الخطابة في الربيع العربيّ: أيّ دور وأيّة رهانات؟

فئة :  أبحاث محكمة

الخطابة في الربيع العربيّ: أيّ دور وأيّة رهانات؟

الثورة وحرّية التعبير

لا أحد ينكر أنّ الربيع العربيّ سيفتح الباب واسعا أمام تغيّرات آتية لا محالة، بدأت طلائعها تظهر رغم صلابة المنظومات القديمة والمقاومة الشرسة التي يقودها "ضحايا" ذلك الربيع والمستفيدون من أنظمة الاستبداد ضدّ التحوّل؛ حتّى يخمدوا أنفاسه ويعطّلوا حركته أو يجعلوا نسقها بطيئا لا يلبّي انتظارات الجماهير من الثورة، ولا يرتقي إلى سقف تطلّعاتهم المتمثّلة في اجتثاث النظام القديم، وبناء دول ديمقراطيّة يشعر فيها الإنسان العربيّ حقّا وصدقا أنّه مواطن بأتمّ معنى الكلمة.

نعم، نحن أمام تحوّلات آتية وجارية لا يمكن إنكارها، وإن تعالت بين الحين والحين أصوات بعضها يشكّك في وقوع ثورات عربيّة، وبعضها الآخر ينفي حصول مكاسب ملموسة جنتها الجماهير من الثورة، وعدد غير قليل يعلن وفاة الثورة، وهي في مهدها، وأصوات أخرى تلعن همسا وجهرا الثورة ومن كان سببا في اندلاعها. ومهما اختلفت وجهات النظر في هذه المسألة، فلا أحد يستطيع أن يجحد أنّ حرّيّة التعبير نعمة من نعم الثورة تمتّعت بها النخب والجماهير بمختلف شرائحها من اللّحظة الأولى التي اندلعت فيها الثورة، ولم يُحرم من طعمها أحد، حتّى أولئك الذين يناصبون الثورة العداء ويسعون إلى إجهاضها.

نعم، قد يشكّك المشكّكون في ما جنته الجماهير العربيّة من الثورة، حين يدور الحديث عن الشغل والكرامة والتنمية. وقد لا تملأ التغيّرات التي بدأت تحصل بعض الأعين التي انفتحت أحداقها كثيرا وتطلّعت همم أصحابها إلى البعيد واتّسعت رؤاهم، فلم تعد تلك الأعين تنظر إلى المشهد الجديد بعين الرضا. ولكن من ينكر أنّ حرّية التعبير واقع لا ريب فيه وثمرة من ثمار الثورة أطلقت ألسنة كانت معقودة ؟ وفتحت المجال فسيحا أمام المنتظمين داخل أحزاب والمتحدّثين بأسمائهم والناطقين بأصواتهم كي يعرضوا أفكارهم ورؤاهم على الملأ من غير تحفّظ، ويخاطبوا الجماهير العريضة في وسائل الإعلام بدون خشية، ويلقوا في الساحات العامّة وعلى مسامع الجماهير كلاما لم يكن المرء قبل الثورة يجرؤ على أن يحدّث به نفسه، ويدخلوا في جدل مع خصومهم في منابر تخصّص للحوار وتبادل وجهات النظر؟

ومن ينكر اليوم إقبال الجماهير بنهم على سماع خطب رجال السياسة بعد أن مجّوها وأعرضوا عنها قبل الثورة، واستماعهم بكلّ انتباه إلى تحاليل الخبراء والمحلّلين في شتّى المجالات ؟ ومتابعتهم صباح مساء، ومن غير كلل أو ملل ما تبثّه القنوات التلفزيّة من برامج تثار فيها قضايا البلاد ومشاكلها في شتّى المجالات، وتسمع أثناءها أصواتا متباينة ورؤى متباعدة لا يجمعها أحيانا إلاّ استعمال الحجّة بمختلف أنواعها وحمل الآخر على الإقناع، والظهور في مظهر من يقف إلى جانب الحقّ وينتصر للثورة ويخدم أهدافها؟

ولا شكّ في أنّ إقبال الجماهير على استهلاك هذه المادّة الخطابيّة الهائلة لا يفسّر بامتلاك خطباء ما بعد الثورة ناصية الخطابة وقدرتهم على الإقناع وتفوّقهم في هذا المجال على سابقيهم، بل الأمر يرجع من جملة ما يرجع إلى عودة الروح إلى المواطن العربيّ الذي بدأ يشعر بعد الثورة أنّ الشؤون السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة جزء من حياته يعتني بها ويتابعها، مثلما تعنيه تفاصيل حياته اليوميّة التي أغرقته الأنظمة البائدة فيها، وزهّدته في المقابل في قضايا الشأن العامّ.

والحقّ أنّ المواطن العربيّ على قدر ما يُقبل اليوم على ما لم يكن يُقبل عليه قبل الثورة من سماع ذلك الكمّ الهائل من الخطب والأحاديث والتحاليل والنقاشات، يشعر في كثير من الأحيان بامتعاض كبير حين ينزلق النقاش الذي يتابعه عن مساره الصحيح، وينقلب إلى سيل من الاتّهامات المتبادلة بين الضيوف ويقترب من المهاترات والشغب، أو حين تكون حجج المتكلّم واهية لا تقدر على تحقيق التصديق، أو عندما يتعمّد بعض المتدخّلين المغالطة والتضليل؛ فيتراءون بالحكمة ويدّعون أنّهم مبرهنون على حدّ عبارة ابن سينا. ولكنّهم في حقيقة الأمر يلبسون الحقّ بالباطل، وينتجون الغلط ويسهمون من ثمّ في تضليل الجماهير. وفي ذلك آية على أنّ الخطابة فنّ نافع وخطير في آن معا. وهذا ما وضّحه أرسطو، وهو يردّ على من يتّهم الخطابة بإحداث الضرر، ويستشهد على ذلك بأمثلة استعملت فيها قوّة الكلام استعمالا ظالما؛ فالرأي عند أرسطو أنّ الخطابة في حدّ ذاتها من الأمور الخيّرة، مثلها في ذلك مثل الصحّة والثروة والقيادة. ولكنّ الإنسان هو الذي يُحسن استعمالها أحيانا، فيحقّق العديد من المنافع و"يُسدي أعظم الفوائد"، ويستخدمها أحيانا أخرى على وجه غير صحيح "فيأتي أشنع المنكرات".

من هذا المنظور يمكن أن ننظر إلى الربيع العربيّ وإلى حرّيّة التعبير، باعتبارها من أوّل المكاسب التي جاءت بها الثورة إلى الجماهير، وإلى ما ترتّب على هذه الحرّية من فضاءات وفرص لم تتوفر للناس من قبل كي يعبّروا عن آرائهم ويدافعوا عن رؤاهم ويقنعوا الآخرين بها، يمكن أن ننظر إلى ذلك كلّه على أنّه تحوّل من دولة كانت تحتكر الكلمة ولا تسمع إلاّ صوتها، وكانت تحمل الناس بالقوّة والعنف على قبول اختياراتها الاقتصاديّة وتوجّهها السياسيّ ونمطها التنمويّ إلى دولة تجد نفسها الآن محمولة على الدخول في حوار مع الأنصار والمعارضين؛ حتّى تُقنع الناس بصحّة الخطّ الذي تسير فيه وبنجاعة السياسات التي تنتهجها.

فليس للدولة ولمن يخالفها الرأي من خيار اليوم إلاّ الحوار واعتماد الحجّة والبرهان طريقا إلى الاتّفاق على مجموعة من الأفكار والالتفاف حول عدد من القيم والمبادئ. وليس للمجتمع من سبيل إذا أراد أن يحصّن ثورته من الانزلاق في العنف ومن العودة إلى الاستبداد بمختلف أشكاله إلاّ باب الحوار والسعي إلى حمل الآخرين بقوّة الحجّة على الاقتناع، والانطلاق في ذلك كلّه من مسلّمة تقول إنّ جانبا كثيرا ممّا يختلف فيه الناس وبسببه يتجادلون من الأمور التي تقع في دائرة الممكن والقابل للدحض، والتي لا يستطيع الإنسان مهما توسّل بالحجج أن يصل فيها إلى إنتاج الحقيقة المطلقة. فقصارى ما يدركه الإنسان في ذلك إنتاج التصديق والاعتقاد الذي هو أشبه بضرب من الارتياح النفسيّ يجعل الحقيقة تتراءى في قولك، ويجعل الآخرين يستوثقونك ويرون الوجاهة والصواب في رأيك.

غياب الطاغية وميلاد الخطابة

ها هو الربيع العربيّ يُقيم الدليل من جديد على أنّ الخطابة تنتعش في المجتمعات الديمقراطية التي يكون فيها تبادل وجهات النظر بين الجمهور هو الأداة التي يقع بها فضّ الخلافات والوصول إلى حلول. نعم، لا تولد الخطابة ولا تزدهر إلاّ إذا مات الطاغية وعمّت الديمقراطيّة. كذلك هو شأن الخطابة في الغرب وتحديدا عند اليونان. مات الطاغية هيرون (Hieron) في جزيرة صقليّة في القرن الخامس قبل الميلاد. واختصم السكّان بعد موته. واختلفوا في من هو أحقّ وأولى بملكيّة الأراضي التي كان قد افتكّها من العائلات واستولى عليها. وظهر كوراكس (Corax) خطيبا يدرّب المواطنين على المرافعة في المحاكم والاحتجاج على صدق ادّعائهم في حقّ ملكيّتهم تلك الأراضي. ونشأت الخطابة. وظهر من يعلّم قواعدها. واشتهر من معلّمي هذا الفنّ عدد غير قليل من أمثال بروتاغوراس (Protagoras)، وأصبحت الخطابة صنعة يتعلّمها الناس، وتدرّ على السفسطائيّين الذين برعوا في تعليمها أموالا طائلة، ولاسيّما في مدينة أثينا التي شهدت في القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد تحوّلات مهمّة بفضل تلك الإصلاحات السياسية التي بدأها رجل الدولة سولون (Solon) وتابعه فيها قادة كثر، من أمثال بيريقلس (Pericles). وكان من نتائجها تحوّل ثقافيّ مفصليّ ومهمّ شهده المجتمع الأثيني، وكان عنوانه: من الأرستقراطيّة إلى الديمقراطيّة.

ولا شكّ في أنّ الثورة في بلدان الربيع العربيّ لم تنتج أساتذة يعلّمون المواطنين الخطابة القضائيّة التي تمكّنهم من الدفاع عن حقوقهم. ولكّن غياب الطاغية إن بفراره أو بسجنه أو بقتله خلق وضعا جديدا لم تعرفه الجماهير العربيّة من قبل، وأعاد الخطابة إلى قلب الحياة باعتبارها ممارسة عفويّة وجد المواطنون أنفسهم ينخرطون فيها، وهم ينظرون في ما حلّ بهم بعد غياب الطاغية، ويتلمّسون طريقهم إلى الديمقراطيّة؛ فاليوم كلّ شيء محلّ نظر ونقاش: الأموال التي تركها الطاغية أو هرّبها، والقصور التي شيّدها، والمنظومة التي أرساها، والقيم التي غرسها ونشرها، والفساد الذي زرعه في كلّ مكان. والخطابة باعتبارها الكشف عن السبل الممكنة للإقناع هي الأداة التي يستعملها المواطنون بإحسان وبغير إحسان كي يقنع بعضهم بعضا بتلك الأموال، كيف يمكن استرجاعها وفي أيّ وجه ينبغي إنفاقها، وبتلك القصور هل يتمّ الاحتفاظ بها أم يجب تحويلها إلى معالم تاريخيّة أم يحسن بيعها والانتفاع بأموالها، وبتلك المنظومة كيف يمكن تفكيكها وبناء منظومة جديدة، وبتلك القيم وذلك الفساد كيف يمكن استئصالهما من المجتمع بعد أن أصبحا كالسرطان المنتشر في أرجائه.

واتنعاش الخطابة اليوم في بلدان الربيع العربيّ لا يقتصر على جنس من الخطب بعينه، بل هو يشمل أنواع الخطابة الثلاثة: المشوري/التداوليّ والمشاجريّ/القضائيّ والاحتفاليّ/التثبيتيّ. فالخطابة المشوريّة تجري اليوم في المجامع التشريعيّة (المجلس الوطنيّ التأسيسيّ في تونس، والمؤتمر الوطنيّ العامّ في ليبيا، والجمعيّة التأسيسيّة للدستور في مصر) التي انتخبت الجماهير أعضاءها لتنهض بأعباء كتابة الدستور الجديد الذي في ضوئه ستتحدّد ملامح المرحلة المقبلة. وهذه المجامع التشريعيّة تعيش اليوم نقاشات طويلة ومستمرّة يتابع المشاهدون جزءا مهمّا منها على القنوات التلفزيّة.

وحريّ بنا في مثل هذا الموضع أن نذكّر أعضاء تلك المجامع التشريعيّة الذين يتحمّلون هذه المسؤوليّة التاريخيّة الجسيمة بتلك الإشارات المهمّة التي ساقها أرسطو، عندما تحدّث عن هذا الجنس الخطابي. نعم، على هؤلاء أن يعرفوا أنّ الغاية من النقاشات التي يخوضون فيها والخطب التي يلقونها حلّ المشاكل التي تجابهها الدولة بعد الثورة، وأنّ مدار الأمر في هذه الخطابة على النافع والضارّ؛ فدور الخطيب ههنا أن يختار ما يراه صالحا ويوصي بالمسلك الذي يحسن بالدولة اتّخاذه، باعتباره أقوم المسالك، وينهى في المقابل عمّا يراه مضرّا بالبلاد، وهو ما يتطلّب من الخطيب أن ينظر في الأدلّة التي تبرّر هذا الاختيار أو ذاك وفي الأدلّة التي تقوم ضدّه.

والخطابة المشوريّة التي يمارسها أعضاء هذه المجامع ذات خطورة بالغة؛ لأنّها- مثلما بيّن أرسطو- تتعلّق بمستقبل البلاد، وتهمّ السياسة العامّة وعددا كبيرا من الشعب. نعم، يجب أن يتذكّر أعضاء المجالس التشريعيّة أنّ عملهم لا يمكن أن يقود إلى تحقيق حياة كريمة للمواطنين إلاّ إذا استطاعوا أن يلتقطوا تطلّعات الجمهور إلى ما يعتبرونه مستقبلا أفضل، وإلى ما يرونه مفيدا لهم وما يقدّرون أنّه مؤذن بالخراب والدمار، ويحسن بهؤلاء الأعضاء أيضا أن يتذكّروا تلك الإشارة اللّطيفة التي قارن فيها أرسطو بين صنيع المشرّع وصنيع القاضي؛ فالتشريع في تقدير أرسطو ثمرة رويّة طويلة، بينما الأحكام تصدر تحت تأثير دافع الوقت. وحكم المشرّع لا ينطبق على حالة معيّنة بالذات، بل هو حكم كلّي وينطبق على المستقبل. فالدستور الذي سيكتبه أعضاء المجامع التشريعيّة، ينبغي أن يرتقي إلى تطلّعات الشعب الحالي وتطلّعات الأجيال القادمة.

وللخطابة المشاجريّة التي تدور على مسائل العدل والظلم حضور واضح بعد الثورة، يشهد على ذلك اكتظاظ المحاكم بعد الثورة بقضايا الفساد والاستبداد وبملفّات شهداء الثورة وجرحاها. وإذا كان الخطيب المشاوري ينظر في المستقبل، فإنّ القاضي يقضي في الأمور الماضية. ولذلك، فإنّ المتشاجرين سواء كانوا مدافعين أو متّهمين حين ينظرون في قضيّة من القضايا، فإنّ اهتمامهم لا ينصرف إلى المستقبل، بل إلى أحداث وقعت في الماضي يحاول كلّ من أطراف الدفاع والاتّهام أن يعيد بناءها مثيرا عددا من الأسئلة من قبيل ما الذي حدث؟ ومن قام بذلك؟ وهل كان عادلا أم ظالما؟ والخطيب/المحامي الماهر في هذا المجال، هو الذي يفلح في إقناع القضاة بأنّ ما يقدّمه من أدلّة يُثبت صحّة الفرضيّات التي يبنيها؛ كذلك هو حال القضاء اليوم في بلدان الربيع العربيّ.

فالتنازع على قضايا الشهداء والجرحى في تونس على سبيل المثال، وتأجيل البتّ في تلك القضايا ما هو إلاّ تنازع على فرضيّات بشأن ما حدث أيّام الثورة؛ فكلّ من أطراف الاتّهام وأطراف الدفاع يسترجع أحداث إطلاق النار على الجماهير أيام الثورة، ويسأل إن كان ذلك قد حصل على وجه الصحّة أو الخطأ، ويقدّم جملة من الأدلّة حتّى يبرهن على صحّة الفرضيّة التي يقدّمها والرواية التي ينسجها ويسوقها، ومن ثمّ يبرّر حكمه على ذلك الفعل بالعدل والاستقامة أو بالجور والظلم. وأحسن مثال على ذلك تلك الفرضيّات المتباينة حول قضيّة القنّاصة، تسعى بعض الأطراف إلى إثبات وجودهم استنادا إلى عدد من الفرضيّات التي يقع إثبات صحّتها بالأدلّة المادّية وببيان اقترابها من منطق الأشياء، وينفي عدد آخر وجودهم مقدّما فرضيّات أخرى وأدلّة تدفع أدلّة المثبتين.

ولا شكّ في أنّ الخطيب المشاجريّ عندما يحكم على من ارتكب الحدث الواقع بكونه عادلا مستقيما أو غير عادل، يستند إلى مفهوم نمطيّ وسائد للعدل، ونجاحه في ذلك يتوقّف على مدى معرفتهبتصوّرات الناس للعدل والظلم وما يتّصل بهما من قيم. ولا شكّ أيضا في أنّ ما يحصل اليوم من اختلاف في وجهات النظر، وتردّد في البتّ في تلك القضايا وغيرها ممّا يعرف بقضايا الفساد بشتّى أنواعه، وعدم الرضا على الأحكام التي صدرت في بعض القضايا يرجع من جملة ما يرجع إلى أنّ المفاهيم النمطيّة والتصوّرات السائدة للعدل والظلم، لا تكفي في بعض الأحيان كي تكون سندا متينا وخلفيّة صلبة في مثل هذه النوازل، والدليل على ذلك مفهوم العدالة الانتقاليّة الذي يصاحب الثورات، ويترجم عن ضرورة وجود مفهوم آخر للعدل في ضوئه ننظر إلى ما حدث، ونقوم من ثمّ بالمحاسبة والمقاضاة. وللثورة خطابتها الاحتفاليّة التي تختلف عمّا ألفناه في العهود البائدة من خطب، كان يلقيها الطاغية بين الحين والحين فيالمناسبات الوطنيّة من نحو أعياد الاستقلال وأعياد الشغل. ويكون جزء كبير منها مخصّصا للإشادة بقيم الوطن والمواطنة والعمل والمثابرة. وذلك من خلال التذكير بحروب التحرير ومعارك الاستقلال، وتعداد مآثر من أبلوا فيها البلاء الحسن، ليقع الخلوص بعد ذلك إلى تعداد مكاسب "العهد الجديد". ولا بأس من أن نستحضر في مثل هذا السياق ما كانت تنهض به الخطابة الاحتفاليّة من دور جليل لدى الأثينيّين، والذي يتمثّل بالأساس في الإشادة في الاحتفالات العامّة بالسلوك القويم، وفي جعل مواطني أثينا يلتفّون حول جملة من القيم من قبيل الشجاعة والشرف والاستقامة.

وإذا كان الأصل في هذا النوع من الخطابة أن يمدح الخطيب في حالات أناسا هم مصدر فخر وشرف، ومن ثمّ فهم جديرون بالاحترام والتقدير، وأن يذمّ في حالات أخرى، ويوبّخ على الملأ شخصا بسبب أعمال مشينة ارتكبها؛ إذا كان ذلك كذلك، فإنّ من باب أولى وأحرى أن تتمحّض الخطابة الاحتفاليّة في هذه الأيّام التي اشتدّ فيها الخلاف والشقاق بين الفرقاء السياسيّين للمدح، وأن يكون الممدوح قيم الثورة السامية ومعانيها النبيلة، وأن تكون الغاية من ذلك كلّه عطف قلوب الجماهير على تلك المعاني والقيم وإشعارهم بأنّهم متّحدون، وأنّ ما يجمعهم أكثر ممّا يفرّقهم. ولا شكّ أنّ في أحداث الثورة ومآثرها وأبطالها وعبرها ما يمثّل للخطيب مخزونا إذا عرف كيف يغرف منه، ويتعامل معه ويقرأ الماضي والمستقبل في ضوئه، استطاعت الخطابة الاحتفاليّة أن تنهض بدور مهمّ في هذه المرحلة الصعبة من تاريخنا المعاصر.

الخطابة هي الحلّ؟

تمتلئ حياة المواطن بعد الثورة بأصناف كثيرة من الخطب تلقى في منابر مختلفة، وتنتمي إلى ميادين متنوّعة. وكلّ متكلّم يسعى إلى إقناعه بصحّة ما يقول ووجاهة ما يقترح؛ فرجال الدين يخطبون في الجماهير ويعوّلون في إقناعهم الناس على التذكير بتعاليم الدين وأحكامه، ورجال القانون صاروا من أكثر الناس حديثا وحضورا بعد الثورة، والحلّ عندهم في الدستور المنتظر الذي ستعيد فصوله تنظيم مختلف جوانب الحياة على قيم جديدة لا تسمح بعودة الاستبداد والظلم بشتّى أنواعهما، ورجال السياسة الذين يعوّلون على حنكتهم وتجاربهم لا يكادون يسكتون، والإعلام يحاول من جهته أن يقنع الناس بنقل الخبر نقلا محايدا ومتابعة ما يجري في كلّ أنحاء البلاد. والكلّ يتحدّث في الثورة، ويسعى إلى إقناع الآخرين بصواب رأيه.

ولكن هيهات أن يقتنع الناس بما يسمعون، وهيهات أن ينجح كلّ هؤلاء في تحقيق التصديق؛ فالأشياء الصادقة والعادلة لا تكفي وحدها كي تجعل الناس يصدّقونك. والتاريخ يثبت أنّ الذين كفروا بالدين أكثر من الذين آمنوا به. ومجرّد عرض الوقائع وبسطها أمام الجمهور لا يفلحان في كثير من الأحيان في إقناع الجماهير، والذين يستندون إلى النسب والأرقام لا يحوزون دائما على ثقة الجمهور. والتخصّص في مجال بعينه وامتلاك أدقّ المعارف فيه، لا ينفعان أحيانا مع صنف من الناس. ألم ينبّهنا أرسطو إلى أنّ المعارف التي في حوزتنا "حتّى لو كانت أدقّ معرفة علميّة" لا تسعفنا في التعامل مع صنف من الناس نريد إقناعه بوجهة نظرنا؛ لذلك لا بدّ من أداة تساعدنا على الظفر بالحجج التي تخدم أفكارنا ومواقفنا، وتساعدنا في الآن ذاته على تفنيد آراء خصومنا متى بدت لنا خاطئة. وهذا هو دور الخطابة التي يمارسها كثير من خطباء الثورة، ويسيئون في الغالب استخدامها، لأنّهم لا يعرفون أصولها وفوائدها وما يمكن أن تقدّمه لهم من عون في دعم حججهم، وجعل حظّها من التصديق والفوز بثقة الناس وافرا، وهذا ما يدعونا من جديد إلى أن نسأل عن الخطابة ما هي؟ وما الذي يمكن أن تنفع الناس به اليوم؟ وما هي أنواع الحجج التي يستعملها الخطيب في إقناع سامعيه؛ حتّى يبدو في أعينهم جديرا بالثقة والتصديق؟

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا

* حاتم عبيد باحث بكلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان – تونس