المسيحيّة والعرب

فئة :  مقالات

المسيحيّة والعرب

يُقدّم نقولا زيادة في كتابه "المسيحيّة والعرب" عرضاً لأحوال المسيحيّة وتطوراتها في البلاد العربية، منذ ظهورها حتى العصر الحديث. والبلاد العربية في كتاب زيادة هي الامتداد الجغرافي من جبال زاغروس والخليج العربي شرقاً إلى الصحراء الغربية المصرية غرباً، ومن جبال طوروس وأرمينيا شمالاً إلى البحر العربي وأواسط السودان جنوباً، وهذه الإشارة تبدو ضرورية لملاحظة أنّ بلاداً عربية واسعة أصبحت اليوم جزءاً من تركيا، وأنّ بلاداً عربية واسعة (شمال أفريقيا وتشاد) لم تعد اليوم عربية.

عندما ظهرت المسيحية في القرن الأول الميلادي، كانت المنطقة خاضعة للإمبراطورية الرومانية، وكان يستوطنها شعوب عدة، أقدمها السومريون، وشعوب سامية جاءت من الجزيرة العربية، وهبطت إليها من الشمال مجموعات آريّة من الحثيين والأرمن، وجاءها من الغرب من مصر الفلسطينيون الذين نسبت إليهم فلسطين، وجاءت من اليونان مجموعات على شكل جماعات صغيرة تعمل في التجارة والصناعة ومرتزقة في الجيوش البابلية والفارسية.

ودجّنت هذه الشعوب بعض الحيوانات، مثل الحمار والجمل، وجاءت إليها الشعوب المهاجرة بالحصان والعربة والحديد، وكانت لبلاد الشام مشاركة أصيلة في المدنيّة والحضارة عدا عن كونها قنطرة عبور للحضارات القادمة وبخاصّة من النيل والرافدين، وكان لها طقوس ومعتقدات تعبّر عنها الأساطير، ثم عبادة الآلهة، فكانت أسطورة الخليقة البابلية (جلجامش) وسفر التكوين في العهد القديم، وأناشيد الأسفار الروحيّة إلى أن عُبد الله الذي لا إله إلا هو.

ثمّ احتلّ الإسكندر المقدوني المنطقة في القرن الرابع الميلادي، وظلّت البلاد تحت حكم اليونان وتأثيرهم من مطلع القرن الأول الميلادي إلى منتصفه، عندما صارت جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، وقد شغل السلوقيون خلفاء الإسكندر بإنشاء المدن التي كانت مركز إشعاع حضاري وفكري، مثل أنطاكية وسلوقية واللاذقية وأفامية وبعلبك (هيليوبوليس) وحلب ومنبج (هيرابوليس) وعنجر (خلقيس) ونصيبين وحماة، وجدّدوا المدن الساحلية الممتدة على ساحل المتوسط، صيدا وبيروت وصور ويافا وعكا وغزة،... وأطلقوا الحريّات الدينية، وأنفقوا على المعابد، وازدهرت مدارس فلسفية عدة، مثل المدرسة الرواقية.

وورثت الإمبراطورية الرومانية السلوقيين اليونان، وأصبحت سورية ولاية رومانية ومحطة للجيوش الرومانية في توسّعها شرقاً، وقد ولد المسيح في عهد الإمبراطور أغسطوس، ومن أباطرة الرومان أيضاً تيطس (69م – 81م)، وكان قائد الحملة على بيت المقدس لمعاقبة الثوار اليهود، فاحتلّ المدينة وهدم أسوارها والهيكل، ووضع فيها حامية رومانية، ومنهم أيضاً نيرون الذي وقع في زمنه حريق روما، وقيل إنه أحرقها كي يتفرّج على ألسنة النيران تملأ الفضاء، ثم ألصق التهمة بالمسيحيين، فأوقع فيهم العذاب والتنكيل والقتل والتشريد، وفي زمن تراجان احتلّت البتراء (106م) وأنشئت ولاية عربية مركزها بصرى، وقد اضطهد المسيحيين، وفي زمن هدريان قامت ثورة يهودية في القدس (135م)، فقتل هدريان زعيمهم عقيبة، وأخرجهم من القدس، وحوّلها إلى مدينة رومانية مظهراً وروحاً وتنظيماً، وسمّاها "إيليا كابيتوليتا"، وقد اضطهد المسيحيين، واضطهدوا أيضاً في عهد انطونيوس وأوريليوس.

وحدثت فوضى عمّت الإمبراطورية بين سنتي 235 – 284، ثم أعاد ديوقلتيان (284م – 306) الاستقرار، وخلفه قسطنطين (306 – 337)، وقد أجرى إصلاحات إدارية ومالية وتشريعية شاملة، وفي عام 313 اعتبر المسيحية من أديان الإمبراطورية، ثم اعتبرها ديناً ذا مكانة خاصة (324م)، وأصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية في عام 380م.

بنى قسطنطين مدينة القسطنطينية واتخذها عاصمة، مؤسّساً بذلك لانقسام الإمبراطورية الذي حدث بالفعل عام 395م، عندما قسّم ثيودوسيوس الإمبراطورية بين ولديه هنوربوس (روما) وأركاديوس (القسطنطينية)، وصار اسمها الإمبراطورية البيزنطية، وانتهت الأولى (روما) عام 476م، ولكن القسطنطينية بقيت حتى عام 1453، وإن خرجت منها سورية عام 640م في عهد هرقل.

كان للعرب في القرن الأول الميلادي وجود بارز في بلاد الرافدين وأنطاكية والرها (أوديسا) وتدمر، وكان للأنباط والأدوميين دولة في جنوب سورية، وكتب عنهم استرابون (جغرافيّ اليوناني في القرن الأول الميلادي): "كانوا سادة دمشق وما والاها من سورية"، وكانت البتراء عاصمة الأنباط مدينة هلينسيتية، وإضافة إلى أهلها العرب والأنباط كانت تقيم فيها فئات تتكلم الآرامية واليونانية واللاتينية والعبرية.

وكانت جزيرة العرب قبل المسيح عربية اللسان، ولكنّ اللغة المستخدمة في الرافدين وبلاد الشام منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد هي الآرامية بقطع النظر عن الدولة الحاكمة كما حدث في أيام الكلدانيين والفرس، وقد وضع بالآرامية أدب كثير، حتى الجماعات اليهودية العبرية في القدس وما حولها كانت تستعمل الآرامية، وبعد تنصّر الآراميين صارت الآرامية تسمى السريانية.

وكانت اليونانية لغة الحكم والقانون والعلم والأدب، وانتشرت في مصر، حتى إنّ يهود الإسكندرية لم يكونوا قادرين على فهم العهد القديم إلا باليونانية، وكانت لمصر لغتها التي طوّرت منذ أيام الفراعنة نظاماً للكتابة الهيروغليفيية المبنيّة على الصور، ثم تطوّرت إلى الكتابة القبطية.

كانت اليهودية هي السائدة في القدس وأرباضها، وقد كانت منقسمة إلى ثلاث جماعات، هي: الصدوقيون، والفريسيون، والقانويّون.

يمثل الصدوقيون المحافظون، وهم الشريحة الأعلى في الجماعة الدينية ، النخبة أو النبلاء، ومنهم الأثرياء ومؤيدو الكاهن الأعظم والأسر النافذة في القدس. والفريسيون هم متدينون علمانيون (إن صح التعبير)، والقانويون متطرفون وكانوا يستخدمون العنف ويلجأون إلى الاغتيال.

وأظهرت مخطوطات البحر الميت التي اكتشفت عام 1947 وجود جماعة رابعة هي "الأسينيون"، وهم طائفة اعتزلت الناس، وعاشت بعيداً بجوار البحر الميت، يطمحون إلى الكمال، ويبدو أنّ خروجهم كان احتجاجاً على المكابيين اليهود الذين كانوا يظلمون الناس، وأقاموا في الصحراء وبجوار البحر الميت (150 ق. م – 66م)، وفي هذه الفترة دوّنوا مكتبتهم التي عُرفت بمكتبة قمران أو مخطوطات البحر الميت.

العهد الجديد – كتاب المسيحيّة:

يقسم الكتاب المقدس إلى قسمين: العهد القديم، والعهد الجديد، ويتألف العهد الجديد الذي هو كتاب المسيحية من أربعة أناجيل، هي التي كتبها متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وقد دُوّنت الثلاثة الأولى بين سنتي 65 -90م، ودُوّن الرابع بين سنتي 110 – 125م، ويضم العهد الجديد أيضا أعمال الرسل وأخبار الأوائل ورسائل وُجّهت إلى المؤمنين في القرن الأول. لم يتمّ القبول بالعهد الجديد قانوناً للعمل والرأي المسيحي إلا في القرن الرابع الميلادي، وقد كتبت جميع الأناجيل باليونانية.

جاءت المسيحية ثورة روحية، واعتبرت الناس جميعاً سواء، بينما اقتصرت اليهودية على اليهود/ شعب الله المختار، وكان المسيحيون في القدس يعتبرون فرقة يهودية جديدة، وقد كان اليهود ينتظرون المسيح المنتظر، ولكنهم اعتبروا المسيح والمسيحيين خوارج على الدين اليهودي. وأمّا في أنطاكية البعيدة عن اليهود، فقد كانوا يعتبرون ديناً جديداً، وهناك أطلقت عليهم تسمية المسيحية للمرة الأولى. والحال أنّ المسيحيين كانوا يعتبرون أنفسهم ديانة جامعة عامة مختلفة عن اليهودية، وقد تخلّت هذه الجماعة عن الطقوس اليهودية، ويعتبر بولس الرسول أهم مُنظّر لها.

وبمجيء عام 100 ميلادي كانت المسيحية قد انتشرت وثبتت أقدامها في جميع أنحاء بلاد الشام ومصر وجزر المتوسط، وقد كانت أسرع انتشاراً في المدن السورية خارج فلسطين، بسبب التأثير اليهودي، ونشأت كنائس مسيحية في أنطاكية وأرمينيا وأوديسا (الرها أو أورفا)، وكان انتشارها في المدن أكثر من الريف، وكانت لغتها السريانية واليونانية (حسب السكان والمدن) واللاتينية في إيطاليا وأوروبا، وصار لها بطاركة وكنائس مركزية في روما والقسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية، واعتبرت هذه المراكز بطريركيات، وأمّا القدس، فاعتبرت بطريركية خامسة سنة 451م، ويلي البطريرك أساقفة، ثم شمامسة ومساعدون..

وكان أشدّ الناس عداوة للمسيحيين اليهود ثم اليونان الهيلينستيون والرومان بسبب اختلافهم الديني ورفضهم تقديم القرابين والطقوس السائدة، ويرونهم خطراً على النظام السياسي والاجتماعي للدولة، وكان أول اضطهاد رسمي للمسيحيين على يد الإمبراطور نيرون (57 - 68م)، ومن شهداء هذا الاضطهاد الرسولان بطرس وبولس، وزاد الاضطهاد عنفاً في عهد دومينان (81 – 96م)، ولكنّ بعض الأباطرة تسامح مع المسيحيين، مثل إسكندر سفيروس (222 – 235) وفيلبوس العربي ابن مدينة بصرى (244 – 249م)، وبلغ الاضطهاد أشدّه في عهد ديوقلتيان (284 – 305م) الذي قتل عدداً كبيراً من المسيحيين، ودمّر كنائسهم.

ولكنّ المسيحية واصلت انتشارها، ويردّ بعض الباحثين ذلك إلى حالة الضياع الروحي التي سادت وفقدان الثقة بالأديان القديمة، وما أصاب الإمبراطورية من أزمة اقتصادية اجتماعية، وفي ظلّ ذلك جاءت المسيحية برأي جديد رفيع وإيمان عميق سماوي وأمل ورجاء في الحياة حاضرها وقادمها.

طلائع المفكرين المسيحيين:

نشأت المسيحية في ظلّ إطار متباين النزعات فلسفياً ودينياً، ومتعدد لغوياً: السريانية واليونانية أساساً إضافة إلى العبرية والعربية واللاتينية، كما أثّرت محاولة إحياء الأفلاطونية في القرن الثالث على بعض النواحي في المسيحية. بدأت البدع في المسيحية بمحاولة التوفيق بين المسيحية واليهودية، والتوفيق بين المسيحية والهيلنستية، وسُمّي هؤلاء الغنوصيون، ولكنّ الغنوصية كانت تبدو متقدّمة فكرياً لا يفهمها العامة، وكانت الإسكندرية، كونها مقراً للمدارس الفلسفية واللاهوتية، مسرحاً للصراع والاختلاف الفكري والديني.

وظهر في هذا الجدل مجموعة من المفكّرين المسيحيين، مثل يوستين الذي وُلد في نابلس، ثم خرج منها إلى أنطاكية طلباً للمعرفة، وكان وثنياً فاعتنق المسيحية، واستشهد بين سنتي 163 – 167م، وتينان السوري الذي يُعتبر مؤسساً للمسيحية السريانية، والذي ألّف باليونانية كتاب "دياتسرون" ثم نقله إلى السريانية، وشاركه في تأسيس المسيحية في أنطاكية بارديصان، وهيغسبس الذي كتب "المذكرات" في الجدل مع خصوم المسيحية (اليهودية والفلسفة اليونانية) وأصحاب المذاهب والبدع المسيحيين، وكان في الإسكندرية اقلمنضس الإسكندري (150 – 215م) وأوريغون المصري.

المسيحية ديانة الدولة البيزنطية (القرن الرابع إلى السابع الميلادي)

كانت المسيحية في مطلع القرن الرابع الميلادي يتبعها ثلث سكان الإمبراطورية الرومانية، واعتبرت في سنة 313م في عهد قسطنطين إحدى ديانات الإمبراطورية، وبدأ قسطنطين في سنة 324 يدخل الآراء المسيحية في تشريعات الدولة، واعتبرت الدين الرسمي للإمبراطورية سنة 380م.

ورغم أنّ قسطنطين اعتنق المسيحية، فقد كان بحكم منصبه يعتبر الكاهن الأعظم للدولة؛ أي رئيساً لجميع أديان الدولة المعروفة والمعتمدة، وكان يرى أنه بحكم ذلك المنصب رئيساً للكنيسة المسيحية، ونصّب نفسه الحكم والمرجع لبطاركة الكنيسة وأساقفتها، وكان ثمة اختلاف كبير داخل المسيحية، ولا بد أنه اطلع عليه، أو استعان به قادة الكنيسة.

كانت الآريوسية أكبر تحد للكنيسة في أوائل القرن الرابع الميلادي؛ فقد كان آريوس وهو أسقف ليبي يرى أنّ الله هو الإله، وأنّ المسيح مخلوق، وإن تميّز عن المخلوقات، وكان آريوس عالماً بالدين والفلسفة وشاعراً فصيحاً وواعظاً مؤثراً، فاتبعه خلق كثير، كانوا يردّدون في الساحات والأماكن العامة أناشيده التي ألّفها، وتتضمّن آراءه الدينية.

ولحسم هذا الخلاف الذي تحوّل إلى انقسام دعا قسطنطين إلى اجتماع عُقد في نيقية سنة 325م، واعتبر هذا الاجتماع أول مجمع مسكوني، وأصدر المجمع قانون الإيمان؛ "الإيمان بإله واحد خالق السماء والأرض، وبربّ واحد هو المسيح ابن الله الوحيد، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وصُلب وتألّم وقبر، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الأب، وبالروح القدس الرب المحيي المنبثق عن الأب".

ظلّت قضية المساواة في الجوهر بين الله والمسيح موضع خلاف، ولكن أخطر ما في نيقية أنه أسّس للمزج بين الكنيسة والدولة؛ فقد كانت حياة المجتمع المسيحي قبل ذلك تقوم على الحريّة، ولكنّ الكنيسة صارت مؤسسة ذات امتيازات، وأصبح الذين يخالفون قوانينها يعاقبون كما يعاقب المخالفون في الدولة، وصار الخصوم يستعينون بالسلطة السياسية ضد بعضهم بعضاً.

وظهرت حركة الرهبنة في القرن الرابع على هيئة حركة تنسّك وعزلة، وربما كانت احتجاجاً على الدمج بين الكنيسة والدولة، ويعتبر أنطونيوس الكبير مؤسس الرهبنة؛ فقد اعتزل هذا الأسقف المصري حياة المدن ليلجأ إلى الصحراء، ثم إلى كهف مطلّ على البحر الأحمر، وتبعه نسّاك كثيرون، ثم صار النسّاك يجتمعون في مكان واحد (دير)، وتحوّلت الأديرة إلى أمكنة للعبادة والعلم والعمل والإنتاج، ثم صارت مؤسساتمنظمة تنظيماً دقيقاً، وبخاصة بعد أن انضمّ إليها باخوميوس الذي كان جندياً في جيش قسطنطين.

وكانت الرهبنة قد انتشرت بين المسيحيين الآراميين/ السريان قبل الرومان، وانتشرت بينهم حركة مستقلّة للتنسك، ويبدو أنّ التنسّك كان معروفاً قبل المسيحية، ومن مفكّري المسيحية السريانية بارديصان الملقّب بالفيلسوف الآرامي، ومن علماء السريانية أفرام الأول عالم اللغة، ومن النسّاك سمعان العمودي، ومار مارون.

وأقبل الناس على المسيحية إقبالاً كبيراً، وانتشرت الكنائس، وتحوّل النظام السياسي والاجتماعي إلى التماسك والاستقرار، وازدهر الفن. وقد اختير في أوائل القرن الراهب الأنطاكي نسطوريوس بطريركاً للقسطنطينية، وكان على منهج يوحنا في إصلاح الكنيسة بعدما أصبح قادتها في حياتهم وسلوكهم كالملوك، وأثار ذلك ضدّه خصومة بطريرك الإسكندرية فحرّض الإمبراطور عليه، وحكم عليه غيابياً بتهم باطلة، وأخرج من المدينة ونُفي إلى البتراء، ثم إلى واحة بعيدة في ليبيا، وظلّ فيها إلى أن مات سنة 452م.

ولكنّ نسطور ظلّ يتبعه المسيحيون الآراميون في الشام، وكانوا يرفضون الرأي الخلقيدوني (الطبيعتان) وسُمّي أتباع الطبيعة الواحدة المونوفيستيين، ودبّ خلاف عميق في المسيحية، وقف الإمبراطور يوستنيان فيه إلى جانب الخلقيدونيين، وانتهى الأمر في القرن السادس إلى انقسام الكنيسة المسيحية، خلقيدونية يونانية منتشرة في القسطنطينية والإسكندرية والمدن الناطقة باليونانية، ومونوفستية تؤمن بطبيعة واحدة للمسيح منتشرة في المدن والمناطق الآرامية داخل سورية وشرقيها وفي مصر. ويمكن القول إنّ التدخل القوي للدولة في شؤون الكنيسة كان سبباً في الانفصال والانقسام، وقد تداخل في هذا الأمر شعور قومي قوي ضدّ الإمبراطورية البيزنطية، فأصبح اعتناق المونوفستية دليلاً على الوطنية.

وانتشرت المسيحية بين العرب بدءاً بالبتراء وآدوم/ الأدوميين، وانتشرت أيضاً بين القبائل العربية في الصحراء وأطرافها، ونشأت ممالك عربية مسيحية منذ عصور مبكرة في تدمر وأمّ الجمال والحيرة (المناذرة)، ودمشق وبصرى (الغساسنة)، وكانوا يتّبعون المذهب النسطوري ويسمون نساطرة ويعاقبة نسبة إلى يعقوب البرادعي.

وفي هذا الخلاف الديني السياسي الاجتماعي أغلق الإمبراطور زينون مدرسة أديسا اللاهوتية؛ فانتقل أساتذتها إلى نصيبين التي كانت تابعة للدولة الفارسية، وهاجرت أو هُجّرت أعداد كبيرة من المونوفستيين والنساطرة إلى المناطق الفارسية أو بعيداً إلى الصحراء العربية، ولقي النساطرة تشجيعاً وترحيباً من الدولة الفارسية.

توسّط ملك الغساسنة الحارث بن جبلة لدى الإمبراطورة ثيودورا لإنشاءأسقفية عربية مستقلّة، وفي سنة 542م أصبح يعقوب البرادعي أسقفاً لبلاد الرافدين (الرها) وثيودور أسقفاً لبصرى، وقد بذل يعقوب البرادعي جهوداً خارقة لإعادة تنظيم المسيحيين في الرافدين، وصاروا يسمّون بفضل جهوده وأعماله "يعاقبة"، وظهر في مصر بطرس المونوفيسي الذي اجتذب أعداداً كبيرة من المسيحيين إلى المونوفوسية، وصار في نصيبين أسقفية للنساطرة أتباع نسطور، وكانوا من المسيحيين المقيمين في المناطق التابعة للدولة الفارسية. ولجأ عدد من المونوفيسيين المضطهدين إلى نجران في جنوب الجزيرة العربية، ثم انتشرت المسيحية في اليمن والحبشة (إثيوبيا) وانتشرت المسيحية في ظلّ الغساسنة، وأقيمت كنائس عدّة، مثل كنيسة الرسل في مأدبا (578م) وكنيسة متربوليت في بصرى (512م) وكانت كاتدرائية جميلة.

وانتشرت المسيحية أيضاً في سيناء ومدين (جنوب الأردن)، وكان في مكة والمدينة مسيحيون من أهلها أو من التجار الوافدين إليها، واعتنقت قبائل عربية المسيحية، ومنهم كندة وبنو أيوب، وأنشأ النساطرة أسقفيات في قطر والأحساء والبحرين.

كان أول ملك مسيحي في إثيوبيا هو عيزانا (320 – 342)، وكانت مرتبطة بكنيسة الإسكندرية المونوفيسية، ثم غزا ملك الحبشة أكسوم اليمن واحتلها ردّاً على تعذيب المسيحيين وقتلهم على يد "ذو نواس" ملك حمير اليهودي. لم تؤلف كتب مسيحية بالعربية، وإن كانت المواعظ تتمّ بالعربية، ولكن لغة اللاهوت والعلم والمدارس كانت السريانية أو اليونانية.

المسيحية في ظلّ الدولة الإسلامية:

دخلت ثلاث بطريركيات في الدولة الإسلامية، وهي أنطاكية والقدس والإسكندرية، وقد أطلق المسلمون الحريات الدينية، ولم يكونوا معنيين بالخلافات المذهبية، فلا يرونهم إلا مسيحيين، وأعيد البطاركة المتخفون إلى مواقعهم ومسؤولياتهم. وبدأ عدد الذين يعتنقون الإسلام يتزايد حتى صار أكثرية الناس مسلمين في القرن الخامس أو السادس الهجري (الحادي عشر أو الثاني عشر الميلادي)، وانتقلت المعرفة إلى العربية بالترجمة والتأليف، ولم تعد حكراً على المسيحيين كما كان الأمر في مطلع الفترة العربية الإسلامية، واختفت غلبة المسيحيين في بلاط الحكم.

وفي الغرب بدأت قيادة رجال الدين بالانحسار منذ القرن العاشر الميلادي، وحدث الانشقاق الكبير بين الأرثوذكس (القسطنطينية) والكاثوليك (روما) سنة 1054، وفي هذه البيئة الجديدة حدثت الحروب الصليبية، واحتلّ الصليبيون القدس سنة 1099، واستولوا على المدن الشاميّة الساحليّة، وأقاموا مملكة في القدس، وإمارات في طرابلس وأنطاكية والرها، واستعيدت الرها في سنة 1144، واستعيدت القدس في 1187 على يد صلاح الدين، واستردّ المسلمون آخر موقع من الصليبيين سنة 1291، وخرج الصليبيون نهائياً من بلاد الشام.

بدّلت الحروب الصليبية أيضاً في قيادة الدولة الإسلامية؛ فقد انتقلت إلى جماعات غير عربية حديثة عهد بالإسلام، ولم يكونوا قادرين على فهم النسيج الاجتماعي العربي ولا التمييز بين المسيحيين العرب والمسيحيين من الغرب، فحدث شرخ عميق بين المسلمين والمسيحيين في البلاد العربية، وبدأ النساطرة بالانحسار مع أفول الدولة العباسية نفسها التي كانوا جزءاً تاريخياً من بلاطها وقيادتها السياسية والدبلوماسية والعلمية.

أعاد المسلمون بعد استردادهم البلاد من الصليبيين إدارة الكنائس وأوقافها إلى أهلها الأصليين بعدما استولى عليها اللاتين، وفي أيام الدولة العثمانية جعل السلطان سليم كنائس الطبيعة الوحدة (كنائس الأقباط واليعاقبة والسريان والنساطرة والغريغوريين) تابعين للبطريركية الأرمنية، وتبعت بطريركيات أنطاكية وأورشليم للقسطنطينية، واستغلّ اليونان هذا التفويض ليستولوا على الكنائس والأوقاف، واقتصرت المناصب العليا في الكنيسة الأرثوذكسية منذ عام 1534 على اليونان حتى يومنا هذا، عندما تولّى البطريركية للمرّة الأولى يوناني بدلاً من البطاركة العرب، وقد استردّ العرب بطريركية أنطاكية من اليونان عام 1898

وبدأ المسيحيون المشارقة يتعرّضون لتبشير كاثوليكي مكثف منذ القرن السادس عشر؛ فنشأت بطريركية السريان الكاثوليك (1667)، وفُتحت أبواب كُليّة القديس يوسف أمام أبناء الطائفة الجديدة، وأنشئت بطريركية الأرمن الكاثوليك (1830)، كما أنشئت بطريركية الروم الكاثوليك للأرثوذكس المتحوّلين إلى الكاثوليكية (1724)، وانتشرت الكاثوليكية بين الأقباط في مصر، جرى ذلك ضمن حملة كبرى للفاتيكان وبدعم وتدخل مباشر من السفراء الأوروبيين (السفير الفرنسي خاصة) لاسترداد "الفئة الضالة من المسيحيين"، ثم بدأت في القرن التاسع عشر حملات تبشيرية للبروتستانت الإنجيلييين.

وفي الختام، يخلص المؤلف إلى أنّ هناك خلافاً جوهرياً حقيقياً بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية، وأنها ليست خلافات ظاهرية، وأنّ هذا الخلاف نابع من الخلفيات الحضارية التي عرفتها المنطقة خلال ستة آلاف سنة، والتي أسهم فيها كلّ مجتمع بغضّ النظر عن دينه، حيث إنّها مزيج من العمل المشترك المستمر.

المسيحية الشرقية هي جزء من الحضارة التي قامت في المنطقة، وهي اليوم حضارة عربية إسلامية يحميها الإسلام، والعربية وسيلة التعبير عنها، وكان المسلمون والمسيحيون والصابئة وغيرهم لبناتها، ومن ثمّ فإنّ كلّ مسيحي هو جزء من هذا المجتمع، له ما له وعليه ما عليه.