة معقّدة حدث فيها ما يكمن أنْ نعبّر عنه بتمدّد سلطان المسلّمات والدوغمائيّات، ممّا أدّى إلى ما يشبه العطالة التي أصابتْ العقل الإسلاميّ المعاصر في مقْتَل فانكفأ وتوقّف عن تأمين إحدى أهم وظائفه، وهي إنتاج المعرفة وإبداع الحلول. ونعتقد بأنّ الإفادة العميقة من مكتسبات المناهج المعاصرة وتطبيقاتها الواعية يساعد على تعديل كثير من الرّؤى والمواقف وإعادة النّظر في القراءات المسمّاة إسلاميّة تلك التي تزعم التأصيل، ترى أن حلّ المشكلات الرّاهنة لا يكون إلاّ بالعودة إلى مقولات السّلف أو الأسس الأولى التي قامت عليها الخلافة، حيث يُراد البحث في هويّة النّظام السياسيّ.

إنّ التحوّل في التّعامل مع الموروث من عَدِّهِ مجرّد مرجعيّة تراثيّة له قيمة تاريخيّة معرفيّة إلى اعتباره سلطة قادرة على الهيمنة والتوجيه والتدخّل في تشكيل ثقافة الأشخاص وقناعاتهم وسلوكهم، شكّل عنصرا بارزا لا فقط في الخطاب الدينيّ المعاصر، ولكنّه مثّل أيضا مجالا من مجالات البحث النقديّ في الدّراسات العربيّة اليوم (كرم، 2007، 5 ديسمبر).

فالموروث الدينيّ، انطلاقا من هذا الطّرح الإيديولوجيّ/الإحيائيّ لا يكون إلاّ في علاقة تنافر وقطيعة مع التحوّلات الزّمانيّة والمكانيّة والتاريخيّة. ودون الإسهاب في استقراء الأسباب، نقول لقد ساد في المتخيّل الجمعيّ الإسلاميّ فكرة انحباس الموروث في حقبة زمنيّة خارجة عن سياق التّاريخ وتبدّلاته. ووفّر هذا التصوّر إمكانات واسعة ثقافيّا لارتقاء الموروث إلى مرتبة القداسة في الذهنيّة الإسلاميّة.

المحور الثاني/ سلبيّات التّعامل مع الموروث: رؤية نقديّة

لا يسعنا اليوم في ضوء الدّعوات المتزايدة لإقحام الموروث في صورته المخياليّة المغلقة في الحياة السياسيّة والثقافيّة، إلاّ أن نتنبّه إلى خطورة الاستعمال الخاطئ له واستجلاء انعكاساته السلبيّة في جلّ الميادين. ندعو إلى ذلك، لأنّنا نراه يقودنا إلى انسداد آفاق التغيير النقديّ الإيجابيّ، ويقف حائلا دون بلورة حلول إبداعيّة. إنّ انتشار أفكار موغلة في التقليد والاكتفاء بإحياء مقولات نبتت في تربتها المجتمعيّة والتاريخيّة اللّصيقة بها تحت شعار معبّإ بالإيديولوجيا وعصر السّلف الذّهبيّ، يمنعان تشكّل مساحة نقديّة يمارس فيها الأحياء سلطانهم على راهنهم ويفتحون بها مسلكا نحو المستقبل. فمثل هذه المقولات والأفكار والشعارات تتعارض مع شروط ظهور الفكر الإيجابيّ السّاعي لا إلى الإصلاح فقط، ولكنْ إلى التغيير النوعيّ في طرائق التّعامل مع مكتسبات التّاريخ. والفكر الايجابيّ كما نفهمه هو ذاك الذي "يتصدّى لحقائق العصر الذّي ينتمي إليه بالتحليل والتفسير والتقويم، ويسعى إلى الكشف عن عناصر التقّدم ومساندتها وعزل عناصر التخلّف ومحاربتها" (أبو زيد، 1993، ص 185).

إنّ تعاظم موجات استخدام الدّين استخداما مخياليّا وإيديولوجيّا الذي تتجلّى علاماته المباشرة في صعود التيّارات الإسلاميّة على تعدّد مشاربها وأطروحاتها، لا يمكن أنْ يكون -من وجهة نظر المقاربات التاريخيّة التطوريّة- إلاّ طمسا لكلّ فكر متحرّر يتّخذ النّقد سبيلا لتفكيك بنيان الوضع الرّاهن وإنتاج معقول تاريخيّ جديد.

ولا ريب في الأثر البالغ الذي تتركه مثل هذه الموجات في الحياة السياسيّة والمجتمعيّة، حيث يقع الإعلاء من صوت القراءة الستاتيكيّة للدّين والتشبّث بمقولات نصيّة مجتزأة من سياقها وبعيدة عن التأويل لصالح الرّاهن. إنّ تسييد البعد الخطابيّ المختلط بنزعة استحواذيّة على الموروث الدينيّ نصّا وتأويلا يسهم على نحو فعّال في تراجع العلاقات الإنسانيّة الحيّة. فتحويل الموروث الدّينيّ إلى "جهاز عقائديّ" مغلق وقادر على اختراق الثقافة المجتمعيّة الهشّة يعود في المقام الأوّل إلى أنّه يتمتّع بصلاحيّات التمسّك بالمقدّس الدّينيّ حلاّ جاهزا ومغريا. إنّ ما نسمّيه بالاتّجاه الاستحواذيّ على الموروث يسعى "بإمكاناته اللّغويّة ومخزوناته الفقهيّة وأحكامه الشرعيّة ونصوصه الموروثة كلّها، إلى الانشغال كلّيا بخلق مساحات شعبويّة معبّأة تماما بفكر التطرّف والتشدّد والتعصّب والكراهيّة، ليصير هدفه الأساسيّ تعبئة النّفوس والأذهان والضّمائر ضدّ الآخر المختلف" (كرم، 2007، 5 ديسمبر).

انتشرت ظاهرة "المنابر الدّعويّة" لنشر "هويّة دينيّة" تتأسّس على "الخطاب الدّينيّ الوراثيّ والتوارثيّ". وهذا يحيلنا إلى مفهوم للدّين لا بمعناه الإيجابيّ والسّليم، وإنّما للدّين "المغلوط" بكلّ ما يحمله من خطابات غائيّة. وإذ نستخدم عبارة "المغلوط"، فإنّنا لا نقدّم أنفسنا في المقابل أصحاب "الدّين الصحيح" كما تواترتْ في بعض كتابات الإصلاح في القرنيْن الثّامن عشر والتّاسع عشر. إنّ هذا ليس من وظيفة الباحث. استخدمنا هذه العبارة استخداما إجرائيّا، القصد منه سحب "العصمة" من تلك الخطابات وتحرير الموروث من الارتهان لها. ونحن في هذا السّياق، حريصون على التفريق بين الدّين والتديّن. فالتديّن باعتباره اختيارا فرديّا غالبا ما يقع في مدار الأخلاق، وهو "حين يرتبط بأصوله الاعتقاديّة والسلوكيّة... ظاهرة جديرة بالاحتفال والتشجيع، فهو مصدر هداية للفرد، وانضباط الجماعة، يغري بالصّلاح والإصلاح، ويعصم من الفساد والإفساد، ويؤدّي في نهاية الأمر إلى الارتفاع بمستوى العلاقات الإنسانيّة بين أفراد الجماعة، وبين الجماعات المختلفة" (أبو المجد، 2012، 26 ديسمبر). أمّا حين ينحرف عن هذا الإطار، "فانّه يصير تديّنا مغلوطا يفضي إلى حالات فكريّة ووجدانيّة وجماعيّة بعيدة الصّلة عن الصّورة التّي سعى الدّين إلى بنائها وإقامتها في الفرد وفي الجماعة على السّواء" (أبو المجد، 2012، 26 ديسمبر). ومن هنا، لا يجب الخلط بين الدّين والفكر الدّينيّ؛ "فالدّين رؤية كونيّة تقوم على الإيمان أساسا. أمّا الفكر الدّينيّ، فهو منطق يحكم ويقيم كلّ شيء على أساس من المعجزة والوحي والحدس والمطابقة التماثليّة والتطبيق النصّي الحرفيّ، ومثل هذا الفكر الدينيّ يقلّص الرّؤية الدينيّة نفسها ويجعلها بالغة الضّيق والتعصّب...فيسيء الفكر الدّينيّ بجهوده وتعصّبه وضيقه إلى الدّين نفسه" (العالم، د.ت، ص 132).

فانتشرت ظواهر الأنانيّة والرّغبة في استلاب العقول والنّفوس، وانتشار ظواهر الانحراف والعنف الفرديّ والجماعيّ، وبروز أشكال متعدّدة من الإرهاب تتخفّى تحت غلاف دينيّ وتنسب نفسها إلى الدّفاع عن الإسلام، وهي إذ تفعل ذلك تهدّد كلّ إمكان لانبثاق جيل عربيّ ومسلم ذي كفاءة وإرادة وقدرة على نحت معالم مستقبله. كلّ ذلك يدخل في إطار التحفيز غير الواعي والمدمّر على الانقطاع عن مسايرة وضع الحياة الطبيعيّ أو مواكبة التطوّر الحاصل في العالم، ممّا يسهم في الحدّ من قدرة الإنسان على التطلّع إلى آفاق يكتسب بها الكيان الإنسانيّ عناصر متجدّدة تؤهّله لقيادة نفسه بنفسه.

إنّ التوغّل في استقرائنا للخطاب الدّيني السّائد في مجتمعاتنا العربيّة، يكشف عن "ظاهرة شديدة الغرابة تتمثّل في أنّ الجانب الأكبر والوحيد أحيانا في هذا الخطاب يتّصل بالماضي، ويكاد أن يقف بالسّامعين والمشاهدين عند عصر النبوّة وعصر الصّحابة وقليل من التّابعين، حتّى صار الإسلام في تصوّر العامّة هو تاريخ هذه الحقبة وحدها...وتلك آفة بالغة الخطورة على جيلنا كلّه، فقد التوت أعناق هذا الجيل، وهو مشدود أبدا إلى الوراء، منكفئ على الماضي، مشغول بالذّات، وحجّتهم الحاضرة، ولا غناء فيها أن من يقطع صلته بماضيه لا رجاء له في مستقبله" (أبو المجد، 2012، 26 ديسمبر).

يصبح التراث حبيس الماضي بتأويل غير تاريخيّ يهمل الحاضر وموضوعاته. والتأويل غير التاريخيّ هو ذاك الذي لا يستجمع مقاصد القراءة النقديّة، ولا يستحضر الأدوات والوسائل العلميّة الكفيلة بإنجاز تلك القراءة. فما لا يختلف حوله الباحثون اليوم هو أنّه "في معظم الدّراسات التي تناولت التّراث الدّينيّ، لم تتّضح طبيعة المناهج المستخدمة، بل وكادت تذوب في الموضوع لدرجة التّماهي، وغلبت النّزعة العقائديّة على كلّ تعامل تقريبا، ومن هنا اختنقت علميّة المعالجة لصالح الأدلجة" (عبد الرّحمان، 1993، ص 24).

لقد آن الأوان في هذه اللّحظة الحرجة من تاريخ الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، أن يتسلّح المقدمون على مقاربة الموروث بسلاح العقل والفكر النقديّ. فبه دون سواه، يمكن إرباك مقولات الجمود والرّتابة ليمتدّ البصر إلى المستقبل في عمليّة ارتحال واعية من مدار الزّمن الماضي.

إنّ التّعامل مع الموروث إذن يجب أن يكون تعاملا يتسامى عن التّوظيفات البراغماتيّة والإيديولوجيّة، وألا يكون مجرّد بناء فوقيّ يستلهم منه قادة التنظيمات السياسيّة والجماعات الفكريّة التراثيّة ما يخدم أهدافهم السياسيّة والإيديولوجيّة. إنّ توظيفا بهذا المعنى، يحوّل الثّقافة التراثيّة إلى حصون مغلقة تكتفي بترديد مقولات السّلف بالاعتماد على دين "منجز" وبتوظيف طاقات "مشربة بالطائفيّة والمذهبيّة" لخدمة مصالح سياسيّة. فالاكتفاء بالتّوظيف إذن دون النّقد من شأنه أن يشوّه لا فقط منزلة الحاضر وموقع الأحياء فيه، ولكنّه يسيء أيضا إلى الإسلام دينا بشكل عامّ.

فالتأويل غير النقديّ يخوّل تبرير الأعمال السياسيّة بالمسوّغات الدينيّة. وهكذا نرى الدين يُجْلَبُ فيأتي لنصرة السّياسة عبر فتاوى تنشر الآراء المتعصّبة، وتحضّ على تنفيذ مشاريع المذاهب السياسيّة التي تسهر على ذاك التوظيف. وغالبا ما تقع الدّعوة إلى تبنّي أفكار مخالفة للواقع وملتصقة بالتّاريخ في أشدّ لحظاته ثبوتا واستقرارا. وهذا ما نراه منتشرا في زمن ما بعد الثّورات العربيّة من خلال تحرّكات الجماعات السلفيّة الوهّابيّة في العديد من البلدان: مصر، الأردن، سوريا، الجزائر، اليمن، الإمارات، الكويت. وقد يقع تحويل تلك الدّعوات أفعالا مادّيّة عنيفة بدعوى القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. ولا شكّ في أنّ أقوالا وأفعالا كهذه وبقطع النظر عن نزعتها "الإجراميّة" من وجهة نظر القانون، لا يمكنها إلاّ أن تقدّم صورة سلبيّة عن الإسلام.[1]

فالانشداد إلى الماضي إذن، وصرف الفكر عن الرّاهن ومواجهته بالتفكيك والتّشريح الجادّيْن ورسم أفق واضح المعالم وبيّن المقاصد في اتّجاه المستقبل، إنْ هي في حقيقة الأمر إلاّ مخالفة لحركة المجتمعات الحيّة في العموم، وتجنّ لا لبس فيه على روح الإسلام نفسه. فإيديولوجيا العودة إلى الماضي تلعب دورا مهماّ في "إبعاد الأذهان عن المواجهة الحقيقيّة للمشاكل المتراكمة. ونظرا إلى أنّ الماضي قابل للتفسير على أنحاء عدّة تجعل من السّهل تشكيله وفقا للأهداف المطلوبة، فإنّ هذا الغطاء الإيديولوجيّ يؤدّي دوره بكفاءة تامّة، وبلا أيّة خسارة" (زكريّا، 1985، ص 83).

انحصر تعامل هؤلاء مع الموروث الدّينيّ في بلورة علاقات مغلقة بين المسلمين داخل المجتمع الواحد وانحباس التّفكير في مسائل دينيّة دون معالجة الرّاهن أو التّفكير في صياغة فكر متحرّر. فكان الاهتمام بالجذور القديمة حائلا دون "ظهور فكر مستقبليّ مبنيّ على أسس علميّة وعقليّة"(زكريّا، 1985، ص 84.). وهذا الاتّجاه لا يمكن أنْ يُجابَهَ إلاّ باتّجاه مقابل يعلي من قيمة التعامل الانتقائيّ والواعي مع الموروث في إطار يقبل النّقد والتقويم، حتى لا يصير "الموروث الدينيّ بتأويلاته الكثيرة وتطبيقاته المتعدّدة يقتات على وهم الصّفاء...بما أفرز التعصّب الشّديد للهويّة الإسلاميّة" (كرم، 2007، 5-12).

فلطالما شاعت فكرة اليقينيّة في الذّهنيّة الإسلاميّة التي نزّهت كلّ ما له علاقة بالمقدّسات الدينيّة. ولمّا تشكّل هذا الوعي السلبيّ في النّفوس، تكاثفت جهود الرّاغبين في بسط نفوذهم السياسيّ وتصوّراتهم الثقافيّة عبر آليّة الإسقاط دون مراعاة قانون التبدّل الذي يتحكّم في الوجود كلّه، وجود بشريّ ووجود كونيّ. لقد وقع تغييب معطى ثقافيّ مهمّ في ذاك التأويل غير التاريخيّ، وهو أنّ الإسلام في حدّ ذاته يمثّل رؤية une vision نقديّة للواقع، تدعو إلى التّغيير وإلى صياغة آفاق مستقبليّة للإنسان.[2]

وتشهد الوقائع التاريخيّة حين استنطاقها بأنّ ما يحدث في الرّاهن العربيّ والإسلاميّ ليس جديدا؛ فقد عرف تاريخ الإسلام تيّارات وأفكارا ومذاهب لم تحفل بالعقل والنّقد، واستكانت للتّقليد والاسترجاع. فنحن إذن، إزاء مشاهد سياسيّة وثقافيّة، كأنّما تستعيد أصداء لمشاهد قديمة. لقد وقف "الموروث الدينيّ دائما عقبة في طريق الفلسفة والمنطق والأدب والفنّ والنّقد والتحليل، وحارب تلك الاتّجاهات الفكريّة والفلسفيّة والنقديّة كلّها نظرا لخطورتها على الموروث الدّينيّ" (كرم، 2007، 5 ديسمبر). وهكذا ابتعد الفكر الدينيّ عن الواقع، وتناول الأحداث بمعزل عن التحوّلات الكونيّة والعالميّة، وتمّ تغييب موضوعات العصر وقضاياه الكبرى، مثل العولمة والعلاقة مع القوى العالميّة وتحقيق إصلاحات تهمّ المسائل التنمويّة والتقدّم وضمان الحريّات الدينيّة والمدنيّة والفرديّة والنّهوض بمسائل التّعليم والتّربية لتنشئة أجيال تفتخر بموروثها الدّيني دون انسحاق أمامه أو ذوبان فيه.

إنّ التفكير خارج سلطة الموروث من شأنه أن يحقّق ثقافة الحوار محلّ ثقافة الاستبداد، ولا نستطيع إلاّ أن نثمّن رسالة جورج قرم التي دعا فيها إلى أن "نغيّر تقاليدنا الفكريّة الجامدة لنطلق حركة نهضويّة جديدة تشمل كلّ أوجه حياتنا العربيّة المعاصرة" (قرم، 2009، ص 71). وأكّد في هذا السّياق ضرورة عدم الخلط بين الفكر الدينيّ والثّقافة بشكلها الواسع والمتفرّع وقراءة تراثنا الدّينيّ قراءة جديدة "لننطلق إلى منظومة فكريّة مبدعة تحرّر الطّاقات الفكريّة الكامنة لدينا، وتسمح لنا بأن نقضي على الاقتصاد الريعيّ لندخل عالم الإنتاج" (قرم، 2009، ص 71). وهذا الانتقال من مدار الفكر الدينيّ إلى مدار الفكر المادّيّ كفيل بإحداث تغييرات في المجتمع برفع اللّبس عن مفاهيم خاطئة سادت لدى فئة من النّاس فهمت الموروث الديّني بشكل يتماشى وإيديولوجيّتهم، وشرّعت لمقولات التشدّد في المواقف التي تصدر عنهم.

المحور الثّالث/ رؤية استشرافيّة: بحث في البدائل من أجل تأويل تاريخيّ حيّ

في إطار تناولنا مسألة الإصلاح الدينيّ، نشير إلى تصوّر بعض الباحثين لمآل الشّعوب العربيّة والإسلاميّة بعد الرّبيع العربيّ. فممّا لا شكّ فيه أنّ عددا كبيرا من المفكّرين العرب حاولوا إيجاد بدائل تحلّ محلّ الاستعمالات الخاطئة للموروث الدّينيّ بالانفتاح على رؤية إنسانيّة تفسح المجال للتّفكير في المستقبل تخطيطا وإعدادا.

إنّ محاولتنا استقراء التّعامل مع الموروث الدّينيّ، الهدف منها محاولة الكشف عن ظاهرة يثار حولها جدل كثير، وهي لذلك تغرينا من الناحية المعرفيّة بالتوقّف عندها. إنّها ظاهرة الانحباس في الماضي عموما والدّعوة إلى بعث دولة الخلافة من جديد نظاما سياسيّا، لتدبير حياة الناس العامّة والخاصّة. وإنْ كنّا لا ننوي الاستغراق في تفكيك هذه الظّاهرة لأسباب يفرضها المقام، فإنّنا نحتاج إلى الإلحاح على أمر، وهو أنّ كلّ تأويل لا يُسنده حسّ تاريخيّ (sens historique) في قضايا الإنسان والثقافة لا يمكنه أن يوفّر إجابات معقولة للأسئلة الجديدة. إنّ أبعد الغايات التي يمكن أن يدركها ترضية الوجدان الجماعيّ وإمداد النفس بنوع من الطمأنينة. وأمّا عدا هذا، فقليل لأنّ "الاستغراق في الماضي يشغل عن معالجة الحاضر واستشراف المستقبل والإعداد له والاحتفال بأمره" (أبو المجد، 2012، 26 ديسمبر).

إنّ ما يحدث اليوم هو ضرب من الانحراف عن مطامح الإسلام التي جاء من أجل تثبيتها بين المسلمين. فالإسلام لا يتعارض ومقولات التّجديد والتقدّم والتّخطيط للمستقبل، وهو ما يشرّع الحديث عن فقه جديد يعارض "فقه الجمود والعزلة والانفصال والتّقليد"، وهو "فقه التّعايش والاتّصال" تأسيسا للبنية الحواريّة وضمانا لحقّ الاختلاف. فمن الخصائص التي ينبغي توفّرها في الخطاب الإسلاميّ المعاصر الخروج من التموقع على التراث والتطلّع نحو المستقبل واستشراف آفاقه. ويمكننا الاستشهاد هنا لتدعيم هذا الرّأي ما دأب إسلامنا على تثبيته في نصوصه القرآنيّة من الحثّ على العمل للمستقبل والإقرار بأنّ العالم يتغيّر والأوضاع تتحوّل. قال تعالى: "وتلك الأيّام نداولها بين النّاس" (سورة آل عمران، الآية 140).

وفي هذا إشارة إلى أهمّيّة الاستعداد لكلّ ما هو آت. إنّ "العبرة من هذه الحالة النفسيّة الذهنيّة التي يحيينا بها القرآن ألاّ يعيش المسلمون في هموم يومهم، ومشكلات حاضرهم، غافلين عن إمكانات المستقبل المرتقبة، وارهاصاته، ومبشّراته أو نذره، فيفاجئوا بما لم يكن في حسبانهم، ولم يخطر ببالهم" (الكرواني، 2007، ص 254).

إنّ استحضار المستقبل أفقا للتفكير وإمكانا للانتقال من زمن إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى من شأنه أن يشرّع، لتشكّل مفاهيم جديدة تحلّ محلّ الخطابات السّابقة؛ أي التحوّل من الخطابات الدينيّة المعزّزة بطاقة مخياليّة غير تاريخيّة إلى الخطاب الفكريّ الواقعيّ. ويكون ذلك عبر الاستفادة من تطوّر مختلف العلوم التي تدرس الإنسان في كلّيته ودراسة المتغيّرات الحياتيّة التي يعيشها، مثل العلوم الإنسانيّة. وهكذا ينفتح باب على عوالم معرفيّة تقبل النّقد والتّأسيس "لإسلاميّة المعرفة الجديدة" والتحوّل من التّنظير الذي يقوم على إعادة بعث القديم إلى الممارسة الفكريّة الخلاّقة من خلال" تأسيس رؤية إسلاميّة مستقلّة في التّنمية وتأصيل النسبيّة الإسلاميّة بدل النسبيّة المطلقة، والإيمان بالحركة والتّدافع في الحياة، فضلا عن إدراك مشكلات ما بعد الحداثة، وتجاوز الاطلاقات المتناقضة، فضلا عن السّماح بالتعدّديّة" (الكرواني، 2007، ص 299).

فالعالم في حالة تغيّر مستمرّ يتوق إلى بلوغ كلّ جديد لصالح الإنسان في جميع الأصعدة ومواكبة ما بلغته البلدان المتقدّمة من تطور علميّ وتكنولوجيّ. ونعتقد بأنّ مسارا كهذا لا يمكن أن يتعارض في الجوهر مع ما جاء من أجله الدّين الإسلاميّ أو يسيء إلى التعامل مع الموروث في حدوده المعقولة. وبناء على هذا، نرى أنّ الدّين رغم أنّه لا يمكن أن يكون مجرّد عقيدة وجدانيّة منعزلة عن الواقع أو مجرّد طريق للتعبّد لبلوغ أجر في الآخرة والعيش في فردوسها السرمدّي، فإنّ عمليّات التأويل غير التّاريخيّة له التي تريد أنْ يكون كتلة ملغزة "صالحة لكلّ زمان ومكان" بعيدا عن التّقاطع العقليّ معه، لا يساعد على إنضاج قراءة حيّة له. قد يكون الدّين، كلّ دين، جاء "لينفذ في دنيا الواقع، وليتبعه النّاس في نشاطهم الحيويّ كلّه، لا ليبقى مجرّد شعور وجدانيّ قابع في ضمائرهم. ولا مجرّد تهذيب روحيّ في أخلاقهم. ولا مجرّد أحوال شخصيّة في جانب واحد من حياتهم" (قطب، 2008، ص ص 17-18)، ولكنّنا نساءل كيف يحقّق الدّين هذه المقاصد؟ ومَنْ يقدر على تحويله إلى فاعليّة حياتيّة إيجابيّة؟

يجدر بالإنسان إذن، أن يكون تعامله مع الديّن تعاملا منفتحا يتجاوز ثقافة الانغلاق على الماضي وحده والتّغافل عن الحاضر وآمال المستقبل. كما يجدر به التمييز بين الثّوابت والمتغيّرات في التراث الدّينيّ، ليكون التعامل متحرّكا أخذا وعطاء انتخابا وإلغاء.

في هذا الإطار، يمكننا أن نشير إلى أهمّ الآراء والمواقف الدّاعية إلى توخّى الحذر أثناء التّعامل مع الموروث وتفعيل دور العقل لتغيير الواقع. فقد أعلن مثلا، علاّل الفاسيّ "أن لا بدّ من التمييز بين ما يستحقّ البقاء من هذا التراث، وما يستوجب الزّوال بحسب القيم التي يمثّلها. فمنها قيم خالدة ومنها قيم متجاوزة وظرفيّة. وفي مقدّمة ما يجب التمسّك به من تراثنا هو الدّين الإسلاميّ لكن يجب التفرقة بين الدّين في أصوله الصّحيحة وبين التّراث الفكريّ والمذهبيّ الذّي نشأ حول الدّين وما شاع فيه من تعصّب وخرافات وأهواء" (الكتّاني، 2000، ص 91). وهذا المنهج يقتضي "غربلة التراث لنستخرج منه الجواهر، وننبذ الحصى والطفيليّات" (الكتّاني، 2000، ص 91). كما قدّم حسن حنفيّ تصوّرا آخر للتحديث والتجديد ضمن مشروعه النظريّ الهادف إلى تحرير العقيدة الإسلاميّة من المكبّلات، وذلك من أجل خلق مجتمعات ثائرة على الرّتيب والانجذاب لمقولات الماضي. فيكون التّراث بهذا المعنى، رغم حضوره الكثيف في الوجدان سندا لاستحداث إمكانات تغيير الواقع. يجب "استثمار التّراث وتفعيله في الاتّجاه الذي يحقّق (الثورة) على ذلك الواقع وتغييره، واستهداف حياة أكثر تقدّما وتحرّرا وفاعليّة"(الكتّاني، 2000، ص 107)، وهو حين تُناط به هذه المهمّة "يصبح التّراث رصيدا قوميّا غنيّا بإمكانات تغيير الواقع، وليس مجرّد تراكم معرفيّ يقيّد المجتمع ويجذبه نحو الماضي"(الكتّاني، 2000، ص 107). فتحويل التراث من ذات (sujet) إلى موضوع (objet) من شأنه أن يدفع العقل إلى اقتحام مدار الفكر التي كانت معطّلة، وأن يعمل على تحرير الثقافة المعاصرة من الفهم غير التاريخيّ لمقولات أصوليّة وفقهيّة، مثل الإيمان بالقضاء والقدر.

سعى عدد كبير من العلماء الباحثين إلى تجلية الغموض الذي يلفّ مصطلحات سكنت الموروث الدينيّ وأصابته بالجمود. كما حاولوا صياغة مفاهيم جديدة كبدائل عمّا ساد الذّهنيّة العربيّة الإسلاميّة. ومن هؤلاء نذكر: فضل الرحمان في كتابه: الإسلام والحداثة، محمود طه ومحمّد شحرور: في الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة، محمّد أركون في: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدّينيّ، سعيد العشماوي في: الإسلام السياسيّ والخلافة الإسلاميّة، محمود إسماعيل في: سوسيولوجيا الفكر الإسلاميّ، صادق العظم في: نقد الفكر الدّيني وذهنيّة التّحريم، محمّد الطّالبيّ في: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين وفي: الإسلام وتحدّيات العصر...

فالإسلام كما يراه هؤلاء وغيرهم هو الدّين الذّي يقبل الاختلاف والنّقد، حتى يكون قادرا على تبنيّ الحداثة العلميّة في التّفكير والبحث والتّوفيق بين التقدّم الثّقافيّ من ناحية، وترسيخ الهويّة الدينيّة من ناحية ثانية. ذلك أنّ الهويّة الدّينيّة يجب ألاّ تكون هويّة التّسليم، وإنّما هويّة التّفكير والتّأويل والنّقد والتبصّر والتأمّل. ولقد اختصّت الدّعوة لتجديد الفكر الدّينيّ الإسلاميّ مثلا عند فضل الرّحمان في ضرورة التّعامل مع التّراث تعاملا نقديّا والاعتماد على المسار التاّريخيّ الذّي نزلت فيه النّصوص الدّينيّة. كما حاول دراسة دلالات المعاني القرآنيّة مثلا، بالاعتماد على المنهج التّأويليّ، وهو منهج يقوم في اعتقاده على "عمليّتين اثنتين: الأولى تنطلق من المقام أو السّياق الحاضر لاسترجاع الفترة التي أنزل فيها القرآن، والثّانية على العكس تنطلق من الماضي لفهم الحاضر واستشراف المستقبل"(الفرّان، 2007، ص175). هذه قراءة رآها صاحبها تشرّع لتجديد الفكر الدّينيّ وتطويره والانفتاح على الجديد و"مسايرة ركب الحضارة والخلق والإبداع". وفضل الرحمان بذلك يصوغ مفهوما مستحدثا، وهو مفهوم"الرّؤية العالميّة القرآنيّة"، وهي رؤية "تقوم على مبادئ عامّة في ارتباطها مع أسيقتها التاريخيّة الخاصّة. وتعمل من جهة أخرى على مراجعة السّياقات الاجتماعيّة والأخلاقيّة المعاصرة التي يمكن أن تطبّق فيها هذه القيم الإسلاميّة" (الفرّان، 2007، ص 176).

هناك إذن، محاولة لفتح باب الاجتهاد وإعادة النظر في الأسيقة التاريخيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة للمسلمين والتّوفيق بين التراث والحداثة. ولا يتحقّق ذلك إلاّ من خلال وعي المثقّف الإسلاميّ المعاصر واضطلاعه بالمسؤوليّة من خلال تأهيله، ليتحوّل "من مجرّد فقيه تقليديّ إلى مثقّف عضويّ حديث قادر على تلبية الحاجات المتغيّرة للمجتمعات الإسلاميّة المختلفة وما يرتبط بها من تأثيرات العولمة والتحديث والعلمنة وما إلى ذلك" (الفرّان، 2007، ص 178).

فمن الضّروريّ إذن، تعديل الرؤى والمواقف إزاء موروث دينيّ، وذلك بتنقيته من البدع والضّلالات والتحرّر من التّقليد وإحلال توازن خلاّق بين العقل والنّقل، وهو ما يدفع إلى بناء تفكير إسلاميّ مواكب للاكتشافات العلميّة والفلسفات المتقدّمة ومندمج اندماجا عضويّا في الزّمن الرّاهن وفاعل فيه. إنّه بذلك يستطيع أن يواجه متغيّرات الحياة وتحدّيات العصر، واحتواء كلّ المسائل الحياتيّة والبحث عن حلول سريعة لها. فالبديل وفقا لمثل هذا المنهج لا يكون إلاّ باعتماد النظرة المستقبليّة والاستناد إلى المناهج العلميّة الحديثة وتحرير الطّاقات من القيود والأغلال التي طالما كبّلت الأفكار، ومنعت التّعبير عن الرّأي وحالتْ دون قيام شبكة قيم جديدة ذات بعد إنسانيّ عميق وأصيل، مثل الحريّة والعدالة والديمقراطيّة.

هذا المنهج المقترح يستدعي، شرطا لبلوغ مقاصده، تصويبَ التّعامل مع الزّمن وذلك بالابتعاد عن الاستغراق في الماضي والانشغال في قضاياه للتفكير جدّيا في قضايا الرّاهن والتخطيط للمستقبل والإعداد لبرامج جادّة يسهر على إبداعها خبراء ومفكّرون عصريّون في شتّى الميادين. إنّه السّبيل الناجع لترتقي البلدان العربيّة والإسلاميّة في سلّم التقدّم والحداثة ولتدخل شريكا مع البلدان المتطوّرة علميّا ومعرفيّا وتكنولوجيّا.

حان الوقت إذن، لتتكّون جبهة فكر وعمل تدافع عن قيمة الإنسان الزمنيّة، وتتبنّى فلسفة التقدّم باعتبارها نزوعا مستمرّا نحو المستقبل، وليس ارتدادا إلى الماضي. فهذا مسلك لتحرير العقل والتّراث معا، وهو دعوة عمليّة إلى جيل بأكمله عساه "يزيل غشاوة الرّتابة والجمود عن عيونه، ويشحذ الهمّة لعمل كبير وجهاد طويل يمدّ به أبصاره إلى المستقبل، ويرتحل ولو قليلا عن الماضي الذّي حصر نفسه فيه، ووقع في أسره، وهو يظنّ أنّه يقترب – بهذا كلّه- إلى اللّه تعالى" (أبو المجد، 2012، 26 ديسمبر).

ينبغي أن نشير إلى أنّه إزاء توسّع رقعة الخطابات التراثيّة، بدأت تزدهر، وإنْ في فضاءات مغلقة، القراءات النقديّة المحفّزة على إعمال العقل والدّافعة إلى إنجاز قراءة جديدة للتّراث، لبناء منظومة فكريّة قوامها النّقد. والنّقد المطلوب لا يكون بإنشاء خطابات تحطيميّة انتقاميّة من الذّات أو من التراث أو من الأصول، وإنّما يكون باستفراغ الجهد من أجل تقديم "كلام يصدم ويزلزل أو يجرح: يصدم لأنّ الواقع يفاجئ ويصدم. ويزلزل لأنّ الجديد يولد بعد مخاض. ويجرح لأنّه ينطوي على تشريح لواقعنا الفكريّ والثّقافيّ هدفه تشخيص العلّة التي تعيقنا عن ممارسة تفكيرنا ووجودنا بحريّة وقوّة. نعم على المرء أن يذود عن أهله ووطنه، وأن يذبّ عن تراثه وهويّته، وأن يدافع عن حقوقه وحرّياته" (حرب، 1994، ص 181).

عمّق محمّد أركون النّظر إلى هذه المسألة في كلّ كتاباته، ونبّه على قيمة دراسة التغيّرات والتطوّرات التي تصيب البنى الاجتماعيّة. وطالب من موقع الأكاديميّ الجامع معرفة أصيلة بالموروث إلى معرفة كبيرة بآليّات التّفكيك والنّقد بضرورة التّعالي عن التوجّهات الإيديولوجيّة التي تسجن الفكر وتمنعه من الذّهاب إلى آفاق معرفيّة أخرى. فالمعرفة الصّحيحة بالتراث حسب رأيه لا يمكن أن تقوم إلاّ على زحزحة العقل الدوغمائيّ والانفتاح على العالم الخارجيّ والاعتماد على المناهج التي جُرّبتْ في قراءة تراثات أمم أخرى، وأفضت إلى نقلات كبرى في مجال العلوم والمعارف وحقّقت فوائد جمّة للإنسان في علاقته بذاته وبمجاله الحضاريّ وبمنزلته في الكون.

تتجاوز المعرفة بواسطة هذه المناهج حدود النظرة التقليديّة، وتتيح الذّهاب إلى تحليل الظّواهر من الأعماق في تغليب واع للمتغيّرات التاريخيّة والاجتماعيّة. وليس الإسلام حضارة ومجتمعا عصيّا على الدّخول تحت مظلّة هذه المناهج وقطف ثمارها. إنّه لا يمكن على هذا النحو، إلاّ أن يكون "مجالا لإنتاج التعدّد والاختلاف وفضاء لممارسة الخلق والإبداع" (حرب، 1994، ص 195).

ما أردنا أن نصل إليه، وقد تتبّعنا علاقة الموروث بقرّائه التجديديّين والتراثيّين هو تأكيد فاعليّة الدّعوة إلى إحياء روح المبادرة والإبداع والخلق والابتكار. فالشّعوب الطّامحة إلى تغيير أوضاعها الماديّة في حاجة إلى ثقافة بديلة وإيجابيّة، ينأى بفضلها النّاس عن التّوظيف الإيديولوجيّ للتّراث.

وممّا لا شكّ فيه، أنّ التراث يشكّل جزءا أصيلا من الهويّة الثّقافيّة للشّعوب. فـ"الإنسان لا ينفكّ عن ماضيه فيما هو يمارس ذاته وفكره، بل هو يطوي في ذاكرته تواريخه وأزمته. غير أنّ سؤال التّراث، على أهمّيته، ينبغي أن لا يشغلنا عن السّؤال الأساسيّ: كيف نفكّر بحرّية ونمارس وجودنا بقوّة؟ كيف نصنع أنفسنا، ونسهم في الوقت نفسه في صنع الحضارة القائمة؟ هذا هو السؤال الاستراتيجيّ: كيف نحضر في هذا العالم ولا نغيب؟" (حرب، 1994، ص 83).

نحن إذن في حاجة إلى ثورة حقيقيّة عمادها هذه المرّة الفكر والعقل، لدرء المخاطر المحدقة بالحاضر والمهدّدة للمستقبل. وأولى ثمارها؛ التمكّن من معرفة دقيقة وعلميّة بالواقع المعقّد وامتلاك الأدوات اللاّزمة لتشريحه وفهم الأسباب العميقة التي بها تشكّل على هذا النحو. إنّ قراءتنا للموروث الدّينيّ في السياق الذي عرضنا أهمّ مرتكزاته وطبق المنهج الذي قدّمنا، إنّما الغرض منها النّجاح في مشروع العقلنة. والعقلنة مسلك آمن يتلاشى بانتشارها كلّ فكر متعصّب، مهما كانت حجّيّته وينسحب من فضائها كلّ خطاب، وإنْ جاء بالمقدّس سلطانا. العقلنة تتيح قراءة أكثر انفتاحا للدّين والهويّة والتراث وتفسح للاختلاف مساحات واسعة. العقلنة معادل موضوعيّ للقول، إنّه "لا تفكير ينتج أو يثمر دون فاعليّة نقديّة" (حرب، 1994، ص 84).

سنقول ونحن في نهاية هذا المقال إنّه آن الأوان لتتجاوز قطاعات واسعة من الشّعوب العربيّة والإسلاميّة الحدود التي حبسها داخلها "الفكر النصّانيّ". ولكنّ ذلك لا يكون إلاّ بالتّساؤل عمّا أجازه النصّ وما لم يجزه، وعمّا صحّ من أقوال مأثورة وما لم يصحّ. وتحقيق هذا المراد مناط بتأويل تاريخيّ وقراءة مفتوحة على التعدّد ومشدودة حصرا إلى المستقبل. وهو قبل ذلك مناط ببديل للمثقّف التقليديّ، وللفقيه التقليديّ، وللدّاعية التقليديّ. إنّه مناط بنخبة جديدة من القرّاء/النقّاد.

وهذه النخبة ليست في كلّ الأحوال تلك التي عوّل عليها أحمد كمال أبو المجد حين قال: "فقد صرنا جميعا شركاء في مسيرة واحدة نتبادل ثمرات الخبرة والتّجربة، ونوظّف تنوّعنا في العقائد والثّقافات لما ينفع النّاس...وليت فقهاءنا وأهل الاجتهاد فينا يقدّمون للأمّة صياغات جديدة تشرح العلاقات الجديدة بما يستحقّ أن نسمّيه فقه التّعايش والاتّصال بديلا عن فقه العزلة والانفصال" (أبو المجد، 2012، 26 ديسمبر). صحيح، إنّ أبا المجد كأنّه بصيغة التمنّي "ليت فقهاءنا..." قريب من اليأس من هذه الفئة، ولكنّه ظلّ ينتظر منها تقديم الحلول.

إنّ التغيّرات الكبرى التي ذكرها أبو المجد حدثت خارج زمن الفقهاء وأهل الاجتهاد التقليديّين. ولذلك، فإنّ استيعابها والتمكين لها في بلاد المسلمين لايمكن أن يتمّ إلاّ بنخبة نشأت ثقافيّا ومعرفيّا في زمن هذه التغيّرات، وهي التي سمّيناها نخبة القرّاء/النقّاد.

المصادر و المراجع:

1-أبو المجد، أحمد كمال. (2012، 26 ديسمبر). مداخل إلى إصلاح الخطاب الدّينيّ المعاصر، الدّين والدّولة في الوطن العربيّ. المستقبل العربيّ. 406

2-أبو زيد، نصر حامد. (1993). نقد الخطاب الدّيني. سينا للنشر.

3-حرب، عليّ. (1994). أسئلة الحقيقة ورهانات الفكر، مقاربات نقديّة وسجاليّة. بيروت- لبنان: دار الطليعة للطّباعة والنشر.

4-زكريّا، فؤاد. (1985). الصّحوة الإسلاميّة في ميزان العقل. بيروت- لبنان: دار التنوير للطّباعة والنّشر.

5-العالم، محمود أمين. (د.ت). الوعي والوعي الزّائف في الفكر العربيّ المعاصر. دار الثّقافة الجديدة.

6-عبد الرّحمان، عبد الهادي. (1993). سلطة النصّ، قراءات في توظيف النصّ الدّيني. بيروت: المركز الثّقافيّ العربيّ.

7-الفرّان، محمّد. (2007). مظاهر التجديد في الخطاب الدّينيّ الإسلاميّ المعاصر. المملكة المغربيّة: منشورات وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة- دار أبي الرّقراق للطّباعة والنّشر.

8-قرم، جورج. (2009). مقابلة حواريّة أجراها معه يسري الأمير. ضمن مجلّة الآداب. بيروت. السّنة 57. 4-5-6

9-قطب، سيّد. (2008). المستقبل لهذا الدّين. دار الشّروق.

10-الكتّاني، محمّد. (2000). جدل العقل والنّقل في مناهج التّفكير الإسلاميّ الحديث. الدّار البيضاء: دار الثّقافة للنّشر والتوزيع.

11-كرم، محمود. (2007، 5 ديسمبر). سلطة الموروث الدينيّ، نحو تفكيك ثقافة الخوف. الحوار المتمدّن. 2120. استرجعت في تاريخ 5 ديسمبر 2007 من الموقع: WWW. AlHEWAR.ORG.

12-الكرواني، سعيد. (2007). تجديد الخطاب الدّينيّ، نحو تجديد الخطاب الدّينيّ، تأسيس البنية الحواريّة وحقّ الاختلاف، المملكة المغربيّة: منشورات مركز الأوقاف والشّؤون الإسلاميّة، دار أبي رقراق للطّباعة والنّشر.

13-المنجد في اللّغة والأعلام. (1997). بيروت، دار المشرق.

14-الميلاد، زكيّ. (2004، 28 أكتوبر). ما هو التراث، التنوّع الإسلاميّ: من أجل فهم أفضل لواقع متعدّد الأبعاد. صحيفة عكاظ السعوديّة. استرجعت في تاريخ 28 أكتوبر، 2004، من www. Alwihdah.com.

15-Elmandjara,M. (1990, 4-7 mai). Futurs du monde islamique, étude du futur: nécessités, réalités et horizons, Etude présentée au symposium sur les futurs du monde islamique, Alger.


*- نص المداخلة الذي ألقي في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاثتحت عنوان: "الإصلاح الديني بعد الربيع العربي: ضروراته، رهاناته ومتطلّباته"، بتاريخ 22-23-24 فيفري، سوسة، تونس.

[1]- يقول المهدي المنجرة في هذا الصدد:

"L’islam en tant que religion et société est avant tout un regard porte sur l’horizon pour les questions de ce monde et de celles de l’au-dela, in: Elmandjara,Mahdi (1990, 4-7 mai). Futurs du monde islamique, étude du futur: nécessités, réalités et horizons, Etude présentée au symposium sur les futurs du monde islamique, Alger.

[2]- يقول المنجرة في هذا الصدد عن الإسلام:

« Il comporte un message dynamique basé sur le changement (ettaghiyir)-un changement dont l’initiative dans les domaines politique, économique, social et culturel, revient à l’homme qui est maître de son devenir. Le changement est en effet une nécessité pour un avenir meilleur et la parole de dieux est clair à ce sujet: En vérité Dieu ne change rien en un peuple tant qu’ils n’ont rien changé en eux mêmes(Ar-ra’d 13: verset 2) », Mahdi Elmandjara, ibid.