حوار مع العلامة السيد محمد حسن الأمين : نحن أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار للعقل...


فئة :  حوارات

حوار مع العلامة السيد محمد حسن الأمين : نحن أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار للعقل...

السيد محمد حسن الأمين، عالم دين لبناني من مواليد 1946م. طرح جملة من الأفكار التجديدية التي خرج بها عن السائد الإسلامي؛ فهو من دعاة الدولة المدنية ومن المطالبين بفصل الدين عن الدولة. من أبرز مؤلفاته:

- الاجتماع العربي الإسلامي

- نقد العلمنة والفكر الديني

- بين القومية والإسلام

- الإسلام والديمقراطية

- مساهمات في النقد العربي

- وضع المرأة الحقوقي بين الثابت والمتغير.

رحيل دندش: فيما يتعلق بداية بموضوع التراث، تقولون: "إن مشكلة المسلمين تجاه تراثهم أنهم يشعرون بعبء هذا التراث، ذلك أن كثيراً من الأمم يوجد في واقعها ما يغنيها عن تراثها، أو على الأقل ما لا يدفعها إلى الشعور بأن تاريخها أكبر منها وماضيها أفضل من حاضرها".

بالنظر إلى واقعنا اليوم كمسلمين، نحن من الأمم التي تقدس الماضي وتعتبره المرجعية والمثال، وبالعودة إليه يكون الخلاص، في الوقت الذي مثلت قطيعة الغرب مع تراثهم سبب نهضة المجتمعات الأوروبية والغربية. كيف يجب أن يكون تعاطينا مع تراثنا كمسلمين؟ هل علينا أن نقوم بقطيعة معه إذا أردنا أن ننهض بواقعنا المتخلف؟

السيد محمد حسن الأمين: يجب أن ندرك أولاً أن تراثنا - وهو لا شك أنه تراث عميق ومميّز إذا قيس بتراثات الأمم الأخرى- أن هذا التراث بات عبئاً علينا. يجب أن ندرك أن الارتباط بهذا التراث على هذا النحو من التعبّد والنظر إليه بوصفه صيغة متكاملة، وأنه يمثل تطلعاتنا وتأملاتنا وطموحاتنا إلى المستقبل، يتنافى كلياً مع مبدإ التعامل مع التراث الذي هو حاضر، الأمم تطمح باستمرار إلى تجاوز التراث دون أن تقوم بقطيعة كاملة وجذرية معه إلا بعض الأمم الاستثنائية، ولكن الأمم التي أتيح لها أن تنجز التقدم الحضاري، وأن تنجز التحوّلات الكبيرة في حياتها كانت تستند فيما تستند إليه إلى التراث وأسلوب التعاطي معه، فلا تعتبره مقدساً، ولا تعتبره مستقبلاً فيما هو ماضٍ وليس بمستقبل، وإنما كانت ترسم لنفسها صورة المستقبل التي يجب أن تكون عليه، ومن ثم تعمل على إنجاز هذه الصورة مستعينة بالجوانب الحيّة من التراث التي يمكن أن يكون لها دور في إنجاز هذا المستقبل. بينما نحن - وأعني بها الأمة العربية والإسلامية بصورة عامة-، فإن تقديسنا المستمر للتراث حال بيننا وبين أن نكون مستقبليين، وجعلنا نعتبر أن الصورة المُثلى للأمة هي ما كانت عليه في الماضي، وليس ما يجب أن تكون عليه في المستقبل، وهذا كان له التأثير البالغ في مسيرة تقدم هذه الأمة، الأمر الذي يتطلب منا إعادة النظر في أمرين: الأول العلاقة مع التراث، والثاني إعادة النظر في التراث نفسه، نقداً، وتحليلاً، وفهماً يختلف عن الصورة التي تنطبع في نفوسنا، بأن التراث مقدس، وأنه هو الصورة الكاملة لمستقبل هذه الأمة.

رحيل دندش: يكاد ينحصر تراثنا كأمة عربية في التراث الإسلامي، فهذا التراث يختزل تراثاً عربياً هائلاً. ألا تعتقدون أن مكمن تقدسينا للتراث هو كونه يأخذ لوناً دينياً بارزاً، حيث يصعب نقده؟

السيد محمد حسن الأمين: يجب أن ندرك بأن هناك فرقاً بين الدين الإسلامي، وهو ما يتمثّل بالنص الإسلامي في القرآن والسنة النبوية، وبين ما هو إنجاز بشري. إن الدين الإسلامي ليس تراثاً، فالتراث هو كل المفاهيم والعلوم والمعارف والفلسفات والمواد الفقهية والمواد الكلامية التي نتجت عن قراءة المسلمين لهذا الدين، إذن، التراث طبيعته بشرية وليست إلهية، في حين أن الدين طبيعته إلهية، وهو لا يتغيّر، ولكن الذي يتغيّر هو شكل وأسلوب ومضمون التعامل معه. فالأمر الذي يتطلب إعادة النظر فيه هو التراث، لا الدين الذي هو نصوص ثابتة يشكّل التراث تفسيراً وتعاملاً معيناً معها. وبهذه الحالة، فإن على كل حقبة وعلى كل جيل من أجيال المسلمين أن يقدم رؤيته وتفسيره للدين، لا أن يأخذ أخذاً كاملاً للرؤية والتفسير التي أنجزها السلف الصالح، لأنهم كانوا بشراً، وكانوا ينجزون هذه العلاقة مع الدين وينجزون تفسير الدين وفق عقولهم ووفق معارفهم. نحن الآن مطالبون بأن نصوغ علاقتنا بالتراث على نحو يجعلنا قادرين على تقديم قراءات نابعة من عصرنا ومن أفكارنا ومن المعارف الكثيرة التي تطوّرت، والتي باتت جزءاً من تشكيل الوعي الجديد.

رحيل دندش: هل نصوغ قراءتنا للتراث وللنص المقدس على ضوء المناهج الجديدة، باعتبار أن واقعنا مختلف، وبهذا نقيم قطيعة مع مناهج سابقة فُسِّر على أساسها الدين، وبالتالي قطيعة مع أفهام قديمة بما يتلاءم مع الراهن؟ هل في ذلك مشكلة؟

السيد محمد حسن الأمين: لا إشكال في ذلك على الإطلاق، على أن يكون ذلك كله خاضعاً للعقل، وهنا أود أن أشير إلى نقطة أساسية تتعلق بموضوع التراث والحاضر والمستقبل، وهو أن التراث الإسلامي في مراحله المتأخرة عن أوائل العصر العباسي، بدأ يستبعد إلى حد كبير مكانة العقل، ونشأت فِرق تتعبّد بالنص كما هو، وتستبعد دور العقل، ومن هنا نشأت فرقة الأشاعرة والمعتزلة وغيرها، وبكل أسف فإن تاريخاً يكاد يصل إلى 800 عام تراجع فيه دور العقل وتراجعت أولويته، الأمر الذي يتطلب منا أن نستعيد للعقل دوره بنظرتنا إلى التراث، لكي نستطيع أن نؤدي مهمة القراءة المعاصرة لهذا التراث.

رحيل دندش: يرى البعض أن فشل الكثير من الأيديولوجيات هي المسوغ في عودة الدين والمقدس إلى الواقع الإنساني بشكل عام والعربي بشكل خاص. كيف تقيمون هذه العودة في ضوء الواقع، وخصوصاً أننا سمعنا مؤخراً عن دعوات كثيرة تطالب بتطبيق الشريعة، رغم أن الشريعة إلى اليوم مفهوم ملتبس. هل هذه هي العودة التي كانت منتظرة للدين؟

السيد محمد حسن الأمين: العودة إلى الدين، أريد أن أتوقف أمام هذه الحقيقة، أنا أخشى أن تكون هذه العودة للدين هي نتيجة خيبات الأمل من تجاربنا المعاصرة في شؤون النهضة وفي شؤون التقدم والأخذ بالأسباب العلمية والأسباب الحقيقية للتقدم. لقد حصلت عودة عاطفية للدين، إذ إن الدين يشكل الملجأ النفسي والروحي لهذا الإنسان الذي يشعر بالإحباط ويشعر بالفشل، ولكن لم يرافق تلك العودة نقلة إيجابية في الوعي، فباتت العودة إلى الدين عودة تحتاج إلى إعادة نظر ونقد كثير.

أما بالنسبة إلى الشريعة، فهي في الواقع ما جاء به القرآن الكريم والسنة النبوية من أحكام تتعلق بالقضايا الإنسانية والقانونية والتشريعية. الشريعة هي من التشريع، ويمكن أن تستلهم من الأحكام الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، في مجال التحريم والتحليل والكراهة والإباحة، هذه الأمور تسمى "الشريعة الإسلامية"، ولكن هل هذه الشريعة إنجاز جاهز ولا خلاف عليه أم هي أيضاً في جزء منها إنجاز بشري أعني أنها جاءت نتيجة الاجتهاد ونتيجة الآراء المتفاعلة بعضها مع بعض والمصطدمة بعضها مع بعض، والتي تتلاءم مع ظروف معينة؟ إذن، الشريعة هي أمر فعلي وقائم، ولكنه أيضاً بحاجة إلى إعادة نظر؛ أي أنها بحاجة إلى منهج جديد في الاجتهاد يُمكّننا من أن نتواصل مع هذه الأحكام الشرعية الثابتة، مع العلم أننا إذا رجعنا إلى الموسوعات والكتب الفقهية في تراثنا، سنلاحظ أن الفقهاء مختلفون جداً في الكثير من الأمور ومن ضمنها الشريعة، لأن اجتهاداتهم كانت مختلفة، وهذا أمر حسن يدلنا على أن المسلمين الأوائل، أي "السلف الصالح"، كانوا يؤمنون بالاجتهاد، وبالتالي لم يقدموا شريعة ناجزة ونهائية للإسلام، وإنما تركوا هذا الأمر للاجتهاد في الأزمنة التالية. وفي زمننا الراهن نحن مطالبون أيضاً من ضمن قراءتنا للدين الإسلامي أن يكون لنا قراءة للشريعة واجتهاد في هذه الشريعة.

رحيل دندش: على أي أساس يكون هذا الاجتهاد؟ بعض أمور الشريعة قطعية الصدور والمعنى ولا لبس فيها، ولكن البعض، يرى أنها لا تتناسب مع زماننا ربما، وهذا ما يُعبَّر عنه بتاريخية النص. هل يمكننا أن نقدم قراءة مقاصدية للنص الديني على ضوء الاعتبار للظروف الزمكانية؟

السيد محمد حسن الأمين: نحن نلاحظ أن القرآن الكريم الذي يتألف من 114 سورة وأكثر من 6200 آية قرآنية، لم ترد فيه سوى بضع مئات من الآيات تتعلق بالتشريع، ووجدنا أن القرآن بمجمله هو كتاب هداية، وليس كتاباً في الشريعة أي ليس كتاباً في القانون. أما لماذا كان كذلك؟ فقد كان كذلك من أجل هدايتنا، لأن نتعامل مع الأمور الشرعية وغير الشرعية انطلاقاً من هذه الهداية القرآنية، وبالتالي أن نصوغ واقعنا بناء على هذا المنهج القرآني، وقلت هو منهج وليس تعاليم محددة باستمرار. يوجد في القرآن الكريم آيات للشريعة، وهذه الآيات التي تحدّد بشكل واضح الحكم الشرعي لا نستطيع أن نتخلى عنها بحجة أن الظروف اختلفت وقلت إنها قليلة جداً، وكمثال على ذلك، أن القرآن لم يقدم صيغة محددة للحكم وللسلطة في الإسلام مع أن الله سبحانه وتعالى يدرك أن من أخطر الأمور هي شؤون تنظيم الناس؛ أي الدولة والسلطة، وإنما أمرنا بالعدل وهذا من المقاصد العامة وتحقيق العدالة هي مسؤولية البشرية، وبالتالي فإن الكثير من الأمور تعتبرها الشريعة مسؤولية بشرية، وإن كان ذلك انطلاقاً من منهج القرآن والغايات أو ما يسمّيه الفقهاء بفقه المقاصد. نحن نستطيع من خلال فقه المقاصد (حفظ النفس، حفظ العرض، حفظ المال وحفظ النظام... منهم من يعددها إلى خمسة ومنهم من يزيد عليها الحرية وغيرها، وعلى كل حال هناك عمل على إعادة النظر في المقاصد وتوسيعها وفهمها) أن نصوغ الشريعة التي تتلاءم مع توجهات القرآن وفي الوقت نفسه مع مقاصد الشريعة الإسلامية ومع المتطلبات هذا العصر الذي نعيشه.

وأريد أن أعطي مثالاً على أهمية الاجتهاد ودوره في صياغة أحكام مختلفة عما صاغه الفقهاء السابقون، العلاقة بين المرأة والرجل؛ أي الزوجة والزوج، والتي هي في جزء منها علاقة مادية مالية؛ أي أن للمرأة مهر، وأن الرجل يجب عليه أن ينفق على زوجته، وفي حال طلاق الزوجة من زوجها، وهو ما يحصل كثيراً في عصرنا الراهن، نرى أن الزوجة ليس لها ضمانات حقيقية؛ فالمهر غير كاف لضمانة مستقبلها، والنفقة كما نعلم تتوقف بعد الطلاق، هنا نواجه مشكلة إذ كيف تعيش هذه الزوجة التي قضت مع زوجها أحياناً عشرين أو ثلاثين سنة، وتترك بدون ضمانات على الإطلاق، من وجهة نظرنا هذا الأمر يجب أن يخضع لاجتهاد جديد. هذا الاجتهاد سبقنا إليه المشرع الغربي عموماً، والذي يعطي للزوجة الحق عند الطلاق بأن تأخذ نصف أموال الزوج، وأنا أعتبر أن في هذا عدلاً حقيقياً، وأنه يستند إلى قواعد شرعية تماماً. كيف؟ الزوج والزوجة هما أسرة، هما فريق عمل واحد، قسم من هذا الفريق يعمل خارج المنزل وينتج المال، والقسم الثاني من هذا الفريق يعمل داخل المنزل وينتج الأولاد ويتكفل بتربيتهم... إذن الثروة المتكوِّنة من عمل الزوج هي نتيجة وثمرة عملين وليست ثمرة عمل واحد، صحيح أنه ينتجه هذا المال بصورة مباشرة، ولكن هو يستند إلى عاملين: عمل الرجل في الخارج، وعمل المرأة في المنزل، وبالتالي هذه الثروة يجب أن توزّع على هذين الطرفين وهذا اجتهاد... أراه اجتهاداً ينسجم مع الحقوق والمبادئ التي قرّرها الإسلام للإنسان بصورة عامة، فإذن يمكننا أن نقدم صوراً من الاجتهاد تتناسب مع التغيرات التي وجدت في عصرنا ومنها هذا الأمر على سبيل المثال.

رحيل دندش: حضرتكم ممن يقولون إن الإسلام ليس ديناً ودولة في آن...

السيد محمد حسن الأمين: الإسلام هو دين وليس دولة، وهو منجز إلهي في حين أن الدولة منجز بشري. الدين ذو طبيعة ثابتة. أما الدولة فذات طبيعة متحركة، وهي من صنع البشر، بينما الدين هو من الوحي ومن الله سبحانه وتعالى. ولذلك الإسلام ليس دولة.

رحيل دندش: الذين يعتبرون أن الإسلام دين ودولة يأخذون دولة الرسول كحجة وكنموذج لإقامة دولة إسلامية. ما رأيكم؟

السيد محمد حسن الأمين: هذا لا يعني هذا أن الدولة شأن من شؤون الإسلام، وأن الإسلام بالضرورة يقيم دولة ولكن قد يقيم دولة، ليس الإسلام ديناً ودولة بالضرورة، وإنما قد تمرّ فترات تكون الدولة فيها إسلامية، ومنها الفترة التي كان فيها الرسول(ص) يبلغ الوحي، كان مطالباً بأن يدير شؤون الناس أيضاً، فهو إذن كانت له صفتان؛ صفة النبي وصفة رئيس الدولة، فاجتمعت فيه الصفتان، وهذا أمر لا يجعلنا نقول بتلازم الدولة والدين. إن الدولة شأن بشري ولكن يمكن أن يقوم بها شخص متديّن، وشخص يطبق أحكام الدين في المجالات التي يجب أن يتم تطبيق أحكام الدين فيها، ولكن الدولة متغيّرة، حتى دولة الرسول، وهي دولة مثالية في عصرها لم تعد هي الدولة المثالية في عصرنا نحن، بما يعني أن الرسول لم يقدم للدولة منهجاً أبدياً ومستمراً، وإنما ترك شأن قيام الدولة للمسلمين أنفسهم.

رحيل دندش: كيف تفسرون طموح الإسلاميين عموماً لإقامة الدولة الإسلامية؟

السيد محمد حسن الأمين: أنا لست مع قيام دولة دينية، قد تقولين إسلامية بمعنى أن المسلمين يقيمون دولتهم نعم، ولكن ليس دولة دينية، الدولة شأن بشري. أما إذا أصبح في الدولة مقدسات، فذلك شأن خطير جداً، لأننا نسقط حينئذ المقدس على غير المقدس، وإذا أراد رجل الدين أن يكون جزءاً من الدولة، فيجب عليه أن يكون جزءاً من الدولة بوصفه مواطناً لا بوصفه ناطقاً باسم الدين، وهنا خطورة قيام الدولة الدينية. ثم إن هناك شبهة في أذهان بعض المسلمين وكانت هذه الشبهة في أعلى مستوياتها عندما سقطت الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين، حيث نهض بعض الإحيائيين الإسلاميين ليقولوا إن الإسلام دين ودولة، ولا بد من إعادة الدولة وإلا ذهب الإسلام، لاحظنا أن الدولة العثمانية كانت دولة إسلامية ولكنها سقطت وانهارت بحكم السنن التي تحكم قيام الدول وسقوطها، ولكن الإسلام لم يسقط، بل توسع أكثر فأكثر مما يدل على أن مصير الإسلام ليس مرتبطاً بالدولة، وأن الدولة شأن عابر والإسلام دين والدين يختلف عن الدولة في هذا الإطار.

رحيل دندش: ولكن حتى إذا أردنا أن نقيم مشروع الدولة الإسلامية بمعناه الحديث؛ فقد تتضارب مقتضيات الدولة الإسلامية مع مقتضيات الدولة الحديثة في بعض المجالات، وكمثال على ذلك، بعض نصوص الشريعة الواضحة المعنى، كما سبق وأشرتم، تتعامل بخصوصية مع أتباع الأديان الأخرى، وهو ما يتنافى مع قيم المواطنة في الدولة الحديثة؟

السيد محمد حسن الأمين: تقوم الدول في كل العالم وليس عندنا فقط وتكون لها تشريعات، وهذه التشريعات لا بد أن تستند إلى القيم التي تؤمن بها هذه الشعوب؛ فالمسلمون حينما يُقيمون دولة لا بد أيضاً أن يستلهموا قيمهم التي منها الإسلام، وبالتالي لا بد أن يكون في مرجعية القوانين ما ينظر إلى الشريعة الإسلامية بطبيعة الحال، ولكن هذا لا يعني أن الدولة صارت دينية على الإطلاق.

رحيل دندش: من الذي يطبق الشريعة؟

السيد محمد حسن الأمين: الذين يختارهم الناس، إذا كنا نؤمن أن الحكم هو عقد بين المجتمع وبين أفراد معينين في المجتمع، فمعنى ذلك أن الذين يصيغون القانون العام للدولة هم منتخبون من الناس، وهم في صياغتهم لهذا القانون ينطلقون من مفاهيم الناس وقيمهم، ومن قيم الناس أنهم يلتزمون شريعة معينة وأحكاماً معينة، فلا تستطيع هذه الدولة وفق الديمقراطية ووفق التمثيل ووفق العقد الاجتماعي الذي حصل أن تشرّع ما يتناقض مع هذه القيم التي يؤمن بها الناس، ولكن لا تصبح الدولة دينية. ومن هنا فإن من لا يدين بدين الإسلام يكون التعاطي معه على أساس المواطنة، وبالنسبة للتشريع فإذا كان الإسلام يحرّم الخمر والمسيحية أو اليهودية لا تحرم الخمر، فنحن لا نستطيع أن نلزم هؤلاء بتشريعنا، وذلك مبدأ الدولة الحديثة.

رحيل دندش: رب قائل إننا ملتزمون بشريعة تدفعنا من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى تحريم مثل هذه الأمور ؟

السيد محمد حسن الأمين: ما دامت قيمهم الدينية تقوم على السماح لهم بهذا الأمر الفلاني، فلا نستطيع أن نجبرهم على تحريمه، وحقوق المواطنين سواسية، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

رحيل دندش: في كلام سابق لكم، قلتم إن قيام نظام حكم إسلامي هو واجب عقلي تحتمه ضرورة إقامة أحكام الشرع، التي لا يمكن إقامتها بدون وسيلة السلطة... أليس في ذلك صورة من الإجبار والسلطوية -إن صح التعبير- وعلى رأي من نطبق هذه الشريعة الإسلامية؟

السيد محمد حسن الأمين: نحن نؤمن أن المجتمع المسلم في دولة معينة يريد قانوناً وشريعة تنسجم مع أحكام الإسلام، ولكن أي إسلام ومن يطبقها؟ منهم من يذهب إلى أن الفقهاء؛ أي رجال الدين يتولون السلطة، ونحن نقول هنا يكمن الخطأ، لأن أية سلطة مطلقة وأية سلطة تشرع من دون الرجوع إلى الهيئة التشريعية في المجتمع هي سلطة مستبدة، وستصبح أكثر استبداداً باسم الدين، لذلك نحن نقول إن السلطة ينتجها المجتمع؛ أي يختارها وينتخبها المجتمع، وبالتالي هو الذي يراقبها، وهي تنتج أحكامها وفقاً لإرادة المجتمع، وسوف أقول ما كنت أردده دائماً لو افترضنا أننا مجتمع إسلامي 100% وخُيّرنا بين شرعيّة السلطة أو سلطة الشريعة؛ أي بين أن يكون عندنا سلطة شرعية منتخبة أو يكون عندنا شريعة متسلطة، فإن شرعية السلطة هي الأهم حتى لو كان في شرعية السلطة ما يؤدي إلى مخالفات بالأحكام الإسلامية، لأننا بشرعية السلطة؛ أي بجعل السلطة غير استبدادية ومتداولة، نستطيع أن نصلح أخطاء هذه السلطة. أما إذا كانت هذه السلطة تحتمي بالشريعة الإسلامية يصبح تغييرها مستحيلاً، وبالتالي تصبح أخطاؤها أحكاماً شرعية.

رحيل دندش: سماحة السيد، قلتم إن المجتمع يراقب السلطة حتى في حالة كون الدولة دينية، هل المجتمع قادر حقاً على انتقاد ما هو ديني؟

السيد محمد حسن الأمين: قلت أؤمن بشرعية السلطة، بمعنى أن السلطة تحكم بإرادة الناس، وأن هذه الإرادة ينبغي ألا تكون متناقضة مع الشريعة، ولكن فيما لو تناقضت مع بعض قضايا الشرعية على السلطة أن تحكم وفق إرادة الناس. وفي الدولة الحديثة، هناك مجالس تمكّن الشعوب والمجتمع من الاعتراض على السلطة وإسقاط أحكام السلطة بطبيعة الحال.

رحيل دندش: لديكم الكثير من الأبحاث التي تناولتم فيها موضوع الأيديولوجيا والدين. كيف أثرت الإيديولوجيا في الدين، ونحن نعلم في ذات الوقت كم أفادت أدلجة الدين في خدمة قضايا الأمة؟

السيد محمد حسن الأمين: الإيديولوجيا هي نظام فكري سياسي يعطى طابع القداسة، وقد تكون هذه الإيديولوجيا دينية وقد تكون غير دينية كالإيديولوجيا الماركسية. فالإيديولوجيا منهج بشري ورؤية بشرية يراد لها أن تكون ذات سطوة وقداسة، وبالتالي فالإيديولوجيا هي ضد العقل، وهي إذا كانت دينية هي نظام فكري ديني ورؤية للدين وتفسير له يتحوّل إلى عقيدة، وهنا تكمن الخطورة في أنها تحوّل رؤيتها للدين إلى عقيدة، وبالتالي تستبعد دور العقل. نحن أمة استطاعت الأدلجة أن تنخرها نخراً، وأن تسبب لها الهزائم والمشاكل، وبالتالي فأنا ضد الإيديولوجيا حتى لو كان فيها فائدة. ستالين أنجز الصناعة في روسيا ولكنه قتل عشرات الملايين من الروس، فالاستبداد يمكن أن ينجز أموراً إيجابية، ولكنه رغم ذلك مرفوض، وبالتالي الإيديولوجيا قد تكون فيها منافع أحياناً، ولكنها في مآلاتها الأخيرة هي تصادر العقل الذي نحن أحوج ما نكون إليه كما قلت في مقدمة كلامي، نحن أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار للعقل، وتقديس الإيديولوجيا هو جزء من استبعاد العقل.

رحيل دندش: هناك من يعتبر أن أدلجة الدين هي التي استطاعت أن ترجع الناس إلى الدين وترسخه عندهم؟

السيد محمد حسن الأمين: أي دين؟ أنا لا أعتقد أن إرجاع الناس إلى الدين بالمطلق أمر إيجابي، نحن لسنا في حاجة إلى أن نرجع الناس إلى الدين بصورة عامة ومطلقة؛ أي بدون إدخال الوعي الديني المتغيّر والمتجدد، كي لا يصبح الدين "دوغما"، فلا يعود حركياً وعنصر تأثير وفعل في بناء الإنسان وفي بناء تطلعاته. نحن نريد الدين وحضوره، بوصفه القيم السامية التي تساعد المجتمع على النهوض وعلى التقدم.

رحيل دندش: حسب تصوركم، ما هو مآل أدلجة الدين، وخصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها تكرّس أفهاماً معينة للدين، يمكن أن يتم تداولها من جيل إلى جيل؟

السيد محمد حسن الأمين: كل أيديولوجيا ستنهار وينهار معها جزء من الدين أيضاً. أعتقد أننا بنينا دولة إسلامية عن طريق الإيديولوجيا وأنجزنا بعض المنافع، ولكن هذه الايدولوجيا ستكون فاشلة أمام التحديات الكبرى، ومنها تحديات التنمية وبناء الدولة الحديثة وإلغاء الفقر... وبالتالي ستكون النتيجة أن الناس عموماً سوف تصاب بخيبة أمل من هذه الإيدولوجيا الدينية، وستكتشف أنها في جانب منها مُضلِّلة وليست مرشدة إلى الحقيقة والواقع، حتى لو كانت فيها فوائد لكنها ليست تعبيراً عن الدين، وهي تعزل العقل عن الدين. الأيديولوجي الإسلامي هو الذي يقدم لكِ ثمرة عقله الإسلامي، ويفرضها عليكِ كمنهج في تفسير الإسلام، وهذا يتناقض تماماً مع حقيقة الأمر الواقع، وهو أن الإسلام يتيح لهذا العقل الإسلامي أن يتحرك وأن يتجاوز الإيديولوجيا. والإيديولوجيا سقطت على كل حال في مجتمعنا الراهن، مر لها زمن، ولكنها تراجعت كثيراً. ويجب علينا أن نكون حذرين من نشوء إيديولوجيات دينية، فأنت لا تستطيعين أن تنشئي أو أن تسمحي بنشوء أيديولوجية واحدة. إنها أيديولوجيات وقد تكون أيديولوجيات متصارعة أكثر فأكثر، ونحن المسلمون نؤمن بوحدة المسلمين، وهذه الوحدة مرتكزة إلى عقيدة وإلى تعامل عقلي مع هذه العقيدة، وليس كأيديولوجيا تُعلّب الدين وتفرض علينا صورة محددة من صوره، وتمنع علينا الصور الممكنة التي يمكن أن تتطوّر وتتحول، وتكون إنجازاً لدينامية العقل التي افتقدناها.

رحيل دندش: فيما يتعلق بواقع المسلمين عموماً، وهو واقع مذهبي وطائفي إلى أبعد الحدود، أي مصير –بحسب تصوركم- يواجه الإسلام على ضوء هذا الواقع؟

السيد محمد حسن الأمين: المسلمون بحاجة إلى العلم، وأتمنى أن يكون لدينا نحن كمسلمين نهضة علمية، لأننا بذلك نطوّر بنية العقل الذي نملكه، ويعود هذا التطور بالنفع على الدين نفسه وليس ضد الدين. العالم الإسلامي نصفه إن لم يكن أكثر من الأميين، وهنا المشكلة مشكلة التخلف التي يستثمرها المال ويستثمرها الدين، فالآن ما يسمّى بالأصوليات أو السلفيات أو التكفيريين أو غيرهم إنهم يستغلون الدين في غياب العلم، وفي غياب الوعي، فالعلم هو الذي ينتج الوعي الضروري للتعامل مع الدين، ولذلك لا بد من ثورة علمية.

رحيل دندش: ماذا عن الفكر الغربي؟ وكيف يمكن لنا كمسلمين أن نستفيد منه لإحراز هذه النهضة العلمية، وخصوصاً في ظل مؤامرات غربية تعمل على بقائنا تحت نير التخلف في الوقت نفسه؟

السيد محمد حسن الأمين: هناك مستويان في التعامل مع الغرب، فمرة ننظر إليه كمشهد للاستعمار وخلق عوامل تخلف عند المسلمين، وهذه نظرة للغرب ولا نستطيع أن نلغيها لأنها كانت أمراً واقعاً. النظرة الثانية هي أن الغرب أنجز حضارة وتكنولوجيا وأنجز أنظمة ونظم رائعة، وأنجز تقدماً في مفهوم السلطة، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها، فنحن نستطيع أن نأخذ من الغرب هذه الإنجازات ومناهج هذه الإنجازات دون أن يعني ذلك أن نستسلم لإرادة الغرب، وعندما نتمكن من إنجاز ثورتنا العلمية والتكنولوجية والتنموية، سنكون أقوياء ولا نكون موضع استضعاف. فلو لم يكن هناك مستشرقون غربيون لم نكن لنعرف كثيراً من جوانب تراثنا، هذا لا يعني أن بعض المستشرقين لم تكن لديهم غايات استعمارية، ولكن هناك المستشرقين الذين عملوا بجد وحب لهذا التراث، وقدموا لنا خدمة كبيرة في هذا المجال... لست مع عداوة الغرب، إننا والغرب حضارتان تلتقيان في كثير من الآفاق والكثير من المسائل الجوهرية، ولابد لنا أن نتعلم من الغرب كما تعلّم الغرب منا نحن المسلمين.

رحيل دندش: ماذا عن دور المرأة في إحداث هذه النهضة المنشودة، وخصوصاً أن هناك الكثيرين ممن ينتقدون دعوات تحرير المرأة، بحجة أن هذه الدعوة هي دعوة غربية. كيف تنظرون إلى هذه المشكلة؟ أليس في نهوض المرأة وتنويرها ركيزة من ركائز قيام نهضة المجتمع العربي؟

السيد محمد حسن الأمين: لا يمكن أن تقوم النهضة المنشودة والمتطلع إليها دون حضور ساطع للمرأة، وليس حضوراً شكلياً، وإنما حضوراً عملياً، وبالتالي يجب أن نعترف أننا مجتمع ذكوري، وأن هذه الذكورية أثّرت حتى على اجتهاداتنا في الفقه الإسلامي، وأنا من أصحاب الدعوة لأن تأخذ المرأة -وليس أن تعطي- دورها الكامل الذي قد يكون في بعض الأحيان أهم من دور الرجل، حتى في مجالات العلوم والتكنولوجيا ومجالات السياسة والاجتماع وفي كل المجالات؛ فالمرأة هي شريكة الرجل في كل شيء، وبالتالي مسؤوليتها هي مسؤولية الرجل أيضاً، لذلك إن أية صورة من صور تقييد المرأة وقمع إمكاناتها الإبداعية هي صورة مؤسفة من صور الدعوة إلى البقاء في موقع التخلف والتراجع الذي نراه في مجتمعاتنا.