ندوة: "المرأة وترسيخ قيم الحوار والتسامح الديني والثقافي"

فئة: أنشطة سابقة

ندوة: "المرأة وترسيخ قيم الحوار والتسامح الديني والثقافي"

باحثون عرب يبرزون دور المرأة في التأسيس لقيم الحوار والإبداع والتسامح


كشف مفكرون لبنانيون ومغاربة الدور الجوهري الذي لعبته المرأة العربية منذ القدم وإلى الآن، في شتى المجالات وعلى كافة الأصعدة الدينية والثقافية، في الدعوة إلى تثبيت قيم التسامح والتعايش والتصالح ونبذ الفرقة على أساسات عرقية أو دينية أو أيديولوجية، بما يضمن استمرارية حياة الشعوب والمجتمعات التي عاشت فيها، وهو الدور الذي يكاد يغيّب إلا قليلاً، في السرديات والمحكيات التي تروي قصص محاولات إرساء قيم التعايش والتسامح من طرف المرأة.

جاء ذلك في ندوة شهدها "صالون جدل" الثقافي التابع لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بمقرها بالعاصمة المغربية الرباط، أول أمس السبت 21 مارس (آذار) الجاري، والتي كانت بعنوان "المرأة وترسيخ قيم الحوار والتسامح الديني والثقافي"، حيث تم التركيز على أهم الجوانب الرئيسة التي ميزت دور المرأة في اشتغالاتها الثقافية والأدبية والدينية للتثبيت لقيم التسامح في هذه المجالات، صانعة بالتالي صورتها القوية في مجتمعات تميزت بطغيان الذكورية كثيراً، ومحققة بالتالي طموحها الكبير لإقامة شراكة مجتمعية قوية، وكذلك تدبير شؤون مجتمعاتها، ما ضمن من البداية جوا من الحوار المفتوح بين أطرافه على أساس السير به نحو الأمام، والرقي بالذاكرة الجماعية للوطن العربي عموما، والرقي بالقيم المجتمعية والحضارية وخصوصا منها تلك التي تتميز بالراهنية في طابعها وسياقها.

وقد عرفت الندوة مشاركة كل من الكاتبة والباحثة اللبنانية الدكتورة حُسن عبود، والمفكر والباحث السوسيولوجي المغربي الدكتور محمد الناجي، والكاتبة والأكاديمية المغربية الدكتورة حورية خمليشي، فيما سير أشغالها الكاتبة والناقدة المغربية الدكتورة زهور كُرَّام.

عائشة... إمامة نسوية مجهضة

انطلقت مداخلة المفكر المغربي محمد الناجي التي تمحورت حول الدور الكبير الذي لعبته عائشة زوجة النبي محمد صلى الله عليه و سلم، والتي عنونها بـ "عائشة.. إمامة نسوية مجهضة" أو "عائشة.. قصة نسوية لإعادة الكتابة"، لتبرز أهم المحطات التي مرت منها شخصية عائشة، كونها الشخصية التي كانت الأقرب إلى النبي من أي شخص آخر من صحابته، في كل تفاصيل الدعوة المحمدية، لكن الصورة التي رسمت عنها في كتب التاريخ والحديث، كانت في كثير من المواقف متناقضة، عندما نجد الحديث مزدوجا عن سيدة كانت لا تزال تستمتع بطفولتها، وفي الوقت ذاته سيدة عالمة روت أكثر الأحاديث عن الحياة الخاصة والقريبة لنبي الإسلام، ما يطرح عدة تساؤلات، خصوصا عن الشق المتعلق بسنها الذي أريد منه ما أريد، عند ترويجه تاريخيا من طرف كُتاب التاريخ، تماما كما حدث أيضا مع سن شخصية السيدة خديجة أولى زوجات النبي محمد صلى الله عليه و سلم، خصوصا مع انتشار طريقة وحيدة في نقل أخبار شخصيات هؤلاء الصحابيات اللواتي طبعن التاريخ الإسلامي، والتي استمرت بأسلوب واحد ووحيد متجل في النقل من كتب السيرة المعروفة والترجمة عنها، دون الالتفات إلى ضرورة نقد ما ورد في هذا الشأن، حتى تعطى لشخصية المرأة المسلمة قيمتها وحقيقتها الكاملة.

وعرج الدكتور محمد الناجي على مسألة سِن هؤلاء الصحابيات زوجات النبي، عندما أوضح بأن لا سن زوجة النبي السيدة خديجة الذي حددته كتابات السيرة في أربعين سنة، ولا سن زوجة النبي بعدها السيدة عائشة الذي حددته نفس الكتابات في ست أو سبع أو تسع سنين، لم تكن منصفة بقدر ما كانت تدخل في إطارات أيديولوجية في تلك الكتابات التاريخية لشخصيات نسوية كان سيكون لهن الشأن العظيم بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خصوصا عندما تميزت تلك الشخصيات في حياة النبي وبعد موته بالقوة وإبراز الكفاءة والذات، وهو ربما ما لم يرق لكثيرين بسبب اشتداد الصراع على مراكز السلطة بعد وفاة النبي، باستثناء بعض من الكتابات التي أنصفتهن في مسألة السن، والتي ذكر منها الدكتور الناجي، ابن حجر العسقلاني الذي منح السيدة عائشة سن 14 سنة عند زواجها من النبي، وهي الكتابات التي لم يتم الانتباه إليها كثيرا أو تسليط الضوء عليها وبقيت في طي النسيان.

ويضيف الدكتور الناجي أنه ومع قوة شخصية السيدة عائشة، فإن الحل الذي كان مجديا في ظل الصراع على السلطة، كان بأمرين اثنين؛ أولا تصغير سن زواجها من النبي وحصر أسلوب حياتها وحصره في أسلوب لهو طفلة صغيرة، وثانياً بتوجيه تهمة الزنا إليها، وهو ما يؤكده القرآن بحادثة الإفك، ولذلك فإن إعادة قراءة التاريخ الإسلامي باتت ضرورية، وبالأخص في هذا الجانب النسوي الإسلامي التاريخي، قراءة علمية يعاد معه ترتيب الذاكرة الجماعية.

وخلص الناجي إلى أن شخصية عائشة، هي شخصية نسوية فذة في التاريخ الإسلامي، تعرضت بالفعل إلى محاولة التشطيب بطريقة أيديولوجية بدعوى صغر سنها، رغم إثباتها لنضجها ووجودها القريب ضمن أهم محطات النبوة، وفي الحياة الخاصة جدا للنبي محمد صلى الله عليه و سلم، وهو ما تأكد في كتب التاريخ، ومن خلال المواقع التي تم الرجوع فيها، إليها للاستشارة معها في أهم تفاصيل حياة النبي، وهو ما يستدعي حسب الناجي إعادة قراءة التاريخ الإسلامي من جوانبه الخفية، بمقاربات تنويرية تخدم المشترك الجماعي عوض الانكباب على الأخذ من الأبواب والمصادر الكبرى دون مراجعة أو نقد لما لا يمكنه أن يتقبل بالعقل.

 تجارب مبتكرة في السلم الأهلي

أما الدكتور اللبنانية حُسن عبود، فتعرضت في مداخلتها، والتي كانت بعنوان "تجارب مبتكرة في السلم الأهلي" إلى دور المرأة في ترسيخ الحوار المسيحي- الإسلامي في عدد من البلدان العالمية عموما وفي لبنان خصوصاً، من خلال تجارب مبتكرة دعت إليها مجموعات من النساء للتعارف والتلاقي ودفع السلم الأهلي وحمايته. كانت على شكل حركات نسوية كـ (حركة درب مريم) في لبنان التي كانت عبارة عن حركة سياحية دينية في الداخل اللبناني، نشأت بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية التي قطعت لبنان على مدى سنوات، والتي كانت سببا في استيقاظ اللبنانيين على حاجة ملحّة للتعارف من جديد والتواصل على أسس من القيم والتسامح الديني والتفاعل الثقافي مما ساهم في عملية السلام بأيدي نسائية قوية، أثبتت جدارتها وقدرتها على إدارة المرحلة، ومن أهم هذه الرحلات التي ذكرت عبود، " رحلة عبيه-عاليه في فبراير (شباط) 2015".

كما تعرضت عبود بالشرح لفكرة مشروع آخر يدعى "المشروع الأوروبي لتبادل المعرفة حول الأديان"، والذي ارتكزت فكرته على برنامج تعليمي أوروبي مدّته سنتين صُمّم لفهم وإدارة التنوّع الديني في أوروبا، حيث تمثل التعددية الثقافية والدينية إحدى سمات مجتمعاتِها المعاصرة، وهو المشروع الذي ساهمت لبنان في بنائه من موقع تجربتها الطويلة في التعايش، وفكرة المشروع كما تذكر عبود، تتلخص في بناء مجتمعات متساوية في الحقوق والواجبات وسلمية في التعامل في ما بينها.

وبالإضافة إلى التجربتين السابقتين، ذكرت الدكتورة حُسن عبود نقطة أخرى متعلقة بأحد الأعياد الوطنية التي أسست حديثا في لبنان، والتي تجمع بين اللبنانيين من المسلمين والمسيحيين على أساس وطني محض بعيداً كل البعد عن الاعتبارات الأيديولوجية، وهو ما يطلق عليه اسم "عيد البشارة"، وقد تم اختيار اسم البشارة الذي يعني تلك الأخبار السارّة التي تلقّتها السيدة مريم عليها السلام من ربها بقبول إيمانها وطاعتها، والتي وردت في القرآن الكريم والكتاب المقدس على السواء، وهذا العيد يقام كل يوم 25 (مارس) آذار من كل عام منذ 2010، والذي تتلخص فكرته في كون المسلمين والمسيحيين يجتمعون من أجل إعادة إحياء القيمة الروحية والمكانة القيمية للسيدة مريم عليها السلام، كل حسب معتقداته، ودون معارضة أو تعصب، وبمشاركة الجميع من كل الطوائف الدينية المتعددة في لبنان، مع استدعاء شخصية دينية نموذجية كل عام، ترمز إلى الحضور المريمي الذي يجمع ولا يفرّق.

جماليات نسوية عربية في الخطاب الإبداعي

من جانبها كشفت الباحثة المغربية الدكتورة حورية الخمليشي في مداخلتها التي كانت بعنوان "الجماليات النسوية العربية والإسلامية في الخطاب الشعري والروائي" أن الحضارة العربية الإسلامية عرفت ذخيرة غنيّة من الدراسات الخاصّة بالأدب الذي أنتجته المرأة عبر العصور. وجماليات الكتابة النسوية الإبداعية هذه، وضّحت دور المرأة في إثراء الثقافة العربية، إذ إن الإبداع النسوي ساهم أيضاً في إعطاء صورة أكثر إنسانية للعالم. وليس معنى هذا، أن الأدب يغيّر الواقع السياسي فقط، لكنه يساعدنا على فهمنا له.

وذهبت الباحثة المغربية المتخصصة في الكتابات والأجناس الأدبية، إلى القول بأن المرأة العربية قد نجحت على مستوى الكتابة الشعرية والروائية في التّأسيس لبُنى فكرية جديدة تؤسّس للرفع من مستوى الذائقة الإنسانية، بما ينسجم مع القِيَم الإنسانية العُليا. ولكل منها صلة بالسياق التاريخي المتعلّق بالتّطوّرات والتّغيّرات التي شهدتها وضعية المرأة كمنتجة للنصّ الإبداعي، والتي جعلت المجتمعات العربية تتساءل حول ما إذا كانت فعلاً في حاجة دائمة إلى الشعر وإلى الرواية لتجديد الحوار مع ذواتنا ومع العالم وهمومه؟

وأضافت الباحثة أن "الإبداع النسوي بصفة عامة له أهمية كبرى في التّعبير عن قيمة الحقّ وقيمة الجمال لما لهذا من دور في نشر أخلاق عالمية لثقافة الحوار والتسامح الديني والثقافي، ومدى غناه وفاعليته للبحث عن الحقيقة في المختلف والمتعدّد لمقاومة موجة التّطرّف الديني والفكري. وهذا ما تتطلّبه الثقافات الكبرى في كل العالم ومنها الثقافة العربية والإسلامية"، حسب الخمليشي، التي تشير إلى أن هذا هو "سمة كل الآداب الرّاقية؛ فالثقافة لا يقتصر دورها على ما يقدّمه المثقّف من إنتاج فكري وأدبي وإبداعي، بل تتعدّى ذلك إلى قوّةٍ فاعلةٍ في تقويم سلوك الفرد".

وأضافت الخمليشي أن "الثقافة تواصلٌ وعلاقاتٌ ونمطُ حياة. وما يُميّز الأدب العربي هو أنه إسلامي مسيحي يهودي. والأدب الإسلامي عربي وغير عربي، في حين أن الحضارة الأوروبية ارتكزت على الدين الواحد. كما أن العروبة لم تُشِر إلى جنسٍ أو عرقٍ. واللغة العربية ليست من اختصاص المسلمين، لأن المسيحيين كانوا عرباً قبل نشوء الإسلام. وقد نجح الأدب العربي والإسلامي في العديد من مراحله التاريخية في تحقيق الانسجام الثّقافي وِفقَ رؤيةٍ منفتحةٍ، تبتغي الجمال والحرّية، بعيدة عن أي أهداف سياسية وأيديولوجية إلا ما تقتضيه الرّوح الإنسانية المشتركة. وهذا ما شهدَته العديد من المجتمعات العربية في مجتمعات اختلفت معتقداتها الدينية".

كما تعرضت الخمليشي إلى أهم النماذج النسائية في هذه السياقات بدءا بالصورة التي شكلها المتصوفة عن الحقيقة النسائية، ثم الحديث الوافر عن الإبداعات النسائية في شتى الخطابات العربية والإسلامية، انطلاقا من القرآن الكريم والسيرة النبوية، ومرورا بدور المرأة في الارتقاء بالثقافة العربية، ودورها القوي في التأسيس للرواية والشعر وباقي الأجناس الأدبية، والتي شكلت به منبعا للتسامح الديني.