بين الديني والسياسي

فئة :  مقالات

بين الديني والسياسي

لا أميل كثيرًا إلى استدعاء مقولة "التاريخ يعيد نفسه"، لأنَّ كل حدث تاريخي مرتهن بجملة معطيات ليس بمقدورها التماهي مع لحظة تاريخية أخرى، ولكن حين نتابع العلاقة بين السياسي والديني في عصرنا، نلحظ أنها لم تكن في أحسن حالاتها؛ علاقة تكامل أو تصالح؛ فحين تُعْجِز السياسي المؤونة يلجأ إلى الدين لإضفاء مشروعية تسوِّغ سلوكه، وتجمِّل له انحرافاته وخروقاته، ولأن الدِّين رديف المقدَّس، فهو ورقة رابحة في يد السياسي، فليس بمُكنة أحد أن يزاحم هذه المؤسسة، أقصد الدينية، التي رفعت من جُدُرها حدًا لا تنافسها فيه مؤسسة أخرى، ولعل أخطر ما في الأمر أن الدِّين لدى السياسي صُيِّر مؤسسة لشرعنة ممارساته، واستيلاد مؤيدين لسياسته، وانتقلت هذه المؤسسة من دور الحصانة النفسية والسلوكية للمجتمع والفرد، إلى سلطة يصرِّفها السلطان كيفما شاء، ومارس أرباب المؤسسة سلطة لمحاربة الخارجين عن السِّرب والمعارضين لسياسات التدجين، ثم أباحت العلاقة التواطؤية بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية أن ترمي خصومها بالمروق وانتهاك المحرَّم، ولعل هذه التهم في ظل الثقافة الشعبوية أن تكون نهاية الزنديق، والملحد، والكافر، والمارق،...إلخ، فحين يتوارى الِحجاج المنطقي والحوار يمسي إلصاق التهم المتوارية بلبوس الدين ملجأً آمناً للسياسي.

فلا نعجب إن تواترت الحالات التي نُكِّل فيها بالمفكرين والفلاسفة والمعارضين، وباتت التهم الدينية أكثر الطرق اختصارًا لإقناع الرعاع بشرعيَّة هذا الصنيع، وحينها لا بواكي على هؤلاء (المارقين)، ولا مجال لضحايا الكلمة أن يَردوا ما قد حيك ضدهم، لأن الخصم هو الحكم ويملك سلطة المعنى والإشهار، بل التفسير أيضًا، وهذا ما حوَّل الحركة الدلالية للنص الديني من نص حامل للمعنى ومولِّد له، إلى نص شاهد على معنى جاهز ومقنَّن، وتحولت النصوص من فسحة كلامية واحتمال لا يتوقف عن التأويل إلى شَرك يوقع المتنصلين من عقال القبيلة وأسرها.

اختلف المؤرخون في سبب مقتل عبد الله بن المقفع؛ فبعضهم ردَّه إلى أنه كان زنديقًا ملحدًا مع إسلامه، وآخرون ردوه إلى نشاطه السياسي، وإلى الأمان الذي كتبه لعبد الله بن علي لما ثار على المنصور وفشل، وهو ابن عمه، فطلبه المنصور فخشي هذا أن يقتله، رغم وعده ألّا يفعل، فطلب من ابن المقفع أن يكتب له أمانًا يوقعه المنصور، ففعل وأفرط في الاحتياط والتضييق، حتى لا يجد المنصور في الأمان ثغرة يستغلها أو يفسرها على هواه، فأغضب هذا المنصور غضبًا شديدًا، خاصة ما جاء في الأمان من أنه عند إخلال المنصور بشرطه من الأمان يصبح المسلمون في حل من بيعته، ويصبح كل نسائه طوالق، فقال بعض الخلَّص من رجاله: أما أحد يكفينيه؟

وكان سفيان بن معاوية حاضرًا، وكان يحقد على ابن المقفع لهزئه به واحتقاره له، فاستغل الفرصة، وانتظر حتى وقع في يده فقتله وأحرقه مغتنمًا غضب المنصور عليه، حتى لا يسأله أحد عن دمه. أما أن ابن المقفع كان ملحدًا زنديقًا بعد إسلامه، فهذه تهمة لا برهان قاطعًا عليها، فقد كان الناس في هذا العهد يتهمون بالزندقة كل من قال بيتاً من الشعر فيه تعريض بالدين، أو استخفاف بالحرمات، وقد يكون الشاعر قال هذا في حالة سكر، أو متحديًا ساخرًا، فتلتصق به التهمة، ومن الحق أن يحاكم الأديب، لا أن يقتل دون سؤال أو إجابة أو دفاع.

وتضاربت الآراء واختلفت الروايات في تفسير ما حلَّ بابن رشد على يد الخليفة. فقد روى ابن أبي أصيبعة أن الخليفة قد ثارت حفيظته على ابن رشد، وذلك لدالة الأخير عليه أمام الجمهور ومخاطبته إياه في أثناء الحديث بـ "أتسمع يا أخي". كما ذكر ابن أبي أصيبعة أيضاً أن ابن رشد قد سمَّى الخليفة في أحد كتبه بـ "ملك البربر"، مما جعل هذا يهم بهدر دمه لولا تدخل أحد الأصدقاء، وذكر ابن رشد بأنه كتب "ملك البريَّن" لكن القرَّاء صحفوا ما كتب. وذهب الأنصاري المراكشي إلى القول بأن الخليفة أحسَّ بميل ابن رشد إلى أخيه ومنافسه أبي يحيى والي قرطبة، فحقد عليه وأضمر له السوء، وعندما جاء بعض الناس إلى الخليفة بنصوص من كتب ابن رشد وفسروها بما يفيد مخالفتها للدين، وجدها الخليفة فرصة سانحة للتخلَّص من ابن رشد والظهور بمظهر المدافع عن الدين.

لم تتوقف هذه العلاقة الملتبسة عند حدّ النماذج التي وثَّقتها الأحداث، بل ظلَّت لهذه الممارسات سيرورتها؛ لغياب الرؤيا في ترسيم الحدود الفاصلة بين الحرية والممارسة، وبين الوعي والوعي المضاد.

"إن كلمة كلب لا تعض" هذه العبارة الشهيرة التي أطلقها أحد كبار اللسانيين البنيويين تنبيهًا للفارق بين المدلول والمرجع، قد لا تصح تمامًا على الفكر؛ لأنَّ الكلمة التي هي سبب التضحية بأحرار الفكر قد تعضُّ وترفس وتُلحق الأذى بالعباد والبلاد، وتغدو مقاومتها ووأدها من النخوة والشجاعة. إن الكلمة لا تعضّ، ولكنها في صفقة مريبة بين السياسي والديني، تصبح تدميرًا للبنى المعرفية، وشكلاً من أشكال الصعلكة.