انزياح المكانة من خلال الأساطير والطقوس


فئة :  مقالات

انزياح المكانة من خلال الأساطير والطقوس

انزياح المكانة من خلال الأساطير والطقوس[1]

1- انزياح المكانة وعمق الانقلاب الذكوري في الإينوما إيليش

من خلال دراسة الإينوما إيليش، تتضح معالم واضحة لما حصل في تاريخ سحيق من تاريخ البشرية، فما رسمته الإينوما إيليش عن الآلهة وعن الكون وعن خلق الإنسان يمثل لوحة كاملة لعملية الانقلاب الذكوري الكامل على الإلهة الأم وعهدها الأمومي، هذا العهد الذي كان يتميز بالهدوء والسكون وتعدد الآلهة وتنوعها وتوزع المهام بينها في تدبر الكون، وخلوها من النزاعات والعنف، رغم الحركة والنشاط الواضح على الأجيال الجديدة من الآلهة «الأبناء».

«فأسطورة الخليقة، ورغم اعترافها بدور الأم الكبرى في إخراج الكون من حيّز الهيولى إلى حيز الوجود، لكنها تجعل منه دوراً سلبياً؛ لأن الأم الكبرى تغدو مادة لفعل الإله الذكر لا مصدراً تلقائياً للإشعاع، ومرحلة يتجاوزها مردوخ ليبني مجمع آلهته الجديد على أشلاء جسدها الذي كان أصلاً خميرة الخلق، الخلق بمحبة المرأة، لا الخلق بقسوة الرجل. من ناحية أخرى فإن قتل الأم في هذه الأسطورة يعكس رغبة الرجل، سيد الحضارة الجديدة، في الخروج من حضن الطبيعة، والتحكم فيها لمصلحته بعد تاريخ طويل من الاستسلام والعيش في كنفها» (السواح 2002: 54).

فبخلاف ما يتم ترديده اليوم أن الإلهة الأنثى كانت لا تتوق للحركة والتجدد ولا تحتملها، فقد كان هذا من طرف الإله الذكر، وهو الذي حاول إفناء الجيل الجديد. الإلهة الأم لم تبتدئ العنف والقتال، ولم تحشد جيشها وقوتها أخذاً بالثأر لشريك، ولكنها فعلت ذلك لأجل أبنائها وبناءً على توسل منهم.

الإله الذكر الذي قرأ محاولة الإله الأب الأول القضاء على الأبناء بأنها شرّ، لا يمكن أن يسمح له بأن يستمر، لم يتحقق له ذلك بالقضاء على تيامت، وحسب، بل بالاستحواذ على السلطة المطلقة وإلغاء وجود الشريك في الحكم والألوهية الفاعلة. إنه انقلاب على الأنثى التي كانت تستمع وتستشير وتقرر وتحمل الرحمة في أحشائها. لقد قرر مواجهتها متسلحاً ليس فقط بقوته، بل بتأييد لاهوتي واسع ليرهب بعدها الجميع ويهيئ الطريق للتفرد والتمركز في إدارة الكون الذي سيشكله من أشلاء الإلهة الأم، ولكن بعد أن احتقنت بالشر تجاهه وامتلأ جوفها حقداً عليه فحول لعابها المملوء بالسم إلى أمطار وغيوم وسحاب، وحول ثدييها إلى جبال ومن عيونها أجرى الأنهار، وكلها تحمل الخير وتحمل الشر.

الابن إيا يقتل الإبسو كأول حادثة قتل بدأت بين الآلهة من أجل السلطة ومن أجل البقاء، وهكذا فقد اختزلت هذه الأسطورة قصة التحول الذكوري وانتهاء عصر الأم التي تعكس عصراً من السكون والمشورة والتعايش؛ إذ كانت الآلهة تعيش في رحم تيامت وتتحرك وتصخب، وهي قادرة على استيعابها، كيف لا وهي الأم واهبة الحياة وهل جوابها لإبسو واستغرابها من قراره قتل أبنائه سوى مؤشر على أنها هي وحدها مولّدة الحياة، فهي لم تشن حرباً على أبنائها بعد مقتل إبسو رغم كونه شريكها، ووجدت نفسها مضطرة لخوض معركة ضد أحد أبنائها؛ لأنه أصبح خطراً على الآخرين، وهنا يظهر بأن تيامت كانت ضد أن يتخذ واحد بمفرده قراراً بتنحية الآخرين، فكان أن دفعت الثمن وخسرت المعركة لصالح أول ديكتاتور احتكر السلطة بالسياسة والدهاء.

لقد نجح مردوخ وبذكاء في التخلص من تيامت وفي الآن عينه وبذكائه عرف بأنها ستكون المادة الخام الخصبة، فخلق منها الكون وشكل فيه هضاباً وسهولاً وينابيعَ وسماءً وأرضاً، وخلق الإنسان من دماء المحارب كينغو الذي منحته تيامت القوة والمقدرة القتالية، فكان الإنسان على شاكلته محارباً مقاتلاً عنيداً، وحمل وزره فكان شقياً مجهداً خاطئاً مصاباً.

لقد جرى تصوير ما قام به مردوخ، بوصفه ردّاً حاسماً كان لا مندوحة عنه لمواجهة خطر يتهدد جميع الآلهة تمثله تيامت التي خلقت جماعات من الوحوش الجبارة للثأر لأبسو، لذلك عمد مردوخ إلى «الاستفادة من انتصاره، فخلق الكون وخلق البشر ووضع كل شيء في مكانه، وحدد الأدوار، وقرر المصائر، فأصبح إلهاً وسيداً لجميع الآلهة والبشر، واستحق مركز الصدارة، فاعتُرف بمجده من قبل الآلهة جميعاً، وأغدقت عليه جميع الألقاب والأسماء الإلهية الخاصة» (الشواف، ج2 1997: 114).

إن قتل تيامت يمثل، في بعض معانيه، انتقالاً من مرحلة الثقافة الأمومية إلى مرحلة الثقافة الأبوية، باعتبار الأخيرة تمثل انتقالاً من الحالة السكونية الرتيبة التي كان عليها الآلهة الأوائل، إلى مرحلة الحركة والدينامية، وهي صورة تستبطن إدانة للعهد الأمومي، وتصويراً له على أنه عهد ميت ساكن رتيب، وهو ما يمكن ملاحظته من الأوصاف التي ألصقت بتيامت كصفات التنين، والمسخ، والأفعى؛ بمعنى أنه جرى شيطنتها وقتلها معنوياً، في دلالة على وعي الأسطورة المبكّر لما يمكن أن يفعله هذا القتل المعنوي من تسهيل بسط السلطة، وإزاحة المنافس (السلطة الأمومية) عن العرش، وطرده وإقصائه ونفيه إلى الأبد، لمصلحة سلطة مركزها الأب الذي يسيطر على الطبيعة ويحفر الآبار، ينشىء القنوات، ويبني السدود، فتزدهر الزراعة، وينتشر الخصب.

وكل ذلك، كما تقول أسطورة الخليقة، من أجل أن تكون «بلاده خصبة، وليؤمّن لنفسه السلامة والصحة». ومن يفعل ذلك فإنه بلا شك «كلمته حازمة، وأمره لا يتغيّر (...) أفكاره عميقة، وعواطفه في قلب أعماقه» (دالي 2011: 419).

أما قتل الأب، كما أظهرته أبيات أسطورة الخليقة، فيؤثث لشكل جديد من الصراع السياسي والرغبة في الاستحواذ على السلطة، مهما كلف الأمر. وهنا نلاحظ انزياحاً في منظومة القيم، لمصلحة التداخل والاشتباك والالتباس؛ إذ لم يعد العالم مسطّحاً وذا بعد واحد.

كما أن قتل الأب هنا لا يستحضر أو يتقاطع مع عقدة أوديب التي تناولها «سيغموند فرويد» في كتابه «الطوطم والتابو»، باعتبارها عقدة نفسية تطلق على الذكر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغير عليها من أبيه ويكرهه، فيسعى إلى قتله. فضلاً عن أن قتل الأم تيامت لا يعبّر هو الآخر عن تحليل فرويد لعقدة اليكترا عند الأنثى.

وتعود عقدة أوديب إلى الأسطورة اليونانية، واسم أوديب يعني «القدم المنتفخة»، وهو مُستوحى من منظر قدم الطفل المعلّق على الشجرة، كما كان حال أوديب في الأسطورة. ويعتقد فرويد أن لما يسميها «جريمة» قتل الأب، دوراً، بعد عقلنتها، في تطور البشرية والفرد على حد سواء.

لقد مكّن الانقلاب الذكوري، كما تصفه أسطورة إينوما إيليش، من تحويل العالم إلى «جنة عدن» كجزء من أحداث الأسطورة التي تتحدث أيضاً عن خلق العالم في سبعة أيام. وتعني كلمة «جنة» حديقة غنّاء، ومنها اشتقت «الجنينة» التي تتكاثر فيها أشجار الفاكهة والخضرة والماء العذب. وأما «عدن»، فمعناها الخلود.

وقد حوّل الخيال السومري الجنة، وأعاد ترسيمها بوصفها الأرض المسالمة المثالية التي «لا قتال فيها، ولا موت، ولا حزن» (علي 1993: 553-554).

لكنّ هذا الخيال ينطوي على «تزييف» للوقائع، وينكر أن الانقلاب الذكوري لم يتحقق إلا على الدم، وأشلاء الأم منجبة الخصب والحياة، ووالدة قَتلَتها، وفي ذلك يكمن مغزى عميق الدلالة يتجلى في أن العهد البطريركي لم يتوقف عند الهزيمة المادية، بل تعدى ذلك إلى تشويه صورة المهزوم، وفرض تصور المنتصر في الصراع، وتقديم روايته، وإعلاء شأن كل الذرائع التي تدعمها.

وفي بعض وجوهها، تعبّر أسطورة الخليقة، عن نشوء تململ داخل مجتمع الآلهة لإحداث تغيير، كجزء من الرغبة في الانفصال عن الحالة السابقة، والانقلاب عليها، حتى لو كان ذلك على جثة الأم الأولى، موجدة الخصب، ومفجّرة الحياة في المجتمع الزراعي.

إن رغبة الآلهة الجدد الذين تزعمهم مردوخ، كانت تتجه للانقلاب على عهد الزراعة، والذهاب إلى عهد تشييد المدن، وبناء القوة العسكرية، والسيطرة على الحياة والوجود. لقد خلق مردوخ الإنسان الأول «عبر مزج دم أحد الآلهة المنهزمين بيد ممتلئة من تراب، مما يدل على أن الآلهة ليست قابعة ومعزولة في عالمها القدسي، بل إن البشر وعالمهم الطبيعي، هما أيضاً مصنوعان من نفس المادة الإلهية» (أرمسترونج 2008: 63).

2- انزياح مكانة الإلهة عبر أساطير الخليقة

من خلال تتبع الأساطير ما بين سومر وبابل وآشور، نجد أن الإلهة الأنثى تحركت من مركز الصدارة إلى التهميش، وتحولت صفاتها وخصائلها رويداً رويداً إلى التشويه.

«ففي الأساطير السومرية الخاصة بأول أيام الخليقة (أوريا uria) تظهر الأنثى الكونية المائية الأولى نمّو nammu، وهي إلهة هيولية تحركت فيها إرادة الخلق وتصارعت الحركة مع السكون، فنتج عن ذلك تكون الكون (آن-كي) ويعني (السماء-الأرض)» (الماجدي 1998: 66).

فالأوريا كزمان أول أحيط بالقداسة وأصبح الزمان المثالي لكل الأزمنة الأخرى، ونمّو كانت الأصل الحي الذي ظهر منه الوجود كله (العالم، الآلهة، الإنسان)، وهي الأنثى الأولى المكتملة التي أنتجت الكون من خصبها الذاتي ومن غير الاستعانة بمبدأ ذكري (السواح 1993: 158).

«ومن خلال حركة نمو تمّ خلق عنصري الذكورة والأنوثة وكانت بأوامرها السماء ذكر والأرض أنثى وكان لهما ابن هو سيد الهواء (إنليل)، ومن ثم يقوم إنليل بالتفريق بين آن وكي ومن ثم كان لهما الابن الإله إنكي (إله الماء)، والذي أصبح سيد الأرض والذي يتولاها بعنايته. وبعد هذا أصبح الكون خاضعاً لنوعين من أساطير الخلق (الكوزموغونيا) كل واحدة يديرها إله:

- كوزموغونيا إنليل التي امتلكت سلطان آن وتضم عوالم الظلام والعالم السفلي والأنواء الجوية وتميل للقوة وربما الموت.

- كوزموغونيا إنكي وتمثل الماء والأرض معاً وتمثل الحياة والإخصاب والتناسل؛ فهي العالم الحي، وهو أرضي بحت.

وبالتالي ستكون هناك جملة من العلاقات بين العالمين، والتي قد تكون إيجابية من خلال التزاوج أو علاقة سلبية من خلال الصراع وأشهر هذه الصراعات هو ما حصل بين الإله الإنكوي (ديموزي) وبين الإلهة الإنليلية (إنانا)» (الماجدي 1998: 75).

«إن ما فعله النظام الميثولوجي للمجتمع الديني الأول في سومر هو فصل الخصائص الكونية للأم الكبرى عن خصائصها المتعلقة بالخصب وحركة الطبيعة الأرضية، وجعلها إلهة مرحلة تعيش في عالم المجردات بلا ظل ولا معبد ولا ديانة منتظمة وترك الثانية لاسمها 'إنانا ' التي أدمجها في بانثيون الآلهة الجديد برئاسة 'آن' وجعل لها نسباً وأمّاً وأباً في شجرة عائلة الآلهة الذكور» (السواح 2002: 53).

في بابل حدث الأمر نفسه مع الإلهة الكونية الأم (تيامت)، فيتحول فيضها التلقائي الكوني في سومر، ليكون بالإكراه على يد مردوخ (الإله) كما مر ذكره.

«ولئن كانت أسطورة التكوين البابلية تعترف بدور الإلهة الأم في الخروج بالكون من حيز الهيولي إلى حيز الوجود، إلا أنها تعتبره دوراً سلبياً؛ لأن الأم الكبرى تغدو مادة لفعل الإله الذكر لا مصدراً تلقائياً للإشعاع ومرحلة يتجاوزها مردوخ ليبني مجمع آلهته الجديد على أشلاء جسدها الذي كان في الأصل خميرة الخلق، الخلق بمحبة المرأة، لا الخلق بقسوة الرجل» (السواح 2002: 54).

«وعلاوة على ذلك، فقد غدت تيامت، في الميثولوجيا البابلية، إلهة مرحلة ماتت عند عتبة التاريخ، ونجد في بلاد الرافدين شكلاً آخر من أشكال الأم الكبرى، أكثر حضوراً يتمثل في الأم - الأرض 'ننتو أو ننخرساج'، حيث شوه الإله الذكر صورتها وجعلها منفعلة لا فاعلة وخصبها يأتي من خارجها عن طريق إنكي إله المياه العذبة وشكل اتحادهما جنة بدئية هي نموذج أول لكل أرض مزروعة تعطي أكلها بلقاح الماء للأرض، وهنا احتفظت هذه الأم بدور أساسي في الخلق لكن بمعونة إنكي» (السواح 2002: 55).

وفكرة الميلاد المائي نجدها تتكرر في كل الأساطير وحتى في التوراة وفي القرآن في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ} [هُود: 7]، وكذلك الأمر في كون السماء والأرض كانتا متحدتين ثم انفصلتا، ويتم هذا الانفصال دائماً بشكل قسري وبتدخل خارجي يبلغ أعنفه في الأسطورة البابلية على يد مردوخ، وفي القرآن نص صريح بهذا، حيث يقول تعالى: {أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبيَاء: 30].

ويأتي التحول الثاني في عملية الخلق، حيث بتتبع الأثر يكون الخلق بالفعل الجنسي ومن الفرج، ليتحول إلى الخلق بالكلمة.

«في الأسطورة السومرية بعد أن فصل إنليل بين السماء والأرض انصرف لخلق الكون. يأتي هذا الخلق نتيجة لحركة المادية والفعالية الحياتية للآلهة، لا نتيجة الكلمة الخالقة والأمر الإلهي، فظهور القمر والشمس للوجود كان بنتيجة الفعالية الجنسية للإله إنليل مع الإلهة ننليل فولدت القمر، والقمر بدوره أنجب الشمس» (السواح 1982: 31).

بينما يتحول الأمر عند الإله مردوخ ليكون عبر الكلمة، كما يبين عن ذلك النص الآتي الوارد في اللوحة الرابعة من ألواح الإينوما إيليش:

مردوك يُمنح جميع الصلاحيات

أقاموا من أجله

المنصة - الملكية.

ومقابل آبائه،

استقر عليها كمليك.

«وحدك، (أعلنوا أمامه) أنت الأسمى

بين الآلهة - العظام

قدرك لا مثيل له

وسائدة أوامرك!

أي مردوك! وحدك أنت الأسمى

بين الآلهة - العظام

قدرك لا مثيل له،

وسائدة أوامرك!

من الآن فصاعداً

لا مرد لقراراتك!

تَرفع وتخفض (شأن من تشاء)،

سوف يكون ذلك طوع إرادتك

والكلمة التي تخرج من فمك ستتحقق،

ولن تكون قط أوامرك مضلِّلة!

لا أحد، بين الآلهة

سيتجاوز الحدود التي تضعها!

وبما أن أماكن - إقامة - طقوسنا

تحتاج إلى قيّم،

سوف يكون لك مكانك الخاص

في جميع هياكلنا!

أي مردوك، أنت وحدك

أنت المنتقم لنا،

نخصّك بالسيادة

على كامل الكون!

سوف تكون كلمتك هي النافذة

عندما تعقد مجالس مجمع (الآلهة)،

وأسلحتك بلا ريب

سوف تمزّق أعداءك!

أيها الإله السيد، أنقذ حياة

من لجأوا إليك.

وكل من ضمر الشر

أهْرِقْ دمه!»

وبعد أن أحدثوا في وسطهم

كوكبة وحيدة[2]،

وجهوا هذه الكلمات

إلى مردوك ابنهم:

«إذا كان قدرك أيها الإله

يوازن حقاً قدر بقية الآلهة،

أصدر أمرك لكي يتحقق

اختفاءٌ ثم ظهورٌ!

بكلمة من فمك

فلتختفِ هذه الكوكبة

وبأمر آخر فلتعد

للظهور - كاملةٌ!»

بكلمة منه أمرك (مردوك)

فاختفت الكوكبة،

ثم اصدر أمراً جديداً

فأعيد تشكيل الكوكبة!

عندما تعرّف الآلهة آباؤه

على تأثير ما يصدر عن فمه

حيّوهُ بفرحٍ (معلنين):

«مردوك وحده، هو الملك!»

وسلّموه بعد ذلك

الصولجان والعرش وعصا الملكية (الشواف ج2 1997: 157).

وبعد تنحية إلهة الكون الكبرى، نجد كيف طال التغيير صورة الإلهة إنانا إلهة الحب والخصب والجمال، بعد أن نجدها وقد شاركت إنكي كتاب النواميس (مي-me) بعد أن أخذته منه في لحظة انتشاء وسكر لتعود به إلى مملكتها أوروك، حيث يشير الماجدي للأمر، فيقول إن «إنكي امتلك كتاباً كاملاً ووضعه على شكل نواميس إلهية مقدسة اسمها (مي) واستراح بعد أن صنع كل شيء، لكن الأسطورة تحدثنا عن إنانا التي كانت إلهة الحب والجمال فقد ثأرت للأنوثة والأمومة الغاربة واستعادت هذه الــــ (مي) من الحيازة الذكورية فقد أغوت إنكي حين حلت عليه ضيفة في مدينته أريدو وجعلته يعطيها هذه النواميس لتحملها وتعود بها إلى مدينتها أوروك، فيضطر إنكي ليؤاخي بين الحضارتين، فيتوازن الميزان ليحمل ميراث الحضارة من جديد، ويتحقق المثل السومري الذي يقول: 'المرأة مستقبل الرجل'» (الماجدي 2013: 27).

لكن، وفي رأي آخر للشواف، يتضح أن إنكي منح ابنته إنانا كتاب النواميس «مي»، وهو في لحظة نشوته وسكره ثم استفاق وبدّل رأيه وحاول استعادتها منها، لكنها تصل بها إلى أوروك ويعم الاحتفال بعودة إنانا وبموافقة إنكي لكي تحتفظ إنانا بالأسس، أسس الحضارة والمعرفة، أسس مهارة الصنع والتقدم لمجتمع المدينة، ويبارك إنكي مدينة أوروك حليفة لإريدو (انظرالشواف، ج3 1999: 195).

ويعود ذلك النص الأسطوري إلى حوالي 1700 ق.م، حيث يعطي إنكي لابنته كل الأفعال والأسس، فنجد أن كل مقطع من العمود الثاني يبدأ كما يأتي:

«باسم سلطاني وباسم الأبسو (مقري) !

إلى إنانا المقدسّة، إلى ابنتي، لأهديّن

ولن يحول أحد دون ذلك» (الشواف، ج3 1999: 198).

ثم يشرع بتعداد الأسس، وقد يفيد التوقف عند بعضها:

60 «باسم سلطاني وباسم الأبسو (مقري)!

إلى إنانا المقدسّة، إلى ابنتي، لأهديّن

ولن يحول أحد دون ذلك

الراية والجعبة والعلاقات الجنسية وقبلة - العشاق

والبغاء، و'السريع - الإنجاز '(؟)!'» (الشواف، ج3 1999: 199).

ومن جملة الأسس، أيضاً، يمنحها منصب الحرب والسلطة العسكرية، والخداع والاستقامة، وتخريب المدن، فنون شغل الخشب والمعدن، وفن الكتابة، وصب المعادن وصناعة الجلد، والنسيج. وعندما يطالبها حاجب إنكي بأن تعيد الأسس تقول له:

ما حدا أبي أن

يبدّل إرادته نحوي

لماذا أخلف وعده لي ؟

ودنس أوامره الواضحة لي

هل قال إذاً كلمته وهو في حالة سكر؟ (الشواف، ج3 1999: 209).

«ومن ثم تروي الأسطورة ندم إنكي ومحاولته استعادة كتاب النواميس ومنع سفينة إنانا من المغادرة، لكنها تنجح وتصل مدينتها. وبموافقة إنكي تحتفظ بأسس الحضارة والمعرفة، أسس مهارة الصنع والتقدم لمجتمع المدينة ويبارك إنكي مدينة أوروك حليفة لإريدو» (الشواف، ج3 1999: 195).

«الإلهة إنانا الوحيدة بين الآلهة ممن اجتزن العصور ولم تقف أمامها حدود البلاد، ولم يقلل أهميتها توالي العصور، فإنانا أوروك السومرية هي عشتار البابلية وعشتار نينوى الآشورية» (الشواف، ج3 1999: 241).

«كانت عشتار قوة أساسية كبرى في هذا الكون ومحركاً دينامياً فعالاً لأحداثه. والعذراء لقبها، والعذرية جوهرها، رغم أنها رمز للجنس والحب والخصب فهذا الجوهر لا يبدله لقاء عابر ولا حمل ولا ولادة» (السواح 1982: 247). وهنا نلاحظ كيف أن مفهوم العذرية ارتبط بالخصوبة تحديداً وليس بشيء سواه.

ويأتي النص السومري، الذي يحكي قصة هبوط إنانا، ليكون أول ملحمة خطتها يد الإنسان في موضوع الإله الفادي، فإنانا تقوم بتضحية اختيارية تنزل فيها إلى عالم الموت، حيث تلبث ثلاثة أيام من أجل الحب وتموت من أجل حبيبها لتعود بعدها وتنتقم منه وتعيده للموت، وفي النص البابلي الذي يتحدث عن هبوط عشتار نلاحظ التبدل الذي حصل في تسليط الضوء على شخصية إنانا جلجامش وهو يتعفف ويهينها ويعتبرها أنها ماكرة وأغوت العديدين وعبثت بهم، وهذا تحول صريح عن شفافية إنانا وعذوبتها وطهرها.

إنانا الإلهة تتجلى في القمر الذي يشبهها تماماً في اعتلائه قبة السماء ثم هبوطه إلى الأرض وغيابه، في حركة كونية طبيعية أشبه ما تكون بحركة الدورة الشهرية داخل جسد الأنثى. إنه بحق أنثى كونية عظمى وهو ذاته الإلهة الأم الكبرى والدة الكون والأرض الخصبة.

«إنها في طورها الأعلى إنانا، وفي طورها الأسفل إلهة الموت تهبط وتصعد كما القمر من غير معونة أحد: 'أنا ملكة السماء، ذلك المكان الذي تشرق فيه الشمس' تقول عن نفسها حين يسألها كبير حجاب العالم الأسفل، والكثير من الصفات التي تشير إلى علاقتها بالقمر، فهي عابرة السماوات، وهي نور السماوات، وهي الساطعة المنيرة وهي اللامعة، وحتى إذا وصلنا للسيدة العذراء وجدناها تحمل نفس الألقاب القمرية» (السواح 2002: 66).

وعشتار الأمومية هي ملهمة الحب والخصب، وهي تلك الطاقة الجنسية الشاملة التي لا ترتبط بموضوع محدد، وليس انغماسها بالفعل الجنسي الدائم سوى تعبير عن مستوى الأسطورة عن نشاط تلك الطاقة الذي لا يهدأ؛ لأن في سكونه همود لعالم الحياة:

«بعد أن هبطت عشتار إلى أرض اللاعودة

اضطجع الرجل وحيداً في غرفته

ونامت المرأة على جنبها وحيدة» (السواح 2002: 181).

إنها المرأة الفاتنة التي تلهم الحب والجمال، وفي الوقت نفسه، هي القوية المسيطرة. هذا في الثقافة الأمومية، ولكن في الثقافة الذكورية (البطريركية) نراها مختلفة، كما في ملحمة جلجامش، فيصبح الحب في حياتها خطيئتها، والجنس الذي هي إلهته سيكون المأخذ عليها، مع أنه عين فضيلتها، وفق تعبير فراس السواح:

«أي حبيب أخلصت له الحب إلى الأبد؟

وأي راع لك أفلح يرضيك على مر الأزمان؟

تعالي أفضح لك حكايا عشقك:

على تموز زوجك الشاب

قضيت بالبكاء إثر عام

أحببت طائر الشقراق الملون

ولكنك ضربته فكسرت له الجناح» (السواح 2002: 183).

ومع مرور الزمن وتعاظم العمل الحربي في بلاد مابين الرافدين، بدأت صفات عشتار المحاربة المقاتلة المسترجلة تظهر، والتي لا تمتلئ نفسها إلا بالحرب والقتال.

3- انزياح المكانة من خلال طقوس الزواج المقدس

إن زواج الإلهين، على المستوى الميثولوجي الماورائي، هو البادئ والمحرك لعالم الطبيعة الحية، والغرام المستعر بينهما هو الذي يحرك الدافع الجنسي لدى الأحياء ويضمن تكاثرها، ويملأ ضروع الماشية باللبن، ويجعل من البذور الصلبة المدفونة في التربة سويقات وأعشاباً وأشجاراً.

«إن الحدث الدرامي الذي تتحرك فيه الكاهنات المقدسات يعمل على تحيين actualization الحدث الأسطوري الذي تَمَّ في الأزمان الميثولوجية وجَعْلِه حاضرًا في الزمن الجاري. فالطقس الدوري الربيعي لا يتخذ طابع الاحتفال بذكرى ميثولوجية، بل إنه يكرِّرها؛ ويغدو المحتفلون موجودين في زمن الأسطورة، يعايشون الكائنات العليا، ويشهدون تكرار عمليات الخلق، وكانت الموسيقى تترافق مع الجنس، كشكل من أشكال التواصل مع الآلهة، وحثّ الطبيعة على طرح خيراتها الكامنة، فيهطل المطر وتنبت الأرض وتتكاثر الماشية وتخصب أرحام النساء، فضلاً عن 'إبقاء جذوة الجنس متقدة لا يخبو لها إوار'» (السواح 1993: 193).

ومن خلال تتبع حيثيات طقوس الزواج المقدس، تظهر قدسية اللغة المليئة بالرمز الجنسي الذي استخدمه الشاعر السومري والبابلي على لسان الآلهة، وتدلل مثل هذه اللغة على قدسية ودور المواقعة المقدسة وعلاقتها بالخصب في الحياة:

«أما من أجلي، من أجل فرجي،

من أجلي، الرابية المكومة عالياً،

لي أنا العذراء، فمن يحرثه لي؟

فرجي، الأرض المروية، من أجلي،

لي أنا الملكة، من يضع الثور هناك.

دوموزي تأتيه الحميّة فيصرخ مجيباً:

'أيتها السيدة الجليلة، الملك، سوف يحرثه لك، دموزي الملك، سوف يحرثه لك'.

فتصرخ إنانا منتشية

'احرث لي فرجي يا رجل قلبي'» (كريمر 2006: 91)

هكذا يأتي النص ليلخّص المغزى هنا من عملية جنسية مقدسة في مضمونها، وتبدو رمزية «الحرث» كدلالة واضحة على الخصب والنماء، وليس بهدف الجنس في حد ذاته كرغبة جسدية مجردة. كانت الإلهة إنانا تتجهز في يوم الزواج المقدس، فترتدي أبهى الثياب وتضع العطور، وتدعو دموزي للاستجابة لها بأنشودتها السالفة الذكر.

«وكان يقام سرير من خشب الأرز والأسل في القصر في ليلة رأس السنة الجديدة، تنشر عليه شراشف خصوصية جداً، ثم تستحم الإلهة وتدلك جسمها بالصابون، ويرش على الأرض زيت معطر، ويمضي الملك إلى السرير المقدس، حيث يتحدان في نعيم الجنس» (كريمر 2006: 97).

«الناس سوف يقيمون فراشي المثمر،

سوف يغطونه بشجيرات من حجر اللازورد -الدورو،

سوف آخذ إلى هناك رجل قلبي» (كريمر 2006: 112).

وفي ليلة العرس الموعودة، يأتي دوموزي في العربة الملكية، بصحبته شتى أنواع الحيوانات والثمار، بينما تتجهز الملكة لليلة الزفاف:

«استحمَّتْ وتطيبت بفاخر الزيت،

لفت على جسمها طيلسان - بالا النبيل،

وحملت معها ال......، بائنتها،

صفصفت حجر اللازورد حول عنقها،

وأمسكت الختم بيدها،

الملكة الجليلة انتظرت على توقّع،

دوموزي اقتحم الباب،

طلع في البيت مثل نور القمر،

وحدق فيها يغمره الفرح،

ضمها إليه وقبلها..» (كريمر 2006: 113).

وعقب ذلك تشعر الإلهة بالرضا، فتنزل رحمتها وبركاتها على المدينة، وهكذا تصبح السنة الجديدة كلها خيراً للملك والرعية:

«لعل الرب الذي دعوته إلى قلبك،

الملك، زوجك الحبيب، يستمتع بأيام مديدة على حضنك الحلو المقدس،

امنحيه حكيما عظيما ومجيدا،

امنحيه عرش الملك على أساس مكين،

'امنحيه القدرة على تدبير شؤون الناس، والصولجان والمحجن،

امنحيه تاجاً لا يبلى، وإكليل نور على رأسه.

من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغرب الشمس،

من الجنوب إلى الشمال،

من البحر الأعلى إلى البحر الأسفل،

على [جميع] بلاد سومر وأكاد امنحيه الصولجان والمحجن» (كريمر 2006: 121).

ويظهر واضحاً من النص كيف أن هذا الطقس يمثل انبعاث الحياة من جديد من خلال اللقاء الملتهب بالمشاعر الجنسية العميقة كرمز للمتعة التي تضمن الكثرة والنمو والخصب، ومن جهة أخرى، فهو يجسد المكانة السياسية للكاهنة التي تمثل إنانا، حيث إنها تمنح الملك بعد أن يتلاقيا، في متعة الجنس، مباركتها ليكون حكمه على البلاد كلها بشرقها وغربها وبرها وبحرها.

«هكذا تحدثت الأسطورة، وكان لابد من تكرار الطقس المقدس، حيث إن الطقوس تختص بالأفعال التي من شأنها أن تحفظ رخاء المجتمع، وتحميه من القوى المتعددة التي قد تمثل خطراً على الإنسان، والأسطورة الطقوسية هنا تمتلك قوى سحرية، حيث إنها تسترجع الموقف الذي تصفه» (إبراهيم 1974: 16).

«وهكذا يتم إعادة تجسيد المشهد الأسطوري، فتقوم الكاهنة العليا بدور الإلهة، بينما يقوم الملك بدور ديموزي، ويتم الاحتفال في المعبد الرئيسي، حيث تبدأ الطقوس الخاصة بالزواج المقدس، فيتوجه الملك إلى مخدع الكاهنة المقدسة، وممارسة الجنس هنا تعبر عن استدعاء رمزية الخصب، وجلب رضا الآلهة ليغدو العامُ عامَ خير ونماء» (دالي 1997: 278).

ليست الفكرة في تجسيد الزواج المقدس تجسيداً لممارسة مفتوحة ومعلنة للجنس وكأنها طقس للممارسة المدنسة، إنما تعكس مدى قدسية هذا الحدث وأهميته في ضمان السعادة والرفاه والكثرة العددية، وكيف لا وهو يتم ما بين الملك ممثل الإله، والكاهنة ممثلة إلهة الخصوبة والفتنة والشهوة الطاغية والحب. إنها تعتبر المتعة الجنسية التي تقدمها محاكاة سحرية تؤدي بالضرورة لزيادة الخصب والحب والخير في الكون.

«ويبدو أن تعدد الأزواج في سومر بالنسبة للمرأة كان أمراً وارداً، وإلا فما الذي يدعو المصلح أوركاجينا خلال حكمه لاحقاً، في إعلانه عن إصلاحاته، إلى التحذير من أن من تتخذ أكثر من زوج سترمى بالحجارة؟.. فبرغم تطور المجتمعات واقتصار المرأة على رجل واحد وكون استسلامها لرجل غريب حتى في تأدية طقوس الزواج المقدس أمراً لا يتفق مع العرف السائد، بقيت قوة الاعتقاد بهذه الطقوس وبضرورة إقامتها لفائدة المجتمع البشري الدافعَ لجعل المجتمع يقوم بتكريس بعض الفتيات في المعبد ليقمن من خلال ممارسة البغاء بدور إلهة الخصب ذات العشاق العديدين» (علي 1999: 120).

ويطرح الماجدي رؤية مغايرة لما تواتر من تسمية الكاهنات بــــ «كاهنات البغاء المقدس»، مؤكداً أن الالتباس نتج من إطلاق لفظة «كاكو» السومرية على مقر إقامتهن وتشير إلى كلمة البغاء، وأن ذلك خطأ؛ لأن الكلمة مشتقة من الأصل السومري (go-gi-a) كاكيا؛ أي البيت المغلق، وهو سكن الكاهنات الذي يراه يشبه الأديرة، مدللاً على ذلك بوجود أنواع من الكاهنات لا يجوز لهن الزواج أو الإنجاب، وفقاً لأسطورة الإلهة (ننماخ)، والتي خلقت في وضع المرأة العاقر، فمنع الإله إنكي على كل من يخدمن الآلهة الاتصال الجنسي، ويرى أن في الاسم السومري للكاهنة العليا (انتو- nin-dingin))، وتعني السيدة الإلهة ما يفسر عدم زواج وإنجاب هذه الكاهنة؛ لأنها بمصاف الإلهة، ولها قدسية تمنع اتصالها بالبشر (انظر الماجدي 1998: 275-276).

وقد يفيد ما لفتت إليه «مارلين ستون» بأن «المعبد كان بمثابة مجمع، وهو نواة المجتمع في الأزمنة السحيقة، والمعابد كانت تملك الكثير من الأراضي الزراعية والقطعان الوفيرة من الحيوانات الآهلة، وهي التي تحتفظ بالسجلات الثقافية والاقتصادية ويبدو أنها تعمل باعتبارها المراكز الأساسية المهيمنة على المجتمع، فالنساء اللواتي يقمن في الأراضي المقدسة للجدة الإلهية يتخذن عشاقهن من بين رجال المجتمع، فيمارسن الحب مع أولئك الذين يأتون إلى المعبد ليقدموا التكريم للربة، وهؤلاء الناس كانوا يعتبرون الفعل الجنسي مقدساً وعظيماً، ولذلك كان يمارس في منزل خالقة السماء والأرض وكل ما هو حي، وكمظهر من مظاهرها الكثيرة كانت الربة تقدس باعتبارها إلهة كبرى للحب الجنسي» (ستون 1998: 157).

وتشير ستون إلى أمر مهم، وهو أن تلك النسوة وأثناء انضمامهن للمعبد كنّ يمتلكن أراضي وممتلكات أخرى، وكما تفيد السجلات فإنهن كنّ من أسر غنية، وبالتالي سيرث أبناؤهن أملاكهن حسب السلالة الأمومية وحتى الفتيات قد يرثن اللقب أيضاً، فتصبح البنت قادشتو[3] كأمها (انظر ستون 1998: 160). وقد يكون هذا ما يفسر نزعة الرجل لتحديد العلاقات الجنسية وتأطيرها ضمن زواج أحادي على الأقل من طرف المرأة، ليسهل عليه تحويل الأملاك له عن طريق الأبناء؛ وذلك من خلال نظام أبوي للاستيلاء فيما بعد على السلطة والحكم.

ويتفق السواح في هذا الرأي مع ستون، حيث يبين أن نهاية العصر النيوليتي شهدت وفرة اقتصادية وحققت فائضاً في الإنتاج، فكانت السبب في ظهور المؤسسة الدينية، وظهور المعابد وإدارة شؤونها من قبل رجال ونساء، وليس قيام ملوك دويلات سومر بالجمع ما بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية إلا مثالاً على هذا الارتباط، (انظر السواح 2002: 42).

[1] - مقتطف من كتاب المرأة والألوهة المؤنثة، إصدار دار مؤمنون بلاحدود للنشر والتوزيع.

[2] - يتعمد النص أن تكون الكوكبة وحيدة، لاختبار قدرة مردوك، ولأنه فيما بعد سوف يحدث وينظم سير «مصابيح السماء».

[3] - تبين ستون أن النساء اللواتي كن يمارسن الحب في المعابد كن يعرفن بلغتهن (النساء الطاهرات أو المقدسات) وأيضاً الاسم الآشوري قادشتو يعني حرفيا النساء الطاهرات ولاحقاً حين أصبح هذا الاسم يشير إلى اسم (بغايا المعبد) وكلمة البغي لا ترفع القداسة عن اللقب، بل هي تشوه المعنى الحقيقي.