تقديم كتاب: "لبنات I في المنهج وتطبيقه" لعبد المجيد الشرفي

فئة :  قراءات في كتب

تقديم كتاب: "لبنات I في المنهج وتطبيقه" لعبد المجيد الشرفي

صدر عن دار الجنوب للنشر بتونس، الطبعة الثانية، 2011 (الطبعة الأولى، 1994) كتاب "لبنات I في المنهج وتطبيقه" لعبد المجيد الشرفي. وعبد المجيد الشرفي هو عميد سابق لكلية العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس (الجامعة التونسية)، وأحد أبرز المفكّرين والباحثين في دراسة تاريخ الفكر الإسلامي والحضارة العربيّة. من أبرز مؤلفاته: "الإسلام والحداثة"، الطبعة الثانية، الدار التونسيّة للنشر، تونس (1991) و"الإسلام بين الرسالة والتاريخ"، الطبعة الأولى، دار الطليعة، بيروت- لبنان (2001) و"الفكر الإسلامي في الردّ على النصارى"، الطبعة الثانية، دار المدار، بيروت- لبنان (2007). إضافة إلى مؤلّفات أخرى، آخرها "مرجعيّات الإسلام السياسي"، الطبعة الأولى، دار التنوير للنشر، تونس- القاهرة- لبنان.

والكتاب الذي نقدّم للقرّاء، يحتوي تقديم الطبعة الثانية ومقدّمة الطبعة الأولى و"فصولاً كتبت في مناسبات مختلفة وتتعلّق بمواضيع تهمّ الفكر الإسلامي والحضارة العربيّة" قسّمها المؤلِّف إلى قسميْن اثنيْن؛ هما على التوالي:

- في البحث عن المقاربات الملائمة

ويتضمّن خمسة مقالات:

1-زمن الحداثة

2-السلفيّة بين الأمس واليوم

3-العلمنة في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة

4-المؤسّسة الدينيّة في الإسلام

5-الإسلاميّون أعداء التحديث أم ضحاياه

- في مغامرة البحث

ويحتوي ستّة مقالات:

1-المنهج المقارن في قراءة الإنتاج الديني

2-في قراءة التراث الديني "الإتقان في علوم القرآن أنموذجا"

3-الشافعي أصوليّا بين الاتّباع والإبداع

4-حدود الاجتهاد عند الأصوليّين والفقهاء

5-حول الآيات 183- 187 من سورة البقرة

6-الإسلام والعنف

تتنزّل فصول الكتاب في إطار دراسة الموروث الديني برؤية مختلفة عن بقيّة الرؤى، تتأسّس أصلاً على دراسة الظاهرة الدينيّة وفق مناهج بحثيّة نقديّة تتنكّب الوعي التمجيدي وترتكز على إعادة النظر في التراث ومساءلته مساءلةً عميقة ومحرجة. ولقد ركّز المفكّر عبد المجيد الشرفي على معالجة كيفيّات تفاعل المجتمعات العربيّة الإسلاميّة مع تراثها ومع الزمن ومع الصيرورة التاريخيّة التي تحكمها، وكيفيّات تفاعلها مع الآخر الغربي في لحظته المعاصرة.

في القسم الأوّل من الكتاب "في البحث عن المقاربات الملائمة"، اهتمّ المؤلِّف "بالتغيّرات التي طرأت على المجتمعات العربيّة والإسلاميّة"[1]. فدرس في المقال الأوّل من هذا القسم مسألة الوعي العربي والإسلامي بالزمن من خلال النظر في "زمن الحداثة"، وتساءل هل نعيش نحن زمن الحداثة؟ وكيف نعيشه؟. استهلّ مقاله هذا بتوضيح معنى الحداثة، فاعتبر أنّها "ليست مفهوماً إجرائيّا اجتماعيّا أو سياسيّا أو تاريخيّا يمكن الاختلاف حوله، بل هي نمط حضاريّ تتميّز به البلدان الأكثر تقدّماً في مجال النموّ التقني والاقتصادي والعلمي والاجتماعي والسياسي؛ أي هي النمط الحضاري الغربي كما تحقّق منذ القرن السابع عشر للميلاد في أوروبا ثمّ في أمريكا فاليابان"[2]. ثمّ أوضح أسباب انهيار الحياة التقليديّة في الغرب، ومحتوى الحداثة المعياري المتلخّص في ثلاثة عناصر أساسيّة هي الوعي بقابليّة الخطإ وكونيّة القيم والحريّة الذاتيّة.

ثمّ بعد ذلك أجاب عن السؤاليْن اللذيْن طرحهما في بداية المقال، فأقرّ بأنّنا نعيش زمن الحداثة في "حياتنا اليوميّة والاجتماعيّة والخاصّة"[3]، ولكن بكيفيّة مزدوجة تتراوح بين الرفض والقبول.

في المقال الثاني، درس المؤلِّف "السلفيّة بين الأمس واليوم". وبيّن الإطار النظري الذي تندرج فيه ظاهرة الحنين إلى الماضي وتمجيد السلف والعوامل المتنوّعة التي انبنى عليها. ثمّ أبرز المرجعيّات التي تأسّست عليها السلفيّة في المنظور. ثمّ قدّم قراءة في أسباب انتشار النزعة السلفيّة في العالم انطلاقاً من العودة إلى تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة. ثمّ استنتج أنّ "السلفيّة ليست من مقتضيات الإسلام بقدر ما هي وليدة الظروف التاريخيّة بالأساس".[4]

ثمّ تدرّج عارضاً حال السلفيّة في المنظور الجديد، انطلاقا من حركة جمال الدين الأفغاني والشيخ محمّد عبده ومحمّد رشيد رضا، وقارنها بالسلفيّة القديمة مبرزاً نقاط الاتّفاق، وهي الحنين إلى الماضي والخروج على السلطان وشقّ عصا الطاعة في وجهه وفي الصراع على السلطة والسيادة، ونقاط الاختلاف تتمثّل في أنّ أهداف السلفيّة الجديدة دنيويّة في المرتبة الأولى، وفي أنّ دعوتها إلى الرجوع إلى السلف الصالح "ترمي إلى كسر السند التاريخي المباشر المنعوت بالجمود وإلى القفز على التراث الذي أنتجته عصور الشروح والمجاميع والتلاخيص".[5] إضافة إلى أنّ مرجعيّة السلفيّة الجديدة ليست الحديث كما هو الحال بالنسبة إلى السلفيّة القديمة.

انتهى المؤلِّف إلى استنتاج مؤدّاه أنّ "الطرح السلفي طرح متغيّر في دواعيه وأغراضه، وأنّه لا يمكن البتّة مجاراته في ادّعائه الوفاء للإسلام الصحيح".[6]

في المقال الثالث من القسم الأوّل، درس المؤلّف مسألة "العلمنة في المجتمعات العربيّة الحديثة". فضبط مفهومها بتبنّي رأي بيتر برجي Peter Berger الذي يقرّ بأنّ العلمنة هي "السيرورة التي بها تخرج قطاعات تابعة للمجتمع والثقافة عن سلطة المؤسّسات والرموز الدينيّة"[7]. ثمّ أشار إلى بعض العوامل التي أنتجت هذه الظاهرة في الغرب، وبيّن بإيجاز المجالات التي خرجت فيها قطاعات تابعة للمجتمع والثقافة عن سلطة المؤسّسات والرموز الدينيّة ليبرز أنّ الإسلام ديناً وممارسة دينيّة يساعد على بعض أشكال العلمانيّة، كما بيّن المجالات الأخرى التي بقي فيها المجتمع والسلطة خاضعيْن لسلطة الدين. وانتهى في هذا المقال إلى أنّ مسار العلمنة يفعل فعله بقوّة في المجتمعات مهما اختلفت دياناتها.

في المقال الرابع، عالج فيه المؤلّف "المؤسّسة الدينيّة في الإسلام". وأكّد منذ البداية أنّ المؤسّسة الدينيّة "ضرورة تاريخيّة تفرضها مقتضيات تجسيم الدين في واقع الحياة"[8]. وأوضح أنّ بوادر نشأتها تعود تاريخيّا إلى انفصال الدولة الأمويّة وسائر الدول الإسلاميّة من بعدها عن أسس مؤسّسة الخلافة، وقد تبوّأت فئة من العلماء المسلمين مكانة اجتماعيّة متميّزة أهّلتهم أكثر من غيرهم لفهم الدين. ثمّ أبرز بعد ذلك أصناف العلماء في مجال هذه المؤسّسة، وهي ثلاثة (صنف منقطع إلى ما هو دينيّ وصنف يدور في فلك السلطة وصنف سرّاً أو علناً إلى حركات المعارضة)، ليستنتج من ذلك أنّ هذه المؤسّسة في الماضي لم تكن واحدة ولم تكن متجانسة تجانساً مطلقاً، وأنّها كانت تعكس الطبقيّة الفعليّة إضافة إلى وعيها بطبيعة النظم التي كانت تدعم وبتبعيّتها له، كما أنّ وظيفتها في المجتمع كانت منحصرة في فئة محدودة، وقد تقلّصت أكثر ببروز عوامل جديدة من نظم وقيم جديد منها الدولة الحديثة والمعقوليّة والحريّة والمساواة والمؤسسات المجتمعيّة. ثمّ نظر في وضعيّتها في الحاضر، واستخلص أنّ أهمّ ما يميّزها "الانطواء على الذات، والتبعيّة للأنظمة السياسيّة القطريّة، وفقدان المصداقيّة".[9]

في المقال الخامس "الإسلاميّون أعداء التحديث أم ضحاياه؟"، وهو خاتمة القسم الأوّل من الكتاب، حدّد المؤلّف مقصده من لفظ "الإسلاميون" ولفظ "التحديث". وأحاط بأهمّ الأسباب التي ساهمت في نشأة الحركات الإسلاميّة الدينيّة في المجتمعات العربيّة. ثمّ أجاب عن سؤاله الذي طرح "الإسلاميّون أعداء التحديث أم ضحاياه؟" بأنّ الإسلاميّين هم ضحايا التحديث وأعداؤه في الآن ذاته. وانتهى إلى ضرورة معالجة ظاهرة الإسلام الحركي انطلاقا من رؤية عميقة تتأسّس على التخلّص من النظام الاقتصادي العالمي.

في القسم الثاني من الكتاب "في مغامرة البحث"، سعى المؤلّف في المقال الأوّل "المنهج المقارن في قراءة الإنتاج الديني" إلى تقديم وجهة نظره في مناهج مقاربة النصوص الدينيّة، فوضّح ثلاثة أنماط قراءة وبيّن خصائصها المختلفة.

في السياق نفسه، سعى في المقال الثاني "في قراءة التراث الديني "الإتقان في علوم القرآن" نموذجاً" إلى تحديد المقصد من التراث وتقديم ملامح منهج لقراءته.

والمقال الثالث "الشافعي أصوليّاً بين الاتّباع والإبداع" هدف من خلاله المؤلّف إلى تبيّن العوامل التي أدّت إلى شهرة الإمام الشافعي والنظر في جوهر أصوليّة الشافعي ومكانتها بالنسبة إلى المقتضيات المعرفيّة والتاريخيّة الراهنة وإلى متطلّبات الضمير الديني المعاصر.[10] وفي السياق ذاته، قدّم المؤلّف في المقال الرابع قراءة ارتكزت على إبراز "حدود الاجتهاد عند الأصوليّين والفقهاء"، وهي مدخل إلى وضع قضيّة الاجتهاد في إطار إيبستمولوجي ومعرفي، وهي خطوة لها أهداف عديدة أهمّها إعادة النظر في المنظومة الأصوليّة الموروثة عن الشافعي وتجريدها من هالة القداسة، إضافة إلى التخلّص من التعامل الحرفي مع النصّ القرآني والإعراض عن النظرة الفقهيّة إلى الدين....

في المقال الخامس "حول الآيات 183- 187 من سورة البقرة"، واصل المؤلّف الحفر عن المنهج الملائم لقراءة النصّ القرآني على وجه الخصوص قراءة جديدة متّخذاً بعض الآيات مادّة للبحث نفذ من خلالها إلى نقد المنظومة الأصوليّة.

في المقال الأخير من الكتاب، درس المؤلّف مسألة مهمّة ألا وهي "الإسلام والعنف". وقد عمل على معالجة ظاهرة العنف في المجتمعات، لا سيما الإسلاميّة منها. وقد ركّز على موقف القرآن من هذه الظاهرة وموقف الإسلام اليوم من مظاهر العنف المختلفة.

لعلّ أهمّ ما يخلص إليه الباحث بعد هذا التقديم المقتضب الذي لا يمثّل إلاّ مجرّد إشارات إلى جوهر هو أنّ هذا الكتاب قيّم جدّا، ويمكن أن يفتح باب البحث في مسائل عديدة لم تأخذ حظّها من البحث العميق والمتأنّي في واقع الثقافة العربيّة في اللحظة الراهنة.


[1]- عبد المجيد الشرفي، لبنات I في المنهج وتطبيقه، ط.2، دار الجنوب للنشر، تونس، 2011، ص 15

[2]- م. ن، ص 20

[3]- م. ن، ص 29

[4]- م. ن، ص 48

[5]- م. ن، ص 51

[6]- م. ن، ص 52

[7]- م. ن، ص 56، نقلا عن كتاب بيتر بيرجي (Peter Berger)، الدين في الضمير الحديث، باريس، 1971، ص 174

La religion dans la conscience moderne, Paris, 1971, p 174

[8]- م. ن، ص 71

[9]- م. ن، ص 83

[10]- م. ن، ص 133