هايدغر والعربية في مهبّ الترجمات


فئة :  مقالات

هايدغر والعربية في مهبّ الترجمات

هايدغر والعربية

في مهبّ الترجمات

في «الوجود» و«الكينونة»

إنّ جوهر الترجمة ليس إدراك مراد الآخر، فهذا أقل شروطها وأدنى عياراتها، وإنما هو إنطاق النفس بأقصى إمكاناتها فيها، وأخفى مواردها عنها؛ ذلك ما أخذنا به النفس هاهنا: إنطاق العربية بهايدغر [Heidegger]. ولكنّ ترجمات هايدغر تضعنا، بغير استثناء، أمام مشكل ترجمة الـ«زاين» [Sein]؛ فمفكِّر الوجود، إما أن تستقبله العربية في مفهومه الذي يكافئه، وإما أن يظل خطابه غير موجّه إليها أصلاً. هكذا ينبغي أن يُفهم تحيُّرُ العبارة عنه تحيُّراً بَلبل اللّسانَ والفكرَ معاً.

في أصل هذا التأمل الذي ولّدته، كغيرها من الترجمات، ترجمةُ (تأويليات الحدثية)، سؤال ظلّ يراودني منذ أن استقرّ بعض المتفلسفة من العرب المعاصرين على إعطاء «أيناي ei\nai» و«زاين Sein» و«آتر Être» و«تو بي/ بيينغ= to be/Being» تصاريف «كان» المختلفة، فقال بعضهم بالكون [موسى وهبة[2]، وإسماعيل المصدّق[3]]، وقال بعضهم الآخر بـ«الكينونة» [عبد العزيز العيادي[4]، وفتحي المسكيني[5]]. ولعلّه يمكنني أن أصوغ هذا السؤال على النحو الاستفزازي الآتي: ما هي التكلفة، التي يتعيّن علينا، بوصفنا متفلسفةً منخرطين ضمن تقليد فلسفي واصطلاحي عربي طويل، أن ندفعها للتخلّي عن «الوجود» والانخراط ضمن تقليد «الكون» و«الكينونة»؟ فهذا هايدغر يطرق بابنا، مع ما نعلم من تمنّع لسانه وأسلوبه و«لغته» على كلّ ترجمة، تحت عنوان «الكينونة والزّمان»، وهذا ج. ب. سارتر [J.- P. Sartre] يكاد يستقرّ عندنا مصنَّفه الأعظم تحت عنوان «الكينونة والعدم»[6]، وهذه مقالات الشارحين تتوالى –وإن بتردّد– على «الكينونة» هاهنا وها هناك، وكأنّ الأمر قد بات مقروراً. ولكن هذا السّؤال لا يستحي أن يبوح من الآن بضمنياته وهي خاصّة تظنُّنُه على هذا المذهب أنّه يعلّق الفلسفة على الملّة، ويحوّل كلّ تفكّر في الوجود إلى ضرب من تأسيس الدّين في حدود العقل الأمري، وإلى ضرب من «ما بعد الدين»، إن لم يكن ضرباً من الثيولوجيا. ولكنّ البرهنة على ذلك لا بد من أن تمرّ بأطول المداورات.

لا يتعلّق الأمر بمسألة ترجميّة عارضة، بل هي من الحسم بما يجعل كلّ سكوت عنها رمياً بالمسألة الفلسفيّة في التّقليد العربي إلى اللاّتعين. إنه قرار بالانزياح، وما قولي كذا، بل بالانثناء، عن كامل التّقليد الفلسفي العربي على نحو لم يُسبق إليه بمثل هذه العفوية. فنوشك أن نحمل القول الفلسفي الفارابي، والسينوي، والرّشدي، على ضرب من الصّمم عن موضوع الفلسفة. إنّ المختصم هاهنا هو «مختصم العمالقة»[7]، ذاك الذي كان استضاف له أفلاطون «البرّاني الإيلي»[8]، وأنطقه به سؤالاً أعياه البحث عن جوابه في «الأرض وفي السّماء»[9] : فقال، بُعيد الموضع الذي استشهده – على أقصى الحرج- هايدغر في ديباجة ز/س[10]: «ألا بهذا الأيناي/ εἶναι ماذا تريدوننا أن نفهم؟» [الترجمة الفرنسية لا تعبّر عن الإحساس بمعنى الاستقبال في فعل «uJpolambavnw». ولكن ترجمة تساؤل البرّاني الإيلي تستحق من غير شك أن تترجَم على هذا النحو: على أي نحو تريدوننا أن نتلقى/ أن نستقبل/ أن نتحمل، هذا الــ«εἶναι»][11]. فكأنما تسلّلنا إلى هذا «المختصَم»، رهاناً ومكاناً وآناً، وأخذناه «إخذة خَلْس» كما قال بديع الزّمان، واستبدلنا به مُختصَماً لم يختصمه أحدٌ من قبل، ثم طفقنا نستردُّ تاريخه وكأنما هو تاريخُ ما كان ينبغي أن يكون.

هكذا إذن: فإما أنّ تاريخَنا الفلسفيَّ كان ينبغي أن يكون تاريخ «الكينونة» لا تاريخ «الوجود»، وإمّا أن يكون تاريخنا الفلسفي تاريخ «عناد خطابي»، يستبعدُنا من «الانتظام في تاريخ الأنطولوجيا[12] وتاريخ مصطلحها العالمي»[13].

إنّ ما يلفت النّظر، حدّ اليأس، في هذا الحجاج الجهيد، هو تعويله على حجة «نقلية» نراها فقيرة إلى القوة الضّرورية. فالقادح لهذا الحدس هو نصّ لـريمي براغ [Rémi Brague] لا يمكن إلا بكثير من الإعراض والزّهد اعتباره نصّاً جدياً. يقول ريمي براغ:

«إن العربية كالعبرية لا تنطق عن الرابطة الحملية عند تصريفها في الحاضر. وأما الفعل الذي يؤدي وظيفتها إذا ما صرِّفت في الماضي والمستقبل [كان / يكون]، فليس له معنى اكزيستنسييلي [كياني]». لذلك لجأ المترجمون، الذين أرادوا إعطاء الأيناي [einai] الإغريقي، إلى الفعل «وَجَد» [trouver] الذي إذا ما بُني في صيغة المنفعل [au passif][14] أمكن أن يعني، كما في الفرنسية، «أن يوجد هنا، أن يوجدَ. ويوافقه الاسم الفعلي [nom verbal] (وهو، في النحو العربي، المصدرُ) وجودٌ، «حدثُ أنْ نجدَ [شيئاً ما]»، أو «حدثُ أن يكون [شيء ما] موجوداً». وثمة في عبرية مترجمي مدرسة ابن تيبون المكافئُ الدقيق: نمصه [nimsã’]. ويحتفظ الفارابي (المتوفى في 950) بذكرى هذا الاشتقاق: «فالموجود المستعمل عندهم على الإطلاق [au sens absolu] قد يعنون به أن يحصل الشيء معروف المكان، وأن يُتمكن منه في ما يراد منه، ويكون معرضا لما يلتمس منه». [كتاب الحروف، I، الفقرة 80، نشرة محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، 1969، ص 110، الأسطر 12-14]. وعندما ترجم معجم ابن سينا العربي إلى اللاتينية، تمكّن المترجمون من التعرّف إلى أصل اللفظة، وأدّوه بعبارة (esse, ens) أو (existentia). إنّ الفعل (être)، الذي ظلّت دلالة «exister» فيه محجوبة بوجه ما في الإغريقية، لم يُتمكن من نشر هذه الدلالة بوضوح تام إلا عقب مسارٍ كانت المرحلةُ العربية فيه مهمة. وعندما بحث هايدغر عن لفظة قادرة على تلخيص أطروحة الأنتولوجيا التقليدية حول الـ(être)، اختار (Vorhandenheit)، الموجود المتاح، أو الذي «تحت اليد» (انظر مثلاً: Grundprobleme der Phänomenologie [المشكلات الأساسية للفينومينولوجيا]، درس سداسي صيف 1927، الأعمال الكاملة، المجلد 24، ص 173]. من اللاّفت أن يكون المفهوم، الذي أجلاه على هذا النحو، قد تشكّل على نحوٍ مسبق في اللّغات السامية»[15].

إنّ اعتراضنا على هذه السّردية، التي نسجها ريمي براغ، مزدوج: اعتراض على براغ، واعتراض على ما فهمه منها المسكيني الذي بنى جزءاً من حجاجه عليها:

فمن الواضح أن كلام ريمي براغ يحاول أن يكون شرحاً [commentaire] على هامش الفصل الخامس عشر من الباب الأول من كتاب الحروف للفارابي في نشرة محسن مهدي المشار إليها، وذلك من الفقرة (80) إلى حدود الفقرة (86).

إلا أنّ في ما يُخبر عنه ريمي براغ عن العربية خلطاً فادحاً بين مستويات القول ومفاصل الإحالة التي يعتمدها. فهو ينطلق من غياب «النطق» في العربية عن الرابطة الحملية عند تصريفها في الحاضر، ولكنه يهمل أن اللّفظة المبحوث عنها هي عين اللفظة التي تستعمل أيضاً «في الدّلالة على الأشياء كلها، لا يخصون بها شيئاً دون شيء»[16]: وهو ما أصبحنا نعبّر عنه في الاصطلاح الفلسفي بالدّلالة الأنتولوجية.

إنّ اللّفظة المبحوث عنها، أعني الرابطة الحملية، لا تختصّ المعنى الوجودي [= الزماني]، ولا تتطلّبه إلا متى «أرادوا أن يجعلوه في زمان محصّل ماضٍ [accompli] أو مستقبل»[17]. وأمّا في هذا السّياق، أعني سياق ما ليس فقط غير مخصوص بزمن دون آخر، بل كذلك ما كانت دلالته على الأشياء كلها، فاللّفظة المعنية ليست الرابطة الحملية [copule] وإنما هي المتعلّقة بعموم الدّلالة الأنتولوجية [l’Être en général][18].

إنّ الكلمة الوجودية تنطق عن أزمنة ثلاثة لا عن زمنين فقط[19]، «وهي كان أو يكون أو سيكون أو الآن»[20] [باعتبار «يكون» و«الآن» دالين على الزّمان نفسه: الحاضر]، أو هي «وُجد، ويوجد، وسيوجَد»[21]. فالوجود جذر إذاً وهو يحتوي على الوجود في المعنى العام وعلى التصاريف الوجودية [«الكلم الوجودية» في اصطلاح أبي نصر] التي تدلّ على مختلف صيغ الحدوث.

وثمة، إلى جانب هذه الأزمنة الثّلاثة، أعني إلى جانب الماضي المحصّل، والمستقبل، وإلى جانب الآن [الحاضر]، إمكان رابع هو الإمكان الحاصل «من غير تصريح بزمان أصلاً»: وهذه هي اللفظة المبحوث عنها، وليس أداء المعنى الإِكْسِيسْتَنْسِييلِي [الكياني =existentiel] الذي نرى جيداً أنّ الفارابي يخصّص له جذر المادّة الكيانية المعبّرة عن معثوريّة الأشياء، ومُلقويّتها في آن ومكان، أو جذر المادة الوجودية من حيث ارتباطها بالأزمنة.

إنّ هذا «البعد الرابع»، الذي يصفه الفارابي بأنه الرّباط المنعتق عن كلّ علاقة بالزمان، هو عنصر الرباط الذي تتفرع عنه الوجوديات الثلاث الأخرى في معنى مخصوص من الوجود ليس هو مقابل «الكينونة»، التي هي المعنى الإِكْسِيسْتَنْسِييلِي للوجود، بل هو الحاضن لها مثلما هو الحاضن للوجود، أعني للأيناي[22].

فــ «الوجود» الذي يترجم «εἶναι» ليس مصدر فعل مبنيّ للمجهول إلا عند من لا يعرف: هو ليس مصدر وُجد. وإلاّ أمكن أن تصبح كل الأبنية إلى المجهول مصادر أنتولوجية خالصة[23]. إنّ «وُجد» ليس حاصلاً من تغييب فاعله. وإنما هو الامتلاء المطلق الذي لا مضمون له: فهل إذا قلبنا وجود الضالة، أو وجود «ما كنت فقدتُه» حصلنا على الوجود الأنتولوجي؟ وعندما يقول الفارابي في أول جملة من الفصل العاشر من (آراء أهل المدينة الفاضلة): «والأوّل هو الذي عنه وُجد»، فإن المعنيَّ في ذهنه [intentionné]، هذا الذي يذهب إليه عانياً، ليس أياًّ من الموجودات، ولا حتى جميعَها. إنه صيغة الظُّهور [Erscheinung] الذي يُمْكِن للأشياء أن تظهّر [erscheinen] فيه، دون أن تُلزمه أن يمتلئ بها ليكون الظّهور: ولولا المرجعية الأفلاطونية المحدثة، التي رتّبت الواحد فوق الوجود، لشمل الظهورُ الأولَ نفسه. ذلك هو الوجود الذي نطق عنه الفارابي في عبارة «الصّدور» التي لا شكّ أنها لم تنل بعدُ تغريضها الفينومينولوجي الحقيقي حتى يُرى فيها شيء غيرُ سلسلة الفيوضات التي تمسك إلى العالم وتشد إليه شداً. وإنما إلى هذا المعنى كنا نشير عندما تحدثنا منذ أكثر من ثلاثين سنة عن تردد ميتافيزيقي فارابي[24]. ليس الوجود إذاً صيغة فارغة تحصَّل من تغييب الفاعل ونسبة فعل العثور إلى مجهول.

وأما ألفاظ الكون والكيان و«الكينونة»، التي حملها الكثيرون على أنّها هي «εἶναι»، فإنما هي على العكس مما يظن براغ، «وجوديات الوجود»: وليس يبعد أن يكون أحد هذه الوجوديات هو ما كان سماه أرسطو في إغريقية لا تزال إلى اليوم محيِّرة: الوجود [الذي] كان/ الوجود على جهة كان: «to ti hn eivnai»: ترجمهُ الأوائل كل مُترجَم! قالوا مثلاً: الماهية (متّى)، وقالوا: المائية (اسحق)، وقالوا: ما الشيء (اسطاث)، وقالوا: ماهية الشيء (الدمشقي)[25]... واهتدى اسطاث إلى أنها «كينونة الشيء» مع تأرجح في إعطاء الـ «εἶναι» بين الأَنّية [بفتح الهمزة]، و«الكينونة»، والهوية، والأيسية... وعلى قدر تفهمنا لحرج إعطاء سياقات الـ «εἶναι» فإننا نرى في صيغتي «eivnai to» و«to ti hn eivnai» ثنائية الوجود و«الكينونة»، ثنائية الوجود والـمَكُونِ، من جهة ما أنّ «الكينونة» والمكون هما خروج الوجود إلى الكيان، ثنائيةً تحفظ على العربية انخراطها، لا انعزالها، ولا عدم انتظامها «في تاريخ الأنطولوجيا وتاريخ مصطلحها العالمي»[26]... بل إنّ حدسنا هو أن الخط الذي ربط «الوجود» بالـ «Existenz»، ليس خطاً فلسفياً قوياً كما يظن، وإنما هو من جهةٍ خط ٌّكلامي معقد، ليس هذا موضع الحديث عنه، قام خاصة على مباحث «شيئية المعدوم» في مدارس علم الكلام، وخاصة عند أبي هاشم الجبائي، ومن جهة ثانية خط فلسفي متأخر، تأبّط التمييز الأفلاطوني المحدث، المتحدر من القسم الثاني من محاورة برمانيدس لأفلاطون، بين الواحد والوجود، وخاصة نفي الوجود عن الواحد، ليجعل الوجود شأناً يهم الموجودات، ولا يهم هذا الأعلى/ الأول/ الذي «لا يوجد». نحن نجد، على العكس ممّا ذهب إليه الكثيرون، أنّ «الكينونة» هي هي خط الـ «Existenz»، أعني خط جهات التزمن والاختيار والحتم التي تكون، تحديداً، بالخروج [Ex] إلى تحقيق أمر الكون، والحلول [sistere] بمنازله المختلفة.

لذلك لم يستثنِ العرب أنفسهم من أيّ كونية، وليس شأن الكونية أن يكون ثمنها الانخراط في الاختلاف العبراني، فضلًا عن أن تكون تظنّناً على ترجمة أَشرعت حدوث الفلسفة، بأنّها تركتنا خارج إمكانها «الدّهري» (!). رُبّ دهرية تحاشى الـ «Falacifa» الإيفاء بها، فصاغوا كامل نظرية الخلق «الملية» من خلال «أَدْهَرِ» الأنساق الفلسفية الإغريقية: الأفلاطونية المحدثة. علينا التمييز إذاً بين الموجُود والـمُوجَد؛ لأنّ أعتى عبارات الدهرية الفلسفية العربية هي تلك الجملة البسيطة التي تُشرِع الباب السابع من المدينة الفاضلة: «والأول هو الذي عنه وُجد»[27].

وإنما الكونيةُ احتمالُ محنة النّفس في قول كل غيرية. ولذلك كان فلاسفة العرب لا أولَ المترجمين فحسب، بل كذلك أول القائمين على الترجمة، وأوّل قراء الترجمات، وكلُّ ذلك ضمن «منثنى تعقّلي» وضَع تفلسفَ العربية على سكة «عدم الاستثناء».

[1]- مجلة تأويليات العدد3

[2]- انظر ترجمته لمقدمة كتاب (Sein und Zeit) لهايدغر، ضمن مجلة فلسفة، بيروت، خريف 2003، حيث اختار ترجمة العنوان والمفهوم تحت لفظة الكون. انظر مناقشة هذه الترجمة ضمن: الفكر الفلسفي في لبنان، مجموعة من المؤلفين، تحرير باسل عون، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كانون الثاني/ يناير 2017، وتحديداً مقال جمال نعيم: «موسى وهبة، ميتافيزيقي في القرن الحادي والعشرين، ص411 – 434

[3]- انظر ترجمته لكتاب الأسئلة الأساسيىة للفلسفة: «مشكلات» مختارة من «المنطق» Grundfragen der Philosophie, Ausgewälte «Probleme» der «Logik» لهايدغر، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، 2018.

[4]- انظر ترجماته المختلفة، و، على سبيل المثال لا الحصر، ترجمته لكتاب موريس مرلوبونتي: (Le visible et l’invisible) [المرئي واللامرئي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008].

[5]- انظر ترجمته لكتاب هايدغر : Sein und Zeit [1927] تحت عنوان : الكينونة والزمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2012. ولكن انظر خاصة ضمن كشفه المفهومي في تذييل هذه الترجمة صفحاته اللافتة عن مقومي «الكينونة» وتصاريفها/ Sein، والوجود وتصاريفه/ Existenz، ص761–775، بالإضافة إلى ما كان قدّمه في تصدير الترجمة من الاعتبارات العميقة حول فعل الترجمة في علاقة بلغة هايدغر عموماً وبالكتاب الذي يترجمه تحديداً، خاصّة ص7–37

[6]- راجع ترجمة نقولا متيني لكتاب سارتر (L’être et le néant)، تحت عنوان : الكينونة والعدم، مراجعة عبد العزيز العيادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009. وهذه هي الترجمة العربية الثانية لهذا المصنف، بعد ترجمة عبد الرحمن بدوي تحت عنوان: الوجود والعدم، دار الآداب، بيروت، 19661

[7]- راجع أفلاطون، السّفسطائي، 252 أ: «γιγαντομαχία περὶ τῆς οὐσίας»: «مختصم العمالقة حول الوجود/ الماهية». وهذه، طببعية الحال، قضية أخرى: إذ ما الذي اختصمه اليونان؟ الوجود [εἶναι]؟ الماهية [οὐσία]؟ الوجود الموجود [τὸ ὂν]؟

[8]- هكذا نقترح إعطاء ترجمة كناية الـ xevno~ gevno~ ejx Ejleva هذه الشخصية التي تدير الحوار، والتي تراوحت ترجماتها بين «الغريب» و«الضيف»: فهو ليس غريباً ولا متغرّباً، وإنما هو الأتي من خارج أثينا والنازل على مجلس سقراط في ضرب من الضيافة المستحقة لكلّ من في وضعيته. لذلك هو «البرّاني أصيل إيليا = البرّاني الإيلي».

[9]- إشارة بذلك إلى مناقشة أطروحات «أصحاب الأرض» و«أصحاب الصور» في محاورة السّفسطائي المذكورة نفسها: راجع خاصة: 246 أ-ج وما يليها.

[10]- هايدغر، ز/س، GA. 2, Sein und Zeit, Vittorio Klostermann, Frankfurt am Main, 1977، ص1. ويمكن التعويل، بعد الترجمة العربية المتوافرة المشار إليها، على الترجمات التالية التي ننصح بها لمن تتعذر عليه المتابعة من خلال النص الألماني [وهي في الغالب تثبت الترقيم الأصلي للصفحات المأخوذ عن نشرة ماكس نيماير الأصلية]:

الترجمة الإنجليزية:

M. Heidegger : Being and Time, translated by John Macquarrie & Edward Robinson, Basil Blackwell, 1962.

الترجمات الفرنسية:

M. Heidegger: L’être et le temps, trad. française (incomplète) par R. Boehm et A. de Waelhens, Gallimard, Paris, 19641

M. Heidegger: Être et Temps, trad. nouvelle et intégrale Par E. Martineau, Authentica, 1985.

M. Heidegger: Être et Temps, trad. Française par Fr. Vezin (d’après les travaux de R. Boehm et A. de Waelhens (première partie) et J. Lauxerois et C. Roëls (deuxième partie), Gallimard, Paris, 19861.

الترجمات الإيطالية:

M. Heidegger: Essere et tempo, traduzione di P. Chiodi, Longanesi & C., Milano, 19764M. Heidegger: Essere e Tempo, a cura di F. Volpi sulla versione di P. Chiodi, Longanesi, Milano, 20083.

[11]- وحتى الترجمة الإنجليزية، فإنها تكتفي فتقول: «What are we to understand by this ‘being’? «[243e]. راجع الترجمة الكلاسيكية لمحاورة السفسطائي ضمن:

Plato, VII, Theaetetus – Sophist, transl. By H. N. Fowler, The Loeb Classical library, Harvard U. P. Cambridge, Massachusetts, London, 1921

إن الفعل «ωνυάβμαλοπὑ» لا يدل في الإغريقية القديمة على مجرّد الفهم، بل إنّ الفهم هو أحد المعاني الثانوية والأخيرة التي يذكرها معجم بايّي [Bailly] الكلاسيكي. وقبل ذلك يدلّ الفعل على الاضطلاع، والتحمّل، ولاسيما تحمّل العبْء والثقل، ثّم يدلّ على الاستقبال الذي يستضيف ما يستقبل، وعلى المعاضدة والمساندة، ثمّ يدل على التقبل، ثمّ على التصدي المستبِق لما يهجم علينا، ... إن كلّ هذه المعاني هي من مقدّرات سؤال البرّاني الإيلي لدى ما يُعضل عليه معنى هذه الكلمة البسيطة: εἶναι. وإنما ذكرنا كلّ ذلك إشارة إلى أنَّ تلقي عبارة الوجود جدير بكلّ عناية. أليست هي العبارة التي قال عنها أرسطو: «ولقد حقّ [عندنا] أنّ ما ظلّ [الفلاسفة] يجدّون في البحث عنه منذ القدم، و[ما يبحثون عنه] اليوم و[ما سيظلون يبحثون عنه] دائماً [وما سيظل] معضلاً [عليهم] ألا وهو السؤال: ما هو الوجود/الموجود، إنما هو [السؤال]: ما هو الجوهر؟ [الميتافيزيقا، الزّاي، I. 1028 ب 1-5]:

«καὶ δὴκαὶ τὸ πάλαι τε καὶ νῦν καὶ ἀεὶ ζητούμενον καὶἀεὶ ἀπορούμενον, τί τὸ ὄν, τοῦτό ἐστι τίς ἡ οὐσία».

[12]- شاع بين المتفلسفة العرب تعريب عبارة «Ontologie/ Ontology/ Ontologia» برسمها، ورسم تصاريفها المختلفة، بحرف الطاء أي «أنطولوجيا». والصواب في تعريب الحروف الأعجمية على ما أثبته مجمع اللغة العربية في القاهرة في قراراته للمرحلة الثانية، وعلى ما أقرته معاجم أخرى عديدة، هو رسمها بالتاء، إذ لا موجب من حيث النطق لأن تكون الطاء مقابلاً لحرف «T/ t» اللهم مجرّد اتباع ما جرى عليه القدماء دون قاعدة. وقد أثبت المقال المرجعي لعالم المعجمية الأستاذ إبراهيم بن مراد جملة من مراجع هذا التصحيح الذي يقره هو كذلك: انظر كتابه: دراسات في المعجم العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1987، وخاصة الفصل: «منهجية في تعريب الأصوات الأعجمية»، ص315 وما يليها.

[13]- راجع: فتحي المسكيني، التّفكير بعد هايدغر أو كيف الخروج من العصر التّأويلي للعقل؟، جداول، بيروت، 2011، ص36-37.

[14]- في المعنى المقولي للانفعال بالنظر إلى المعنى الذي يقصده ريمي براغ: être là, se trouver، وهو ما يعطي صرفياً المطاوع: انوجد، وليس وُجد: وهذا هو أصل المشكل في فهم ريمي براغ المجانب للصواب في رأينا. فإن البناء للمجهول الذي يعطي المعنى المكاني للوجود هو فقط معناه كعثور: وُجد – الوجود = être trouvé – le (fait de) « trouver». وهذا ما يجدّ أبو نصر في بيانه وما لم يتمثله للأسف ريمي براغ. انظر ما يلحق من التحليل.

[15]- ريمي براغ: Existence, arabe «wugud», et «Vorhandenheit»»، ضمن: Vocabulaire européen des Philosophies, Seuil – Le Robert, 2004، ص1382.

[16]- كتاب الحروف، I، الفقرة 82، نشرة محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، 1969.

[17]- كتاب الحروف، المعطيات السابقة نفسها.

[18]- حيث يمكننا أن نحوصل تصرف ترجمات «استين»/«أيناي» لدى الفارابي كما يأتي:

العبارات الفلسفية

المنقولة إلى العربية

حالات دلالاتها

ترجماتها

الـ استين [estin] الإغريقي/ الـ»هست» الفارسية / ...

رباط الحمل «بإطلاق» أي دون ارتباط بالأزمنة [الحروف، §82، ص111، السطر 7]

هو / الموجود/ [§83، ص112، السطر 9 وما بعده، والسّطر 20].

رباط الحمل «مرتبطاً في زمان محصل ماض أو مستقبل». [الحروف، §82، ص111، السطر 8]

الكلم الوجودية وهي:

كان أو يكون أو سيكون أو الآن. [الحروف، §82، ص111، السطر 9]

الأفعال الوجودية المصرفة في الأزمنة: وُجد، يوجَد، سيوجَد [الحروف، §83، السطر 7-8 من ص113]

العمومية الأنتولوجية [ومن المفروض أن يحددها الفارابي بلفظة «أون» [Òon]، ولكنه يكتفي بأن يشير إلى المعنى العام الكامن في عبارة «شيء».

الدّلالة [الأنتولوجية] للأشياء كلها

الموجود [لفقرة 83، السطر 3-4 من ص113]

الــ«أيناي» الإغريقي أو الـ «هستي» الفارسية

 

ما تدل عليه الصيغتان المصدريتان

الهوية [الفقرة 83، السطر 17]

الوجود [الفقرة 83، السطر 1 من ص113، وكذلك السطر 6-7]

 

[19]- انظر:

Rémi Brague: «Existence, arabe ‘wujud’ et ‘Vorhandenheit’, in Barbara Cassin: Vocabulaire européen des philosophies, Paris, Seuil, Le Robert, 2004, p. 1382.

[20]- كتاب الحروف، I، الفقرة 80، المعطيات السابقة نفسها.

[21]- كتاب الحروف، I، الفقرة 83، المعطيات السابقة نفسها.

[22]- كتاب الحروف، I، الفقرة 83، ص113.

[23]- إذ ما الذي يؤهّل فعلاً من الأفعال يَدلُّ على العثور والمصادفة في بادئ اللّغة إلى أن يدلّ أكثر من غيره عند بنائه للمجهول على معنى الأيناي؟ فكلُّ فعل من الأفعال متى ما بُنِيَ للمجهول، ولم يتحدّد مضمونه، أصبح موصولاً بسطح من اللاتعيّن [un plan d’indétermination]. ولكن سطح اللاتعين ليس سطح العمومية. ثمّة في جذر الوجود ضرب من العمومية التي تحتوي على الأشياء جميعاً، أعني تحتويها موضعياً، على جهة الموضع. ولعل تمحيض الوجود لأداء معنى الأيناي إنما يرجع إلى ضرب من الثمّية التي يسبق بها الوجود كلّ شيء: «أنه»، «هو»، «يوجد»: كل ذلك يعني فقط: ثمّة، أنّه ثمة. فلعلّ الحرص على استئناف الوجود في المعنى الإكسيستانسيالي ببذل الكينونة في مبتدئه قد ضيع في الأثناء ما نلقاه في عقبه من الثمية، أعني توبولوجية الوجود التي قد يكون الوجود في المأثور الرّوحي العربي قد أعطاها. ما الوجود إذاً؟ إنه أنّه ثمة.

[24]- راجع مقالنا: «التردد الميتافيزيقي بين الفصل السابع والفصل العاشر من كتاب المدينة الفاضلة»، ضمن: المدينة والخيال: دراسات فارابية، دار أمية، تونس، 1989، ص51-91.

[25]- لمزيد التوسع، راجع ما أثبته قاموس سهيل محسن أفنان: قاموس فلسفي فارسي عربي، دار المشرق، بيروت، 1969، وخاصة ص264 وما يليها، مداخل: ما هو – ما هو بالإنية – ماهيت – مائيت. واللافت أن المسكيني قد أحال على هذه المعاني نفسها.

[26]- ف. المسكيني، كشف مفهومي، ضمن هايدغر: الكينونة والزمان، مصدر مذكور، ص764.

[27]- راجع مقالنا: «التردد الميتافيزيقي بين الفصل السابع والفصل العاشر من كتاب المدينة الفاضلة»، ضمن: المدينة والخيال: دراسات فارابية، مرجع مذكور.