العقل الإسلامي...هموم التحرير والتنوير

فئة :  مقالات

العقل الإسلامي...هموم التحرير والتنوير

العقل الإسلامي...هموم التحرير والتنوير[1]


تقديم:

على الرغم من أن نصوص التراث الإسلامي لا تخلو من استخدام مكثف لمفهوم العقل ومشتقاته، إلا أن مصطلح العقلانية لم يأخذ مداه إلا مع الانقلاب الفكري والفلسفي والعلمي الذي انطلق في أوروبا منذ القرن السابع عشر؛ ذلك لأن العقلانية تيار فلسفي أسس له ديكارت من أجل القطع مع الموروث الثقافي الذي كانت تتبناه الكنيسة وتدافع عنه، والانفتاح على إملاءات العقل بوصفه الرصيد الحقيقي الذي من خلاله يمكن للإنسان أن ينظر إلى واقعة نظرة الناقد والمصلح... وقد انعكس هذا المفهوم في أذهان النخب العربية مع بداية القرن الماضي انبهارا بما حدث في أوروبا من تقدم علمي، وتنظيم إداري، ودعوة إلى قيم الحرية والعدالة والمساواة.

فسعى كل من جانبه إلى نقل ما شاهده إلى قومه عندما دعا خير الدين والطهطاوي والنائيني إلى الاستفادة من تجارب الأوروبيين في التنظيم الإداري والسياسي، ووضع دستور يكون مرجعا للمجتمع والسلطة معا. فيما كان شبلي شميل وفرح أنطون يحاولان صياغة موقف جديد من الطبيعة على أساس أبحاث البيولوجيين الأوروبيين داروين ولامارك. بينما كان الطاهر الحداد وقاسم أمين يدافعان عن المرأة من أجل تمكينها من حقوقها الإنسانية.

كانت هذه أولى نتائج الاحتكاك بالمنجز الأوروبي، لكن الأمر سوف يتطور بعد ذلك إلى صراع مزمن بين تيارين داخل الثقافة العربية؛ التيار العلماني الذي سوف يتشبث بالمقولات الغربية في فصل الدين عن الدولة والانتصار للخيارات الغربية.. والتيار السلفي المحافظ الذي سوف يعتبر انهيار الخلافة العثمانية مؤامرة ضد الدين، وينظر بكثير من الارتياب إلى دعوات العقلانية والعلمية باعتبارها تمثل تهديدا لموروثاتهم الفكرية والثقافية. غير أن العلمانيين كما الإسلاميين بدأ كلاهما يكتشف جوانب مختلفة من قصوره، فالعلماني بدأ يعي الآن، وبعد تعالي صيحات تيار ما بعد الحداثة في أوروبا ضد العقلانية التنويرية، أن أيديولوجيا العلمنة تحتاج إلى عملية نقدية من الداخل حتى تعيد النظر في موقع الدين والأخلاق وكل القيم الروحية في الحياة كما تعبر عن ذلك كتابات الكثيرين منهم. بينما بدأ الإسلاميون يفهمون أن الاجتهاد يعني تجاوز كل الركام الفقهي القديم الذي أصبح عاجزا عن التعامل مع الواقع المتغير، وإنجاز فقه جديد يكون قادرا على حل معضلات الواقع المعاصر، والارتفاع بالمسلمين إلى مستوى التحديات المطروحة.

*- الأنا أم الآخر؟

لا شك أن الحداثة المرتبطة بفكرة سيادة العقل، والتي كانت العلمانية إحدى النتاجات المباشرة لها، شكلت المرجعية الأساسية للتيار العلماني العربي. هذا الالتجاء الذي يصل إلى حد التطرف في بعض الأحيان إلى المرجعية الغربية، دفع النخب العلمانية إلى الوقوف موقفا سلبيا من الدين برمته، واتهامه بأنه سبب تخلف الأمة، وأن التقدم لا يمكن أن يُنجز إلا بفصل الدين عن الدولة وعلمنة السياسة. وربما كان هذا الموقف سببا إضافيا لظهور تيار محافظ يرفض التعامل بشكل إيجابي مع الواقع الجديد، ويصر على التوقف عند اجتهادات الأولين. وحتى إذا وجد مجتهدون فإنهم لا يزيدون عن كونهم مقلدين من الدرجة الأولى كما كان يقول مرتضى مطهري.

والحقيقة، أن ما طغى على تلك الفترة التي عادة ما تسمى بعصر النهضة، هو طغيان نزعة التقليد. فالعلمانيون مقلدون سيئون للمنجز الغربي. والإسلاميون مقلدون سيئون للمنجز التراثي. في حين أن المطلوب كان شيئاً آخر، لأنّ العقلانية تعني أن لا يقتصر المرء على الإفادة من تجارب الآخرين والاستضاءة بنور عقولهم، وإنما أن يبدأ أولا بعقله فيستنير بأنواره. فكما أننا مدعوون إلى الإفادة من جهود أسلافنا من فلاسفة وعلماء وفقهاء، فإننا مدعوون أيضا إلى الإفادة من إنتاجات الثقافة الغربية، دون أن يكون ذلك كله حاجبا عن استخدام عقولنا في تعاملنا مع واقعنا المتحرك. فالعقلانية الحقيقية بقدر ما هي تحرر للفرد واستقلالية للذات، هي أيضا استخدام نقدي واع للعقل في تعامله مع إنتاجات الآخرين.

ولا يجوز أن يتم تعويم مفهوم العقلانية من أجل التستر على أفكار مسبقة، أو رغبات وشهوات كما يفعل الكثيرون، لأن العقل يمكن أن يستخدم في حالات كثيرة أداةً ووسيلة من أجل بلوغ غايات وأهداف مناقضة للعقل والعقلانية. وهذه بذاتها إحدى مؤاخذات تيار ما بعد الحداثة على العقلانية الغربية عندما تحولت إلى أداة لمراكمة رأس المال، واحتكار السلطة، وإقصاء الأخلاق، وإشباع النزوات.

لابد للعقل إذن أن يأخذ دوره المركزي لا فقط في تعاملنا مع ثقافة الآخر، أو نصوص التراث، بل أيضا في تعاملنا مع النصوص الإسلامية الأولى: القرآن والسنة. فالقرآن الكريم نفسه يذيل بشكل كثيف آياته بـ (أفلا تعقلون، أفلا تبصرون، أفلا يتفكرون، أفلا تذكرون. أفلا تنظرون..) ونجد في الحديث: (و لم ينه الله سبحانه عن محارمه لوجب أن يتجنبها العاقل)[2]، وهو ما يوحى أن العقل يمثل مرجعية حتى بالنسبة للقرآن نفسه، فهو كأنما يقول فكروا فيما أطرحه، واستخدموا عقولكم ثم احكموا له أو عليه ولا تقعوا في فخ التقليد والهوى. ولذلك كثيراً ما يسخر القرآن من أولئك الذين يعطلون عقولهم لإرضاء ذهنية اجتماعية راسخة أو إشباع نزوة عابرة: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون}.[3] {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علم..}.[4]

لقد عانى العرب والمسلمون لقرون طويلة من ممارسات حكامهم الطغاة، لكنهم اليوم يثقون بأنفسهم أكثر فأكثر، ويشعرون بالقدرة على تحطيم قيودهم الخارجية التي فرضها عليهم المستبدون، وهم يتقدمون كل يوم في هذا الاتجاه... غير أن هناك قيودا أخرى تحتاج بدورها إلى تحطيم. إنها قيود الداخل هذه المرة. قيود الأهواء والأيديولوجيا والموروث والسائد. لقد تعرضت هذه الشعوب على مدى عقود طويلة إلى حملات مسخ ممنهجة من أجل إخضاعها في رؤيتها الوجودية وأخلاقياتها الاجتماعية وقيمها الدينية، ليتم فرض اتجاهات مادية وخيارات وضعية تخضع الإنسان وتسخر من القيم وتنشر الفساد...

إنهم يجدون أنفسهم اليوم أمام حتمية النجاح في امتحان الجهاد الأصغر ضد مستعبديهم، غير أن النجاح في ذلك لا يمثل نهاية المطاف، يبقى عليهم بعد ذلك خوض معركة الجهاد الأكبر الذي يواجه فيه هذا الإنسان نفسه هذه المرة. والنجاح في كلتا المعركتين مرهون بالاستخدام السليم للعقل الذي اعتبره النبي (ص) أفضل الأشياء قسمة بين الناس. فالعقل هو القاعدة التي تنطلق على أساسها العقيدة السليمة والفكرة الصائبة والممارسة المستقيمة، وهو لأجل ذلك مقدم حتى على الدين نفسه.

إن الربط بين العقل والدين مفصلي في الإسلام؛ فكلاهما يقول الحقيقة ويدعو إلى الخير. وهذا الربط لا يعني شيئا سوى أن العاقل هو وحده صاحب الدين إذ: "لا دين لمن لا عقل له".. إن هذا يعني أن الالتزام الأحمق بطقوس الدين، لا ينتج سوى التطرف والغلو وانعدام التوازن، وهو لا يعني، في جوهره، سوى الابتعاد عن قيم الدين ومقاصده.

وكما يدين الإسلام التدين الأحمق، يدين أيضا الانحلال الذي يعكس ابتعادا عن منطق العقل، لأن العقل هو أساس أي التزام قيمي أو أخلاقي يدعو إليه الوحي. فالتحلل من القيم والأخلاقيات التي تتفق حولها الإنسانية المستقيمة ليس إلا عبودية مهينة للأهواء واستهزاء جاهلا بإملاءات العقل.

إن العقل يبقى وحده السيد حتى في علاقته بالدين، والسبب في ذلك قدرته على إدراك حسن الأشياء وقبحها بشكل ذاتي، ونجاحه في إطلاق أحكامه عليها دون أخطاء، بينما تبقى مهمة الدين، الذي يقره هذا العقل، إنارة الطريق أمام العقل والخوض في التفاصيل التي تغيب معطياتها عنه... إن الدين الذي يتناقض مع العقل في رؤيته الوجودية وقيمه الإنسانية ليس إلا وثنية مفضوحة اخترعها الفاسدون...بل حتى في نقدنا للثقافة الغربية أو أية ثقافة أخرى، لابد من تجنب فخاخ الدوغمائية التي تصادر على عمل العقل، وتحول النقد إلى ممارسة أيديولوجية يمليها منطق الصراع، أو هاجس الشك والريبة، فمن الضروري أن تكون حركة النقد محاولة للكشف عن الآليات اللامعقولة والممارسات المشبوهة في ثقافة الآخر، تماما كما يجب أن تكون إبرازا للمعقول والصالح فيها، وليس مجرد تمترس وراء نسق إيديولوجي يحتكم إلى تراث كان نتيجة لتفاعل بين عناصر تنتمي إلى واقع غير هذا الواقع، وعصر غير هذا العصر. والنقد بهذا المعنى ليس ممارسة منفلتة من أية رقابة، حيث يجيز المرء لنفسه قول ما يشاء دون قيد ولا شرط، بل إن النقد في أسمى معانيه هو عودة إلى العقل للاهتداء بهديه من أجل مراجعة ما يبدو ثوابت وتعرية ما يبدو بداهات، إنه تفكيك لقوالب صنعها غيرنا، وأصبحت مع الزمن قواعد لا يجوز الاقتراب منها، وأصولا يجب احترامها. النقد بهذا المعنى فعل يقاوم سلطة الماضي والوارد والمنجز، من أجل إعطاء الواقع حقه في التعامل معه بشكل مباشر ودون وسائط. فنحن بحاجة إلى فتح كثير من الأبواب المغلّقة، واقتحام كثير من المجالات المحظورة، وإعادة النظر في كثير من المسلمات التاريخية.[5]

إن ما يمكن أن نسميه بالعقلانية الإسلامية، لابد لها أن تتحرك في الدائرة الأوسع، وأن لا تنغلق على نفسها في مساحة ضيقة هي التجربة الإسلامية، أو آراء الأقدمين، أو الفهم الحرفي والجامد للنص. لابد للعقل الإسلامي أن يصبغ نفسه بالمرونة التي لا تهمل الواقع، وتنطلق من النص الذي لا يصادر على العقل بقدر ما ينير له الزوايا المعتمة، دون أن ينسينا ذلك كله تلكؤ العقل في بعض الأحيان...حيث يتحول إلى أداة لطمس ما هو ضروري للوجود الإنساني ضرورة العقل نفسه.

*- العقل أم الروح؟

ذات يوم من كانون الثاني من العام 1889 في مدينة تورين الإيطالية، تحرك الفيلسوف الألماني المتمرد فريدريك نيتشه نحو حصان كان مربوطاً إلى عربة وسط الشارع قد حمّله صاحبه ما لا يحتمل وأشبعه ضرباً، فعانقه بحرارة ثم أخذ يقبله ويبكي منتحباً على واقعه التعيس. ربما كانت هذه الحركة في أعين مشاهديه حركة مجنونة، لكنها بالتأكيد كانت تعبيراً عميقاً عما لحق بالحيوان كما الإنسان من جشع البشر المتسلطين الذين لا تهمهم سوى مصالحهم، وربما كان ذلك ترجمة عملية لما كان يكتبه نيتشه منتقدا اندفاع العلماء الألمان نحو العلوم الجافة المجردة عن المشاعر الإنسانية، واصفا إياهم بالقطعان الضالة المتكالبة على المعرفة دون أهداف تربوية سامية، أو غايات أخلاقية رفيعة، كانت حركة رومانسية جسدت احتجاج نيتشه الذي تعبت روحه من العقلانية الغربية الجافة، فانقطع عن الناس في عزلة مميتة، دفعت بأمه إلى أن تقترح عليه الرحيل إلى تونس للعيش بين المسلمين زمنا هناك، حيث يبدو الإيمان على أشده، مما يجعل بصري وحكمي - الكلام لنيتشه - على كل ما هو أوروبي أكثر عمقا وحِدَّة، غير أن المشروع أجهض باحتلال القوات الفرنسية لتونس. لكن شوق نيتشه إلى التعرف على المسلمين لم ينطفئ، فصرح بإعجابه بالإسلام، وامتدح علوم المسلمين ومعارفهم وما قاموا به في الأندلس.

لقد أدرك نيتشه أن العقلانية الغربية عقلانية مدمرة، لأنها عقلانية مادية وأداتية تقصي من اهتمامها كل ما من شأنه أن يحيا في الإنسان روحه، ولأجل ذلك يمَّم فيلسوف القوة وجهه نحو الشرق الروحاني وكتب بمعزل عن الخير والشر، وأصل نشأة الأخلاق، وهكذا تكلم زاردشت الذي عكس قطيعة نيتشوية تامة مع الفكر الغربي...

لكن نيتشه لم يكن الوحيد الذي انتقد بعنف العقلانية الغربية، وكشف عن عيوبها، بل كان إلى جانبه ماركس وفرويد وآخرون كل على طريقته. لكن النقد المنهجي والمنظم لهذه العقلانية الأداتية، كما أصبحت تسمى، لم يظهر إلا مع مدرسة فرنكفورت. لقد كان الغرب إلى بداية القرن العشرين واثقاً بعقلانيته، منتشياً بتجربته وقوته، حيث سمح عقل التنوير: ديكارت، سبينوزا، كانط، هيغل... الذي تولدت عنه الفلسفة الوضعية التي كانت تبشر بعصر العلم بعد أن طوت البشرية مرحلتي اللاهوت والفلسفة، سمح هذا العقل بزرع وهم كبير في أوروبا، وهو أنها قد خلّفت وراءها مرة واحدة وإلى الأبد كل همجية القرون الوسطى وجهلها ووحشيتها، وإذا بأوروبا تتحول فجأة إلى مسرح لأبشع الديكتاتوريات، وتصبح أوروبا المتباهية بنفسها فاشية ونازية واستعمارية مرعبة، وتندلع فيها حربان عالميتان. وهنا راح فلاسفتها يتساءلون كيف أمكن للعقل أن ينتج اللاعقل[6]، وكيف أمكن للتنوير أن يرتد إلى جاهلية؟ وظهر بشكل جلي أن ما كان مفقوداً في البناء الحضاري الغربي، هو الأخلاق والروح. فالعقل، رغم أنه قادر على إنتاج نظام أخلاقي عملي يحدد للإنسان ما يجب عليه فعليه وما ينبغي عليه تجنبه، إلا أنه لا يستطيع أن يدفع الإنسان بشكل ذاتي إلى احترام القيم الإنسانية العليا التي يرشد إليها العقل. وهنا لا تستغني الانسانية عن العامل الديني حافزا أو رادعا من أجل أن تتحول الأخلاق من مجرد نظام نظري مجرد كما أسس لها كانط مثلا، إلى ممارسة عملية ذاتية نزيهة كما أسس لها الإسلام.

إن الإنسان الغربي لم يجد ما يمنعه من السعي نحو تحقيق مصالحه ورغباته، حتى وإن كان ذلك بتدمير الآخرين، إذ لا معنى لمقولة احترام الواجب لذاته كما يدعو له كانط، بينما نجد في الإسلام توسيعا لدائرة المصلحة الذاتية، ليصبح خير الأنا لا يقتصر على هذه الحياة الدنيا، بل يتعداها إلى الحياة الأخرى، حيث يجازى الإنسان على أعماله الخيرة ويعاقب على أعماله الشريرة. فالإنسان عندما يساعد الآخرين ويحترم فيهم إنسانيتهم ويضحي من أجل القيم الكبرى والرفيعة، إنما يفعل ذلك لأنه ينتظر ثواباً ومكافأة إلهية، وليس في ذلك ما يخل بأخلاقية هذه الأعمال كما يدعي كانط.

لكن الفلاسفة الذين هاجموا العقلانية الأداتية الغربية لم ينتبهوا إلى هذا الجانب، بل إنهم تحولوا من العقلانية إلى اللاعقلانية كما هو شأن العدميين والوجوديين والتفكيكيين.

وعندما حاول الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هبرماس العودة إلى العقلانية التنويرية الأولى باقتراح معالجة مشاكلها وليس بإدارة الظهر لها كما فعل غيره، فإنه لم يقدم شيئا حاسما، لقد اقترح هبرماس ما أسماه بالعقلانية التواصلية[7] ومضمونها: الإجماع المتولد عن النقاش الحر بين مختلف أفراد الجماعة دون ممارسة أي ضغط خارجي عليهم إلا ضغط العقل المحض. وكل رأي لا يخضع للمناقشة والجدل فهو رأي غير عقلاني. وهذه المحاكمة العقلانية هي التي توصلنا إلى ما يسميه هبرماس بالفعل التواصلي؛ أي الفعل المنزه عن الانتهازية والمصلحة والمحسوبية، وبذلك يتواصل رب العمل مع عماله، والمدير مع موظفيه، والآباء مع أطفالهم، والزملاء فيما بينهم.. لكن هذا التصور وصف بالسذاجة، لأنه يتوهم أن الناس جميعهم طيبون يهدفون إلى التواصل والحوار والتعاون والوئام، في حين أن الواقع يشهد أن الذين بإمكانهم إدارة، مثل هذا الحوار والتواصل هم الأشد انتهازية ومحسوبية، لأنهم يمسكون بمراكز القوة في المجتمع سواء كانت اقتصادية كأرباب العمل، أم سياسية كالحكام، أم إدارية كالمدراء... فهؤلاء وغيرهم تحكمهم مصالحهم الخاصة التي يسعون إلى المحافظة عليها وتوسيعها بكل الوسائل. ورغم أن هبرماس كان يتحدث في دائرة الإمكان لا في دائرة الواقع، إلا أن هذا الممكن يحتاج إلى ضمانات لتحقيقه، وهو ما يعجز عن تقديمه.

لقد تخيل الغرب أن العقل والدين لا يمكن أن يتعايشا معا، لكن هذا مجرد وهم، لأن العقل لا يتناقض مع الدين عندما يكون وحيا من الله. فالشريعة، كما قال ابن رشد قديما، قرينة الحكمة وأختها الرضيعة. إنهما يتناقضان فقط عندما يكون الدين وضعيا أو مزورا، لا هدف له سوى تبرير واقع الفساد. إن العقل متى فهم أن في الإنسان جانبا روحيا يطلب الإشباع لا يلغي الدين. والدين متى كان منزها عن الخرافة والأسطورة لا يلغي العقل. وهما إذا يلتقيان، فإنهما يتكاملان. العقل من أجل التعامل مع العالم المادي وقوانينه والدين من أجل التعامل مع عالم الروح وقوانينها. لكن الإسلام، بعكس الأديان الوثنية، لا تنحصر مهمته في جانب الإشباع الروحي، بل إنه يغطي جوانب الحياة كلها بما يقدمه من منهج حياة، ولا يقتصر دوره على إشباع الروح من خلال نظام العبادات.

*- المعقول أم المنقول؟

يمكن التمييز داخل الفكر الإسلامي عموما بين تيارين أساسيين: أحدهما يؤمن بمعقولية المبادئ والتشريعات الإسلامية، ووحدة الحقيقة ومطلقيتهما. بينما يؤمن الثاني بتوقيفية هذه المبادئ والتشريعات وتعبديتهما، وتعددية الحقيقة ونسبيتها. الأول هو التيار العقلاني المتمثل بالإمامية والمعتزلة، والثاني هو التيار النقلي المتمثل بالأشعرية والسلفية.

فالأشاعرة يعتقدون أن الحسن هو ما حسنه الشرع، والقبيح هو ما قبحه الشرع، والعدل هو ما أمر به الله، والشر هو ما نهى عنه. فالحسن والقبح، والعدل والظلم ليست حقائق موضوعية يمكن للعقل إدراكها بشكل مستقل، بل هي مسائل متغيرة وتابعة لتقييم الشرع. كانوا يرون أن الاعتقاد بالعدل والظلم والحسن والقبح... حقائقَ تشكل أهدافا للتشريع، يتنافى مع مبدإ التوحيد ومشيئة الله المطلقة، فهذه المشيئة لا ينبغي أن تخضع لأية قوانين ولا لأية أهداف أو غايات، بل على العكس ينبغي لهذه القوانين والغايات أن تخضع لمشيئة الله. ولأجل ذلك قال الأشاعرة إنه ليس من الضروري أن يدخل المؤمن الجنة والكافر النار، بل إنه قد يقع العكس، فإرادة الله حرة لا يقيدها قيد مستشهدين بالآية الكريمة: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}[8]. هذا التصور ينطوي على رفض حاسم لفكرة الضرورة التي تربط بين السبب والنتيجة. فليس من الضروري، عندهم، أن يكافأ المحسن على إحسانه ولا المسيء على إساءته.

ورفض الأشاعرة لمعقولية الوجود والتشريع، وخضوعهما لمبادئ العقل، جعلهم ينظرون إلى العالم على أنه فوضى لا تحكمه أية قوانين، ولا يخضع لأي مقدار من العدالة، تدل على ذلك كل هذه الشرور والأمراض والآلام وأشكال الظلم والتسلط. ولذلك، فإنهم يعترضون بشدة، على مقولة (بالعدل قامت السماوات)[9]. لقد انتهى الأشاعرة إلى نتائج خطيرةٍ جعلت من العقل قوة دون تأثير ولا فاعلية، وإنما مهمتها الوحيدة إتباع ما يأمر به الشارع دون محاولة تعقل ملاكاته وعلله ومقاصده، بل إن الأمر سوف يمتد إلى مسألة الحقيقة نفسها، فبما أنه ليس هناك حسن أو قبح ولا عدل أو ظلم... يمكن إدراكها عقليا بشكل ذاتي ومستقل عن الدين، فإن ذلك يعني نسبية هذه الأمور، بمعنى أنها لا تخضع لمقاييس العقل الصارمة؛ فالعقل الكلي يرى أن العدل قيمة مطلقة ولا يمكن أن يكون نسبيا أو متغيرا، بينما نجد في النظر الأشعري أن هذه القيمة قد تختلف حسب تقييم الدين لها. هذا المنحى، سينعكس في مسألة الاجتهاد تصويبا لكل الاجتهادات، إذ ما دامت الحقيقة نسبية، فإن كل اجتهاد يعتبر مصيبا، وهي نزعة تقترب كثيرا من التوجه السفسطائي الذي يرى أن الإنسان هو مقياس الحقيقة، والحقيقة تابعة لإدراك الإنسان لها. وبما أن الناس تختلف إدراكاتهم بالنسبة للموضوع الواحد، فإن ذلك يعني أن الحقيقة بالنسبة لكل إنسان تختلف عنها بالنسبة للإنسان الآخر.

إن ما قاله الأشاعرة عن الدين مقياسا للقيم الكبرى كالحق والخير والجمال، قاله قبلهم السفسطائيون عن الإنسان مقياسا للحقيقة. وإذا كان السفسطائيون قد أثاروا تناقضات العقل والحس وأخطاءهما واستبعدوا لذلك وجود حقيقة وراء ذهن الإنسان ليكون تابعا لها، ليصلوا في النهاية إلى تنصيب الإنسان وذهنه مقياسا لكل شيء. فإن الأشاعرة أثاروا من جهتهم ما بدا لهم أنه تناقضات بين المتشابهات وانسجام بين المختلفات، ليستبعدوا وجود أي قانون عقلي يجمع بينها، وليصلوا في النهاية إلى تنصيب الدين مقياسا لكل شيء.

والمفارقة أن الأشاعرة الذين صوبوا جميع الاجتهادات على قاعدة نسبية الحقيقة وتعدديتها، استبعدوا جميع من عداهم من الفرق والمذاهب من دائرة الإيمان، واعتبروا أنفسهم أصحاب الحق والفرقة الناجية، في حين أن الإمامية الذين يعتبرون الحقيقة واحدة، وأنه ليس من الممكن أن يصيبها الجميع مع اختلافاتهم، لا يكفرون غيرهم من أتباع المذاهب والتيارات الفكرية والأيديولوجية الأخرى, ويعتبرونهم فقط مخطئين, لأنه في نظرهم (ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه)[10] كما هو قول الإمام علي.

والحقيقة أن التيار العقلاني في الإسلام ممثلا في الإمامية والمعتزلة يرفض المقولات الأشعرية في هذا المستوى، ويرى أن القيم الكبرى هي قيم عقلية يمكن للعقل أن يدركها بشكل مستقل، فالعقل لا ينتظر حكماً من الدين حتى يعرف أن العدل والأمانة والصدق خير، والظلم والخيانة والكذب شر. فهي حقائق موضوعية تعطي للعالم توازنه وانسجامه، وتعكس نظاماً مدهشاً يعبر عن قدرة إلهية مبهرة. فالله خلق هذا الكون في شكله الأفضل لتحقيق الهدف من هذه الحياة[11]، وجعله يتحرك من خلال قوانينه الذاتية الموضوعة فيه.

والتدخل الإلهي في الكون ليس تدخلا اعتباطياً، بل إنه يقع من خلال هذه القوانين وبواسطتها. وبدلا من القول بأننا نعيش في عالم لا تحكمه غاية ولا تراعى فيه مصلحة ولا يخضع لقانون ولا يوجد تعويض عن آلام المظلومين ولا عقاب لتهور المتهورين كما يقرر الكلام الأشعري، يقدم الإمامية بديلهم الذي يرى لهذا العالم غايته في إدراك العدالة ومراعاة المصالح، حتى يبقى باب العلم مفتوحاً, والخضوع لمبدإ العلية حتى يمكن فهم حركة الكون والسيطرة على قوانينه من أجل أن يسخرها لصالحه...

وهكذا، فإن القول بالحسن والقبح العقليين أدى إلى الاعتراف بوجود مبادئ عقلانية وواقعية يستند إليها التشريع فـ "كل ما حكم به العقل حكم به الشرع" كما قيل، ولابد من البحث عن هذه المبادئ علمياً، حتى يبقى التشريع حيا متحركاً، وقادراً على التأقلم مع تغيرات الزمان والمكان، حيث تسمح هذه المبادئ الكلية للمجتهد بأن يتعامل مع تفاصيل الواقع المتغير على أساس المصالح العامة والأهداف الكبرى، لتنتهي بذلك الممارسة العمياء المؤسسة على التعبد المحض الخالي من الهدف والروح.

والواقع أن الطريق الذي فتحه الإمامية والمعتزلة أمام العقل، حتى يظهر قدراته الخلاقة والمبدعة لم يكتب له النجاح؛ فالذي ساد بين المسلمين هو التيار المقابل، تيار التعبد والتوقيف، ثم جاء أبو حامد الغزالي، ليعمم ذلك ويعلن ألا قانون يحكم هذا العالم، وأن القدرة الإلهية قدرة تعسفية واعتباطية يمكنها أن تتدخل في أية لحظة فتمنع النار من الإحراق، أو السكين من القطع... وأن ما نتوهم أنه قانون ليس في الحقيقة إلاّ عادة، وأنه ليس هناك ضرورة بين السبب والنتيجة. ورغم محاولات ابن رشد من أجل إحياء التيار العقلاني في الفكر الإسلامي، إلا أنه لم يفلح بين المسلمين، فلقد وصل الرجل متأخراً. ولكن الأوروبيين رفعوا ابن رشد فوق أكتافهم، فتأسست الرشدية اللاتينية التي كانت مفتاح التحول في أوروبا، لتزدهر العلوم الطبيعية والإنسانية على نفس الأسس التي دعا إليها العقلانيون الإسلاميون.

*- النص أم الواقع؟

تحاول بعض النزعات الفكرية أن تتخذ من الواقع مقياساً للتعامل مع النص الإسلامي قرآناً وسنة على أساس أن الواقعية في التعامل مع مستجدات العصر وما يطرحه من جديد تستدعي ذلك. فيتحول بذلك الواقع إلى شاهد على الأمة؛ فهو الذي يملي عليها الطريق الذي يجب أن تسلكه، ويسلب بذلك حق الشهادة عن العقل والنص معا تماماً كما هو حال الكنيسة التي أصبحت اليوم مجرد مبرر لما يحدث في الواقع كما هي مواقفها من الممارسات الصهيونية والحروب الغربية المتنقلة ضد الشعوب المستضعفة وقضية المثلية الجنسية...

فما دام الغرب قد حقق تقدمه وأصبح هذا التقدم واقعاً، فإنه بإمكاننا التقاط معطيات هذا الواقع من أجل تأويله أو تطويع النص له حتى نصنع نحن بدورنا تقدمنا. هذه النزعة نجدها بوضوح عند حسن حنفي الذي يقول: "وما يدعو للتجديد أيضا هو أولويات الأدلة الشرعية الأربعة كانت عند القدماء ترتيبا تنازلياً. الكتاب، فالسنة، فالإجماع، فالقياس، لأن الوحي كان ما زال حديث العهد، وكان النبي، ما زال بين أصحابه في حديثه المشهور إلى معاذ قبل أن يتوجه لتولي القضاء في اليمن. أما الآن فيمكن إعادة ترتيب الأدلة ترتيباً تصاعدياً من القياس إلى الإجماع إلى السنة إلى الكتاب، إذ تستلزم تحديات العصر الرئيسية، مواجهة الاستعمار والصهيونية والتخلف والتبعية والتشرذم، البداية بتحليل الواقع مباشرة ومعرفة علله أي بالاجتهاد، فإن صعب يمكن التوجه إلى أهل الاختصاص لمعرفة الحلول الجماعية، فإن صعب يمكن بعد ذلك قراءة السابقين في مدوناتهم ابتداءً من الخبرات المتميزة حتى حكمة الغرب على مرّ السنين".[12]

صحيح أن معرفة الواقع والإحاطة به من المسائل الأساسية في نجاح عمل الفقيه، لأن الانزواء عن المجتمع والواقع وممارسة العمل الفقهي في الزوايا بعيدا عن هموم الناس لا يمكن أن يكون إلا تكرارا لآراء القدامى الذين كانوا يتعاملون مع واقعهم. وصحيح أن الفقيه اليوم أصبح يحتاج إلى استشارة الخبراء وأصحاب الاختصاص في مختلف المسائل التي تعرض عليه بسبب تعقّد الواقع، وكثرة المستجدات. كل ذلك صحيح وضروري، لكنه لا يجب أن يدفعنا إلى التعامل مع هذا الواقع من موقع الخضوع لإملاءاته دون الرجوع إلى معايير قيمية ثابتة أو إلى نصوص القرآن والحديث لاستنطاقها والاسترشاد بها.

إن إعادة ترتيب الأولويات الذي يدعو إليه حنفي لا يعني في الحقيقة إلا محاولة لاستبعاد القيم التي تؤمن بها الإنسانية العاقلة وإهمال النص الذي يمثل المرشد والهادي للإنسان المسلم في حياته كلها، والتعامل في مقابل ذلك مع الواقع على أساس الرأي والذوق والثقافة السائدة. وهذا ما يشكل خطراً كبيراً على حركة الأمة، لأن قيمومة الواقع تعني تجميده. والتعامل مع الواقع بمعطيات الواقع لا يطور الواقع، بل يحنطه. إننا بحاجة إلى مقاييس سامية تترفع على الواقع حتى تكون قادرة على تطويره نحو الأفضل.

ويهمنا هنا التمييز بين العبادات، باعتبارها مسائل لا دخل للواقع فيها، لأنها تنتمي إلى دائرة ما هو طبيعي وتنشئ علاقة خاصة بين العبد وربه تتعالى عن التاريخ ومعطيات المتغيرة، والمعاملات أو القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تدخل في دائرة ما هو عام ويمكن أن تتأثر بالواقع المتغير. وهنا لابد للفقيه أن يكون مجتهداً بشكل فعلي وليس مجرد مقلد من الدرجة الأولى.

فإذا كان الفقيه لا يتمكن من تقديم شيء كبير في مسائل العبادات بسبب طبيعتها التوقيفية، حيث يقتصر الاجتهاد على التحقق من وثاقة النصوص وسلامة فهم السابقين لدلالاتها، فإن هذا الفقيه مطالب في مجال المعاملات بإبداع الحلول في مواجهة الواقع، وهي حلول لابد لها أن تكون منسجمة مع روح الشريعة وشموليتها.

إن الفقيه مطالب هنا بالقيام بحركتين؛ الأولى من الواقع إلى النص من أجل الإحاطة بمشاكل بهذا الواقع في مشاكله ومشاغله ثم طرحها أمام النص من أجل استنطاقه في شأنها. والحركة الثانية من النص إلى الواقع بعد أن يتبلور الرأي الفقهي في ذهن الفقيه، من أجل البحث في وسائل تطبيق الفتوى وكيفية تفاعل المكلفين معها سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات. فنحن نجد كمًّا هائلاً من الفتاوى التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ لأسباب شتى لعل أهمها أن جزءا كبيرا من هذه الفتاوى تنتمي إلى عصر غير هذا العصر، وجزءا آخر منها يخاطب الأفراد في حين يفترض أن تكون الأمة هي المخاطَبة من خلال مؤسساتها...

فهناك خلط بين تكليف الفرد وتكليف الأمة، بل إن الكثير من هذه الفتاوى مرتجلة وانفعالية، وهي إما تعبر عن مصالح خاصة بـ (الفقيه) أو المفتي - وهو ما يضع نقاط استفهام حول أهليته للفتوى - أو أنها تعبر عن غياب العمق الفكري وسطحية الوعي الاجتماعي لديه. ومهما يكن، لابد للنص في قيمه ومقاصده وأحكامه أن يبقى حاكما على الواقع وليس العكس. وهنا لابد من تجاوز الوقوف على حرفية النص، وإعادة النظر في (حجية الظهور)، فما فهمه الأقدمون من النص، ليس بالضرورة أن نفهمه نحن اليوم منه. لابد من الاعتراف أن فهم دلالة النص تتأثر بالواقع الاجتماعي، وثقافة الفقيه، ومزاجه الشخصي، وروح العصر الذي يعيشه.

أما عندما يغيب النص الصريح والمباشر، فإن العقل هنا لابد له أن يلعب دوره من خلال الإحاطة بروح النص فيما نسميه بالتفهمية القيمية التي تتجاوز الفهم المجزأ والموضوعي معاً، لأنه في غياب النص المباشر، لا يعود هناك معنى للفهم التجزيئي أو الموضوعي.

إن العقل والنص يتفقان حول مجموعة القيم الإنسانية الكبرى كالعدالة والحرية والمساواة والإحسان والخير والجمال، ويدعوان إلى تنزيه وسائل تحقيق هذه القيم عن إيذاء الآخرين أو ظلمهم أو إلحاق الضرر بهم... وعلى هذا الأساس، يمكن للعقل الفقهي أن يتحرك في مساحة المسكوت عنه التشريعي ليملأها بما يستجيب لحاجات الأمة، وأن يتحرك بين النصوص من أجل تنقيتها مما يمكن أن يكون قد علق بها من تغييرات أو مما التصق بها من رؤى عرفية أو تاريخية أو اجتماعية وصولا إلى تنزيلها في الواقع تنزيلاً جديداً يجعل من النص غضاً نظراً في كل زمان جديد، لا تخلقه كثرة الرد، وَوُلوج السمع،لأن الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة"[13]، إنه يبقى قادراً على التفاعل مع مشاكل الناس في كل مرحلة تاريخية بالكفاءة نفسها.

وهنا يمكن الإشارة إلى دعوة محمد مهدي شمس الدين الذي كان يرى أن الفاعلية الفقهية في وعيها لحاجات المجتمع ككل هي بحاجة إلى تطوير علم الأصول الذي أصبح برأيه عاجزاً عن الاستجابة لحركة الواقع المتغير، فإضافة إلى امتداده إلى مجالات دخيلة على عملية الاستنباط كما هي بعض الأبحاث اللغوية والكلامية والفلسفية، يرى شمس الدين أن علم الأصول لم يتكون نتيجة وعي لمجال معرفي يراد اكتشاف مجاهله وفتح آفاقه، وإنما عولج هذا المجال من خلال قضاياه الصغرى: الطهارة، الأنكحة، البيوع... وبكلمة أخرى، إن علم الأصول لابد أن يتأسس كإطار نظري عام وشامل وكلي تُبنى عليه العملية الاجتهادية.[14]

ويقدم شمس الدين قضية الإنجاب والصدقةِ أمثلةً لا يمكن أن تخضع للنظرة الفردية القديمة في التعامل الفقهي، لأن قضية الإنجاب أصبحت قضية مجتمع ودولة لا قضية فرد. فالدولة مطالبة اليوم بتقديم خدماتها الاجتماعية كالصحة والتعليم والعمل. ولا يمكنها أن تؤدي مثل هذه الخدمات دون أن تسيطر على نسبة نمو السكان. وعلى أساس ذلك، لابد للفقيه أن يدرك الطبيعة المرنة للروايات الدالة على تشجيع النمو السكاني، لأننا لا يمكن أن نفهم هذه النصوص في مجتمعات تعاني الانفجار السكاني مع شح الموارد الاقتصادية... ولا يختلف الأمر في تعاملنا مع مسائل أخرى كالصدقات (الزكاة، الخمس، التبرعات...). ولذلك، لابد للمنهج في الاجتهاد أن يخضع باستمرار لعمليات تطوير، لأنه يعالج قضايا متحركة في حياة الإنسان، ولكن هذا المنهج لابد أن يكون منسجماً مع قيم الكتاب والسنة اللذان يشكلان مدار المعرفة الإسلامية. فكل انحراف في المنهج يؤدي بالضرورة إلى نتائج خطيرة قد تتناقض مع المبادئ الإسلامية كما هو الشأن عند كثير من الباحثين المتغربين الذين يحاولون إخضاع الإسلام في أبعاده العقدية والتشريعية والأخلاقية إلى مناهج وضعية غربية لا تنسجم مع طبيعة النص الإسلامي في الغالب.[15]

إن المهمة الكبرى التي تنتظر العلماء والمفكرين الذين يملكون العقل المنفتح على الحقيقة في هذا العالم العربي والإسلامي هي تحرير العقل، لأنه دون إنجاز هذه المهمة لن يمكن بناء الأسس المتينة لمدنية إسلامية جديدة. وتاريخ الحضارات يشهد أن منطلقاتها الأولى كانت دائماً منطلقات عقلانية.

فالحضارات لا تتأسس على الخرافات والأساطير، بل إنها تجد في المعارف والعلوم والتجارب والحِكم بناها التحتية، لم تشذ عن ذلك الحضارة الإسلامية المحمدية التي انطلقت في المدينة المنورة تحت لهيب الشمس المحرقة، وامتداد الصحراء الموحشة، فكان أول ما نزل من القرآن دعوة إلى القراءة والتعلم: "اقرأ". وإذا لم يكتب لهذه الحضارة أن تحدث المنعرج الأخطر في تاريخ البشرية، فلأن تسلط الجهلة والانتهازيين هو ما منع من ذلك.

لقد أقصيَ العلماء الحقيقيون عن قيادة الأمة، وعندما يقصى العلماء ويتحكم الجهلة، فإنه من الطبيعي أن يحاصر العقل، ويحتقر العلم، ويسود الجمود، وينتشر الجهل، ويحكم التخلف... وهذا ما آل إليه أمر المسلمين في النهاية عندما عُممت عقيدة الجبر، وفُرضت نزعة التوقيف، واحتُقِرت المعارف الفلسفية، وهُمش التفكير العقلاني... فقُتل أئمة الإسلام الحقيقيون... وأحرقت كتب الكثير من العلماء والفلاسفة كما حدث مع ابن رشد الذي شرد، ليموت وحيداً غريباً منبوذاً... كانت البداية بعلي الذي كان يقول: "لا عدة أنفع من العقل، ولا عدو أضر من الجهل"[16]، فكان أعداؤه الجهلة هم الذين أبعدوه وحاصروه وقتلوه، ثم شردوا كل من آمن بعبقريته... ولم تكن النهاية بابن رشد الذي أعلن سيادة العقل، فكان أعداؤه السطحيون والمتعصّبون هم الذين فسّقوه وسجنوه ثم قتلوه غمًّا!...


[1]- انظر: كتاب، فتنة الحداثة، قاسم شعيب، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود، المركز الثقافي العربي، 2013

[2]- محمد الريشهري، ميزان الحكمة, ج6، مادة: العقل.

[3]- الزخرف: 22

[4]- الجاثية: 23

[5]- قارن مع علي حرب، مجلة عالم الفكر, العدد 3, المجلد 29، ص 118

[6]- هاشم صالح، قراءة في الفكر الأوروبي الحديث، مؤسسة اليمامة، الرياض, 1994، ص38

[7]- م. ن، ص 39

[8]- الأنبياء: 23

[9]- مرتضى مطهري، مبدأ الاجتهاد في الإسلام، تر: جعفر خليلي، مؤسسة البعثة، طهران, 1415هـ.ق، ص51

[10]- في الرواية عن زرارة قال: "دخلت أنا وحمران أو أنا وبكير على أبي جعفر [الإمام محمد الباقر] عليه السلام قال: قلت له: إنا نمد المطمار قال: وما المطمار؟ قلت: التر [الحبل أو الخيط] فمن وافقنا من علوي أو غيره توليناه ومن خالفنا من علوي أو غيره برئنا منه، فقال لي: يا زرارة قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله عزوجل: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} أين المرجون لأمر الله؟ أين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؟ أين أصحاب الأعراف أين المؤلفة قلوبهم؟ !. وزاد حماد في الحديث قال: فارتفع صوت أبي جعفر عليه السلام وصوتي حتى كان يسمعه من على باب الدار. وزاد فيه جميل، عن زرارة: فلما كثر الكلام بيني وبينه قال لي: يا زرارة حق على الله أن يدخل الضُّلاّل الجنة."الكليني, الكافي, ج2, باب أصناف الناس, الحديث 3...

[11]- هذا الهدف هو الامتحان والابتلاء، وهو ما أشارت إليه آيات قرآنية كثيرة، مثل قوله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك: 2)

[12]- حسن حنفي، تجديد علم الأصول، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العددان 11 - 12، قم, ص 115

[13]- محمدي ريشهري, ميزان الحكمة, ج7, مادة: القرآن.

[14]- محمد مهدي شمس الدين، حوار ضمن مجلة قضايا إسلامية، العدد الخامس، قم، ص49

[15]- م.ن, ص50

[16]- ريشهري, ميزان الحكمة, ج6, مادة: العقل.