حوار مع لطفي عيسى التّاريخ الثّقافيّ في اتّجاه الوعي بالتّنوّع


فئة :  حوارات

حوار  مع لطفي عيسى  التّاريخ الثّقافيّ في اتّجاه الوعي بالتّنوّع

حوار[1] مع لطفي عيسى[2]

التّاريخ الثّقافيّ في اتّجاه الوعي بالتّنوّع

د. نادر الحمّامي: الأستاذ لطفي عيسى، تتقاطع بحوثك في التّاريخ الثّقافيّ مع مناهج أخرى من سياق العلوم الإنسانيّة، من مثل التّاريخ الاجتماعيّ والأنثروبولوجيا الثّقافيّة، فهل ترى أنّ المؤرّخ عليه أن يستفيد من تعدّد المناهج والمقاربات في العلوم الإنسانيّة عموماً؟

د. لطفي عيسى: لا يمكن بأيّ شكل أن نتحدّث عن مناهج في علم التّاريخ خارج إطار مجال البحث في العلوم الإنسانيّة، فالتّقسيم التّقليديّ للمعرفة ينبني اعتبار وجود مناطق صلبة في العلوم تشمل ما يسمّى العلوم الصّحيحة على اختلاف امتداداتها وتفرّعاتها، ومناطق أخرى رخوة تشمل فضاء العلوم الإنسانيّة، الّذي ينتمي إليه مجال اشتغال المؤرّخ ضمن المعرفة التّاريخيّة بكلّ تخصّصاتها وامتداداتها بداية ممّا يُعدّ ما قبل التّاريخ إلى الزّمن الرّاهن؛ ويعتمد النّظر في هذا التّحقيب الزّمنيّ على مناهج مختلفة. وفي ما يهمّ مبحث التّاريخ الثّقافيّ الّذي أشتغل عليه، فإنّ النّظرة إلى المناهج الّتي يمكن توظيفها في إطاره، تتعلّق أساساً بالمقاربة الّتي يعتمد عليها الباحث، والتي تمكّنه من أن يتواصل مع الزّمن بطريقة أفقيّة ويتعامل مع المجال من خلال ربط مقارنات الفضاءات الثّقافيّة بسياقات متعدّدة تضمن له قراءة متعدّدة الأزمنة للأحداث؛ بمعنى المحافظة على سياق منهجيّ موحّد في النّظر إلى حدث ما (راهناً) عبر أزمنة متعدّدة. وإذا كان المتخصّصون في التّاريخ العامّ يركّزون نظرهم في حقب بعينها مثل التّاريخ الرّومانيّ أو التّاريخ الحديث، على سبيل المثال، ويلتزمون بالمنهج الخطّيّ داخل تلك الحقب المدروسة، فإن المشتغل بالتّاريخ الثّقافيّ يمكن أن ينطلق من التّاريخ الرّاهن دون أن يغيّب، بأيّ شكل من الأشكال، كلّ ما يرى أنّه يفيد بحثه في الظّواهر المدروسة عبر الحقب التّاريخيّة المتداخلة، كأن يدرس مثلاً الحياة المدنيّة اليوم في المجتمعات المتوسّطيّة ويستدعي تاريخ الحياة المدنيّة في المجتمع الأثينيّ أو الرّومانيّ؛ لذلك فالتّاريخ الثّقافيّ يعتمد على المنهج الأفقي في النّظر إلى الحقب التّاريخيّة المتداخلة، ويوظّف منهج التّاريخ المقارن لينهي إلى نتائج يمكن الوثوق بها علميّاً.

د. نادر الحمّامي: ما تقوله يثير سؤالين؛ يتعلّق الأوّل بمدى اعتبار التّاريخ علماً قائماً على الحقيقة والموضوعيّة، ويتعلّق الثّاني بمدى مشروعيّة الاعتماد على منهج التّاريخ المقارن؟

د. لطفي عيسى: المسألتان مترابطتان ولا يمكن الفصل بينهما؛ فالتّعامل مع تعدّد الأزمنة لا ينطلق من مبدأ التّزامن أو التّعاقب الّذي تعتمد عليه المدارس التّاريخيّة، كما أنّ النّتيجة الّتي ينتهي إليها البحث في التّاريخ الثّقافيّ لا تسعى إلى تكريس منطق الحقيقة العلميّة الصّارمة الّتي تقول بها مناهج العلوم الصّحيحة، ويمكن اعتبار أنّ مارك بلوخ (marc bloch) (1886-1944) أوّل من طرح قضيّة التّاريخ الثّقافيّ، ضمن مدرسة الحوليّات، في مقال له حول تاريخ أوروبا المقارن (l'histoire comparé de l'europe)، نُشر سنة 1928، وبيّن فيه أنّ التّاريخ الثّقافيّ لا ينفصل عن تاريخ الذّهنيّات والفكر، وإنّما هو مرتبط بالأمد الطّويل، ما يقتضي نوعاً من التّداخل مع التّاريخ الاقتصاديّ والسّياسيّ، وهو تداخل يتأسّس على مبدأ المقارنة من وجهة نظر كونيّة؛ فحتّى ندرس خصائص التّاريخ الثّقافيّ لشعب من الشّعوب، لا بدّ أن ننتبه إلى ما يحيط به من جوانب أخرى تميّز تاريخ الشّعوب المحيطة به. ولا يقف مجال التّاريخ الثّقافيّ على جانب بعينه وإنّما هو يبحث في الظّواهر الثّقافيّة على اختلافها وتنوّعها؛ ومنها ما يتعلّق بالمهن والصّنائع والأنشطة المتنوّعة وعمليّات الوساطة الاقتصاديّة والتّعلّميّة وما يتعلّق بالعادات والتّقاليد والأعراف والممارسات السّياسيّة والفنّيّة والتّعبير عن «الرّوح الوطنيّة»، وما يتعلّق بالطّقوس والشّعائر التّعبّديّة والاحتفاليّة، وممارسات الحرب والسّلام، وإبداعات النّاس في تنظيم حياتهم وانفعالاتهم ومكتسباتهم المادّية والفكريّة والرّوحيّة، وتمتدّ مباحث التّاريخ الثّقافيّ أكثر في اتّجاه المباحث الأنثروبولوجيّة، وهو لا يعتمد على التّحديد التّاريخيّ الدّقيق، لذلك لا يعتبره بعض المؤرّخين علماً منفصلاً عن التّاريخ بل هو فرع منه.

د. نادر الحمّامي: نلاحظ أنّك أشرت إلى امتداد التّاريخ الثّقافيّ في اتّجاه المباحث الأنثروبولوجيّة، في مقال لك بعنوان «ما حاجتنا اليوم إلى أنثروبولوجيا تاريخيّة؟»، فما هي العوائق الّتي حالت دون أن يستفيد البحث التّاريخيّ العربيّ ممّا وصلت إليه تلك المباحث؟

د. لطفي عيسى: التّاريخ الثّقافيّ ليس إعادة تملّك (réappropriation) للتّاريخ، بل هو عمليّة «أهلنة» (l'indigénisation) له؛ أي إنّه اتّصال بشيء هو منّا وإلينا، والنّظر فيه على أنّه مألوف، من خلال تطبيقاته في الواقع وليس باعتباره تصوّراً نظريّاً أو اصطلاحيّاً، فنحن نعيش في بوتقة متحرّكة من حيث طبيعة الأفعال والأفكار، وقد نواجه في داخلها صدمات مختلفة، من ذلك أنّ العلاقة الّتي كانت تنبني في القديم مع السّياسيّ لم تكن تنفصل عن جوانب المقدّس، ولكنّها أصبحت في العصر الحديث منفصلة نسبيّاً أو كلّيّاً عن تلك الجوانب، وقد مرّ ذلك الانفصال بعدّة صدمات عبّر عنها واقع الأحداث وتضمّنتها الأفكار حول الممارسة السّياسيّة، حتّى أصبح السّياسيّ يُتمثّل من خلال الحياة المدنيّة وفي إطار المجال العموميّ، ولا علاقة لذلك بالمتصوّر القديم الّذي يعمّق نوعاً من الفوبيا في علاقة المحكوم بالحاكم، والّذي تحفظه الذّاكرة الجماعيّة لتستعيد بعض ملامحه في بعض الفترات من تاريخها الرّاهن، وقد تعمّق في دراسة ذلك السّوسيولوجيّ الفرنسيّ موريس هالبواكس (maurice halbwachs) (1877-1945). لذلك، فالذّاكرة الجماعيّة تنفصل عن التّاريخ موضوعيّاً، ولكنّها تعود إليه بناءً على نوع من التّوافقات الّتي تعقدها مع الرّاهن، حيث إنّه لا يمكن في هذا الزّمن أن يأتي باحث أو سياسيّ فيبني «خرافة» جماعيّة بمعزل عن التّاريخ، ويطلب من النّاس أن ينخرطوا فيها؛ لأنّ ذلك لن يجد استجابة منهم. ومن ثمّ نفهم كيف أنّ ما يتمّ «ابتكاره» في أيّ مجال عموميّ لا يكون منقطعاً بشكل ما عن التّاريخ؛ وإذا نظرنا على سبيل المثال، في ما يحدث من تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة في تونس في العشريّة الأخيرة، فسنلاحظ بوضوح كيف بدأ الحديث عن سياسة «التّوافق»، ومع أنّ الجميع يعلم بأنّها ابتكار سياسيّ ظرفيّ فرضته جملة من المعطيات المعلومة، فإنّ جميع الأطراف الدّاعية إلى ذلك عملت على إلباسه بالتّاريخ، وتمّت استعادة «خرافة» التّوافق منذ علّيسة وتأسيس قرطاج إلى اليوم، والغرض من ذلك أن يكون لتونس تلك القدرة على إحداث توافقات مبنيّة على «حكاية تونس»، وهي حكاية لا تنتسب بالضّرورة إلى واقع تاريخيّ دقيق أو محدّد، وإنّما تنتسب بكلّ وضوح إلى الذّاكرة الجماعيّة المتعلّقة بالفعل في الواقع الرّاهن. وإذا ما نظرنا إلى التّاريخ باعتباره علماً، فسنلاحظ أنّ من يكتبه هو شخص يشتغل على ترتيب الأحداث وإعادة ربطها وصياغتها وتشكيل جملة من العلاقات في ما بينها، وتلك صناعة الغاية منها في النّهاية تلبية حاجة راهنة، ودون تلك الحاجة ما كان للتّاريخ أن يوجد؛ لذلك يقول عبد الله العروي: «إنّ عمل المؤرّخ لا يزيد عن تعليب الوقائع التّاريخيّة»، بينما الذّاكرة الجماعيّة، هي شيء يوميّ مندسٌّ في حياتنا دون ترتيب تاريخيّ مضبوط أو واضح بالضّرورة، ودون دقّة صارمة ولا موضوعيّة، ويتعيّن أن نكون على وعي بذلك، وهي متعلّقة بالماضي بمفهومه العامّ على اعتباره يحمل إجابات أساسيّة عن حاجياتنا الرّاهنة، وآفاق وجودنا في المستقبل، ولكنّها مع ذلك مسألة أخرى مختلفة تماماً عن التّاريخ.

د. نادر الحمّامي: أشرت إلى مثال «حكاية تونس» ومسألة التّوافق بين الفعل السّياسيّ الرّاهن وما يحيط به من تصوّرات هوويّة، فكيف تنعكس الذّاكرة الجماعيّة على مسألة الهويّة؟

د. لطفي عيسى: الذّاكرة الجماعيّة تؤسّس لنوع من المقبوليّة الّتي يحتاج إليها الفعل السّياسيّ الرّاهن لدى أفراد يحملون تصوّرات متباينة، ومن هذه الزّاوية فهي تفعل في التّصوّر العامّ للهويّة، من أجل تحقيق التّوازن المطلوب بين أكبر قدر من تلك التّصوّرات من جهة، وبين المجال العموميّ المشترك في الواقع بين جميع الفاعلين، وهنا تبدو صيغة الحكاية بالمدلول التّاريخيّ ذات أهمّيّة بالغة، على اعتبار أنّها تتّصل بالتّصوّر وبالمجال في آن واحد، وبالتّالي فهي تتّصل بالهويّة، وأستحضر هنا قولاً لمحمود درويش: «من يملك حكاية الأرض يرث أرض الحكاية». وهذا ما يجعل الشّعوب تتوجّه دائماً وقبل كلّ شيء إلى صناعة حكايتها الخاصّة. وهي تعود بشكل متواصل إلى الماضي عبر تلك الذّاكرة الجماعيّة، لتقوم بتركيب الحكاية من وجهة حاجيّاتها الرّاهنة.

د. نادر الحمّامي: كيف تتفاعل الذّاكرة الجماعيّة مع المقدّس؟

د. لطفي عيسى: يتعلّق الأمر في هذا المستوى بمدلول الضّابط الّذي يتأسّس عليه التّوافق الجماعيّ وبالتّالي الذّاكرة الجماعيّة، وقد ينتج عنه علاقة تقارب أو تباعد مع المقدّس، بحسب الغاية المأمولة من ذلك. وإذا اعتمدنا على مثال الفعل السّياسيّ الرّاهن، باعتباره فعلاً مدنيّاً بالأساس فإنّه يتطلّب بالضّرورة نوعاً من المواجهة مع المقدّس، ولعلّ شرطاً من شروط تحقّقه في المجال العموميّ أن يتخلّى عن المقدّس، ولكن دون التّخلّي عن المستوى الرّوحيّ الّذي لا يمكن الانفصال عنه. وطالما لم يتحقّق ذلك فلا يمكن أن توجد ساحة عموميّة مدنيّة، وبالتّالي لا يمكن الحديث عن سلوك مدنيّ لدى فئات المجتمع. وهذا ينعكس على المفاهيم السّياسيّة الّتي يتحرّك في فضائها الأفراد، فلو قام الاعتبار السّياسيّ على مبدأ القداسة الدّينيّة، فإنّ ذلك سوف يستتبع جملة المفاهيم ذات العلاقة بالمقدّس، ومن بينها مثلاً مفهوم «الأمّة» كأن نقول «الأمّة الإسلاميّة»، ونحن نتحدّث عن مجموعة من الشّعوب في مجال الشّرق الأوسط، ولو تخلّص الاعتبار السّياسيّ في المقابل من المقدّس فسوف يستتبع ذلك القول بمفاهيم أخرى مختلفة، ومن بينها مفهوم «الوطن»، على سبيل المثال. ويبدو أنّ الحياة السّياسيّة، في العالم العربيّ الإسلاميّ بشكل عامّ، لم تفصل فصلاً نهائيّاً بعد في هذا الأمر، وهذا يؤثّر في الرّاهن، ويسبّب خسائر حقيقيّة في بناء الحكاية من وجهة نظر علاقتها مع ما قبل الإسلام. لذلك لا بدّ أن تطرح شعوب المنطقة العربيّة على نفسها الكثير من التّساؤلات حول رؤيتها لما يسبق الإسلام، وكيفيّة تمثّل العلاقة الصّحيحة الممكنة مع ذلك الماضي البعيد، وهل ما إذا هي قادرة على استيعاب ذلك الماضي باعتباره مشتركاً كونيّاً، خاصّة أنّنا نقف على الإجابات الّتي قدّمها الغرب منذ قرون حول علاقته بماضيه الدّينيّ والحضاريّ، وانطلاقه من الإرث الإنسانيّ الكونيّ دون حدود المقدّس الّذي فرض الكثير من الأشكال السّياسيّة في القديم وليس قادراً على فرضها في الرّاهن. وأعتبر في هذا السّياق أن الأمر يتطلّب من شعوب المنطقة العربيّة أن تعيد النّظر في موقعها من التّاريخ ومن العالم، وأن تنظر إلى الإرث الكونيّ على اعتباره ذكاءً إنسانيّاً وليس حكراً على طرف دون آخر بمقتضى ما أضفي عليه من مقدّس، حتّى تكون قادرة على الاندماج في الكونيّة الرّاهنة بعيداً عن المحافظة والتّقليد.

د. نادر الحمّامي: الاندماج في الكونيّة، يتطلّب بالضّرورة التّخلّي عن فكرة الاستثناء، وهي فكرة متأتّية من تمثّل الغرب لكلّ ما يتعلّق بحضارة الشّرق وثقافته، وقد ساهم فيها المسلمون وعمّقوها حول أنفسهم، واتجهوا أكثر فأكثر نحو المحافظة والتقليد، كيف تقرأ ذلك؟

د. لطفي عيسى: هذا يعود إلى الانطباع الّذي يعتقد العرب والمسلمون في صحّته، وهو أنّهم خير أمّة أخرجت للنّاس؛ وذلك يجعلهم خارج إطار الوعي بواقعهم. وبالتّالي، فإنّهم يتمسّكون بالماضي على سبيل المحافظة عليه كما هو متصوَّر وفاعل في زمانه، دون إدراك للمسافة الّتي تفصلهم عنه، ودون محاولة إعادة صياغته من وجهة نظر إثبات التّقليد، أي قراءة التّقليد بالمسافة. ووجب أن نميّز هنا بين المحافظة والتّقليد؛ ففي اعتقادي إنّ التّقليد يتعارض مع المحافظة، ولعلّ عدم إدراك ذلك التّعارض هو السّبب في الخروج من الكونيّة الرّاهنة. فالتّقليد هو تكرار الشّيء إلى حدّ معرفته وبالتّالي تتكوّن القدرة على البناء عليه وصولاً إلى تجاوزه؛ أي إنّه لا يعني البقاء في الماضي كما لا يعني التّأخّر، بينما المحافظة هي صدمة وخوف من التّفسّخ الحضاريّ والثّقافيّ، تنتج عنها وضعيّة مكبّلة، تجد ما يبرّرها في الشّعور بالضّعف في مقابل الهيمنة الّتي يمارسها الآخر. ويمكن أن نلاحظ علامات ذلك التّمايز في مثال الصّناعات التّقليديّة، وهي صناعات تُنتج بآليات غير حديثة، ولكنّها قادرة على البقاء من منطلق تلبيتها للحاجة الرّاهنة منها سواء كانت تلك الحاجة مادّيّة أو جماليّة، لذلك فهي لا تتعلّق بالمحافظة وإنّما بالتّقليد، ولعلّ اهتمام الغرب بتلك الصّنائع عبر العصور دليل على ذلك، ونجد أمثلة ذلك الاهتمام في الموسوعات البريطانيّة والموسوعة الفرنسيّة للفنون والحرف (l'encyclopédie des arts et des métiers) الّتي تحتوي في نسخة القرن الثّامن عشر على سبعة مجلّدات من أصل ثمانية عشر مجلّداً تختصّ بالتّصميمات المتعلّقة بالحِرَف والصّنائع.

د. نادر الحمّامي: هل تعتبر أن التّمييز بين التّقليد والمحافظة يستوجب أيضاً تمييزاً آخر بين الكونيّة والعولمة؟

د. لطفي عيسى: القضيّة تكمن في سؤال كيف يمكن أن تكون علاقتنا بالذّكاء البشريّ الّذي لا يمكن أن نتنكّر له لأنّنا جزء من الإنسانيّة الّتي أنتجته؟ فميثاق الأمم المتحّدة النّاظم للحقوق الكونيّة يتأسّس على مجمل التّراكمات الّتي أنتجتها الإنسانيّة بما في ذلك التّراكمات الّتي لها علاقة بالمعتقد، وهذا يشمل جميع الحضارات ومن بينها الحضارة الإسلاميّة، وبالتّالي فهي معنيّة بتلك المنظومة كغيرها، ونحن جميعاً في النّهاية نركب سفينة واحدة تقلّ الإنسانيّة بأسرها، وما يُعتبر خطراً على بعضنا هو في الحقيقة يتهدّدنا جميعاً وما يُعتبر خيراً هو أيضاً خير لنا جميعاً، لكن التّصوّر الكونيّ يفترض نوعاً من الاتّفاق أو التّواضع عليه. في حين أنّ العولمة هي نسق مفروض في إطار هيمنة طرف أقوى على طرف أضعف، ينتج عنه الإلغاء، وهو محكوم ببرادايم «اقتصاد الخلاص» ونجد تحليلاً لذلك لدى ماكس فيبر (max weber) في ما يسمّيه «الاستراتيجيّات الاجتماعيّة»، وهو يعني أنّ المجموعات البشريّة يمكن أن توظّف رصيداً أخلاقيّاً أو اعتقاديّاً لبناء علاقة بالواقع يكون فيها الدّنيويّ أقلّ حظاً من الأخرويّ، ولكنّ هذا التّوظيف ما هو إلّا استراتيجيّة أو مناورة للحصول على الدّنيويّ. وبقطع النّظر عن الثّورة الاتّصاليّة والمكاسب الاقتصاديّة والتّطوّر العلميّ والتّقنيّ والصّناعيّ الهائل الّذي انفتحت عليه العولمة، فإنّها انفتحت أيضاً على الكثير من التّوحّش الرّأسماليّ والحروب المدمّرة، والاستعمار الجديد والإرهاب الدّينيّ السّلفيّ والكثير من الدّماء الّتي تراق كلّ يوم. لا شكّ في أنّ هذا كلّه مفروض على المنطقة العربيّة والإسلاميّة من قوى رأسماليّة همجيّة تريد لهم دائماً أن يكونوا استثناءً، تنظر إلى كلّ شيء من منظار مصلحتها دون مراعاة لمصلحة الإنسانيّة، لذلك فالعولمة ليست الكونيّة، بل هي نوع جديد من القرصنة الرّأسماليّة ذات النّزعة الاستعماريّة المتوحّشة الّتي تمثّل تهديداً للإنسانيّة.

د. نادر الحمّامي: وخلف ذلك الاستثناء، تكمن نزعة الغرب نحو تحقير الشّعوب الأخرى واعتبارها غير جديرة بالتّقدّم، ولعلّي أذكر هنا طُرفة مفادها أنّ «الدّيمقراطيّة لا يمكن أن تينع في المناطق الحارّة».

د. لطفي عيسى: هي نظرة قديمة جدّاً، تحمل استعلاءً غربيّاً تجاه الشّعوب الأخرى، ونجد أثراً لذلك في صورة إفريقيا لدى الرّحّالة والجغرافيّين الغربيّين قبل القرن السّادس عشر، وهي صورة تحمل مُصادَرة مضمونها أنّ سكّان هذه القارّة أقرب إلى عيش الحيوان منه إلى عيش البشر، وقد تناسوا عمداً أنّ هذه القارّة عرفت حضارات عظيمة خلّدتها الإنسانيّة مثل الحضارة الفرعونيّة وحضارة قرطاج البونيّة، وقد سادت لديهم تلك الفكرة حتى أصبحت شيئاً من المسلّمات الّتي كرّسها المدّ الاستعماريّ بعد ذلك، لتتحوّل لاحقاً إلى تصوّر ثقافيّ عن الآخر المختلف.

د. نادر الحمّامي: كيف يمكن النّظر إلى مسألة الهويّة في علاقة بمستوى التّعدّد الثّقافيّ، الّذي يفترض بشكل ما التّعامل مع الآخر (المستعمِر)؟ وهل يمكن أن تلتقي تصوّراتنا عنه مع تصوّراته عنّا؟

د. لطفي عيسى: كان دستور البلاد التّونسيّة الجديد (27 كانون الثاني/يناير 2014) نتاجاً لسجالات حصلت في السّاحة العامّة التّونسيّة، وهي الّتي مكّنت التّونسيّين من أن يلامسوا، لأوّل مرّة، المعنى الحقيقيّ للتّعدّديّة السّياسيّة، ولم تكن تعدّديّة صوريّة ولا نتاج الغرف المغلقة، ولا واجهة لواقع مغلوط أو مكذوب، وإنّما هي نتاج واقع ملموس اشتدّ فيه السّجال والخصام وانتهى إلى العناق والتّهاني، وتداخلت فيه الأبعاد السّياسيّة بالوجدانيّة. ولكن مع ذلك لا يمكن القول إنّ إنتاج دستور يحظى بالاتّفاق العامّ بين الجميع قد يخفي النّقائص والتّناقضات الموجودة أو يلغيها، ولعلّ الإشكال يكمن أساساً في العلاقة مع مسألة التّنوّع الثّقافيّ (le multiculturalism) داخل المجتمع نفسه؛ أي مع الآخر المشترك معنا والمختلف عنّا في آن، والتّجانس الدّاخليّ بين التّونسيّين في مستوى ما يمكن أن يتّفقوا حوله من قوانين أو تنظيمات أو أشكال إدارة الشّأن العامّ، لا يكفي وحده لنسج علاقة اجتماعيّة جيّدة مع الآخر المشترك والمختلف، ولا يمكن إقامة حوار في اتّجاه واحد، وإنّما لا بدّ من التّجاوب، وهذا يفترض نوعاً من الاعتراف المتبادل، الّذي ينعكس على المبادئ والانتماءات المتباينة. وفي حال المجتمع التّونسيّ فالأمر يتطلّب نوعاً من الاعتراف بالمرحلة الاستعماريّة، على اعتبار أنّها تمثّل جزءاً من الموروث التّونسيّ، وينسحب ذلك أيضاً على اللّغة، حيث يكون لتونس انتساب ثقافيّ إلى شعوب حوض البحر الأبيض المتوسّط، الّذين تجمعهم بها صراعات قديمة جدّاً وحروب ولكن تجمعها بهم أيضاً علاقات ثقافيّة واجتماعيّة واقتصاديّة يمكن البناء عليها دائماً. لذلك فاعتبارنا لأنفسنا بأنّنا تونسيّون لا يلغي الكمّ الثّقافيّ الهائل الّذي راكمناه طيلة الفترة الاستعماريّة، ولكن ذلك الاعتراف يكون من وجهة الانتساب لا الهويّة؛ لأنّ الانتساب (l'appartenance) متعدّد، وهذا التّعدّد هو الّذي ينتج الهويّة (l'identité) الّتي هي غير ثابتة ولا مطلقة، ومن يعتقد في ثباتها سينتهي حتماً إلى العنف. لذلك فمن الضّروريّ اليوم أن يوضّح التّونسيّون علاقتهم بالآخر وأن يقبلوا بالانتساب إلى تلك العلاقة في إطار التّعدّد والقبول بالمختلف، ومن الضّروريّ أيضاً في السّياق ذاته أن يحدّدوا علاقتهم بالإسلام وبالحضارة العربيّة والإسلاميّة، وأن يجعلوا كلا العلاقتين في تواصل مع الرّاهن، بل أن يجعلوهما خاضعتين لحاجة المجتمع اليوم، فلا تكونان مطلقتين ولا محلّ فرض قد يؤدّي إلى العنف. ومن شأن ذلك أن يجعل التّونسيّين قادرين على التّخلّي عن النّموذج الأزليّ للمدنيّة الإسلاميّة القديمة، وبناء مدنيّة مواطنين، تستطيع أن تستوعب الانتماءات المتعدّدة، ولا تنتهي إلى إلغاء البعض للبعض الآخر. ومن هذا الجانب نصل إلى ربط الهويّة بالمواطنة، على خلاف أولئك الّذين يفصلون بين كليهما؛ فالمسألة تكمن في وضوح التّمثّل وفي عدم اصطدامه مع الرّاهن. وهكذا يصبح الممكن في مدلولاته المتعدّدة يحيل على المستقبل، رغم أنّ قراءة الماضي هي الّتي تبنيه.

د. نادر الحمّامي: حتّى لا تصطدم الهوّية مع المواطنة، لابدّ من التّخلّي عن ضابط الوصاية الدّينيّة في المجتمع، والانتقال إلى ضابط القانون المدنيّ.

د. لطفي عيسى: ضابط الوصاية الدّينيّة، لا يعني فقط الأشكال القديمة الّتي تجعل المؤسّسة الدّينيّة متحكّمة في المجال العموميّ بشكل صريح، وإنّما يعني حديثاً اكتساح تلك الوصاية لمضمون القانون المدنيّ نفسه، وجعله ينطق بما ليس من طبيعته الأصليّة، من ذلك جعل القوانين الوضعيّة رهينة التّماثل الموهوم مع التّشريع الإسلاميّ. أضف إلى ذلك أنّ هذه الوصاية قد تأخذ أشكالاً أخرى بعيداً عن مجال القوانين والتّشريعات، حين تنطلق من المجال العامّ، وتعبّر عنه، وتجعل منه نموذجاً راهناً لأشكال دينيّة قديمة، من خلال استعادة المجتمع لمثال ما يُعتبر صحوة إسلاميّة، فيحتفي بالشّعائر الدّينيّة في خارج فضاءاتها الّتي تشرف عليها الدّولة، وهو نوع من اكتساح المجال العامّ، كأن تُعقد الصّلاة في الشّارع مثلاً، أو كأن يتمّ إخراج تلك المؤسّسات الدّينيّة عن إشراف الدّولة لتتحكّم فيها أطياف دينيّة تدّعي لنفسها نوعاً من المشروعيّة المتفوّقة على الدّولة. أو كأن يخضع النّاس لفتاوى تلك الفئات الإسلاميّة الّتي تحدّد لهم ما يتعيّن عليهم سلوكه باعتباره سلوكاً مثاليّاً قياساً على السّلوك غير المثاليّ داخل المدينة.

د. نادر الحمّامي: أليس الخروج ضابط الوصاية الدّينيّة، يعني أساساً الخروج عن عقليّة الشّيخ والمريد والقبيلة، في اتّجاه تأسيس الانتماء الحديث إلى المدنيّة؟

د. لطفي عيسى: المجتمعات التّقليديّة أو ما قبل الحداثيّة تعتبر أنّ من يتولّى أمر المدينة، هو من يحدّد السّلوك القويم داخلها، في مقابل السّلوك غير القويم والمنبوذ أخلاقيّاً واجتماعيّاً، ويتمّ ترتيب ذلك كلّه انطلاقاً من النّص الدّينيّ، فهو الّذي يشرّع ما هو أخلاقيّ وما هو غير أخلاقيّ، لكنّ المشكل أنّ هذه المنظومة القديمة لا تعترف بدور الفرد داخل المدينة، لأنّها منظومة جماعيّة، وبالتّالي فهي عاجزة عن النّظر إلى الأفراد الّذين يكوّنون الجماعة باعتبارهم مواطنين. وحتى يتحوّل الفرد الحديث إلى مواطن، لا ينبغي عليه التّنصّل من الجماعة، بقدر ما يتعيّن عليه أن يتحمّل مسؤوليّة تصرّفاته الشّخصية ذات البناء الفرديّ كي يكون فاعلاً في الجماعة لا منفعلاً. ولا يعني هذا القطع مع المنظومة الدّينيّة، ولا معاداة الدّين، بل يعني تنزيل تلك المنظومة في علاقة بالرّاهن، وجعلها قادرة على التّجاوب مع الطّبيعة الوضعانيّة الّتي يتأسّس عليها المجتمع الحديث، حتّى لا تتنافى مع شروط المدنيّة والمواطنة.

د. نادر الحمّامي: هل يعني ذلك غياب التّعارض الجوهريّ بين المنظومة الدّينيّة والمنظومة القانونيّة الوضعيّة؟

د. لطفي عيسى: إذا فصلنا بين التّصرّفات المحمودة والتّصرّفات المنبوذة اجتماعيّاً من جهة علاقتها بثنائيّة الحلال والحرام، وثنائيّة الخير والشّرّ، فسوف نؤثّم الفرد ولا ندفعه إلى تحمّل مسؤوليّته، وسيأخذ التّأثيم بُعداً خلاصيّاً، والحال أنّ المجتمع لا يمكن أن يغفر لأنّ الله هو من يغفر، وهو من يحدّد طريقة الغفران، لذلك وجب ألّا يأخذ ذلك البعد الخلاصيّ طبيعة مؤثّرة على مكانة الفرد باعتباره فاعلاً في المدنيّة، أي ألّا يتحوّل ذلك من مستوى الإيمان الرّوحيّ إلى مستوى التّنظيم للمدينة. وهذا يفترض بالضّرورة أن نعرف أنفسنا، فسؤال «من نحن؟» هو سؤال ضروريّ، والإجابة عنه تكون جزءاً من المسؤوليّة الّتي يتعيّن على الفرد أن يتحمّلها، وقد يحملنا ذلك إلى أمثلة عديدة، ولعلّ من بينها ما يقع الحديث عنه بكثرة اليوم حول مسألة النّوع الاجتماعيّ، ومكانة المرأة ووظيفتها في المجتمع باعتبارها فرداً مسؤولاً، بغضّ النظر عمّا تطرحه المنظومة الدّينيّة من تحديدات وعمّا يُطرح أيضاً في مستوى التّقليد، وهو سجال انبعث بشكل قويّ بعد الثّورة، بما هي حدث مهمّ، جعل النّاس يرغبون في الانتقال من وضعية إلى وضعيّة أخرى.

د. نادر الحمّامي: هل تعتبر أنّ الثّورة «طقس عبور» نحو فهم أنفسنا ومن ثمّ محاولة فهم الآخر؟

د. لطفي عيسى: نعم، لأنّ ما تطرحه المنظومة الدّينيّة وما يطرحه التّقليد قد يبدو مسائل باهتة في علاقة بالرّاهن، من جهة كونها لا تستطيع تقديم الأجوبة الّتي نحتاجها اليوم؛ لذلك علينا أن ننتبه إلى ضرورة نفض الغبار عن أنفسنا حتّى نفهم من نحن أوّلاً، ثم بعد ذلك سنتحاور مع الآخر من وجهة نظر من يملك شيئاً ويستطيع أن يقتسم ذلك الشّيء مع غيره. وما أشرتُ إليه بخصوص مثال النّوع الاجتماعيّ، لا يستجيب في الحقيقة لا إلى المنظومة الدّينيّة ولا إلى التّقليد سواء التّقليد الاجتماعيّ السّائد أو حتّى التّقليد الّذي ورثناه عن الغرب، فلدينا في تونس مثلاً «وزارة المرأة والأسرة والمسنّين»، وهي تسمية نابعة من التّصوّر الغربيّ لمدلول النّضاليّة النّسويّة ومكانة المرأة ودورها الاجتماعيّ باعتبارها مكوّناً أساسيّاً للأسرة ومن ثمّ للمجتمع، ولكن هذا المدلول لا يتطابق فعليّاً مع التّصوّر الّذي يضفيه المجتمع التّونسيّ حول المرأة، ولو كانت التّصور مرتبطاً مثلاً بتسمية «وزارة النّوع الاجتماعيّ» لكان أقرب إلى وجهة نظر الضّابط الاجتماعيّ بمدلوله الوضعيّ المتطابق مع الرّاهن، والّذي يختلف من جهة عن المنظومة الدّينيّة، ومن جهة أخرى عن التّقليد الفرنسيّ، على اعتبار أنّ المرأة التّونسيّة ما تزال في مرحلة اكتشاف ذاتها في المجتمع بشكل مستقلّ عن كافّة العوامل الخارجة عن نطاق حاجتها إلى ذلك. ويمكن للرّجل أن يساعد على اكتشاف المرأة الجديدة في المجتمع دون أن يكون هو المركز، وهو ما يساعده هو أيضاً على معرفة نفسه، فلو كان هناك فضاءات مخصّصة للنّساء يأتيها الرّجال للتّحاور والنّقاش معهنّ من أجل مجرّد الوجود في شكل اجتماعيّ عامّ، يتجاوز فكرة أنّ الرّجل يصطاد المرأة والمرأة تصطاد الرّجل، لساهم ذلك في إعلاء قيمة النّوع الاجتماعيّ. وهذا يجعل المسألة تعني بالتّدقيق تحمّل مسؤوليّة ذواتنا في الفضاء العامّ، دون وصاية من طرف على طرف ولا وصاية من المنظومة الدّينيّة أو الأخلاقيّة أو السّياسيّة ولا وصاية أيضاً من التّقليد.

د. نادر الحمّامي: هل هذا يعني ضرورة تحرّر الفرد من كلّ أشكال السّلطة حتّى يدرك ذاته، باعتباره فاعلاً اجتماعيّاً في علاقة بالرّاهن؟

د. لطفي عيسى: نعم، هذا يعني تحرّر الفرد من كافّة أشكال السّلطة الّتي تأتي من خارج ذاته باعتباره فرداً مسؤولاً عن واقعه وعن مستقبله، ولكنّ هذه العمليّة تفترض أن يكون استبطان الضّابط عميقاً لدى الأفراد من وجهة نظر الإيتيقا الشّخصيّة، وهو سلوك فرديّ في علاقة بالقيم يتعيّن مراقبته يوميّاً من أجل الوصول إلى نتائج، ومنها أن يكون وجودنا الاجتماعيّ متقاسَماً في ما بيننا بشكل بنّاء، يجعل من كلّ طرف مسؤولاً عن ذاته في مقابل الآخرين، ومساهماً في تكريس تلك المسؤوليّة الجماعيّة، ومستوعباً لمكانته ضمن النّوع الاجتماعيّ المتعدّد، فليس هناك في المجال العامّ المدنيّ امرأة أو رجل فقط، بل هناك أنواع اجتماعيّة أخرى وجب أخذها بعين الاعتبار، حتى نستطيع أن نمرّ إلى مستوى المواطنة.

د. نادر الحمّامي: أليس المجتمع هو العائق الأبرز أمام تحمّل الفرد لمسؤوليّته، بغضّ النّظر عن كافة أشكال السّلطة الّتي تمارس الوصاية الأخلاقيّة والسّياسيّة؟

د. لطفي عيسى: المجتمع هو جزء من تلك السّلطة الّتي تمارس الوصاية على الفرد وتمنعه من أن يكون مسؤولاً عن ذاته، ولكن الفرد يمكن أن يجد تموقعه في المجتمع إذا عرف نفسه، وبالتّالي تلتقي إرادات الأفراد، وتتراكم لتعيد تشكيل سلطة المجتمع نفسه وفق مسؤوليّة الفرد في إطار مشروع مجتمعيّ واحد؛ وهذا يحيلنا على بعض الأمثلة القريبة منّا، أعني المشروع التّحديثيّ البورقيبيّ، الّذي يمثّل نموذجاً لتلاقي الإرادات الّتي تُعلي مسؤوليّة الفرد في مقابل كافّة أشكال السّلطة الدّينيّة والأخلاقيّة والثّقافيّة والتّقليديّة؛ فقد كان بورقيبة يحمل مشروعاً سياسيّاً يتمثّل في بناء الدّولة الوطنيّة، وينطلق من مواجهة سلطة المجتمع، وقد تضمّن ذلك القطع مع تعدّد الزّوجات ونشر التّعليم وتحرير المرأة وتوحيد القضاء المدنيّ وتفكيك الأوقاف والتّنظيم العائليّ... وبغضّ النّظر عمّا أفضت إليه الممارسة، فإنّ هذا المشروع حاول تجميع إرادات الأفراد من منظور وطنيّ لا يفضي إلى العدم، فالدّولة الوطنيّة كائن ماثل اليوم أمام أعيننا بغضّ النّظر عن النّقائص الّتي لم تكن تعبّر عن قصور الرّؤية السّياسيّة، بل إنّها تعبّر عن ارتباط الرّؤية بالمسار السّياسيّ الّذي يتواصل؛ أي إنّ مشروع الدّولة الوطنيّة يبقى دائماً في إطار تمثّل مستمرّ لإرادات الأفراد في مقابل كافّة أشكال السّلطة التّقليديّة والمنظومة الدّينيّة الّتي تواصل ممارسة الوصاية على الفرد في أشكال متجدّدة.

د. نادر الحمّامي: هل ترى أنّ المجتمع التّونسيّ، قد تقبّل فعلاً مشروع الدّولة الوطنيّة؟

د. لطفي عيسى: الأمر نسبيّ طبعاً، لأنّ المشروع متواصل، وكلّما التقت الإرادات الفرديّة وراكمت مجهوداتها كان بإمكانها أن تُحدث نوعاً من التّقبّل لهذا المشروع، وكلّما ضعفت تلك الإرادات وانفرطت كانت الفرصة سانحة أمام المجتمع ليفرض سلطته على الأفراد وعلى الدّولة من منطلقات لا تستجيب لما يتماشى مع المسؤوليّة الفرديّة. ولعلّ تلاقي الإرادات الفرديّة يحتاج دائماً إلى بناء رصيد من الثّقة في الجهة الّتي تتقدّم لتواصل المشروع، كما كان الأمر بالنّسبة إلى شخص بورقيبة، فالثّقة ضروريّة بين الأفراد ومن يحكمهم، وإذا رأينا أنّ مشروع الدّولة الوطنيّة اليوم يعرف تعثّرات عديدة، فإنّ الأمر يعود إلى انحسار منسوب الثّقة في النّخب السّياسيّة الّتي تحمل المشروع. وعندما نتحدّث عن تواصل مشروع بناء الدّولة الوطنيّة اليوم فإنّ ذلك يعني أيضاً أن هذا المشروع بصدد التّطوّر، ولعلّ أصل التّسمية «الدّولة الوطنيّة» يعود إلى سياق الانتقال من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة بناء الدّولة التّونسيّة، وبالتّالي سياق الانتقال من مرحلة سيطرة الإرادة الاستعماريّة إلى مرحلة سيطرة الإرادة الوطنيّة وانتقال التّونسيّين من مرحلة المقاومة إلى مرحلة البناء. والحال أنّنا اليوم، في إطار تواصل المشروع، بصدد الانتقال من مفهوم الوطنيّة دون التّخلّي عنه، إلى مفهوم المدنيّة المتضمّن فيه. وإذا نظرنا في الدّستور الجديد الّذي تمّت المصادقة عليه والاتّفاق حوله، فإنّنا ننتبه إلى أن السّياق الأساسيّ الّذي عُني به التّونسيّون هو سياق المدنيّة، وهو سياق يعبّر عن التقاء الإرادات الفرديّة من منظور المسؤوليّة.

د. نادر الحمّامي: هكذا يبدو الانتقال من ضابط الوصاية إلى الوعي بالتّنوّع الثّقافيّ سبيلاً نحو إعادة طرح الكثير من المسائل ذات الأهمّيّة على ساحة النّقاش، فما هي الجوانب الّتي تعتبر أنّها أساسيّة لتحقيق ذلك من وجهة تخصّصك في التّاريخ الثّقافيّ؟

د. لطفي عيسى: نحن بصدد التّعرّض لجوانب لها علاقة بالفكر والممارسة في اتّصالها بمضامين أساسيّة تخصّ علاقتنا بانتماءاتنا المتعدّدة وعلاقتنا بالماضي من زاوية القراءة التّاريخيّة، وحين ننظر في مستويات التّطبيق الّتي يمكن أن يستفيد منها البحث التّاريخيّ، فأعتقد أنّه يوجد ثلاثة جوانب، يمكن وصفها بأنّها «قارّات» غير مكتشفة في التّاريخ؛ يتعلّق الجانب الأوّل بتمثّل التّاريخ المحسوس (l'histoire du sensible)، وهو مجال لا بدّ من الانتباه إليه، والتّفكير فيه، وإخضاعه للبحث وإعادة النّظر، ولبيان معنى التّاريخ المحسوس يمكن الإشارة إلى أمثلة كثيرة منه ماثلة في ثقافتنا العربيّة والإسلاميّة وحتّى في ثقافتنا التّونسيّة، من ذلك ما يكوّن مشهد المدينة الإسلاميّة مثل الصّوامع والقباب والعمارة واختلافاتها ودلالاتها، وأثرها في الممارسة الرّاهنة، ومنه ما يكوّن نظام المدينة كالعقود وشروطها ومواقيت عقدها، فما دلالة أن يُعقد (الصّداق) القران بعد صلاة الظّهر، أو بعد صلاة العصر، أو يوم الخميس؟ ومنه ما يهمّ الممارسات وانضباطها في مواقيت بعينها، مثل دفن الميت بعد الظّهر أو العصر، وقس على ذلك ما يُرى بالعين وما يُلمس باليد والرّوائح والأسماع... كل ذلك مجال قابل لإعادة القراءة والفهم والاستنتاج انطلاقاً من مبحث التّاريخ الثّقافيّ. أمّا الجانب الثّاني، فيتعلّق بالتّفضيل الفكريّ قياساً على الانتماء الاجتماعيّ، فليس قدراً أن أنتسب إلى أوساط اجتماعيّة أرستقراطيّة مثلاً، وأن تكون لي أفكار مناضلة تخدم الفئات العمّاليّة، وقد أكون في موقع آخر من زاوية فكريّة؛ أي إنّ الوسط الاجتماعيّ لا يحدَّد بالضّرورة بالانتماء الاجتماعيّ، وهذا مجال يمكن للبحث التّاريخيّ أن يهتمّ به، كأن يدرس مثلاً الأجيال المتعاقبة لطبقة من الطّبقات الاجتماعيّة وينظر في مدى التزامها بالانتماء الفعلي لتلك الطّبقة؛ ولنأخذ مثالاً «آل بن عاشور» في تونس، فقد انطلقوا حرفيين ثم تحوّلوا إلى أولياء صالحين ثمّ تحوّلوا إلى علماء دين، ثم بعد ذلك تحوّلوا إلى جامعيّين، ثم إلى مثقّفين يساريّين، وإذا أردنا فهم هذا التّحوّل فعلينا أن نفهم برادايم صراع الأجيال. والجانب الثّالث يهمّ الثّقافة السّياسيّة، ولعلّنا حين نهتمّ بدراسة هذا الجانب في إطار مسائل التّاريخ الثّقافيّ فإنّنا نتوصّل إلى فهم الكثير من الاعتبارات الّتي تأسّست عليها طبيعة الممارسة السّياسيّة المتعاقبة، وبالتّالي نستطيع أن نفهم فصول الحكاية الّتي تتقاطع فيها معطيات الرّاهن مع الماضي والفكريّ والاقتصاديّ والعلميّ... هذه المسألة تحيل في الأخير على جوانب نظريّة أساسيّة حول كيفيّة نقل المعرفة من زاوية الممارسة السّياسيّة إلى تمثّل النّموذج القابل للتّطبيق دون غيره. د. نادر الحمّامي: البحث التّاريخيّ هو حامل من حوامل التّفكير في المجتمع والسّياسة والثّقافة، ولعلّ هذا الحوار الّذي نصل إلى ختامه يمثّل دعوة حقيقيّة للباحثين والمهتمّين بالتّاريخ للوعي بهذه الفكر ة وتعميق النّظر فيها. الأستاذ لطفي عيسى نشكرك شكراً جزيلاً على ما تفضّلت به.

[1] - أجري هذا الحوار في 27 أيار/مايو 2016

[2] - أستاذ التّاريخ الثّقافيّ بالجامعة التّونسيّة. متخصّص في تاريخ التّصوّف وتاريخ الذّهنيّات المقارن بمجال المغارب. حاصل على دكتوراه الدّولة في التّاريخ. صدر له؛ كتاب «أخبار المناقب: في المعجزة والكرامة والتّاريخ» (1993)، «مميزات الذّهنيّات المغاربيّة في القرن السّابع عشر» (1994)، «كتاب السيّر: مقاربات لمدوّنات المناقب والتراجم والأخبار» (2007).