قراءة في كتاب هاشم صالح "العرب والبراكين التراثية، هل من سبيل إلى إسلام الأنوار؟"


فئة :  قراءات في كتب

قراءة في كتاب هاشم صالح "العرب والبراكين التراثية، هل من سبيل إلى إسلام الأنوار؟"

التراث العربي-الإسلامي ورهان التنوير

قراءة في كتاب هاشم صالح "العرب والبراكين التراثية، هل من سبيل إلى إسلام الأنوار؟"

صدر سنة 2016 عن دار الطليعة للطباعة والنشر في بيروت، للكاتب السوري "هاشم صالح" كتاب تحت عنوان: "العرب والبراكين التراثية، هل من سبيل إلى إسلام الأنوار؟"، وهو كتاب من الحجم المتوسط يضمّ بين دفتيه مقدّمتين و38 فصلا. شعرنا ونحن نطالع فصول هذا الكتاب، بنوع من عدم الانتظام في عرض الأفكار، حيث وجدنا الكاتب يقفز من قضية إلى أخرى، ويسهب ويكرّر نفس الأفكار في الكثير من الفصول، وهذا الأمر في الحقيقة ليس عيبا في حدّ ذاته -إذا ما استحضرنا أنّ الكتاب هو حصيلة تجميع لمجموعة من المقالات التي كتبت في فترات متباعدة وفي سياقات مختلفة- ولا يفرغ الكتاب من محتواه، فهو مساهمة قيّمة وغنيّ بالأفكار، لبسطها بالوضوح اللازم أمام القارئ الكريم، ارتأينا إدخال تغيير شكلي على فصول الكتاب، وذلك بإعادة ترتيبها وتقسيمها من حيث الأفكار إلى: قسمين رئيسين: قسم سنحاول فيه الوقوف على أهم الأسباب التي يعتبرها "صالح" مسؤولة عن وضعية الانحطاط والتخلّف التي يعيشها العرب والمسلمون، وقسم آخر سنرّكز فيه على استخلاص أهم خطوات استراتيجية التنوير العربي، من منظور هذا المفكّر.

من وحي العنوان:

إنّ المتتبع للمسار الفكري لهاشم صالح، سيدرك بسهولة أنّ الرجل -كغيره من المفكّرين- يستعير الكثير من المفاهيم من مفكري وفلاسفة الغرب للتعبير من خلالها عن غرضه، وهو إذ يفعل ذلك، فإنّه لا يتعسف في إلباس هذه المفاهيم قضايا وإشكالات لا تناسبها، بل إنّ الرجل يجتهد في تبيئتها، وذلك بترجمة معناها والتعبير عنه بمفاهيم من لغته العربية.

وما مفهوم البراكين، إن صح اعتباره مفهوما، سوى نقل تقريبي لما عرف عند ديكارت بمفهوم "التدمير"[1]، وعرف عند جاك دريدا بمفهوم "التفكيك"[2]، وعرف عند هيجل بـ"آلام الانفصال". وهذه المفاهيم، وإن كانت تبدو للوهلة الأولى مختلفة متباعدة، وبمجرّد لفظها يذهب ذهن المرء إلى ما هو سلبي وقدحي، إلا أنّها في الواقع تشير إلى عكس ما يوحي بذلك اسمها، فهي إيجابية جدا، بل وتحريرية. فلا تركيب بدون تفكيك، ولا تعمير بدون تدمير، ولا يمكن الانتقال إلى الحداثة قبل تفكيك، وتدمير الفكر القديم ذي الأساسات التراثية الأصولية المتهرئة الكابحة للعقول.

ومن هنا ربّما استوحى هاشم صالح عنوان كتابه، فهو يعتبر أنّ ما حدث منذ 11 شتنبر 2001 من انفجارات في العالم الغربي، لا يقل عنفوانا وهيجانا عن انفجار البراكين من باطن الأرض العميقة (ص: 45)، والسبب الرئيس في تلك الانفجارات هو الموروث الديني الذي أثبت فشله، وشوّه سمعة المسلمين في كل أنحاء العالم على يد "داعش" وأخواتها. فأضحى يمثل كابوسا وعبئا حقيقيا على الحاضر وحتى على المستقبل، لذلك فمن الواجب العمل على تدميره وتفكيكه. إنّ ما يقصده "هاشم صالح" هنا بالتدمير، لا يعني البتة، القطع مع التراث قطيعة مطلقة، تقذف بنا إلى متاهات الفراغ أو فوهة المجهول، ففي ذلك "انتحار ثقافي" لا تحمد عقباه، وإنما يعني: الاكتفاء بشطب بعض الصفحات السوداء من هذا التراث، وتحييد بعض المقولات فيه التي تتعارض مع الحداثة والقيم الإنسانية الكونية؛ أي تلك التي يسميها "صالح" بالسياجات الدوغمائية والانغلاقات اللاهوتية.

أمّا التفكيك، فليس الهدف منه كما قد يُظَنّ الكيد للنصوص التراثية الكبرى والسخرية منها وبيان تهافتها، بل إبراز ما فيها من غنى وثراء من خلال مساءلتها في ضوء مشكلات عصرنا[3].

لماذا يجب اعتماد هذه المقاربة في التعامل مع الموروث الديني في رأي "هاشم صالح"؟ ببساطة لأنّ التراث يسكننا ونسكنه، فهو أشبه عندنا بذلك البيت القديم الذي ولدنا وترعرعنا فيه، وتربطنا به علاقة وجدانية وعاطفية قوية جدا، لكنّ عيبه أنّه مليء بالشقوق والتصدعات، سيتهاوى على رؤوسنا في أية لحظة، لذلك نحن مجبرون والحالة هذه على تفكيكه/هدمه، رغم ما سيخلفه ذلك من غصّة، وألم في نفوسنا. لكن حجارة البيت القديم يمكن إعادة استخدامها في البناء الجديد بعد نحتها ونجرها ونفض الغبار عنها. وهذا ما يجب أن نفعله بالضبط مع التراث (ص: 64).

ذكر الجزء وإرادة الكل:

(ما يقوله هاشم صالح عن نفسه، ينطبق على المجتمع ككل، فما عانى منه، تعاني منه كل الشعوب على امتداد الوطن العربي، فلا شفاء لها إلا بما شكّل مصدرا لشفائه).

يستهل الكاتب حديثه في المقدمة برحلته من دمشق إلى باريس وأسباب مغادرته لسوريا، معترفا أنّ سفره إلى فرنسا شكّل الولادة الثانية والحقيقية بالنسبة إليه ؛ ولادة على الفكر والحرية، وعلاجا له بالفن والغناء والسينما والعشق والغرام والأدب والشعر من: الكبت الجنسي والاختناق السياسي والاجتماعي والديني الذي تفاقم في سوريا كثيرا ووصل إلى حد لا يطاق. هذا وقد اعترف الرجل أيضا أنّ اطلاعه على فلاسفة التنوير شكّل حدثا أساسيا في حياته، وإن كان قد أدخله كما يقول في: مرحلة من التيه الفكري جعلته يعتقد واهما أنّ هموم المثقفين الأوروبيين هي نفسها هموم المثقفين العرب، وبالتالي فإنّ مهمته كمثقف هو الآخر تكمن بالأساس في: تعريف القرّاء العرب بآخر ما توصّل إليه الفكر الإنساني من نظريات مستحدثة واكتشافات معرفية غير مسبوقة. لكنّ الرجل استدرك الأمر واستشعر حجم التفاوت التاريخي، واهتدى أخيرا إلى أنّ المهمة التي يجب أن ينذر نفسه لها هي: فهم مشكلة التعصّب الديني وتشخيص أسبابها الحقيقية الظاهرة والثاوية، في أفق المساهمة في بلورة تفسير عقلاني للدين يتلاءم وروح العصر.

أسباب استعصاء النهضة في المجتمع العربي-الإسلامي:

يرى "هاشم صالح" -في بعض فصول الكتاب- أنّ ما يشهده العالم العربي اليوم من تردّ وانفجارات وعنف، ليس ظاهرة سطحية مفتعلة من الخارج كما يزعم أصحاب نظرية المؤامرة من أصوليين وقوميين، وإنما هي ظاهرة معقدة لها أسباب عميقة ومتعددة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، والسياسي بالديني، وغيره، ومن أهمّ هذه الأسباب يذكر "صالح":

■ انتصار الإسلام الحنبلي على الإسلام المعتزلي[4]، وتكفير الفلاسفة على يد الغزالي وبقية الفقهاء[5]، ويرى أنّ من نتائج هذا الأمر: الانحسار شبه التام للفكر العقلاني الحر، في مقابل رسوخ ثقافة غيبية ظلامية متزمّتة هيمنت على كل مناحي الحياة ولا زالت إلى يومنا هذا، وما القاعدة والنُصرة وداعش ... في رأيه إلاّ امتداد لهذا الفكر الأصولي المتطرّف الذي جعل العرب والمسلمين يتموقعون على بعد ستّة قرون من الحداثة، وقيم عصر الأنوار الكونيّة.

■ إحراق عشرات المكتبات، وأجود ما تضمنته من كتب ومخطوطات من مختلف التخصصات، العلمية والفلسفية والأدبية[6]، وكان من نتائج ذلك: ضعف اهتمام الناس بالكتب، حتى انعدم أو كاد، وأصبح الاهتمام مُنْصَبّا على الكتب الدينية التقليدية التي تجترّ كلام الفقهاء ومؤسّسي المذاهب، فضاقت عقلية الناس، وتقلّص فضولهم المعرفي، فما عادوا يأبهون بأنواع المعرفة الأخرى غير الدينية، فهي تغني في رأيهم عن ما عداها (ص: 79-80-81).

■ الصراع الطائفي بين الأديان التوحيدية الثلاثة، ورغبة كل طرف في احتكار المقدّس الأعظم أو وديعة الوحي الإلهي لصالحه؛ فاليهود لا يعترفون بالمسيحيين الذين جاءوا بعدهم، والمسيحيون لا يعترفون بالمسلمين الذين جاءوا بعدهم أيضا. أما المسلمون، فيعترفون بالدينيْن السابقيْن، لكنّهم يعتبرون أتباعهما قد خانوا الأمانة وحرّفوا كتب الوحي، فكان من نتائج هذا التنافس، تشرذم على المستوى الداخلي، وحرب مدمّرة وسفك للدماء، وعنف ديني مستشر في كل مكان تحت غطاء المقدّس، ومادام كذلك فهو عنف مبارك يقدم عليه الأتباع دون أدني تأنيب للضمير (ص: 272).

وجود أحاديث، وفتاوى فقهية في التراث الإسلامي ارتقت إلى مستوى الآيات القرآنية تحت ضغط الصراع، والرغبة في احتكار الحقيقة المطلقة، مشكّلة بذلك عقبة كأداء أمام كلّ تقدّم مرتجى بين المذاهب الإسلامية، فحديث الفرقة الناجية مثلا، تكفّر على أساسه كلّ فرقة باقي الفرق وتضعها في النار، والنتيجة مزيدا من الصراع والدموية والردة الأخلاقية والإنسانية. ولسخرية القدر أنّ هذا الحديث مشكوك فيه أصلا[7].

■ وجود أنظمة سياسية بوليسية، مستبدّة، لا وطنية، رابضة على صدر الشعوب منذ عدة عقود عوض أن تعمل بجد، ومسؤولية، ووفق رؤية، على حل المشاكل البنيوية لتحقيق وحدة وطنية حقيقية، للانطلاق في بناء الإنسان والأوطان، تجدها تلعب على وتر: العرقية، والطائفية، والحرب المذهبية، وذاكرة الأقليات (بطمسها وعدم الاعتراف بها) وتوظف ذلك لابتزاز الشعوب وإجبارها على قبول واقع الاستبداد مقابل أمن مغشوش...

اعتبار الأصولية الإسلامية نفسها في حالة دفاع عن النفس، من جرّاء ما تتعرّض له من محاولات اجتثاث، فهي ترى في العولمة، والحداثة الأوربية الهاجمة تهديدا صريحا للعقيدة، وللقيم الإسلامية المقدّسة التي تؤمّن الطمأنينة والسكينة لملايين المسلمين عبر العالم، وبالتالي فهي ترى أنّه من حقها بل ومن واجبها الأخلاقي الذود عن قيم الإسلام بكل الوسائل الممكنة بما فيها العنف. فالأصولية الإسلامية ترى أنه ليس من العدالة في شيء أن يكون للغرب الحق في حماية أمنه القومي، ورأسماله الرمزي بالحرب، والسلم بينما تتهم هي بالإرهاب، والوحشية عندما تقوم بالفعل نفسه (ص: 105).

دليل هاشم صالح للتنوير: أو التغيير بالثورة الثقافيّة:

بعد محاولة تشخيص أسباب التخلف والانحطاط والتعصب، القريبة والبعيدة، الظاهرة والثاوية، ينتقل الرجل -في عدد آخر من فصول الكتاب- إلى تقديم بعض الاقتراحات التي يمكن اعتبارها بمثابة خطوات أولية لاستراتيجية التنوير العربي، يمكن أن تسعف عند أتباعها في إيجاد بعض الحلول للخروج من شرنقة التأخّر التاريخي المزمن، وتخطو بنا بثبات نحو إسلام الأنوار، ويمكن تلخيص هذه الاقتراحات في النقط التالية:

إحداث ثورة ثقافية واسعة تبدأ بنقل الكشوفات العلمية البحتة إلى اللغة العربية؛ فكل النظريات الفيزيائية، والبيولوجية عن نشأة الكون، والحياة يجب أن تعرف فورا باللغة العربية.

إدخال الثقافة العلمية إلى المدارس، والجامعات، وبرامج التعليم، بل وحتى إلى الفضائيات...

هذان الإجراءان مهمّان جدا في البداية، لأنّهما سيساعدان على: محاربة الأمّيّة الثقافية والعلمية، وبالتالي تحسين الرصيد القومي من المواطنين ذوي الكفاءة والأهلية لممارسة الديمقراطية، ومناقشة القضايا القومية، والإسهام بدور في الحوارات العامة، تأسيسا على فهم علمي للقضايا وللعالم من حولنا. إنّ تمكين المواطن من ثقافة علمية نقيضة لـ"ثقافة الاكتفاء" أو "ثقافة الحقيقة المطلقة" التي يحمل، معناه: منحه القوة والتمكين والثقة في النفس، من أجل تغيير الواقع عن وعي وإرادة، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى ظواهره، باعتبارها أشياء غريبة ومعجزة[8].

باختصار إنّ توسيع هامش الثقافة العلمية في المجتمع، وزيادة حجم المستفيدين منها، ستشكّل نصف الطريق إلى التنوير، لأنّها ستجعل المواطن يستبعد من تلقاء نفسه الكثير من الأفكار والمعتقدات الفقهية القروسطية التي تجاوزها الزمن، وبالتالي يتخطّى الوصاية الأيدولوجية أو العقائدية المضروبة عليه.

■ مباشرة إصلاح ديني متدرّج، يتمّ فيه التوسل بالمنهجية التاريخية النقدية، والأركيولوجيا، والفيلولوجيا، وعلم الأديان المقارن ... فمن شأن الكشف التاريخي للأصول العميقة للإسلام (كيف ظهر القرآن مثلا؟ كيف تشكّل حقيقة؟ ولماذا السردية الإسلامية تقول شيء والعلماء المعاصرون يقولون شيئا آخر) أن يزعزع حتما الصورة التقليدية التبجيلية المكرّسة في العقليات الجماعية ويدفع في اتجاه التخلّي النهائي عنها.

الاعتراف بأنّ فقه القرون الوسطى في قسم كبير منه، لم يعد صالحا للعصور الحديثة، لذلك فإنّ الانتقال إلى براديغم فقهي جديد بات ضرورة ملحة، لأنّ البراديغم الفقهي القديم يتضمن مجموعة من الانغلاقات التراثية التي تتناقض بشكل واضح مع كرامة الإنسان، ومن بين هذه الانغلاقات يبسط "هاشم صالح" الأمثلة التالية:

الحدود كلّها بما فيها: حدّ الرِدّة، والوضع الدُوني للمرأة، وحدّ الرجم أو الجلد، وقطع يد السارق ...

تكفير الأديان الأخرى.

حديث الفرقة الناجية ...إلخ.

فمثل هذه الأفكار التراثية المظلمة، أصبحت عالة علينا، ومن ثمّ فنحن نحتاج مثلما يقول هاشم صالح إلى "حركة تفكيكية هائلة في السنوات المقبلة، وإلاّ فلن نستطيع العيش بسلام مع بقية شعوب العالم، حيث سنبدو نشازا على خارطة التاريخ، وسوف يلفظنا الآخرون، كل الآخرين. بل وحتى قضايانا العادلة كقضية فلسطين مثلا سوف تذهب ضحية لهذا الموقف التكفيري المتشنج الذي يتمسّك به جهلتنا ومتطرّفونا" (ص: 65).

■ انتزاع التراث الإسلامي العظيم، والقرآن الكريم من براثن جماعة الإخوان، وكل الحركات الأصولية التي خرجت من معطفهم، فهذه الجماعات -عكست كل شيء: فما يجب أن نفتخر به تحتقره، وما يجب أن ندخله في برامج التعليم لتنوير الأجيال تحذفه بشكل شبه كلّي- ركزت على بعض الصفحات السوداء في التراث، والتاريخ ، دون أن تموقعها في سياقها الصحيح، لتبرر بها همجيتها وإرهابها وتكفيراتها، في حين سكتت عن صفحات أخرى مليئة بالصفح والتسامح والغفران.

تفكيك التراث بالتراث، فالترياق يجب أن يكون من جنس الداء، فلمواجهة الفكر الأصولي المتزمت، لابد من استخدام محاجات من التراث نفسه، بالحفر عميقا في تراثنا واستخراج النصوص المضيئة وإعادة بعثها من جديد، وترجمتها إلى اللغة العربية الحديثة، لأنّ لغة التراث القديم صعبة جدا على فهم القارئ المعاصر، وتعميمها بعد ذلك ليعرف الناس أنّ تراثهم ليس كله ظلاميات وخرافات كما تنضح بذلك الكتب التراثية الصفراء. وهكذا ستجرى معركة النصوص: نصوص أصولية مقابل نصوص تنويرية، فلا تبقى بعد ذلك الساحة الثقافية حكرا على نصوص الأصوليين التقليديين التي تحتل المكتبات والفضائيات وأرصفة الشوارع ومعارض الكتاب ...(ص: 66).

الاستعانة لتحقيق مطلب الإصلاح الديني، وبالتالي تسريع وتيرة التنوير في العالم الإسلامي بثلاثة أمور أساسية:

أولا: الاستعانة بالتنوير الأوروبي الذي حدث في القرن 18م، وحتى القرن 16م وإبّان عصر النهضة، وذلك بنقل نظريات التنوير إلى اللغة العربية، فهي نظريات ستعلّمنا أنّ التنوير في أوطاننا ممكن. فالأوروبيون كانوا إلى عهد قريب مثلنا، تمزّقهم الحروب الطائفية والمذهبية .. بسبب فهمهم الضيق والمحدود لرسالة المسيح (ص: 113).

ثانيا: الاستعانة بالاستشراق الأكاديمي غير المسيّس وغير السطحي، الذي يمكن أن يقدم لنا إضاءات لا تقدّر بثمن عن تراثنا الماضي. وفي طليعة ذلك، يلفت "هاشم صالح" عناية القارئ الكريم إلى مجموعة من الأبحاث، التي تقدم إشارات ساطعة واقتراحات عملية قد تساعد على الخروج من المأزق التاريخي الذي غطسنا فيه، ومن هذه الأعمال يذكر:

  • "الإسلام" و"المسيحية وأديان العالم: الإسلام ،الهندوسية والبوذية" للاهوتي السويسري "هانز كونغ" - Hans kung
  • "أفكار شائعة عن القرآن، فهم القرآن ما بين التراث الإسلامي والتفسير الحديث" للباحث "مشيل كوبريس" والباحثة "جنفيف غوبيو" - Michel Cuypers et Genvieve Gobellot
  • "الحفر عن أصول القرآن" للباحث "ألفريد لويس دي بريمار" - Alfred Louis de Premare
  • "تاريخ القرآن" للمستشرق الألماني الشهير "تيودور نولكه": Theodor Noldeke
  • "القرآن الصامت والقرآن الناطق" للباحث الايراني-الفرنسي "محمد علي أمير معزّي".

ويضيف إلى هذه المجموعة، بعض المراجع العامة التي لا غنى عنها لمزيد من الإيضاح ك "الموسوعة الإسلامية" أو "الموسوعة القرآنية" بالإنجليزية أو "قاموس القرآن" بالفرنسية...

ثالثا: الاستعانة بالباحثين العرب والمسلمين، الأحياء منهم والأموات، الذين اشتغلوا أو لازالوا يشتغلون في الجامعات الغربية، ومراكز البحث الأوروبية والأمريكية، وكمثال عن هذه الفئة: المفكّر الباكستاني "فضل الرحمان" في أمريكا، و"محمّد أركون" والمفكّر الإيراني "داريوش شايغان" والمفكّر التونسي "عبد الوهّاب المؤدّب" والباحث "عبد النور بيدار" والمفكّر الهندي "محمّد إقبال"... إلخ. فهؤلاء وغيرهم كثير وبفضل امتلاكهم لناصية المنهج، قاموا بمحاولات جادة يمكن التأسيس عليها للقيام بإصلاح ديني حقيقي يفكّ الارتباط بين الدين الحق وأشكال التديّن، ومن ثمّ، فترجمة أعمالهم فورا يُعتبر مطلبا ملحّا.

على سبيل الختام:

أمام عالم عربي- إسلامي مثخن من المحيط إلى الخليج بالأزمات والصراعات والحروب، أصبحت مهمة المثقفين فيه أكثر إلحاحا من ذي قبل، من أجل خوض معركة فكرية، مركّزة، وهادئة، تنزع رويدا رويدا فتيل الأزمات وتفكّك تدريجيا أبنيتها الراسخة رسوخ الجبال، وتصالح العرب مع أنفسهم ومع الحداثة وتعيد تشكيل هويّتهم المنهكة.

ومثقّفنا "هاشم صالح" الذي اتخذنا من أفكاره مرتكزا لمقاربة إشكالية التأخر التاريخي (التطرف الديني، والعنف باسم المقدس هو مظهر من مظاهر هذا التأخر ولا يُختَزل فيه) واعٍ تمام الوعي بهذه المهمّة الشاقة والعسيرة. لذلك نجده قد انبرى لها باقتدار شديد، وبجرأة قلّ نظيرها، سواء من خلال هذا الكتاب أو كتب أخرى، فما يحسب للرجل أنّه يعكف بجدّية على المشكلة التراثية -عكس ما يفعله الكثير من المثقفين العرب والمسلمين الذين يسهبون في تناول قضايا ثانوية تعبّر عن حاجيات مجتمع ما بعد الحداثة- محاولا تبسيطها قدر الإمكان، وفي نيّته رهان توريط أكبر عدد ممكن من الناس (من سياسيين، صحافيين، طلاّب، مربّين، مدرّسين، فنّانين...) وحملهم على الاضطلاع بأعباء النهضة كل من موقعه، وهذا هو عنصر الجدّة في أطروحته ؛ لأنّ ما يحول بيننا وبين نهضة فعلية، ليس هو العجز عن اجتراح الأفكار الكبيرة، وإّنما هو غياب المناضلين والمثقّفين العضويين، حَمَلَة الوعي الشقيّ، الذين في مقدورهم احتضان الأفكار الثورية والدفاع عنها والدعاية لها بعد تبسيطها وجعلها في متناول العامة من الناس.

يبقى أنّ ما قدّمه هذا المفكر السوري، يمثل مدخلا مهما لكلّ من لايزال تائها عن الطريق أو يعتقد أنّه مُعْفَى مما يحدث في محيطه من عنف وتخلّف وإرهاب. أمّا المثقفون الكبار والباحثون النبيهون، فمن المستبعد جدا أن يكون قد نجح في إمدادهم بشيء جديد -فما نادى به باشروه بالفعل ومنذ مدة- ذلك لأنّه لم يطرح نتائج جديدة تجيب عن هواجسهم في مقارعة "اللاّمفكر فيه" على حدّ تعبير المفكّر "محمّد أركون".


[1] استخدم ديكارت مفهوم التدمير في كتابه الشهير: "تأملات ميتافيزيقية" وتحديدا في التأمل الأول، المعنون ب"الأشياء التي يمكن أن توضع موضع شك. لكنّ بعض الترجمات العربية لهذا المؤلف كترجمة الدكتور: "جمال الحاج" نجدها تستخدم لفظ التقويض أو الهدم.

[2] جاك دريدا "الكتابة والاختلاف" ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 2000، ص ص 57 و58

[3] جاك دريدا "في علم الكتابة" ترجمة وتقديم: أنور مغيث ومنى طلبة، المركز القومي للترجمة، ط2، 2008 (ص 46).

[4] إنّ تراجع المعتزلة مهّد لأزمة العقل في الإسلام، وأتاح الفرصة للمنادين بحرفية النصّ والمنطق الإرجائي والقدري، لفرض نفوذهم الفكري على الناس وحملهم على الطاعة العمياء. وللوقوف بتفصيل أكثر على من هم المعتزلة، وما هي مسائل الخلاف بينهم وبين أهل السنّة والجماعة، وما هي الأسباب التي أدت إلى أفول نجمهم وانحسار فكرهم حتّى انعدم تماما يمكن الرجوع الى:

الأب سهيل قاشا "المعتزلة ثورة في الفكر الحرّ"، التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2010

[5] أصدر الفقهاء فتوى نهوا فيها عن النظر في كتب القدماء، وفي مقدمتها كما هو معلوم كتب المنطق والفلسفة، وحكموا بالكفر على المشتغلين بها، بدعوى أنّهم خرقوا "الإجماع" بتأويلهم أشياء في الشرع قيل عنها: "أجمع المسلمون على حملها على ظواهرها"، لمزيد من الفائدة راجع:

محمد عابد الجابري، مدخل ومقدّمة تحليلية لفصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال أو وجوب النظر العقلي وحدود التأويل (الدين والمجتمع)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1997

[6] للوقوف عن كثب وبتفصيل أكثر عن أهم الأسباب التي تقف وراء إبادة الكتب في التراث العربي- الإسلامي، وتداعيات ذلك على المستوى الثقافي، يمكن العودة إلى المرجع التالي: ناصر الحزيمي "حرق الكتب في التراث العربي" منشورات الجمل، بدون تاريخ الطبعة.

[7] في متن هذا الحديث إشكال، فهو مرويّ روايات متعددة، تقول رواية أبي داود والترمذي وابن ماجة والحاكم مثلا: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، تفسير الغلاة لهذا النص يجعل الهلاك من نصيب 73 فرقة ما عدا فرقتهم التي يحتكرون لها الايمان الحق والنجاة في الدار الآخرة.

[8] جيمس تريفيل "لماذا العلم؟" ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، العدد 372 فبراير 2010، ص (9-10 و41).