المثقف العربي المخلوع

فئة :  مقالات

المثقف العربي المخلوع

بين الخيانة والموت، والأدلجة والاستبداد، تنوّعت النعوت والصفات التي جسّدها المثقف العربي إبّان تعرية الطبقات الرسوبية الفكرية لهذه النخبة، في خِضمّ تداخلاتها المحتشمة مع الحِراكات والثورات، التي شهدها الشارع العربي منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى حدود ثورات الربيع العربي في الألفية الجديدة. أُفرِزت، وتبعا لذلك، جل النُّخب الفكرية والثقافية لدى المتلقي العمومي والفاعل المدني، وجل المؤسسات الفكرية والثقافية والسياسية بالخصوص، لِما لهذه المؤسسات من أجندات الاستلابات والعروض المُغرية ما يجعل المثقف يفكر تحت الطلب، ويكتب تحت الطلب، ويبني قناعات تحت الطلب، ويتعارك تحت الطلب؛ إنها أُلعوبة العرض والطلب. وبالمُحصّلة، فإن إطاحة الشعوب العربية بجل رؤوس الأنظمة الاستبدادية وازتهُ الإطاحة بمجمل النُّخب الريعية، التي نَمت وكَبُرت على أعتاب الاستبداد وإلى جانبه.

في عام 1916، كتب الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر" إلى زوجته "إلفريد" يقول: إن تهويد ثقافتنا والجماعات مرعب فعلاً، وأعتقد أن على العرق الألماني أن يجد ما يكفي من القدرات الداخلية كي يصل إلى القمة". وفي عام 1933، كتب إليها أيضا بخصوص الفيلسوف "كارل ياسبرس"، وهو من أصدقائه المقربين يقول: "يزعزع كياني أن أرى كيف أنّ هذا الرجل، الألماني الخالص، بغريزته الأكثر أصالة، الذي يدرك الضرورة القصوى لقدرنا... يبقى مرتبطا بزوجته". وينبغي الإشارة هنا إلى أن هذه الزوجة يهودية. ولقد أجاب هايدغرعلى سؤال صديقه "ياسبرس" الذي سأله، كيف يمكن أن يحمل رجل مثقف مثله ذرة إعجاب واحدة بشخصية تافهة وفظة كهتلر، بالقول: "يداه جميلتان جدا"...(1)

تحمل هذه الرسائل دلائل عميقة حول إمكانية تضخم الذات المفكرة، وتطويعها بشكل راديكالي فضيع من طرف الأيديولوجيا، وتحويلها إلى مصدر الشر الأصيل الذي يهدم قيم النبل، والحرية الإنسانية الطبيعية للفكر الإنساني. ولعل أَثر "مارتن هايدغر" بانشغالاتهالفلسفية، وإسهاماته الكثيرة في الفلسفة الحديثة، وبالموازاة مع قناعاته السياسية المثيرة للجدل، جعلت منه أحد أعمدة "كتيبة العاصفة في الفكر"، كما سماه الفرنسي "جورج لوكاش". بينما حكم "تيودور أدورنو" على مذهبه من أساسه بأنه "فاشستي". لقد كان لمؤلفه "الوجود والزمن" الذي أصدره سنة 1927، والذي نال به شهرة صارخة، الأثر الكبير على العديد من أقطاب الفكر الفلسفي في القرن العشرين، أمثال سارتر الذي حاول ترميم صورته، إذ اختزل التزامه الهتلري إلى موجة ضعف في طبعه. وعلى الرغم من ذلك، تتابعت المجادلات في مجلة الأزمنة الحديثة خلال عامي 1947 و1948، وتحديدا مع الانتقادات التي وجهها كال لويث و إريك وايل ضد مخاطر الفكر الهايدغري. لقد كان مارثن هايدغر شاهدا على المحرقة والهولوكوست النازي، وعلى قتل الحرية الإنسانية، ولم يعلن صرخة المثقف الذي يلتزم بنداءات الإنسان المقهور، بل على العكس من ذلك فقد كان سكوته جريمة، وهو المقتنع بضرورة الفوهرر. من هذه الزاوية كانت الفيلسوفة الألمانية "حنة أراندت" قد حكمت في رسائلها مع "ياسبرس" على هايدغر، بأن "انعدام شرفه مفرط التزويق، وطفولي، ومجرد من الأخلاق، ومؤهل لكل أنواع الخِسَّة"(2). هذا لا يعني بالمطلق اختزال عطاءاته الفلسفية من هذه الزاوية السوداوية، في شخصيته وتعصبه للعرق الألماني وللغة الألمانية؛ ولكن المؤاخذة الجوهرية التي تهمنا هنا، هي النظر إليه من زاوية المفكر والمثقف، الذي تستلب منه الأيديولوجيا كل مقومات الصمود في وجه الاستبداد والاضطهاد؛ إنها الإنسانية حين تفقد لا إنسانيتها، والقيم حين يتم إفراغها من محتواها بقوة التفكير البشري نفسه.

إنّ الإشكالية المطروحة هنا، بكل تعقيداتها وتداخلاتها المعرفية، هي في ماهية المثقف نفسه، في تعريفه ودوره أو أدواره، وفي المساحات المتاحة له، في تمييزه عن السياسي إن وجد هذا التمييز، ثم في التزامه أو عدم التزامه بدوره الأساسي في محيطه المجتمعي.

اختلفت التعاريف حول المصطلح من لغة لأخرى، وتداخل المفهوم مع مصطلحات متعددة. ففي اللغات الأوروبية كالإنجليزية، استخدمت كلمات مرادفة كالمعلم؛ فماركس فيبر يعتقد أن المثقف يحمل صفات ثقافية وعقلانية مميزة، تؤهله للنفاذ إلى المجتمع والتأثير فيه، بفضل المنجزات القيمية الكبرى. أما إدوارد شيلز، فيعرف المثقف بأنه الشخص المتعلم، الذي يحمل طموحا سياسيا للوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي, أو من خلال دوره المحوري الحاسم في توجيه المجتمع، عن طريق التأثير على القرارات السياسية المهمة، التي تؤثر في المجتمع ككل(3). ميزة هذا المثقف تتجلى في قدرته العالية على استخدام رموز ودلالات ومفاهيم لغوية عالية، متصلة مباشرة بالإنسان والكون والفرد والمجتمع. أما عند المثقف العربي – مثال برهان غليون-؛ فمصطلح المثقف يعني له ذلك الشخص الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية فاعلة في المجتمع، حيث تتميز عن غيرها بتفكرها العالي والناقد، وتدخل في عملية الصراع الاجتماعي والسياسي، وفي النهاية يكون تأثيرها واضحا، إما من خلال مشاركات قوية لصنع السياسة والقرار السياسي، أو من خلال أعمال فكرية كبيرة تؤثر في الناس والمجتمع، فكريا وثقافيا ومعنويا.

إفرازات هذا النقاش، ستفضي بنا إلى جدلية المثقف والسياسي، والمثقف والمفكر، والمثقف ورجل الدين، إلى غيرها من تناقضات المصطلح نفسه، في علاقاته مع اصطلاحات أخرى لها نفس الاشتقاقات المعرفية. تكمن المشكلة العميقة في هذا التوتر الحاصل بين السياسي والمثقف – تبعا لإدوارد سعيد- في توسع مملكة السياسي والشعبي كثيرا لدرجة أنها أصبحت بلا حدود عمليا، حتى بتنا نشك إن كان في فكرة المثقف اللا سياسي والكاتب الكثيرُ من المعنى. لقد تداخلت عوامل كثيرة، منذ الحرب الباردة، في تمييع شخص المثقف، من كاريزما المبدع والمراقب والموجه لدواليب اشتغال المجتمع وآلياته، إلى شخصية متعددة التخصصات والمواقف والأيديولوجيات، نموذجَ المثقف العضوي والثوري والإصلاحي والحزبي والسلطوي والتخصصي. ومن تلك العوامل المؤثرة في ذلك، نجد العولمة والصراعات الدولية وصدام الثقافات التي أسّست لها مدارس فكرية عالمية، كالمدرسة الواقعية ثم التحولات السياسية التي شهدتها الدول القومية والوطنية، وظهور فاعلين سياسيين جدد ينافسون الدولة بمفهومها التقليدي، كمنظمات المجتمع المدني والفاعلين المدنيين، وتطور وسائل النقل، ونشر المعلومة على جميع الأصعدة.

ومع ذلك، فالمثقف بصيغته التقليدية الكاريزمية، استطاع أيضا أن يساير تطورات الزمن وتداعياته الطارئة، وأصبح يمتلك شبكات الاجتماع مع المتلقي العمومي الأكثرفاعلية وسرعة من الشبكات التواصلية التقليدية، وبحكم قوة وسائل الإعلام والمواصلات الحديثة، فقد تسنى له الحضور كمؤسسة تشابكية وفاعلة داخل الدولة. من هنا، يدافع إدوارد سعيد عن هذا النموذج، حيث يردف أنّ "اللغة التي أستعملها يجب أن تكون نفس اللغة المستعملة بواسطة وزارة الخارجية والرئيس، حين يتشدقان بدفاعهما عن حقوق الإنسان، ويجب علي أن أستعمل نفس اللغة لاسترداد الموضوع، وأعيده إلى الصواب، وأعيد ربطه بالحقائق المعقدة؛ الحقائق التي بسطها خصومي ذوي الامتيازات، وخانوها أو قلّلوا منها أو بدَّدوها تماما. يجب أن يكون واضحا، من الآن، للمثقف الذي لا يهدف إلى تقديم مصلحة أحد ما، بأنه سيكون له خصوم يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن الوضع الحالي للأمور، خصوم يجب أن يتعاطى معهم مباشرة"(4). هذا النموذج من المثقفين سيبدو – تبعا لنظرة إدوارد سعيد- أنه في صراع دائم مع السياسي الذي يتداخل معه في دائرة التأثير في المجتمع، وذلك عبر بوابة القرار السياسي من أعلى هيئة سياسية مقررة في الدولة، وهو أيضا في استعداد دائم للدفاع عن الحقوق والمبادئ التي يتم تطويعها وتمييعها من طرف السياسي رجل المصلحة الذي يفكر بمبدإ تغليب مصالح فئة على أخرى، أو التضحية بقيم معينة على حساب قيم أخرى قد يراها السياسي أكثر أهمية، وأكثر استحقاقا من غيرها. هنا إذن، تتبددأهمية المثقف كرجل إبداع وتأثير في المجتمع فكريا وأخلاقيا، وحتى سياسيا، إلى مجرد مفعول به يتفاعل مع قضايا المجتمع، كرد فعل ضد تضخم السياسي وتدخله في دائرة المثقف التقليدية. إنها جدلية التدافع بين السياسي والمثقف، التي تظل شائكة بحكم تداخل مجالات المثقف والسياسي بسبب تطورات دوائر التأثير المجتمعية، ولكن يبقى أن كل طرف يحاول أن يحافظ على حدوده ومجالات انشغاله، ثم تغليب قضايا الإنسان المصيرية، كالحرية والعدل، على قضايا أقل أهمية، كالجشع الحزبي والتنظيمي.

إنّ المثقف الذي يعنينا هنا، بمعزل عن كل النقاش الدائر حول تعريف المثقف وتحديد أدواره والتزاماته، التي استفاض فيها النقاش كثيرا وما زال؛ هو المثقف الملتزم بقضايا المجتمع المصيرية، والقادر على التفاعل والتأثير في شبكات المجتمع المتعددة، والمختلفة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، والقادر على النفاذ إلى المشترك الإنساني، واستنباط قيم المجتمع المتوافق عليها، والدفاع عنها ضد الإيديولوجيات والاستبدادات والاستلابات الممكنة. إنه المثقف العمومي بتعبير المفكر العربي "عزمي بشارة"، وهو المثقف الذي ينظر للمجتمع وقضاياه بانحيازية علمية بالمفهوم الهيكلي للكلمة، وهو يستشعر ويتحمل المسؤولية الكبيرة، المتعلقة بنقد وتوجيه حِراكات ومشاكل المجتمع المصيرية بعقلانية محايدة جدا(5). إنه الفنان والموسيقي والرسام والمعلم والأستاذ والمفكر والكاتب والصحفي، وكل النخب التي تتعامل مع المعرفة والفكر بوجه من الأوجه، والتي تتعامل أيضا مع قيم الإنسان ومشاكله وآلامه وهمومه، وتحاول تبعا لذلك تنمية هذا الإنسان والدفاع عنه، أمام كل أوجه المظلومياتالمتعددة، بمعزل عن كل التمايزات الشخصية، وحتى الجماعية.

لقد ارتبط المثقف تاريخيا بأسئلة التغيير والمساءلةوالتوجيه، وحتى الثورة؛ حيث كان الملهم للثوار، والمدافع عن اختيارات الشعوب المصيرية، كما كان يُفرز دائما مثقفو البلاط والقصور الرئاسية، الذين يشاركون في مؤامرات مضادة لحِراكات الشعوب نحو التغيير. وغالبا ما تحاول هنا هذه الفئة النفاذ لدوائر التأثير داخل المجتمع، ومن ثم الضغط بوسائل معرفية وثقافية تحسن الحديث بها، ونشرها بأريحية تامة لكي تُمِّوه النقاش العام، وبالتالي الحيلولةدون نجاح أية تجربة مجتمعية تغييرية. المثقف العربي هو الآخرشهد أهم تحول نوعي منذ أواخر السبعينيات ومرحلة استقلال معظم الدول العربية، مرورا بمراحل الصراعات والحروب الأهلية، ووصولا إلى مرحلة الربيع العربي، التي شهدتها العديد من الدول الشرقية والمغاربية في بداية القرن الحادي والعشرين. وكان المثقف يعيش نفس أزمات الأنظمة السياسية التي تلاحقت على الفضاء العربي، ويعيش أيضا نفس طفرات التغيير والتقدم التي تشهدها المجتمعات العربية. فكان إذن، يتأثر ويؤثر في مسارات التغيير، سواء إلى الأسوأ أو إلى الأحسن، وهذا طبيعي بحكم ارتباط المثقف الجذري بمؤسسات المجتمع المختلفة، المباشرة منها وغير المباشرة.

لكن المثقف العربي تراجع كثيرا في مرحلة الضعف الكبرى، والتي يمكن أن نؤرخ لها منذ بدايات التسعينيات من القرن الماضي، عن مكتسبات الريادة الثقافية والفكرية في وطن جريح ومستلب، من طرف أنظمة استبدادية شكلت الجهة الوحيدة الموجِهة لخيارات الدولة والمجتمع معا، بدون منازع أو معارض. وربما الأمر المُستحدث هو ظهور مثقفي السلطة، الذين يناضلون من أجل بقاء السلطة الحاكمة ونُمِّوها ونُضجها، مستعملين وسائل الدفاع المشروعة وغير المشروعة أخلاقيا وقيميا، من أجل إنجاح تَمركُز السلطة الحاكمة، حتى ولو حدثت إبادة جماعية من أجل هذا الهدف. ولعل الثورة السورية التي أعقبت الربيع العربي، أبانت عن هذا الصنف من المثقفين في دفاعهم عن جرائم النظام السوري، وهو يمارس جل أنواع القتل والتعذيب في وجه الأبرياء من أبناء الشعب السوري. هؤلاء المثقفون "المقاتلون" تحت الطلب، لم يستطيعوا تغليب منطق الإنسان في دفاعه عن حريته قبل تغليب منطق الأيديولوجيا في دفاعها عن قُبح الإنسان. ووضعية هؤلاء المقاتلينبالرأي تشبه أولئك المثقفين الساكتين، والمُنزَوينفي مخابئ النخب والمُحتَمينبدفء المناصب الأكاديمية، والخائفين من ثم على ضياعها بمجرد إبداءآراء أو مواقف ضد النظام، أو مؤسسة من مؤسساته، أو رمز من رموزه. هنا يتخاذل المثقف عن أداء دوره التاريخي، ويَخون أمانة التفكير الإنساني التي أُوكلت له، باعتباره الوجه الممانع للطغيان، والناطق باسم حرية الشعوب، والمُمثل لصوت العقل داخل المجتمعات.

واحد من أوجه الخيانات المفزعة للمثقف العربي أيضا، كانت في خضم الثورة الربيعية التي شهدتها مصر كأحد أهم الثورات العسيرة التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط، بالمقارنة مع ثورات كل من تونس وليبيا واليمن، ولكن باختلاف كبير مع نظيرتها السورية. فيما يخص الوضع الإستراتيجي لمصر، سواء باعتبارها دولة قوية عسكريا في المنطقة، وتؤمّن بذلك استقرار العديد من الدول المجاورة كإسرائيل، أو سواء باعتبارها نظاما سياسيا سلطويا قويا، استطاع ردع أهم تنظيم ديني وسياسي ضخم منذ تأسيسها؛ كل هذا جعل الثورة المصرية تتراوح بين التعقيد والدموية، خصوصا وأنّ أطرافا دولية وإقليمية عديدة تدخلت في صياغة الوضع السياسي الحالي بشكل جلي. اختلاف أطراف المجتمع المصري من سياسيين ومثقفين ورواد المجتمع المدني، في خضم الثورة وما بعد الثورة، كان شيئا عاديا، بل صحيا في مجتمع بدأ للتَّو في تقرير مصيره، ورسم معالم طريق نحو بناء دولة مؤسسات تعتمد على الديمقراطية والحريات. ولكن الأمر الحساس في مسيرة الثورات هو الزج بهذه الاختلافات نحو التصعيد الدموي، وغالبا ما يلجأ النظام الاستبدادي لهذه الوسيلة السهلة جدا، في محاولة لاسترجاع دواليب الحكم بإيعاز من قوى مناوئة؛ وهذا ما نسميه بالثورة المضادة. إنَّ الاقتتال الذي وقع إبان الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين، كان يمكن تجنّبه لو تمّت التعبئة السلمية لجميع النخب الثقافية والفكرية والسياسية، ضد أي تدخل مسلح للنظام في وجه التجمعات والمظاهرات. ولكن الذي وقع هو غلبة الأيديولوجيا السياسوية الضيقة للنخب السياسية من كلا الطرفين، والتي أسهمت بشكل جوهري في عملية الاحتقان بين الثوار في الشوارع، وسقوطهم في المواجهات الدامية. لقد فشل المثقف، في واحدة من أبرز التجارب الثورية، في الوقوف ضد استمرار الظلم والاستبداد والفاشية بجميع أنواعها، بل أبان عن مكر الإنسان، وهو يُستلب من طرف الأيديولوجيا الضيقة، أو الفاشية الدينية، أو سلطة المال.

إنها إذن خيانة المثقفين، حين يتعرض الفكر للانحلال والاستلاب، وتتعرض من خلاله كل القيم النبيلة التي وُصف بها المثقف قديما، كالفارسالمغوار الذي يدافع دوما عن الحق والعدل في الأرض. إنهم سبب الخزي الذي يعيشه العالم العربي بحكم انتهاكات الأنظمة الاستبدادية وصمته عليها، أو تواطئه معها،سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. إن دور المثقف المصيري هو "أن يُقدّم سُرودا مختلفة، ومناظير أخرى للتاريخ غير تلك التي يوفرها المُولَعون بالقتال لصالح الذاكرة الرسمية والهوية القومية، الذين يرغبون بالعمل في شروط وحدات مزيفة، والتلاعب بالشيطنة أو تشويه صور السكان غير المرغوبين أو المطرودين، وتفريخ الأناشيد البطولية لكي تكتسح بها كل ما هو أمامها".(6)


(1) أساطين الفكر، عشرونا فيلسوفا صنعوا القرن العشرين، روجيه بول دروا (2011)، ترجمة علي نجيب إبراهيم دار الكتاب العربي (2012)

(2) نفس المرجع.

(3) خيانة المثقفين، النصوص الأخيرة، إدوارد سعيد، ترجمة أسعد الحسين، عن دار نينوي للدراسات والنشر بيروت (2011)

(4) نفس المرجع.

(5) فكرة مقتبسة من محاضرة لعزمي بشارة حول المثقف والثورة، ألقاها في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

(6) خيانة المثقفين لإدوار سعيد (انظر المرجع أعلاه).