الهويّة في زمن "ثقافة التعدد"


فئة :  مقالات

الهويّة في زمن "ثقافة التعدد"

الهويّة في زمن "ثقافة التعدد"

-1- لم تحتلّ قضيّة الهويّة مكانة متميّزة في المشهد الفكري العربي الإسلامي، إلاّ منذ أربعة عقود مواكِبةً بذلك تحوّلات كبرى داخليّة وخارجيّة. قبل هذه الفترة كانت المشاغل الفكريّة المطروحة على مجموع الأمة وعلى النخب المثقّفة والحاكمة تركّز على مسائل أساسيّة لم تكن قضيّة الهويّة مُدرجة ضمنها. كانت أمّهات التساؤل الفكري والسياسي عندئذ أربع هي: التراث والتنمية والدولة والتقدّم. لذلك، فإنّ الهويّة لم تتجاوز في ذلك الطور مستوى المسألة العَرَضيّة المتفرّعة من السؤال الأكبر المتعلّق بالتراث وما يقع بحثه في الأثناء عند التطرّق لإشكاليّة الأصالة والحداثة. يضاف إلى ذلك أنّ جملة القضايا المحوريّة المبحوثة كانت ممهورة بالطابع الإيديولوجي الذي يرمي في جوهره إلى إحداث تغيير ما. أبرز ما عرفته البلاد العربية الإسلامية في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كانت تتمثّـل في تجارب مختلفة ظلّت، على الرغم من تنوّعها تعمل للحاق بمن تراهم أمماً متقدمة. مع ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم تراجعت بصورة جدّية جذوة الاندفاع البنائي في عموم الأقطار العربيّة نتيجة تعثّرات التجارب التنمويّة القطريّة والوحدويّة والاشتراكيّة.

-2- واكب ذلك حدثان دوليّان متزامنان؛ تمثّل الأوّل في انهيار التجارب الإيديولوجية ذات المنزع الاشتراكي العالمي، بينما كان الثاني في تأكّد قيام ثورة تكنولوجية غير مسبوقة في طبيعتها ومراميها. إزاء هذين الحدثين العالميّين عرف عالم المسلمين انطلاق انفجارين ثوريّين متزامنين كان الأول في طهران (سقوط نظام الشاه جانفي 1979)، والثاني في مكة (حادثة الحرم نوفمبر 1979) وكانا في حقيقتهما يعبّران عن اندحار نظامين اجتماعيّين ثقافيّين سائدين فقدا مقوّمات الحياة وشرعيّة الوجود.

من وقتها تزايد الاهتمام بمواجهة جملة من التحديات التي عبّرت عنها شعارات دالّة، من قبيل مقاومة الغزو الثقافي والتغريب ورفض الجاهلية المعاصرة والتصدي للهيمنة الغربيّة والإمبريالية الجديدة، وهي شعارات تلتقي في عداء سافر للعولمة. كان تزايد هذا العداء ناتجاً عن اعتقاد بأنّ الغاية "المرسومة" من ثورة المعلومات والاتّصالات، إنّما هي تدعيم سيطرة فئة على بقية الفئات الأخرى، وإنّها لا يمكن أن تكون إلاّ حاملة لإرادة هيمنة أكثر شمولاً من كل ما مضى من التجارب الاستعمارية.

تولّد عن هذه النزعة الـتأثيمية للعولمة عدم السعي لفهم آلياتها في مَركَزَة العالم، وإعراض عن طرق التفاعل الإيجابي مع وسائل الإدماج العولمي. وفي سياق ذلك كلّه، برزت قضيّة الهويّة لتحتلّ مكانة الصدارة في عقدين من الزمن.

-3- من هذا المشهد الفكري-السياسي المعاصر، اصطبغ مفهوم الهويّة في الفضاء العربي خاصة بظلال التوجّس من الأزمنة الحديثة والتأزّم والقلق اللذين رسّخهما الاعتقاد بوجود مؤامرة تحاك باستمرار للإسلام والمسلمين. بذلك تلاشى تدريجياً كل النزوع البنائي الذي عرفته البلاد العربية بعد مرحلة الاستقلال السياسي وما بدأ تحقيقه من إنجازات وطنيّة أو قوميّة بدافع إثبات الذات عبر الآليّة الإيديولوجية القاضية بضرورة التغيير والتسريع في حركة التاريخ.

أمّا في الطور الحالي، فقد اكتسى مفهوم الهويّة قدراً كبيراً من الالتباس إذ هو من زاوية علم الاجتماع مفهوم حديث يكثر دورانه في عدة مجالات لكنّه يبقى مع ذلك أعسر من أن يعرّف بصورة دقيقة. ما يمكن أن يُقتصر عليه ابتداءً مع الإقرار بحداثة المفهوم وبنيته المركبة هو القول بأنّ الهويّة الحضارية لمجتمع أو بلد هي أشدّ تعقيداً من هويّة الأفراد. ذلك أنّه لو قلنا عن تلك الهويّة، إنّها الشخصيّة المميّزة لها وجملة السمات الجغرافيّة والتاريخيّة والمدنيّة التي تنفرد بها وكلّ نقاط الاستدلال التي تتيح التعرّف عليها، فإنّ ذلك لن يلغي طابع الالتباس المميّز لها. إذا اعتمدنا لتحديد الهويّة مقاربة اشتقاقيّة مستفيدة من التراث اللغوي والفكري، فإنّنا سنجد أنّها عبارة مولَّدة اشتقّها المترجمون القدامى من الـ "هو" لينقلوا بواسطتها، حسب أبي نصر الفارابي، فعل الكينونة المتداول في غير العربية للدلالة على ذات الموجود.

-4- لكنّ ورود العبارة في الاصطلاح الفلسفي العربي القديم لا يقلّل من غموض المفهوم، خاصة أنّه أصبح في الفترة المعاصرة مستعملاً في أكثر من سياق مما يزيد من التباسه. ترد ذات العبارة لتدلّ على معنى المطابقة والتماثل كأن نتحدّث عن الهويّة الثقافيّة أو الدينيّة أو الاجتماعيّة أو السياسيّة. هذا الاتّساع في الاستعمال يزيد من صعوبة تحديد معنى للهويّة في المستويين الفردي والجماعي، لأنّ كل تحديد سيكون أَعجزَ عن الإحاطة بحقيقة الذات التي يراد ضبط شخصيّتها وتعدّد المرجعيات التي تشكّل كيانها. صعوبة أخرى، تمثل أمامنا عند السعي لتحديد المفهوم، وهو أنّه يحيل بالضرورة على جملة خصائص تميّزه عن غيره. مما يدخل في الاعتبار قدراً كبيراً من النسبيّة يصعب معه التمكّن بصورة دقيقة من تعريف جامع مانع دون إحالة على "الآخر" المختلف عنه في الأوصاف والخواص.

غير أنّ الصعوبة الأكبر في تحديد الهويّة، تكمن في عنصر ثالث يتعلّق بطبيعتها وهل هي بنية ثابتة لا تتغيّر، وجوهر قار لا يتبدّل، أم أنّها جملة من الخصائص والسمات في حال صيرورة وتشكّل دائبين.

تتضافر هذه الصعوبات لتحمّل كل تعامل مع الهويّة قدراً كبيراً من الذاتيّة بما يفسح المجال عند مستعملي هذا المفهوم في دلالته المعاصرة إلى نسبة من الضبابيّة عالية كثيراً ما تفضي إلى رفض التطوّر. هذا ما جعل الطروحات الدينيّة والسياسيّة المعتمدة في إيديولوجيتها على الهويّة تصنّف في الغالب دعوات إلى الجمود الفكري والتصلب السياسي المفضيين إلى العنف. ذلك ما يُعرَف به أصحاب القراءة الثقافويّة (Culturaliste) وهي القراءة التي في دفاعها الموصول عن الهويّة ترمي إلى تجاوز كل الإيديولوجيات الوضعيّة المناظرة لها، مثل الليبراليّة والقوميّة والماركسيّة بادّعاء أنّها جُرّبت ولم تفض إلى نتائج إيجابيّة.

خطاب الهويّة لدى المنافحين عن المضمون الثقافي والحضاري للذات هو الذي يدعّي امتلاك البديل الفكري والعقدي الأنجع والأمثل. وهذا هو مصدر القلق والتوجّس من هذا الفهم للهويّة.

-5- مقابل هذا برزت مقولة "نهاية الإيديولوجيات" لتلخّص أهمّ الأحداث الدوليّة الأخيرة بعد انهيار النموذج الاشتراكي. تجسّدت هذه المقولة عبر تنظير كان من أبرز من قدّم له المفكر والاقتصادي الأمريكي "فرانسيس فوكوياما" (Francis Fukuyama) في ما عرف عنه بنظرية "نهاية التاريخ". خلاصة هذا التنظير، أنّ الدافع لحراك التاريخ البشري تمثّل طوال الأحقاب الماضية في الصراع بين الإيديولوجيات، وأنّ هذا الحراك بلغ الآن منتهاه بسقوط كل الأنظمة الدكتاتوريّة، وظهور الديمقراطيّة الليبراليّة التي توّجت كلّ مراحل الصراع القديم بنهاية الحرب الباردة. بهذه النهاية أصبحت الحروب متعذّرة، وأنّ ما سيجدّ من الأحداث لن تكون له تغييرات جوهريّة أو إضافات نوعيّة في حياة المجتمعات البشريّة. بهذا، فنهاية التاريخ تعني بلوغ الفكر الغربي درجة امتلاك القواعد الأساسيّة التي تُحكِم سير التاريخ الاجتماعي والسياسي والمعرفي بصورة لا تقبل أيّة مراجعة جذرية. ما سينشره "صموئيل هانتنغتون" (Samuel Huntington) في الفترة ذاتها عن صراع الثقافات ليس إلاّ تجذيراً لمقولة نهاية التاريخ بتحديد الفضاءات الحضارية التي ستكون مصدر مقاومة لهذه الصيرورة الحتمية للتاريخ البشري. كانت الحضارة الإسلامية، في رأي هانتنغتون، من أهمّ مراكز العداء لأطروحته لما لتلك الحضارة من منظومة قيم رافضة، في دعواه، قيمَ الحرية ومتصدّية للديمقراطيّة.

بانتشار هذه المفاهيم ثم بما تبعها من خيارات عسكريّة في أكثر من موطن في العالم الإسلامي، أصبح من الضروري في الغرب التأكيد على أنّ "الإسلام يمثل تهديداً للعالم". أكثر من ذلك، لقد ذهبت أوساط فكريّة وسياسيّة غربيّة إلى القول إنّ "عداء المسلمين للغرب ليس بسبب ما يتبنّاه من مواقف ويختاره من سياسات ويسعى إليه من مصالح، بل لأنّهم يرفضون قيم الحرية ويكرهون الديمقراطيّة الغربيّة التي توّجت مسيرة الإنسانيّة".

-6- أدّى انتشار هذه المفاهيم على صعيد واسع إلى تنامي الاعتقاد في وجود علاقة عدائيّة دائمة من قِبَل الغرب للعالم الإسلامي تجعل هذا الأخير مستهدفاً باستمرار لشتّى أنواع المؤامرات والاعتداءات للحيلولة دون تقدّم المسلمين ووحدتهم. مع هذا الاعتقاد ترسّخ القول بأنّ مقولة انهيار الإيديولوجيات ليست سوى " خديعة غربية" ترمي إلى العزوف عن كلّ بناء فكري أو إيديولوجي أو عقائدي مناهض لتوسع الليبراليّة الغربيّة وهيمنتها. من هنا تراجع في عالم المسلمين كلّ حِسٍّ تاريخي في فهم صيرورة الأحداث الإنسانيّة الكبرى بما أضعف التوجّهات التجديديّة وأتاح المجال للاتّجاهات اللاعقلانيّة والتصرّفات العدوانيّة المنكرة لتحوّل الذات والمعرضة عن فهم الآخر.

عن هذا كلّه، تولّدت صياغة جديدة للهويّة لدى فئات من العرب والمسلمين تحمّل الهويّة بُعداً واحداً هو البعد المختزِلُ للدين. يعتبر هذا المفهوم الجديد أنّ حلول كل المشاكل موجودة بصورة جاهزة في النصوص الدينيّة وأنّه لا حاجة للمسلمين في أن يتميّزوا في العالم المعاصر إلى غير تلك النصوص وفي قراءة حرفيّة. إلى جانب هذه الأحاديّة في تصور البنية الحضاريّة للهويّة هناك إهمال لقيمة الفرد المسلم وحاجياته الروحيّة والعقليّة ضمن مجتمعه، وذلك بإعطاء الجماعة والتنظيم الأولويّة المطلقة في ما تقوم عليه من بناء للمستقبل.

-7- من ناحية ثانية، فإنّ الفكر الذي ينبثق عن هذا المفهوم للهويّة يكون فكراً قاطعاً وحَدِّيا لا يتصوّر للمجتمع والإنسان علائق أخرى غير العلائق الدينيّة التنميطيّة، فلا يعترف بالمجال السياسي الاجتماعي وبضوابطهما الخاصة. إنّها الهويّة التي تختزل مجالات الاجتماع البشري وحركيّته في البعد الظاهري للدين فحسب. نتيجة لهذا تصبح الهويّة وحدة ناجزة وذاتا افتراضية لا علاقة لها بأيّ واقع تاريخي، ولا تتطلب أيّ تطوّر أو نموّ لأنّ عالميّة رسالتها تنحسر في حدود ذاتيّة مفترضة لا تعترف بالتعدّد أو بالمختلف. مثل هذا التوجه في فهم الهويّة، ينتهي إلى الاعتقاد بأنّ مشاكل المسلمين وعوامل ضعفهم موجودة في الواقع السيئ الذي يعيشونه وليست في ما يحمله المسلم من أفكار وتصوّرات عن ذاته وتاريخه وعن عالَم من حوله أصبح قائماً على ثقافة الاختلاف بصورة غير مسبوقة.

تلك هي هويّة الانطواء على الذات التي تصون من "دنس التعدّد والاختلاف" أي من الحركة والإبداع. في الاتّجاه المقابل ينطلق مفهوم الهويّة المبدعة من التصوّر القرآني للوجود بأنّه خلق يزداد ويرتقي بالتدرّج. مقتضى هذا التصوّر في المجال الحضاري هو أن يكون لكلّ جيل الحقُّ في أن يهتدي بما ورثه من آثار أسلافه من غير أن يعوقه ذلك التراث في تفكيره وحكمه وحلّ مشكلاته الخاصة. تلك هي الهويّة المبدعة نـَسَغٌ يتخلّق من الأصل ويندفع بالإيمان والوعي، ليجدد الحياة ويغني الإنسانية بتنوّع مشاربها واختلاف رؤاها.