التزامنا والتزامهم

فئة :  مقالات

التزامنا والتزامهم

بودّي أن أتمكن ذات يوم من إنجاز دراسة مقارنة تتناول جل الافتتاحيات التي استهلت بها مختلف المجلات العربية عددها الأول. ربما لن يخالفني أحد في الأهمية البالغة لهذا المبحث الذي سيفصح، ولا شك، عن الأدوار التي كان المثقفون العرب يضطلعون بها، أو على الأصح، ينيطون بها أنفسهم، كما سيكشف ما إذا كانت تلك الأدوار قد عرفت نوعا من التحوّل وفق ما اعترى الواقع العربي من إخفاقات ونكسات. كما لعل من شأن تلك الدراسات أيضا، أن تطلعنا على "أحلام" المثقفين ومطامحهم، هذا فضلا عن أنها ستظهر طبيعة العلاقة التي كانوا يرونها بين الكتابة والواقع الفعلي، بين الأدب والمجتمع، وبين الذات والآخر.

ربما قد نجد شيئا من الأجوبة عن كل هذه الأسئلة، لو أننا اقتصرنا على الوقوف عند افتتاحية العدد الأول من مجلة "الآداب" البيروتية، خصوصا إذا قارناها، لا بنظيراتها العربية هذه المرة، وإنما بما يمكن أن نعده "شقيقتها" الفرنسية، كما سنحاول أن نبيّن.

غير خاف أن اختيارنا لافتتاحية هذه المجلة ليس اختيارا اعتباطيا، من يعتقد ذلك يتغافل عن الدور الأساس الذي قامت به مجلة "الآداب"، ليس في تكوين جيل من الكتاب والشعراء العرب فحسب، وإنما في بلورة اتجاه فكري معيّن، بل ربما أمكن الذهاب حتى القول، في "صناعة" تصوّر معين للثقافة وللأدب، ولما ينبغي أن يُكتب، وما يلزم أن يُترجم، وما يجدر تناوله بالدراسة والنقد.

تعود بنا افتتاحية العدد الأول من هذه المجلة إلى مستهل سنة 1953. لا تخفى الأهمية البالغة لهذه السنة، بل لفترة ظهور المجلة ذاتها. وهذا الأمر لم يكن خفيا على أصحابها. نقرأ في مستهل الافتتاحية: "في هذا المنعطف الخطير من منعطفات التاريخ العربي الحديث، ينمو شعور أوساط الشباب العربي المثقف بالحاجة إلى مجلة أدبية تحمل رسالة واعيةً حقاً".

تبدأ الافتتاحية ببسط مفهومها عن الأدب، وهو في رأيها: "نشاط فكري يستهدف غاية عظيمة: هي غاية الأدب الفعّال الذي يتصادى ويتعاطى مع المجتمع، إذ يؤثر فيه بقدر ما يتأثر به"، فـ"لكي يكون الأدب صادقاً، ينبغي له ألا يكون بمعزل عن المجتمع الذي يعيش فيه".

تدرك هيأة تحرير المجلة أن هذا المفهوم عن الأدب يستجيب لـ"الوضع الحالي للبلاد العربية (الذي) يفرض على كل وطنيّ أن يجنّد جهوده للعمل، في ميدانه الخاص، من أجل تحرير البلاد ورفع مستواها السياسي والاجتماعي والفكري".

ترمي المجلة أساسا إلى "أن تكون ميداناً لفئة أهل القلم الواعين الذين يعيشون تجربة عصرهم، ويُعدّون شاهداً على هذا العصر:فيما هم يعكسون حاجات المجتمع العربي، ويعبّرون عن شواغله، يشقون الطريق أمام المصلحين، لمعالجة الأوضاع بجميع الوسائل المجدية".

من الأفكار الأساسية التي تنطوي عليها هذه المقدمة إذاً ربط الأدب بقضايا المجتمع، ووعي الدكتور سهيل، مُوَقّع الافتتاحية، بأن المجلة ليست منبرا يأتي إليه الكاتب "الجاهز"، وإنما هي مدرسة لتنشئة الكتّاب. وبالفعل، ستغدو "الآداب"، كما نعلم، مدرسة فيها وعن طريقها سترى النور كوكبة من الكتّاب الذين تربى جيلنا على أيديهم خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ليس الأدب الذي تنشده المجلة وتتوخى ذيوعه إذاً هو "الأدب للأدب"، قياسا على نظرية "الفن للفن"، وإنما هو أدب يرتبط أوثق ارتباط بالمجتمع. إنه، على حد تعبير الافتتاحية: "أدب "الالتزام" الذي ينبع من المجتمع العربيّ ويصبّ فيه".

لم يكن ذكر كلمة "التزام" هنا أمرا عرضيا، فربما لم تكتب المقدمة أساسا إلا للتعرض لهذا المفهوم. ما يهمّنا في الأمر أن الدكتور سهيل إدريس كان يحرر الافتتاحية وانتباهه منشد إلى مجلة رآها "في الحيّ اللاتيني"، واطلع على أعدادها، ولا شك أنه قرأ افتتاحية عددها الأول. وبالفعل، فكثير من الأفكار التي وردت في هذه الافتتاحية، يمكن أن نعثر على مثيلاتها في افتتاحية مجلة أخرى كانت قد ظهرت فيما سبق في باريس، أقل من عقد من السنين، هي مجلة "الأزمنة الحديثة"، وفيها كما نعلم يدعو سارتر إلى أدب "الالتزام".

نعلم أن الالتزامي لم يكن عند صاحبه نداء، ولا حتى نظرية، وإنما كان ممارسة، وككل ممارسة فهي تشرط بظروف البيئة المترعرعة فيها. والظاهر، أن البيئة التي سعت المجلة العربية أن تنقل إليها هذا المفهوم- الممارسة لم تكن مهيأة لأن يفعل فيها، أو على الأقل لم تكن مهيأة لأن يفعل فيها الفعل نفسه.

ذلك أن ما كان يميز السياق الذي ظهرت فيه "الأزمنة الحديثة" هو حضور المثقف، ليس كفرد يحمل هموم المجتمع، وإنما كقوة اجتماعية يحسب لها السياسي ألف حساب. وكلنا يذكر رد فعل الجنرال دوغول، عندما أُلقِي القبض على سارتر في إحدى المظاهرات، فقال محتجا: "لا يمكن أن نلقي القبض على فولتير".

أمر آخر، لعله أكثر أهمية، هو البعد المغاير الذي يعطيه صاحب افتتاحية "الآداب" لكل عمل ثقافي. هذا البعد هو البعد القومي؛ فبينما يتحدث سارتر عن الأدب والمجتمع، يربط الدكتور سهيل العمل الثقافي ببعد يتجاوز المجتمع إلى مفهوم "الأمة" و"القومية". نقرأ في الافتتاحية: "والمجلة، إذ تدعو إلى هذا الأدب الفعّال، تحمل رسالة قوميّةً مثلى. فتلك الفئة الواعية من الأدباء الذين يستوحون أدبهم من مجتمعهم يستطيعون على الأيام أن يخلقوا جيلاً واعياً من القراء يتحسسون بدورهم واقع مجتمعهم، ويكوّنون نواة الوطنيين الصالحين. وهكذا تشارك المجلة، بواسطة كتّابها وقرائها، في العمل القومي العظيم، الذي هو الواجب الأكبر على كلّ وطنيّ".

لا يعني ذلك مطلقا أن المجلة العربية تدعو إلى نوع من الانغلاق. وفي هذا الصدد لا بد أن ننوّه بالدّور الذي لعبته، لا المجلة وحدها، بل دار الآداب بمجملها، في الانفتاح على الآداب الأجنبية، دراسة وترجمة. وهذا أمر يتضح أن الافتتاحية على أتم الوعي به: "وكما ستحاول "الآداب" أن تعطي الأواسط الأدبية الأجنبية صورة صادقة عن نشاط العرب الفكري، فهي ستهتمّ اهتماماً شديداً بالآداب الأجنبية، فتعطي القارئ العربي صورة واضحة عن أحدث النتاج الغربيّ، عرضاً ودرساً ونقداً، وبذلك توفر لقارئها ثقافة عامة مديدة الآفاق، ثم أنها ستتيح للأدباء والمفكرين العرب أن يتفاعل نتاجهم بالنتاج الغربي، فيكتسب قوةً وعمقاً، فيما هو يحتفظ بطابعه وخصائصه الذاتية".

هذه الخصائص الذاتية تحيل، كما هو واضح، إلى الكاتب، ليس بما هو عنصر في مجتمع، وإنما عضو مدرك لبعده القومي وانتمائه إلى أمة لها قيمها وثوابتها. غير أن هذا لا يحول في نظر مُوقع الافتتاحية دون أن يغدو البعد القومي هو طريق العربي إلى العالمية: "على أنّ مفهوم هذا الأدب القوميّ سيكون من السعة والشمول، حتى ليتّصل اتصالاً مباشراً بالأدب الإنساني العام، ما دام يعمل على ردّ الاعتبار الإنساني لكل وطني، وعلى الدعوة إلى توفير العدالة الاجتماعية له، وتحريره من العبوديات الماديّة والفكرية، وهذه غاية الإنسانية البعيدة. وهكذا تُسهِم المجلة في خلق الأدب الإنساني الذي يتسع ويتناول القضية الحضارية كاملة، وهذا الأدب الإنساني هو المرحلة الأخيرة التي تنشدها الآداب العالمية في تطوّرها."

يتضح لنا من هذه المقارنة بين الافتتاحيتين إذن، الاختلاف الجذري بين السياقين، والمسافة التي تفصل مفهوم الالتزام في سياقه السارتري، وبينه في افتتاحية مجلة الآداب، وربما حتى في ممارسته الفعلية في الوطن العربي.