التقنو-علم

فئة :  مقالات

التقنو-علم

في محاضرة أصبحت نصّا كلاسيكيا في الموضوع، يعزو مارتين هايدغر سيادة الموقف الطبيعي من التقنية إلى كون مساءلته تتطلب مساءلة الميتافيزيقا وأزواجها؛ فما دمنا نُؤوّل التقنية انطلاقا من علاقة النظر بالعمل، والنظرية بالممارسة، وما دمنا ننطلق من الفصل الأوّلي بينهما، فلا يمكن للموقف التلقائي أن «يزعجنا»، ولا أن يوقظ تفكيرنا.

ولكن لماذا مساءلة الميتافيزيقا وأزواجها؟ بالضبط، كي نتبيّن أننا نكون «في» التقنية من غير أن نكون أمام آلات. ذلك أن التقنية لا تكمن في استعمال الآلات، وهي ليست آلة عظيمة تضم أجهزة وأساليب للتنظيم وأنماطا للعمل؛ فالآلية بمعناها الحديث ليست مجرد تطبيق للعلم. إنها حلول لممارسة جديدة. ليست ماهية الآلية تحويلا للأداة إلى آلة بقدر ما هي قائمة في الآلة ذاتها، تلك الآلة التي ليست آلة إلا بمقدار ما فيها من رياضيات. الآلة آلة باطنيا وانطلاقا من الجدّة النوعية للمعرفة المستخدمة، وليس خارجيا وكتطبيق للمعرفة. الآلة «تنطوي» على نظرية ولا تكتفي بتطبيقها.

إن المعرفة التي بفضلها اتخذت الممارسة شكلا آليا هي الرياضيات. إنها المعرفة التي أصبح فيها الوجود ذا طبيعة رياضية. يتعلق الأمر بمعرفة «تجعلنا سادة على الطبيعة وممتلكين لها». إرادة المعرفة هنا إرادة قوة. والعلم ذاته لم يصبح رياضيا إلا بالارتباط مع هذا الصراع وبغية السيطرة. ليست التقنية إذاً مجرد تطبيق للعلم، لأن للعلم ذاته صبغة تقنية. لهذا غدا الحديث اليوم عن أمر واحد موحَّد هو «التقنو-علم» الذي يجعل الانكشاف يتعلق بالطبيعة، ليس كانفتاح وفيزيس كما كان الأمر عند الإغريق، وإنما كأهم مستودع للطاقة. إنسان عصر «التقنو-علم» مدعوّ إلى هذا الكشف، وسلوكه هذا يتجلى في ظهور العلم الحديث. إن شكل التمثل الخاص بهذا العلم يطارد الطبيعة ويعتبرها بمثابة مركب من القوى قابل للحساب الرياضي. على هذا النحو، فليست الفيزياء الحديثة فيزياء تجريبية، لأنها تطبق على الطبيعة آلات من أجل فحصها. العكس هو الصحيح. فلأن الفيزياء، مسبقا وكنظرية خالصة، تجبر الطبيعة كي تظهر مركبا من القوى قابلا للحساب الرياضي، أمكن للتجريب أن يمحّصها. فكأن النظرية تطبيق وممارسة، وكأن العلم هو الذي يجسد التقنية لا العكس. هذا ما سمح لبعض الفلاسفة المعاصرين باستخدام عبارة: «الممارسة النظرية» .la pratique théorique «التقنو-علم» لا يُطبّق على طبيعة محايدة ما ارتآه. فهو، منذ البداية، يكون أمام موضوع من صنع التقنية. فضلا عن هذا، فإن المعرفة العلمية ذاتها يتم التعامل معها بنفس الأسلوب التقني الذي يتم به التعامل مع الكائن عموما من حيث يُنظر إليه كطاقة تختزن رصيدا من المعلومات تكون رهن الإشارة وتحت الإمرة.

عندما نستورد التقنية إذاً، فإننا لا نستورد آلات ونماذج للتنمية ومخططات للتنظيم، وإنما نستورد طرائق عمل وأسلوب تفكير ونمط وجود. أقول «نستورد»، والأصح أن نقول «نُكتَسَح من طرف». مادامت التقنية لا تترك لنا الخيار، وإنما تفرض نفسها علينا، لا كآلات لا مفر لنا من اقتنائها واستعمالها، وإنما كبنية للكائن. ذلك أنها ليست مجرد نظرية وتطبيق، وإنما هي نمط تجلّ للموجود. إنها الكيفية التي يختفي فيها الوجود ليظهر كمستودع. ينطبق هذا على كل أشكال الموجود بما فيها الوجود البشري الذي يشكل هو كذلك جزءا من هذا المستودع. وبما أن الواقع الفعلي يمثل هنا في وحدة الحسابات التي تنقلها التصاميم والمخططات، فإن الإنسان يحشر في هذه الوحدة والانسجام، ويمتد الموجود في غياب الاختلاف، ذلك الغياب الذي يستجيب لمبدأ الإنتاجية. ورغم أن هذا المبدأ يظهر أنه يِؤدي إلى نظام تراتبي، إلا أنه يقوم، أساسا، على غياب كل تراتب، من حيث إن مرمى الإنتاج ليس إلا الفراغ الموحّد لكل أنماط العيش والتفكير التي تفقد سماتها الخاصة تحت ضغط هوس التخطيط، والبرمجة، والتنظيم البيروقراطي.