الجامعات الأجنبية في الوطن العربي: هل هي سفينة النجاة للبحث الجامعي؟

فئة :  مقالات

الجامعات الأجنبية في الوطن العربي: هل هي سفينة النجاة للبحث الجامعي؟

الجامعات الأجنبية في الوطن العربي هل هي سفينة النجاة للبحث الجامعي؟


ما من شكّ في أنّ أزمة عدد من الجامعات العربية تتعمق يوماً بعد آخر، على الرغم من ضخ ميزانيات ضخمة للتعليم والبحث الجامعي في عدة دول عربية غنية، وهو ما يتجلى من خلال غياب الجامعات العربية في تصنيف أفضل الجامعات العالمية.

وفي ظلّ هذه الأزمة، طفت على السطح منذ سنوات قليلة ظاهرة كانت مقصورة على عدد محدود جدًّاً من الدول العربية كمصر ولبنان، لكنّها تفشت إلى غيرها من الدول حتى تلك الأكثر محافظةً ألا وهي ظاهرة الجامعات الأجنبية. لذلك، فإنّ الفرضية التي ننطلق منها تتمثل في أنّ انتشار هذه الجامعات جاء لرتق فتق كبير في سياسات التعليم والبحث الجامعي، لكن هل الغايات الأكاديمية هي الدافع وراء انتشار هذه الجامعات؟ ما مدى الترحيب بوجودها؟ ماهي الأدوار التي تؤديها؟ وما هي حدود عملها؟

قبل الإجابة على بعض هذه الأسئلة، نذكّر بالجانب التاريخي من المسألة وهو ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما يتعلق بالنصف الأول من القرن العشرين الذي شهد نشأة الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1919، في حين يدور القسم الآخر على النصف الثاني من القرن العشرين تحديدًا بداية من عقد التسعينيات الذي شهد تأسيس الجامعة الأمريكية في دبي سنة 1995 وتلا ذلك بعث كثير من فروع الجامعة الأمريكية وغيرها من الجامعات الفرنسية والألمانية والبريطانية.

سندرس في مرحلة موالية، العوامل الفاعلة في إنشاء جامعات أجنبية وسنقسمها بدورها إلى صنفين: عوامل داخلية وأخرى خارجية فعلى الصعيد الأول سنتطرق إلى حالة الجمود في وضعية التعليم الجامعي الوطني وعدم القدرة على الخروج من وضعية التخلف والتبعية وكذلك رغبة أعداد متزايدة من الطلبة في الدراسة في جامعات أجنبية متطورة على الطراز الغربي دون اضطرار إلى السفر إلى خارج بلدانهم، وقد احتد هذا الطلب بعد 11 سبتمبر وتضييق الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية مجال الإقامة والدراسة فيها على الطلبة العرب.

ولا ننسى أنّ الحكومات العربية ظلّت لمدة خمسين سنة على الأقل المصدر الوحيد لتمويل الجامعات الوطنية، ممّا شكل عبئاً ثقيلاً عليها سواء من حيث التسيير أو من حيث النفقات لذلك حان الوقت في نظر كثير من الباحثين والسياسيين لفتح الباب للجامعات الخاصة ومنها الجامعات الأجنبية.

ومن العوامل الخارجية الباعثة على نشأة الجامعات الأجنبية بريقها وقوة جذبها بفعل عناصر القوة التي تتمتع بها وفي مقدمتها نجاعة مناهجها وتكوينها ومساهمتها الفعالة في نهضة بلدانها.

ولا يغيب عن الأذهان أنّ هذه الظاهرة تقترن برغبات مسكوت عنها لدى الغربيين في نشر نمط عيشهم ومعتقداتهم ولغتهم وإبراز النموذج الغربي المتطور والعصري، فضلا عن سعيهم إلى مقاومة ظاهرة الهجرة إلى بلدانهم، فنقل مدرجات الجامعات الغربية إلى البلدان العربية يشكّل أهم سور يقاوم هجوم المهاجرين لأنّه يقضي على واحد من أهمّ مبرّرات الهجرة ويسمح بفتح باب الهجرة بشكل انتقائي لاستقطاب المتفوقين دون غيرهم.

ومن الإشكاليات التي يجدر التوقف عندها الخلاف الشديد في تقييم دور الجامعات الأجنبية بين خصومها ومناصريها، فيوجد فريق من الباحثين يرى فيها غزوًا حضاريًّا وثقافيًّا غربيًّا يهدّد خاصة الهوية العربية الإسلامية ويعتبر انتشارها متزامنًا مع حملة لأمركة منطقة الشرق الأوسط خاصة وصهرها في منظومة القيم الأمريكية، وهو ما يخدم مآرب التيار اليميني المحافظ الذي تصاعد نفوذه في الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ من أهم حجج خصوم هذه الجامعات أنّها تؤدي إلى تخريج نخبة سياسية وثقافية مرتبطة بالغرب ومؤمنة بقيمه ممّا يجعلها منقطعة عن جذورها وأصالتها. وليس أدل على ذلك في رأيهم من تراجع منزلة اللغة العربية في برامج هذه الجامعات في مقابل التدريس باللغة الإنجليزية وغيرها.

وممّا يقوي به هذا الفريق رأيه، استقلالية الجامعات الأجنبية في طرق تسييرها ومناهج تدريسها، واكتفاء الدول العربية برقابة شكلية عليها.

وفي مقابل هذا الاتجاه المحافظ الذي يستند إلى تصور عتيق للآخر، مثلما صاغته المدونة الفقهية، وهو تصور متوتر يقسم العالم إلى دارين، دار كفر وحرب في مقابل دار إسلام وسلام، يتنامى اتجاه مرحّب بالجامعات الأجنبية باعتبارها يمكن أن تسهم في حلّ مشاكل كمية أو نوعية تعاني منها الجامعات الوطنية في البلدان العربية، فضلا عن دورها في تقليص الميزانيات المرصودة لإرسال الطلبة إلى خارج دولهم، وإمكانية تشريكها في حل مشاكل الواقع والإسهام في دفع عجلة التنمية.

ومهما تكن مساوئ الجامعات الأجنبية، فإنّه يمكن السيطرة عليها حسب مناصريها من خلال فرض القواعد والتشريعات التي تحدّ من آثارها الضارة.

ومما يحسن الخوض فيه أثناء البحث في ظاهرة الجامعات الأجنبية في الوطن العربي طبيعة العلاقة بين الحكومات العربية والجامعات الأجنبية، فهذه الحكومات لها بمقتضى القانون سلطة الإشراف على هذه الجامعات. لذلك، نجد وزارات التعليم العالي تحدد من جملة مهامها الإشراف على تنفيذ خطط التعليم الوطني والأجنبي وبرامجه في ضوء نتائج عمل اللجان المختصة.

ومع هذا، فإنّ هذا الإشراف ضعيف في أغلب الأحيان لعدّة أسباب لا يتسع المجال لتفصيلها.

وفي هذا السياق، من الضروري إثارة مسألة الشروط المفروضة لبعث الجامعات الأجنبية فهل هي مماثلة للشروط الموجودة في الدول الآسيوية مثلا؟ فتايلاند على سبيل الذكر لا الحصر لا تسمح بقيام مؤسسات أجنبية أكاديمية إلاّ بشرط ألاّ تزيد مشاركة رأس المال الأجنبي على 49%. أما تركيا، فهي لا تسمح بقيام جامعات أجنبية إلاّ إن كانت للأجانب فحسب.

لكن أليست لهذه الجامعات شروطها أيضاً من أجل الاستقرار بالدول العربية والعمل بها؟ وهل تتدخل حكومات تلك الجامعات في إملاء شروط ما؟

من المهم أيضا في هذا السياق مقاربة إشكالية محورية هي تمويل هذه الجامعات، فالواضح أنّ ميزانياتها كبيرة بفعل مداخيلها من معاليم تسجيل الطلبة ودعم الدول والمؤسسات الغربية لها، وهي ميزانيات تتجاوز بكثير في أغلب الأحيان نظيرتها في الجامعات الوطنية. وليس هذا بغريب فالتقرير الصادر عن اليونسكو أكّد أنّ مستوى الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي ضعيف جدّا لا يتعدى 0,23% من الموازنة العامة.

إنّ الحديث عن تمويل الجامعات الأجنبية لا ينفصل عن الحديث عن الجامعات الخاصة عمومًا؛ فهي مشاريع تجارية استثمارية بشكل جوهري. لذلك، نجد أحياناً مستثمرين عربًا خلفها، وأحيانًا أخرى نجد مستثمرين أجانب على غرار مساعدة جامعة أريزونا واليونسكو ومؤسسة ستيفنس للتكنولوجيا في تأسيس جامعة دار الفيصل بفضل استثمار مالي من شركة الطيران بوينغ وشركة الدفاع الفرنسية Thales.

ومن جهة أخرى ذات مساس بعلاقة الحكومات العربية بالجامعات الأجنبية يجدر بالباحث التصدي لقضية الحريات الأكاديمية في الجامعات الأجنبية؛ ففي قانون الجامعة الأمريكية في القاهرة مثلاً نجد التنصيص على حرية الخطابة وحرية الفكر وحرية التعبير وحرية التجمع. أمّا حدود هذه الحريات، فهي التي تمليها القوانين المعمول بها؛ فهل تمثل هذه الحريات نموذجًا إيجابيًّا تقتدي به الجامعات الوطنية أم إنّها تمثل خطرًا سياسيًّا واجتماعيًّا يهدد الانسجام الاجتماعي والأنظمة الاستبدادية؟

وهذه القضايا تحتاج في بلورتها وتوضيح كثير من أبعادها وتشعباتها إلى توخي مقاربة منهجية متعددة الاختصاصات تنهل من المنهج التاريخي لبسط الخلفية التاريخية لنشأتها وتطورها وتفاعلها مع سياقها التاريخي بكل مستوياته، وهذا المنهج يتجاوز المقاربة الابستمولوجية إلى مقاربة تفاعلية مع الواقع.

ولا ريب في أنّ تطعيم هذا المنهج بأدوات منهجية أخرى من قبيل المنهج المقارني من شأنه أن يغنيه، لذلك يفترض إنجاز مقارنات داخلية وخارجية، إن سمحت المعطيات بذلك. والمقصود بالمقارنة الداخلية مقارنة الجامعات الأجنبية فيما بينها، لأنّ تجارب كل جامعة مختلفة عن تجارب الجامعات الأخرى، ذلك أنّ تقاليدها الأكاديمية المرجعية متباينة ومتنوعة، فلا شكّ في أنّ مناهج تدريس الجامعات الأمريكية مختلفة عن غيرها من الجامعات الألمانية والفرنسية على سبيل المثال. وينبغي أيضا، أن نقارن بين الجامعات الأجنبية والجامعات الوطنية في العالم العربي، فبالمقارنة تتجلى حسنات كل صنف من هذه المؤسسات الأكاديمية والبحثية ومساوئه أيضاً. وبناءً على هذا، نروم تبين بعض نقاط الاتفاق والاختلاف بين منظومتين جامعيتين في بلد واحد إحداهما أجنبية والأخرى وطنية.

وستكون هذه المقاربة المقارنية أكثر جدوى، إن نحن عمدنا إلى مقارنة أداء الجامعات الأجنبية بأداء الجامعات الغربية في مواطنها الأصلية لنختبر مدى تأثير السياق الجغراسياسي في المهمات الأكاديمية للجامعات الأجنبية.


قائمة أولية بالمصادر والمراجع:

-          بوحنية قوي، الجامعات العربية وسوق العولمة الدولية، http://www.startimes.com/f.aspx?t=29225641

-          رشيد خشانة، تنافس الجامعات الفرنسية والانكلوس اكسونية في المغرب العربي، 2 سبتمبر 2007، موقع www.swiss.info.ch

-          محمد عبد الله النازم، التعليم العالي-الجات والجامعات الأجنبية، جريدة الرياض 12-10-2001

-          لويس حبيقة، أهمية العلوم والبحوث للتنمية، www.al-moharer.net/moh243/hobeika243.htm

-        Philip G. Altbach and Jane knight, the internationalisation of higher Education; motivations and realities, Journal of Studies in international Education, 2007, 11: 290