الثورات العربيّة وسؤال الدولة الدينيّة

فئة :  مقالات

الثورات العربيّة وسؤال الدولة الدينيّة

يبقى مفهوم الدولة من المفاهيم المحرجة بالنسبة إلى المفكّر العربّي، رغم زعم البعض أنّ المسألة حُسمت منذ عقود. فرأوا أنّ هذا المفهوم قد أخذ في المجتمعات العربيّة شكله النهائيّ الذي لا رجعة عنه، وأصبحت صورة الدولة ثابتة، إلى درجة يعسر معها التفكير في نموذج مغايّر. غير أنّ الثورات العربيّة عصفت بتلك التصوّرات وأعادت المفهوم إلى طاولة النقاش من جديد، حيث ظهر مفهوم الدولة الدينّيّة ليطفو من جديد. فما المقصود بالدولة الدينيّة؟ وما هي أسباب إعادة ظهورها مع الثورات العربيّة؟

1- الدولة الدينيّة:

كثر الحديث في بلدان الثورة العربيّة عن تطبيق الشريعة، والعودة إلى الخلافة، والإسلام هو الحل، كما كثرت الأحزاب ذات التوجّه الدينيّ (ظهرت العديد من الأحزاب الدينيّة (بلغ عددها في تونس قرابة 15 حزبا) وأخذت على عاتقها التحليل والتحريم كيفما شاءت وكيفما شاء لها الهوى. فمشكلة الأحزاب والمنظمات الّتي احتكرت الدين وبدأت تفسّره على هواها أنّها صارت تكفّر كلّ من خالفها وخالف توجّهاتها. في واقع بلدان الربيع العربي أصبحنا نسمع عن وجود كم هائل من (سلطات دينيّة تفرض على الناس مفاهيمها). وكلّ هذه التفاصيل بطابعها الدينيّ اتخذت منهجا واحدا هو الدعوة إلى إقامة الدولة الدينيّة. وحتّى نفهم المقصد من مقولة الدولة الدينيّة علينا العودة إلى النظرية التي يندرج ضمنها هذا المفهوم.

يعود مفهوم الدولة الدينيّة إلى النظريّة التيوقراطيّة، أو ما يعرف بنظرية الحق الإلهي التي تقوم في أصلها على أنّ أصل السلطة دينيّ ويقرها الدين. (عطيّة الله (أحمد)، 1968، القاموس السياسيّ، ط3)، وهي سليلة منابع ثلاثة هي:

ـ نظريّة الطبيعة الإلهيّة للحاكم، التي تقوم على مقولة أنّ الحاكم من طبيعة إلهيّة أو يدّعي الربوبيّة والإلوهية، ولنا أن نذكر فرعون مصر، والنمرود. (سباين (جورج)،1971، تطوّر الفكر السياسيّ، ترجمة راشد البراوي، ج3، ط1، القاهرة)

ـ نظريّة الحقّ الإلهيّ المباشر والتفويض الإلهيّ، التي لا ترى أنّ الحاكم هو إله، أو من طبيعة إلهيّة، وإنّما هو إنسان يستمّد سلطاته من العناية الإلهيّة، وحدها دون أن يتدخّل أحد من البشر في اختياره فهو يُختار من قبل الآلهة بطرق مباشرة (سباين(جورج)،1971، تطوّر الفكر السياسيّ، ترجمة راشد البراوي، ج3، ط1، القاهرة).

نظريّة الحق الإلهيّ غير المباشر، وتقوم على أساس أنّ السلطة مصدرها الإله، إلاّ أنّ الشعب هو الذّي يقوم باختيار الحاكم ولكن عن طريق إرشاده من قبل الآلهة كما يتصوّرون وتوجّهه نحو اختيار حاكم معيّن. (شتراير (جوزيف)، 1982، الأصول الوسطيّة للدولة الحديثة، ترجمة محمّد عيتاني، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت،)

ـ كما يذهب أصحاب هذه النظريّة إلى أنّه لا يحقّ للأفراد والمؤسّسات في الدولة أن تحاسب الملك حتّى ولو كان غير كفء نظرا إلى أنّه يشغل منصبا أعلى ممّا يشغله غيره من الناس وبتفويض إلهيّ، لذلك فإنّ الله هو الذي يحكم عليه وليس رعاياه. (سباين(جورج)،1971، تطوّر الفكر السياسيّ، ترجمة راشد البراوي، ج3، ط1، القاهرة).

ينحصر إذا مفهوم الدولة الدينيّة في حكم القائمين عليها بالتفويض الإلهي، حيث تكون الطاعة طاعة مطلقة وعمياء ورفضها أي الطاعة، هو خروج على أمر الإله. لهذا كان الحاكم فيها بمنزلة المشرع فهو من يملك ويقرر في كل شأن من شؤون الحياة. وقد وُجد هذا المفهوم أساسا في القرون الوسطى في أوروبا حيث حكم زعماء الكنيسة الناس باسم الإله، وتواصل إلى حدود الثورة الفرنسيّة وفلاسفة العقد الاجتماعي الّذين ثاروا عليه، وتم تحديد دور رجال الدين في مجال العلاقة بين العبد وربه بعيدا عن واقع الحياة والدولة والمجتمع. بمعنى أنّ هذا المفهوم تمّ تجاوزه مع الثورة الفرنسيّة، لكنّ الثورات العربيّة أعادته إلى الحياة. وهو ما سنسعى إلى توضيحه في تحليلنا هذا.

يقوم مفهوم الدولة الدينيّة في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة أساسا على فكرة " السعي إلى إقامة دولة إسلاميّة وفق النموذج الذي أقامه الرسول محمّد في المدينة في القرن السابع الميلادي واستمرّ في ظلّ الخلفاء الراشدين الأربعة." (زبيدة (سامي)، 1995، الإسلام الدولة والمجتمع، ترجمة عبد الإله النعيمي، دار المدى للثقافة والنشر، ط1، لبنان.)

وهي مطروحة اليوم في بلدان الربيع العربيّ وفق النموذج الإيرانيّ/ الوهابي، فتؤخذ من النموذج الإيرانيّ الشيعيّ سمة وجود مرجعيّة عليا، ومن النموذج الوهّابي السنيّ فكرة " تطبيق الحدود" في الإسلام. وفي هذا الإطار تتصدّر المشهد الحركات والأحزاب السياسيّة المنتمية إلى التيار الدينيّ مثل "حركة النهضة" و "التحرير" في تونس وحزب " الوسط " و" الحريّة والعدالة " و" جماعة الإخوان المسلمين" و " الحركات السلفيّة باختلاف توجّهاتها"... هذه الأحزاب التي أعادت الحديث من جديد عن مفهوم الدولة الإسلاميّة وضرورة قيامها، باعتبارها الحلّ والحقّ الّذي لا هروب منه إلاّ إليه. وفيما يلي رأي أحد مفكّري التيارات الدينيّة في وصف الدولة الإسلاميّة: " إنّ الناظر في حقيقة الدولة الإسلامية كما وردت في الأدلة الصحيحة يجدها طرازا معينا في ماهيتها وشكلها ووظيفتها وشروطها وفي كل أمر من أمورها كيف لا وهي من تشريع خالق البشر حيث نظم لهم تنظيما يرتقي بالبشرية إلى رقي الإسلام وعظمته، وإنّ أنماط وأشكال الدول القائمة اليوم هي في حقيقتها شكل واحد من أشكال الكفر وإن تعدّدت أشكالها ومسمياتها ووظيفتها. وأقول لكل من يحاول التوفيق بين مسميات الكفر ومفاهيم الحق إنّ الحق أحق أن يتبع وإنّ عقلية المهزوم قد ولّت من الأمة إلى غير رجعة، فها هي اليوم نفضت غبار الذل والتبعية لتقول للعالم أجمع كما قال سلفها الأول قول عمر بن الخطاب عندما قدم ليفتح القدس قال: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فان ابتغينا العزّة بغيره أذلنا الله). وكما قال ربعي بن عامر (إن الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قيل: وما موعود الله قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي)." (ياسين بن علي، 2013، الدولة المدنيّة والدينيّة والدولة الإسلاميّة، مجلّة الزيتونة التونسيّة). ولترتسم ملامح الدولة الإسلاميّة بوضوح أكبر واصل الحديث عن مسألة التشريع " أما موضوع التشريع فهو في الدولة الإسلامية ليس للبشر نهائيا بل هو لله تعالى وهذا أمر عقائدي حيث قال تعالى : "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه" وقال تعالى : (ألا له الخلق والأمر) بل إن الإسلام أنكر على الأمم السابقة كيف اتخذوا رهبانهم وأحبارهم أربابا من دون الله كما في قوله تعالى: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون " [التوبة:31] .. وعندما سمع عدي بن حاتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ هذه الآية قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " بلى إنّهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم". ومن هنا كانت الديمقراطية مناقضة كل المناقضة للإسلام عقيدة وأحكاما. والدولة الإسلامية دستورها وقوانينها أحكام شرعية، فهي ليست قوانين وضعية يتواضع عليها البشر ويرضونها لأنفسهم، بل هي أحكام الله يفهمها البشر ليطبّقوها على أنفسهم لأنها من الله لا لأنهم قبلوا بها كما هو الشأن في الدولة المدنية. قال تعالى: "وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك" (ياسين بن علي، 2013، الدولة المدنيّة والدينيّة والدولة الإسلاميّة، مجلّة الزيتونة التونسيّة). ويذهب ياسين بن علي إلى الحديث عن الحلم الّذي يراود أصحاب هذا التوجّه الدينيّ، فيقول: " إنّنا نعتقد اعتقادا جازما لا يتطرق إليه شك أن دولة الإسلام قادمة ستشرق من جديد، بإذن الله-عز وجل-. وأن هذه الأمة لن تختار إلا عقيدتها وما انبثق عنها إيمانا منها بصحة مبدئها وعدالة أحكامها وإحسان تطبيقها ممن بايعته الأمة على كتاب ربها وسنة نبيّها صلى الله عليه وسلم." (ياسين بن علي، 2013، الدولة المدنيّة والدينيّة والدولة الإسلاميّة، مجلّة الزيتونة التونسيّة).

إذا ما أجلنا النظر في الواقع التونسيّ والمصرّي والليبيّ، سوف نلاحظ ظهورا واضحا لملامح الدولة الدينيّة التي بدأت تتشكّل إعلاميّا واجتماعيّا وثقافيّا وسياسيّا. فأصبحنا نرى في الشوارع والمناطق العموميّة انتشار ظاهرة اللباس الشرعيّ، وتزايد عدد الشباب الملتحي، والدعوات إلى الجهاد من أجل إقامة دولة الإسلام. وعدنا من جديد إلى الأيّام الخوالي للبحث عن مقولة المجد الضائع، ووحدة المسلمين، والتكفير، والدعوة، و.... هذيان اللحظات الخانقة.

2- لماذا ظهرت مقولة الدولة الدينيّة من جديد؟

تبدو الإجابة على مثل هذا السؤال شبيهة بمغامرة محاصرة مادة الزئبق، باعتبار تعدّد الاحتمالات، وعدم وضوح الرؤية في مثل هذا المجال. فهل هو السؤال القديم تجدّد؟ هل هي مجرّد مسرحيّة تدير تفاصيلها قوى خارجيّة، قابعة وراء الستار؟ هل هو إعلان عن فشل التجارب المغايرة؟ هل هي طبيعة مجتمعات الربيع العربيّ؟

إنّ هذه الأسئلة على اختلاف مشاربها، قد تحوي مجتمعة الإجابة على الإشكال المطروح. وحتّى لا ننزلق في دغمائيّة الموقف والحصر اللاعقلاني، علينا طرح المسألة بطريقة فكريّة بسيطة، فمن المؤكّد أنّ الظواهر الثقافيّة والاجتماعيّة على اختلافها لا تكون وليدة صدفة، أو مجرّد إفراز، وإنّما تخضع في تكوّنها إلى تراكمات وعلل تنمو عبر الخطّ التاريخيّ. لذا وجب أن نبحث في الأسباب التاريخيّة دون الذهاب إلى الأعراض الأخرى ومحاولة تحميلها مسؤوليّة عودة مفهوم الدولة الدينيّة، وخير ما نستهلّ به تحليلنا في هذا السياق ما ورد في كتاب الدين والدهماء والدم، العرب واستعصاء الحداثة " كان من نتائج هذا الإخفاق المروّع لمشاريع التحديث التي قادتها الدولة الوطنيّة أنّ السلفيات الدينيّة سجّلت جرّاء هزيمة النهضة العربيّة أوّل انتصاراتها، فقد عاش العرب فترة الحداثة الكونيّة في سياق استهلاكيّ لا في سياق إبداعيّ." (أبو فخر (صقر)، 2007، الدين والدهماء والدم، العرب واستعصاء الحداثة، ط 2، المؤسّسة العربيّة للتوزيع والنشر، بيروت).

وحتّى لا تتشابك الأمور أمامنا، سنحاول الإشارة إلى بعض العوامل التي رأينا أنّها فاعلة في مستوى عودة مفهوم الدولة الدينيّة إلى مستوى الطرح السياسيّ والفكريّ والحضاريّ، وهي عوامل مختلفة ومتشابكة، وهي:

- الأنظمة العلمانيّة الفاشلة: دون البحث في ميادين بعيدة عن المتناول العقلي، وقبل الدعوة إلى ضرورة الحفر في طبيعة التفكير النسقيّ للجماعات الإسلاميّة، علينا أن نرجع مسألة ظهور الدولة الدينيّة على طاولة النقاش من جديد إلى طبيعة الأنظمة العلمانيّة -الّتي سادت قبل الثورات-ومنهجها الاستبداديّ في فرض علمانيتها، فهذه الأنظمة كانت تدير شؤون الناس وخاصّة الجماعات الإسلاميّة بطريقة فاشلة، أساسها القمع. فمثلا لم يكتف النظام التونسيّ بفرض مفاهيم وقيم العلمانيّة على الشعب بالقوّة، بل كان في المقابل يحظر عليهم المظاهر الدينيّة، وقد تجسّد ذلك في طبيعة أنظمة التعليم، وغياب الحوار العقلاني، وسيطرة وسائل الإعلام الموّجهة، والقمع البوليسيّ، وتراجع دور الطبقة المثقّفة جرّاء تدجين الأنظمة الحاكمة لها، وارتفاع نسب الفقر والحرمان في هذه المجتمعات. فصار الفساد قرينا في أذهان العامة بالنُظم العلمانيّة.

- العامل النفسيّ: ومن العوامل المساهمة أيضا في إعادة ظهور مفهوم الدولة الدينيّة، العامل النفسيّ. فالمجتمع بات يبحث عن سيادة ذكوريّة بدأ يفقدها بالتدريج، وقد رأى في الدولة الدينيّة العامل الأقدر على استعادة هذه الهيمنة المفقودة وتعزيز أركانها. ويمكن أن نلمس ذلك في الدعوات العلنيّة التي نسمعها ونراها في كلّ مكان، والمتعلّقة أساسا بمقولة الحجاب واللباس الشرعيّ ... وساهمت الفضائيات الدينيّة في تيسير الأمور على الجماعات الدينيّة.

- الواقع العالمي: يمكن اعتبار الصراع الذي تخوضه القوى العالميّة ضدّ ما يعرف بالإرهاب، وتحديدا تنظيم القاعدة، من العوامل غير المباشرة في دعم حضور مفهوم الدولة الدينيّة. فهذه الحرب كما يسّوق لها أصحاب الاتجاه الدينيّ حرب على الإسلام. لذا وجب أن تقوم الدعوة إلى الجهاد ودحر العدوّ. ولا نصرة للمسمين إلاّ في توحدّهم داخل دولة واحدة تزول معها الحدود الجغرافيّة المعروفة اليوم.

إضافة إلى ذلك يعيش العالم بأسره حالة من الاستقطاب الحاد بين الأديان المختلفة، وفي المنطقة العربيّة أخذ صورة الاستقطاب الطائفيّ (سنّة / شيعة)، والاستقطاب بين القوى الدينيّة والمدنيّة بمختلف تسمياتها. وكان النجاح من نصيب القوى الدينيّة.

نخلص من خلال هذه المحاولة البسيطة، التي خصّصناها لتناول موضوع من المواضيع التي يمكن دراستها في مجال علاقة الدين بالسياسة، أو الدين بالدولة، إلى أنّ مفهوم الدولة الدينيّة صار واقعا ثقافيّا نعيش تفاصيله في كلّ جزئيات حياتنا. وقد كان طرحنا لمسألة الثورات العربيّة وسؤال الدولة الدينيّة، محاولة للإشارة إلى واقع أفاقت عليه شعوب الثورات العربيّة، وأصبحت تتعامل معه وفق معيارين، هما الرفض والقبول، فالقوى التقدّمية والعلمانيّة ترفض هذا المولود وتعتبره مشوّها ترفضه المرحلة التاريخيّة، أمّا القوى الدينيّة فتعتبره من باب الصحوة والعودة إلى الينابيع المقدّسة الأولى. أمّا نحن فنطالب أصحاب الفكر بضرورة دراسة هذا الواقع دراسة علميّة قصد البحث عن حلول تكون منطقيّة تخرج مجتمعاتنا من مزالق الفتن والعداوة.