التجربة العلمانية وعلاقة الدين بالدولة في تونس

فئة :  مقالات

التجربة العلمانية وعلاقة الدين بالدولة في تونس

مدخل :

لماذا يمثل هذا الموضوع جزءا من مسألة محورية في بناء المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد العربية الإسلامية عامة وتونس خاصة؟ للإجابة نستحضر العناصر التالية:

o لقد مثّل الوصول إلى السلطة عبر الدين تحدّيا واجه الدول في العالم الإسلامي، إذ كانت الاستفادة من الدين الممر الآمن للاستقرار أو للثورة، مما جعله مصدرا للقوة السياسة أو لإضعافها مما أدى إلى اعتماد مستمر للحاكم على السلطة الدينية واستفادته من هذه المرجعية طوال العهود.

o من ثم فلا نجد دولة في تونس تجاوزت هذه المعضلة قبل الفترة الحديثة (1) وذلك انطلاقا من النموذج الذي اتخذ من الدين أيديولوجيا له كالدولة الفاطميّة وصولا إلى الدولة الحسينية. هذه النماذج لم تستطع حل هذه الإشكاليّة بصورة مختلفة مما جعل التلاحم بين الديني والسياسي محورا لعموم التفكير الإسلامي والإنجاز السياسي على مدى العصور في خصوص السياق التونسي.

o هذا التلاحم جعل العلاقة بين الديني والسياسي قضية مصيرية تحكم حركة المجتمعات العربية الإسلامية إلى اليوم، مما فرض نمطا من المعالجات التوظيفية سواء من قبل الساسة أو من قبل غالب القيادات والمؤسسات الدينية. لقد غلبت المعالجات الشكلية الترميقية على الموضوع وذلك للاعتقاد بأن الممارسة السياسية والتحولات الاجتماعية كفيلتان بتجاوزها دون أي حاجة إلى مراجعات وقراءات تأسيسية جديدة تشمل الفكر الديني عموما والفكر السياسي في الإسلام بصورة خاصة. ما ضاعف من هذا القصور في إقامة علاقة فاعلة ومتوازنة بين الديني والسياسي هو أن رجال الفكر والنظر في الشأن الديني من علماء وفقهاء ومدرسين وقضاة وخطباء، لم يكونوا في الغالب على وعي برسالة الدين كما أسس لها الخطاب القرآني. لقد غلب عليهم الخطاب الدفاعي التبريري الذي ساهم في التشجيع عليه الاعتماد على آليات وعلى منهجية لا تتعامل مع رسالة الإسلام بما تعنيه من إعطاء معنى للحياة وللإنسان ولصيرورته.

o ضمور أو انعدام هذه المعالجة هي التي جعلت حضور الدين في المجتمعات العربية الإسلامية قائما لكن بصورة معيقة للإنسان ولاحتياجاته الحقيقة ومستلبة لإرادته. لهذا نلاحظ أن جهود الإصلاح الديني والسياسي في تونس في الفترة الحديثة لم تحقق أهدافها. ذلك أن الطرف الإسلامي لم يقدر على تفعيل الرسالة الدينية الصميمية التي ترى في الدين إيمانا بمصير الإنسان، مما يجعل هذا الأخير من خلال وعي ديني متجدد عاملا أساسيا في بناء النظام الاجتماعي والتقدم المدني.

* كيف ينبغي أن نتعاطى مع هذا الموضوع الأساسي ؟ وكيف ندرك طبيعة العلاقة بين الديني والسياسي في تونس في الفترة الحديثة؟ للإجابة فإننا نرى أن نتناول موضوع العلمانية وتجربتها في تونس في ضوء اعتبارين:

o الاعتبار الفكري الحضاري الذي يهتم بالنظر لما وقع إنتاجه من أفكار في تونس خاصة والمتصل بعلاقة الدين بالدولة، وذلك قصد معالجة واقع النظام الاقتصادي والسياسي الاجتماعي والثقافي الذي كان ينتظم المجتمع في تونس.

o الاعتبار التاريخي الوطني وما عرفه هذا الواقع المؤسسي من تحولات طوال فترة زمنية ممتدة من القرن الثامن عشر مع تأسيس الدولة الحسينية (1705) إلى استقرار النظام الجمهوري، وما عرفه من حركة سياسية – اجتماعية وفكريةـ انتهت بتراجع واضح لخطابه التحديثي العلماني في سبعينات القرن العشرين. توضيحا لهذين الاعتبارين نطرح سؤالين: متى بدأت الدولة الحديثة في تونس ؟ وما هي خصائص علاقة الديني بالسياسي فيها؟

2. إضاءات على جذور الدولة الحديثة: الأحداث والأفكار

يمثل قيام الدولة الحسينية في تونس على يد حسين بن علي 1705 مرحلة مفصلية هامة في تاريخ البلاد إذ أنها تلت عقودا من الاضطرابات والحروب والأوبئة انتهت بالاحتلال الإسباني سنة (1535) الذي تمكن الفتح العثماني من تخليص البلاد منه سنة 1574 مقيما دولة الدايات ثم البايات (2) معلنة بذلك نهاية العصر الوسيط. مع قيام الدولة الحسينية (1705-1956)، شهدت البلاد التونسية تحولا نوعيا تمثل في بروز نخبة من الأهالي لاحتلال مواقع سياسية بارزة، وكان من أفضل من يمثل هذا التحول هو أحمد بن أبي الضياف الذي يتحدث عن انتصار نهائي لمصلحة "أبناء تونس" في التدخل المباشر في إدارة الشأن العام. صاحب هذا التوجه الجديد ظهور اختيارات جديدة للدولة شملت علاقة السياسي بالمؤسسة الدينية التي كانت تتمتع بحضور بارز واستقلال واسع في القرن 18.(3) أدى هذا إلى وضع عناصر جديدة لشرعية المُلك. لقد كان لشيوخ المؤسسة الدينية نفوذ حقيقي فرضوه على الحكام الأتراك خاصة في الفترة الأولى، باعتبارهم كانوا قادة عسكريين بالأساس ولم يكونوا متدينين كثيراً، كما أنهم لا يحسنون العربية أو لهجة أهل البلاد. من ثم تواصل نفوذ المؤسسة الدينية بصورة واضحة من خلال خطط الإمامة والإفتاء والقضاء والتدريس (وهي عماد المؤسسة الدينية)، والتي كانت تتمتع باستقلالية كبيرة إن من حيث انتخاب القائمين عليها أومن حيث مرجعية هؤلاء في التصرف أوفي القاعدة المادية التي تقوم عليها مباشرة.(4) حب رجال المؤسسة الدينية بمجيء "حسين بن علي" إلى الحكم لأنه تمكن من إنهاء فترة توترات كبيرة في العلاقات بين آخر المراديين وإبراهيم الشريف(5) وبين رجال الشرع الذين رأوا في " حسين بن علي" حاكما مناسبا ينبغي تدعيمه.(6) عمل هؤلاء الرجال على مواصلة تأطير المؤسسة الدينية لمختلف جهات البلاد وتوجيه قواه المجتمعية بصورة شبه كاملة. هذا ما أدركه الحسينيون فعملوا على مسايرته بمختلف الوسائل فكان جمعهم للعلماء كلما ظهر خطر داهم مثل ما حصل سنة 1708 (7) كما كانوا يحرصون على مصاهرة العلماء من خارج العاصمة، فضلا عن إحياء التقليد الذي أسسه حموده باشا المرادي بعقد سهرات مع العلماء (لمناقشة مسائل قضائية ودينية وكذلك للأذكار). كل هذا لاكتساب تأييدهم واكتساب الشرعية من خلال ما يفتي به القضاة في المسائل الحياتيّة العامة كالجبايات والزكاة.(8) في الوقت ذاته الذي تمكّـّن فيه "حسين بن علي" أن يقدم نفسه لدى سكان البلاد حاميا للدين والعلم كان يصمم لسياسة مغايرة للدولة وطريقة إدارتها. لقد شرع في وضع عناصر جديدة للشرعية التي يقوم عليها الملك، وهي أول محاولة في تنويع أسس الشرعية التي يقوم عليها الحكم منذ دخول الأتراك إلى تونس. اعتمد الباي الحسيني الأول في ذلك على وسائل يعتبرها العلماء غريبة في غالبها عن الدين كما كان يمارس في البلاد من قبل. ستتواصل هذه السياسة مع ملوك الدولة الحسينية مما سيضيّق تدريجيا من "استقلالية" العلماء في اعتمادهم مرجعية في الغالب، ليست إرادة الحاكم ولا رغبات المتنفذين من حوله، وكما ستقلص من "حريتهم"، خاصة فيما يتعلق بما ينهجونه من طرق في التدريس وأراء في الإفتاء.

o بذلك بدأت ملامح تحّوّل تدريجي لطبيعة العلاقة القائمة بين المؤسستين من خلال بناء مشروعية جديدة لسلطة البايات، قامت أساسا على أربعة توجهات: 1- "تدخل" المؤسسة السياسية في التعليم أحد أهمّ القضايا التي يجب العمل عليها فيما يتعلق بنظامها وانضباطها(9). 2- إدخال رموز المؤسسة الدينية الرسمية والأهلية وعلمائها ضمن منظومة هرمية واحدة. 3- توفير أوقاف واسعة ورواتب ومداخيل ومنح للمدارس والزوايا والجوامع تقرّرها وتدفعها المؤسسة الحاكمة وتشمل الشيوخ والطلبة. 4- صدور فتاوى وتآليف من شيوخ وعلماء فيها دعم واضح لسياسات الدولة بما يشجع هذه الأخيرة أن ترسم لنفسها مواقع إزاء الموروث الديني وإزاء رعاياها وإزاء السلطنة العثمانية. في هذا نتوقف عند أبرز أمثلة ثلاثة دالة على هذه الاستراتيجية الحسينية الجديدة. أولها صدور رسالة للشيخ محمد بن حسين بيرم المشهور بيرم الأول المتوفى ( 1214هـ/ 1799م) بعنوان رسالة في السياسة الشرعية.(10) هذه الرسالة التي وضعها الشيخ بطلب من الباي حمودة باشا ( 1872- 1814 ) تعبر من جهة عن انخراط واضح لأحد أعلام المؤسسة الدينية في مشروع تأطير "فئة العلماء" بما يجعل مصير المؤسسة الدينية ملحقا بالمؤسسة السياسية الحاكمة. من جهة ثانية تمهد هذه الرسالة إلى ما سيتركز لدى علماء الزيتونة الإصلاحيين في العقود الموالية، وخاصة فيما سيكتبه خير الدين وجماعة الإصلاح في أقوم المسالك من خلال تحديد معنى السياسة الشرعية وهي القول بأنّها "ما يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينزل به وحي"، وهي القول بأنّ "الأحكام لا تتقيد بتفسير النصوص حسب قواعد الأصوليين، بل تعتمد على تقدير الإنسان وتفكيره في السعي إلى تحقيق الأفضل مع عدم معارضة المبادئ العامة للشريعة ومقاصدها".(11) من هذه الناحية فإن رسالة بيرم تعدّ خروجا عن المنظومة الأصولية المعروفة ودعوة للأخذ من الآخر المختلف بالتفاعل معه. من ثم أصبح من الممكن تقنين أحكام السياسة الشرعية باعتماد منظومات ومرجعيات ليس للشيوخ وثقافتهم ومرجعياتهم يد فيها. تمثل هذه الرسالة مجهوداً فقهياً للتوفيق بين المبادئ الشرعية الثابتة ومتغيرات السياسة ومستجداتها من خلال الممارسات اليومية لأهل الحل والعقد في البلاد من الولاة والحكام، وفي مقدمتهم الباي وحاشيته وحلفاؤه في الخارج. من هذه الناحية يعدّ هذا التأليف إسهاما كبيرا في تغيير التوازنات القديمة بين الديني والسياسي بإضفاء شرعية التوسع السياسي الذي سيتأكد بصورة واضحة مع أحمد باشا باي في أربعينات القرن 19 بإصلاحاته الكبرى التي هي في جانب منها استباحة أكيدة للمجال الديني.(12) يبرز المثال الثاني مع الحادثة المشهورة المتعلقة بإلغاء الرق سنة 1846 التي يتبين فيها من جهة عدم اقتناع علماء الزيتونة بهذا القانون وعدم تأصيلهم للمسألة وأنهم أرغموا على قبوله. لقد كانوا يرون في المسألة تأثيرا أكيدا للمجموعة المحيطة بالباي التي دفعت إلى إصدار هذا القانون حرصا على الإصلاح على المنوال الأوروبي وانخراطا في مصالحه.

يوضح المثال الثالث التحولات بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية ويتمثل في موقف المجلس الشرعي من إصدار عهد الأمان 1857 وهو أول دستور سيصدر في تونس منتصف القرن الـ 19(13). ينص نص العهد الأمان أنّه لجميع سكان تونس مهما كانت دياناتهم وأجناسهم وجنسياتهم فجاءت مادته الأولى قاضية بـ :" تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأموالهم المحرمة وأعراضهم المحترمة إلا بحق يوجبه نظر المجلس بالمشورة ويرفعه إلينا، ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن أو الإذن بإعادة النظر". يقول ابن أبي الضياف عن هذا النص أنه قرأ على الشيوخ القاعدة الأولى من عهد الأمان فاستحسنوه حتى قال شيخ الإسلام: " يمكن لي أن أخطب يوم الجمعة بشرح هذه القاعدة وأصلي بعدها الجمعة إذ هي ملاك أمر الدين والدنيا، وطلب الوزير خير الدين من الحاضرين من الفقهاء أن يكتب كل واحد على قواعد عهد الأمان ما يراه فأجابوه لطلبه، فكتبوا وتقاربوا في المرمى، وجلّى شيخ الإسلام فيما كتبه بشهادتهم. .... لكنهم طلبوا بعد ذلك الاستعفاء من المشاركة في الأعمال المتصلة بعهد الأمان.(14) أهم ما ينبغي أن نتوقف عنده من خلال هذه الأمثلة هو هذا التراجع الكبير للمؤسسة الدينية، الذي لا يعبر عن قدرة على تطوير الفكر الاجتهادي. لقد تأكد أنّ المؤسسة الدينية لم تتمكن من ملء الفراغات الشاغرة داخل الحقل الفقهي، مما زاد من عزلة تلك المؤسسة اجتماعيا وتراجع مكانتها العلمية والسياسية.(15) ما لا ينبغي أن نذهل عنه هو ما عرفته الأوضاع الدولية في القرن 19 من تغيرات نوعية في خصوص الملاحة في البحر الأبيض، وفي علاقة البلاد الأوروبية بالعالم العربي والإسلامي. لقد كانت تلك التحولات معبرة عن توازن مخلّ بمصالح الإرادة السياسية الوطنية لصالح الضغوط الخارجية التي لا يعنيها إصلاح سياسي أوديني أو تطوير للعلاقة بين المجالين. بعد بيرم الأول وابن أبي ضياف سيتواصل مع خير الدين ورجال الإصلاح في القرن الـ 19 تقليص موضوعي لسلطات المؤسسة الدينية تمهيدا للحظة فارقة ثانية تجذر توجه الحسينيين بصورة نوعية. في هذا الطور الثاني الذي امتد منذ بداية القرن 19 وإلى حدود الربع الأول من القرن العشرين ظهرت أفكار وتطلعات إصلاحية عدّة، في كتابات ومواقف من قضايا وتشريعات وبرامج وتحركات اجتماعية مصاحبة ستكون صاحبة أثر بارز في ظهور وتبلور الحركة الوطنية. لقد أنتجت تلك النقاشات والمعارك الفكرية أجيالا وتيارات سياسية كان لها دور حاسم في الحراك الاجتماعي الذي ستتمخّض عنه دولة الاستقلال وتصدّر النخبة الوطنية لسلطات القرار في تونس. في هذا الطور الثاني حيث كانت النخبة الإصلاحية بزعامة خير الدين (المتوفى سنة 1890 ) وسالم بوحاجب ومحمود قابادو ومحمد السنوسي تتحدث عن الملكية المقيدة بدستور على النمط الأوروبي باعتباره النموذج الأوحد الذي سيحل مشاكل الحياة السياسية. كانت النخبة الإصلاحية تقول في الوقت نفسه" ... الغرض أن نتخيّر من الوسائل التي أوصلت الممالك الأوروباوية إلى ما هي عليه من المنعة والسلطة الدنيوية، (و) أن نتخير منها ما يكون بحالنا لائقا ولنصوص شريعتنا مساعدا وموافقا".(16) خصوصية هذه النخبة أنها تحيل للمؤسسة الدينية مكانة رمزية داعمة، بما ستعمله من فتح عيون المثقفين التونسيين على المدنية الأوروبية، إذ تدعوهم إلى ضرورة الأخذ منها فيما لا يتصل بالمعتقد والخلق. في هذا فإن النخبة الإصلاحية لم تسع إلى تجديد أو إصلاح للخطاب الديني ومؤسساته بل اعتنت بتركيز أطروحة "التنظيمات" وضرورتها والفصل نظريا وعمليا بين الثقافة الأوروبية ومبتكراتها التقنية من جهة وبين السياسات الغربية تجاه العالم الإسلامي من جهة ثانية. لذلك قال الإصلاحيون بأن الحضارة الغربية حضارة عالمية ولا بد من الإفادة من منتجاتها في كل المجالات. كان الهدف من هذا التوجه الرامي إلى الاستفادة من المنجزات الحضارية هو الوصول إلى ندية يمكن بها مواجهة السياسات الغربية المعادية للمسلمين.

انتهت هذه المرحلة الأولى بــ:

في العلاقة بين السياسي والديني يتبين أن القرن التاسع عشر في تونس انطلق ضمن حالة من الاستتباع والمراقبة الواضحتين من المؤسسة السياسية للخطط الدينية والتعليمية والقضائية بما يتيح القول إن المؤسسة الدينية فقدت بشكل نهائي صبغتها المستقلة التي كانت وراء تأثيرها الواسع في المجتمع بمختلف مؤسساته. وقد أصبح الجسم الذي تشكله فاقدا لأبسط القواعد، أي الحد الأدنى من التضامن بين أعضائه ( قضية علالة بالزاي 1879)؟ إلى جانب ذلك فإن الجهد الإصلاحي في الفكر الديني كان بعيدا كل البعد عن المطالب الاجتهادية، وخاصة فيما يتصل بإعادة النظر في التراث الفقهي والفكري وفي قراءة للنص المؤسس. أبرز ما تأكد في نهاية القرن 19 مع الدولة الحسينية هو إعادة ترتيب العلاقة بين سلطة السياسي مع المجتمع في ضوء إعادة ترتيب العلاقة بين الشرق والغرب . من هذا الموقع الجديد المتراجع الذي ستحتله المؤسسة الدينية في تونس تشكلت صورة مغايرة للدولة والمجتمع وهو ما سيؤثر بصورة أكيدة في الفترات اللاحقة على الاختيارات السياسية والاجتماعية والثقافية وعلى مشروع الدولة الحديثة برمته.(17) ما تلا لم يكن إلا تأكيدا وبلورة للتحولات العميقة التي شملت مفاهيم الجماعة والنخبة والسلطة في تلك الحقبة. لقد أصبحت المؤسسة الدينية، منذ ذلك الحين، صورة من صور التشكل السياسي العاجز عن الانفصال عنه. من حالتي الاستتباع السياسي للمؤسسة الدينية وتكريسه لخطاب ديني محافظ في غالبه لم يعد عسيرا، والحال تلك، فهم موقف المؤسسة الدينية اللاحقة من عدد من القضايا التي عاشها المجتمع في سبيل تكريس هويته وتعديل جملة مطالبه.

3. الدين والدولة في المرحلة البورقيبية: تركيز المشروع السلطوي الحديث

في خمسينات القرن العشرين وقبل أن تحقق البلاد التونسية استقلالها السياسي كانت العلاقة بين الديني والسياسي مطروحة من خلال ما كانت تقدمه النخب الصاعدة من رؤية جديدة وثقافة عصرية ضمن مشروع تحديثي للمؤسسات وللمجتمع. خصوصية هذا المشروع كان متحددا فيما يمثله من طريقة جديدة في إدارة الشأن العام وما تعنيه تلك الرؤية الجديدة بالنسبة للقائمين على الشأن الإسلامي في تونس وفي كيفية تصورهم لمعالجة تلك العلاقة. منذ ثلاثينات القرن الماضي كان الزعيم بورقيبة وعموم النخب الشابة الصاعدة التي انخرطت في العمل الوطني قد اتخذت لنفسها ثقافة سياسية حداثيّة ذات مرجعيّة غربيّة. لكن هذا لم يكن يعني أنها كانت مناهضة للتراث والقيم العربية الإسلامية. هذا الاستئناس بالثقافة الخاصة كان حاضرا بقدر نسبي يتفق في بعض الحالات مع مقتضيات حماية الهوية الوطنية. في هذا السياق تتنزّل مواقف الزعيم بورقيبة من بعض التعبيرات الاجتماعية كالحجاب والشاشيّة ودفن المتجنّسين من التونسيين في المقابر الإسلامية.(18) لكن هذا الوضع سيتغير نوعيا بعد استلام مقاليد السلطة تكريسا لحداثة أكثر تجذرا (19) وهذا ما سيتأكد بوضوح منذ استلام النخب الوطنية السلطة في 1956. قبل ذلك بقليل طرح الشباب الوطني موضوع العلمانية لأول مرة بصورة علنية وقاطعة. حصل ذلك ضمن ما أثير عندئذ في شأن بناء أول حكومة وطنية. أعلن أعضاء الجامعة الدستورية للطلبة التونسيين في فرنسا المجتمعين في الحي الزيتوني في العاصمة بين 22 و25 جويلية 1955 أنه: "بعد البحث الدقيق في المشكلة الناتجة عن علاقة الدولة بالأديان نقترح ثلاثة أمور - وضع نظام تونسي خاص لائكي – إبقاء النظم التشريعية الخاصة بكل دين على أنه يمكن لكل تونسي في نطاق القانون الاختيار بين هذه النظم – لا يمكن متابعة أي شخص ولا اضطهاده لجنسه أو فكره أو اعتقاداته. واصل هذا الخطاب رئيس اتحاد طلبة تونس عبد المجيد شاكر على المنهج نفسه، وإن سحب العبارات الخاصة باللائكية قائلا عن الدستور المرتقب: لا يمكن لهذا الدستور أن يكون ذا فاعلية إلا إذا كان مرتكزا على إدارة منظمة منسجمة جديدة الاتجاه والتوجيه سهر عليها أفراد أكفاء نزهاء ....وأن يضمن الدستور الحريات الأساسية للأفراد والجماعات...داعيا إلى تكوين وزارة للتربية للسهر على مصالح الشباب، بحيث يكون التعليم إجباريا عصريا يتماشى وحاجيات البلاد وموحدا يتضمن وحدة التفكير والعقلية.(20) إثر هذه التصريحات التي أثارت رد فعل قوي كان أبرز من عبر عنه شيخ الإسلام المالكي في خطابه بمناسبة عيد الأضحى أمام ملك البلاد حين قال: " نعلن إنكارنا ومقاومتنا لإقحام اللائكية فيما عسى أن يحدث من نظم لهذا البلد ...ونسجل أمام هذا الجمع أن إهمال التنصيص في دستوره أن حكومته إسلامية تدين بالإسلام وتسجل أن لائكية النظام باعث قوي على التفرق والانقسام ومثير لفتنة مشتعلة". (21) في نفس هذه الوجهة تحدث المنصف المستيري، الزعيم السياسي المناهض للخط البورقيبي عن عموم هذا التوجه وخاصة ما أعلن عنه رئيس جامعة الموظفين التونسيين في الجهر بالإفطار يوم 1 ماي 1955 أثناء خطاب له في البلفدير وما حصل من مطالبة عدد من تلاميذ الفصول النهائية بمدرسة "صادقية خزندار" بالعاصمة أثناء نفس شهر رمضان الإدارة تهيئة الطعام لهم عند الزوال.

أثارت هذه الردود تراجع قياديي الحزب الدستوري من أمثال صالح بن يوسف وعلي البلهوان، فأعلنوا مناهضتهم لمشروع " اللائكية " معللين أن ما دعا إليه الشبان الدستوريون المزاولون تعليمهم بفرنسا إنما يقصدون به ما قصده الإسلام نفسه من عدل وإنصاف بين جميع البشر ومن حق كل كتابي في اتباع دينه من غير أن يكون مضطرا إلى التقاضي حسب الشرع الإسلامي".(22) بعد ذلك كان العمل على تحرير دستور البلاد مناسبة أخرى لطرح قضية طبيعة الدولة الجديدة وهوية البلاد. بهذه المناسبة التي أطلق عليها البعض " »الولادة العسيرة لدستور «59 التي انتهت بأن تضمّن الفصل الأوّل من الدستور أنّ "تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهورية نظامها" وقد شهد هذا الفصل نقاشا مستفيضا قبل إقرار هذه الصياغة.(23) ما تميز به بعد ذلك النظام الجمهوري كان يقوم على أساسين:

- غياب الدين كمصدر فكري وتراثي من مصادر بناء الدولة الوطنية الحديثة التي كانت لائكية في تكوينها ليبرالية في توجهاتها.

- أن للدولة مضمونا ثقافيا، وهو المضمون الأوحد الذي يجب اتباعه.

بناء على هذين الأساسين مورست السلطة في الدولة الحديثة مستعملة في ذلك حتى العنف لتفرض هذين الأساسين. على هذا يمكن القول إن النظام الجمهوري في الفترة التأسيسية كان يعمل برؤية سلطوية علمانية هجينة تتعامل مع المسألة الدينيّة بصورة توظيفية، بحيث تستعمل الثقافة الإسلامية إذا كانت متماشية مع خطتها وبرامجها بادعاء التشبث بالهوية دون أن يمنعه ذلك من مواجهة نفس تلك الثقافة بل مقاومتها في مناسبات أخرى باسم التحديث الذي يعمل على تركيزه. يتجلّى هذا التمشي العلماني الهجين من خلال النماذج الثلاثة التالية: النموذج التعليمي/ النموذج التشريعي / النموذج المدني.

في النموذج التعليمي:يذكر أن مؤسسة الزيتونة تعرضت منذ الفترة الأولى من بناء الدولة الوطنية إلى عمليّة إبادة مدروسة لطمس دورها والقضاء على مهمّتها، وقد آلت هذه العملية إلى تحوّل الزيتونة من رمز ثقافيّ إنساني وإسلامي تاريخي وحضاري إلى مجرّد بيت للصلاة. نتج عن ذلك أن الدولة الحديثة أصبحت المصدر الوحيد للمعرفة الدينيّة والعلميّة لا ينافسها في ذلك أحد. غير أن توحيد التعليم وإن كان قد حقق انتشاره ودمقرطته فقد كان سلاحا ذا حدّين. لقد أنتج من ناحية نخبا متشبّعة بنفس المضمون الفكري والمنهجي الحداثيّ، لكنها من ناحية أخرى أفرزت فئة متواكلة ترى الدولة مصدرا وحيدا للمعلومة وللثقافة ثمّ للرزق. لقد صاحب توحيد مصدر المعرفة في الدولة الحديثة اتجاه النخب المتعلمة إلى الدولة لتشغّلها في دواليبها أساسا وبذلك تمّ القضاء على المبادرة والإبداع.(24)

في النموذج القضائي: قامت الدولة الحديثة بإلحاق القضاء بدواليبها، فغدت إدارة شؤون الناس مناطة بعهدة مؤسسة قضائيّة رسمية. كان ذلك بإلغاء الدور القديم للمفتي الذي كان يتقاضى أجره من الأوقاف، فأصبح موظّفا عند الدولة مع اعتبار أن مهمته إدارية تخضع إلى سقف عمري مما يمكن إحالته على التقاعد. بهذا التوجّه أصبح الإفتاء خطة رسميّة فلا يفتي إلاّ استجابة لطلب من السلطة الحاكمة ولا صلة له بما عداها. بذلك أصبحت الخطة امتيازا لا يناله إلا من عبّر عن الولاء الكامل للسلطة.(25) فيما يتعلّق بدور القاضي وحدود حريتّه وعن المصادر التي يعتمدها أثناء أدائه لوظيفته فقد انخرطت الدولة الوطنية الحديثة وبتدخل مباشر من بورقيبة في إعادة النظر في هذه الخطة أيضا بعد توحيدها. وتمّ التخلّص تدريجيا من القضاة خريجي المؤسسة الزيتونية، وذلك بتقليص مهامهم وحصرها فيما يسمى بالقضايا الشرعية.

النموذج المدني وزوال الأوقاف: تكمن أهميّة الأوقاف في أنّ الجزء الأكبر من الثروة العقاريّة كانت تابعة للأوقاف التي كانت تضمّ مئات آلاف من الهكتارات بالإضافة إلى العقارات المبنية. لذلك كانت الأوقاف تقوم بمهمة اقتصادية واجتماعية هامة. فزيادة على أن جمعيات الأوقاف كانت تتيح للمواطن الشغل، كما تمكن أصحاب الحاجات من الإعانة التي تحميهم من الخصاصة، إلى جانب إعانة الطلبة المعوزين، إلى جانب ذلك كانت الأوقاف تمكّن الدولة من الاقتراض أحيانا من مداخيلها. بإلغاء الأوقاف مع بداية الاستقلال تمّ القضاء أوّلا على الدور المدني الجمعيّاتي المناط بعهدتها، وثانيا القضاء على روح المبادرة والمشاركة. هكذا جعلت الدولة من نفسها المصدر الوحيد للتعليم والقضاء والإفتاء ثمّ الرزق، وكرّست توغّلها الشامل في كلّ دواليب المجتمع عوض تعصير مؤسسات المجتمع وترسيخ مفهوم المواطنة لا الرعيّة المتواكلة. كانت هذه خصوصية المرحلة التأسيسية للدولة الحديثة: التي حولت الدولة من راعية للقانون والحرية إلى دولة استحواذية موظفة رؤية علمانية مغشوشة من أجل فرضها وهندسة المجتمع في ضوئها. بعد هذا الطور التأسيسي جاءت سبعينات القرن الماضي لتتراجع حدة الخطاب السياسي الرسمي لعوامل اجتماعية وشخصية ليصبح الخطاب السياسي أكثر تصالحا مع المؤسسة التقليدية الدينية وخطابها ومتراجعا عن اختياراته العلمانية الكلية من أجل علمانية مهادنة وغير قادرة على الإسهام في بناء علاقة ندية مع المؤسسة والفكر الديني الرسمي.

4. الدين والدولة: رهانات المواطنة الفاعلة

من الثابت اليوم أن انطلاق الثورة في تونس كان إيذانا لتحرر طاقة جبارة لقطاعات واسعة من المجتمع من أسر منظومة الفساد والخوف والولاء، ولكن مثلت أيضا توقا إلى نمط أفضل من العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تتحدد بعد كل معانيه وأبعاده. ما ظهر إلى حد الآن هو توق إلى تحقيق ما عجز عنه المجتمع والفرد في ظل نمطية سلوك الدولة القديم الموسوم بعلمانية هجينة. لقد لعبت الدولة بتأطيرها الضيق واللصيق للمجتمع من خلال جهازي الحزب والبوليس دورا كبيرا في تنميط علاقتها بالمجتمع، بحيث جعلت من الدولة آلة ضخمة لإنتاج الجزاء للمحابين والموالين والعقاب للمناوئين والمخالفين كيفما كانت انتماءاتهم الاجتماعية وكيفما كانت مشاربهم الفكرية والسياسية. لاشك أنه كان من النتائج المباشرة لهذه العلاقة التي فرضتها الدولة على المجتمع أن خلقت، زيادة على شبكات من الزبائن المدينة بالولاء ولكن المستفيدة في نفس الوقت من الدولة والمحتمية بظلالها الوارفة، قطاعات واسعة من المجتمع وخصوصا الشابة والمتعلمة منها المتوثبة لأخذ نصيبها في الحراك والصعود الاجتماعيين، ولكن عاجزة عن فعل ذلك نظرا لتحكم شبكات الفساد الملتفة حول الدولة في قنوات الصعود والارتقاء الاجتماعيين. إن انسداد الآفاق أمام قطاعات واسعة من المجتمع جعل شعورها بالغبن الاجتماعي يتعاظم نظرا لكونها وجدت نفسها مطالبة بأن تقبل في آن واحد بركودها الاجتماعي وأن تدين بالولاء لدولة لا تستفيد منها في كل الأحوال.

لا شك، ختاما، في أن عنف الدولة بما يختزنه من خوف وسكوت عن الظلم الصارخ كان هو العامل المعول عليه للسيطرة على التناقض الذي يعاني منه المجتمع، لكنه كان في نهاية المطاف عنصرا حاسما في انطلاق مسيرة الثورة المتجاوزة للخطابات التعبوية المنغلقة التي تدعي التفرّد بامتلاك البدائل الجاهزة. من ثم انفتح أفق حضاري جديد يتناول الشأن العام في أبعاده النظرية والقيمية والعملية بما ينمي اختيار المواطنة الفاعلة. ذلك هو الاختيار الصعب القائم على التواصل بين مكونات المجتمع المتعددة وبما يحقق الفاعلية الحضارية الفردية والجماعية التي قام عليها التاريخ الحضاري الخاص باعتبارها الشرط اللازم لأي اجتماع مدني منشود. رهان المواطنة الفاعلة قائم على الانعتاق من إطار الدولة المحتوية للمجتمع بالتسلط عليه وذلك بالشروع في تأسيس إطار مغاير تقوم الدولة فيه على التعايش المتوازن مع المجتمع وعلى حماية الحريات وإنفاذ القانون.

* احميده النيفر مفكر ورئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد - تونس