ظلال القرن التاسع عشر على الإصلاح

فئة :  مقالات

ظلال القرن التاسع عشر على الإصلاح

ما زالت الجهود والمبادرات الإصلاحية التي انطلقت في القرن التاسع عشر في العالم الإسلامي ملهمة للإصلاح والفكر الإصلاحي إلى اليوم، ويجري بحثها واستعادتها على نطاق واسع في مجالات الفكر والبحث والعمل العام، وهي بالإجمال تركز على استيعاب التقدم الغربي الذي صدم العالم الإسلامي ولم يكن يعلم به من قبل، ومحاولة النهوض العربي والإسلامي باستيعاب النموذج الغربي. ولكنّ سؤالاً يفرض نفسه بعد مرور أكثر من مئتي عام على هذه المشروعات والمبادرات الإصلاحية: أليس العالم المتقدم اليوم يشهد تحولات كبرى لا تقلّ أهمية وجذرية عن الثورة الصناعية التي تحتاج إلى استيعاب جديد، ومبادرات إصلاحية وفكرية جديدة؟

وبالرغم من وجاهة هذا السؤال وأهميته، فإنّ الإجابة عنه مؤجلة على أمل أن يعود الكاتب إلى ذلك في مساحة مستقلة؛ لأنّ هذه المقالة ستشغل باستيعاب وتحليل التجارب والمبادرات الإصلاحية في القرن التاسع عشر، فالكاتب يفترض أنها، رغم تاريخيتها وما حدث بعدها من تحولات، ما زالت تصلح على الأقل مدخلاً لفهم الآفاق والأفكار الجديدة للإصلاح... أو لنقل كيف ننتقل من الإصلاح الصناعي (نسبة الى مرحلة الصناعة) إلى الإصلاح المعرفي نسبة إلى مرحلة المعرفة أو ما بعد الصناعة؟

بدأ العالم الإسلامي مرحلة من الانحسار والتراجع بعد قرون طويلة من الصعود والانتصارات والتوسع، ويعتبر "أركون" أنّ القرن الثالث عشر هو بداية الانحسار عندما توقف الاجتهاد والإبداع العلمي والفكري، وتحوّل العالم الإسلامي إلى التكرار والركود الفكري والفني والإبداعي ورفض التعددية والاستيعاب اللذين كانا يسودان في الحكم والفكر الإسلامي، ولكن ظل المسار الإسلامي في صعود عسكري وسياسي واقتصادي وعلمي بدءاً من ظهور الدعوة الإسلامية إلى نهاية القرن الخامس عشر، وتُوّج بفتح القسطنطينية عام 1453م والاجتياح التركي العثماني لشرق أوروبا.

ويمكن ملاحظة ذلك التراجع سياسياً وعسكرياً، عندما بدأت الهزائم تحلّ بالدول الإسلامية، وعندما انطلقت النهضة الأوروبية وحركة الكشوف الجغرافية والعلمية، فقد سقطت الأندلس عام 1492م، وأعقبتها حركة كشوف جغرافية إسبانية وبرتغالية أدّت إلى السيطرة على أنحاء واسعة من العالم، بعضها غير معروف للمسلمين، وكانت مجهولة للغرب أيضاً، أو السواحل والبلاد والمعاقل الإسلامية، كما حدث في جنوب شرق آسيا والهند وسواحل ومضايق البحر الأحمر والخليج العربي.

ثم بدأت الهزائم تحلّ بالدولة العثمانية بعد سلسلة من الانتصارات الكبرى في أوروبا، في فيينا عام (1683)، ومالطة (1684)، وأمام روسيا (1696)وتورطت الدولة العثمانية في صراعات إسلامية إسلامية مع المماليك والصفويين والترك القادمين من آسيا الوسطى بقيادة تيمورلنك.

ربما يكون التاريخ الحديث للشرق الأوسط بدأ عام 1798 مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون، حيث أخضعت للمرة الأولى إحدى الدول في قلب ديار الإسلام لحكم دولة أجنبية، وبدأت مظاهر التغير الثقافي في الشرق، وأصبح العالم الإسلامي، إذا قورن بالعالم المسيحي الذي دأب على منافسته طوال ألف عام، فقيراً وضعيفاً وجاهلاً، وتبدّى للجميع في القرنين التاسع عشر والعشرين تفوّق الغرب وهيمنته، فقد غُزي العالم الإسلامي في كل جوانب حياته العامة والخاصة.

في القرون الأربعة التي سبقت الحملة الفرنسية كان الغرب قد حقق نهضة علمية وفنية وسياسية كبرى، كشوف جغرافية واسعة ومبدعة، واختراعات علمية وحركة واسعة في الترجمة والتأليف والطباعة والفنون والآداب، وثورات سياسية كبرى غيرت في أساليب الحكم وطبيعة الدول، مثل الثورة الإنجليزية (المجيدة) في عام 1688، والثورة الأمريكية (1776) والثورة الفرنسية (1789)، وتطورت الصناعات العسكرية حيث بدا الفرق هائلاً بين الجيوش الأوروبية وخصومها، وحدثت نهضة تقنية قائمة على العلم، مثل الطباعة والساعة والنظارات والتلسكوب والآلات الموسيقية، وتُوّجت هذه النهضة التقنية بالآلة البخارية التي غيرت كلّ شيء تقريباً.

يقول برنارد لويس: كان المسلمون يحتقرون الغرب ولا يأبهون بالجهود الحثيثة التي يبذلها للنهضة والتقدم، وعندما أفاقوا على صدمة التفوق التقني في بداية القرن الثامن عشر كان الغرب قد سبقهم بأربعمئة سنة في التقدم العلمي، وبدأ التأثير الغربي يغزو الشرق من المدخل التقني، ثم بدأ الحضور والتأثير الغربي يظهر في الحياة الإسلامية في أشياء ومظاهر ثقافية ذات أهمية جوهرية، مثل المساجد واللباس، وهذا يعني أنّ الثقة بالنفس قد اهتزت.

وهكذا أخذت النظرة إلى الغرب تتحول من الكراهية والاحتقار إلى الإعجاب والتقليد، فبدأ الحكام في الآستانة والقاهرة يستعينون بالغرب لتحديث دولهم وجيوشهم، فقد استُقدم الخبراء العسكريون الغربيون في عمليات إعادة تنظيم الجيش، واستُخدمت أنظمة الإدارة الغربية، والأسلحة الغربية، وأرسلت البعثات التعليمية إلى الغرب لاقتباس العلوم الغربية "الإفرنجية"، وبدأ تذوق الموسيقى الغربية والفنون الغربية أيضاً، وانتشر اللباس الغربي وأنظمة العمارة في البيوت والقصور والمباني العامة، حتى المساجد صارت تبنى على الطراز المعماري الغربي.

كان التأثير البصري الغربي طاغياً، كما يلاحظ برنارد لويس، بدأ في اللوحات الفنية والصور الشمسية ثم في اللباس، وكان لذلك تأثير على الهوية والمعتقدات؛ فالصور والتماثيل التي كانت محرمة في الثقافة الإسلامية صارت شائعة في القصور والمطبوعات والنقد وطوابع البريد، وانتقل التغيير إلى الجيوش التي صارت جميعها ترتدي أزياء غربية، ثم امتد تغيير اللباس إلى المجتمعات، وعندما يغير الناس ملابسهم ويرتدون ملابس مجتمع آخر يكونون قد اتخذوا خياراً ثقافياً آخر، وقد تكون مقاومة أو قبول تغيير الملابس الذي ظل موضع جدال في الشرق أكثر من قرنين تستند إلى هذه الدلالة.

وشهدت الترجمة مساراً مختلفاً عمّا عهدته طوال القرون الماضية، فقد بدأت ترجمة الروايات والمسرحيات، واتجهت الترجمة نحو اللغات الغربية، وانحسرت اللغة الفارسية والتركية من الوسط العربي، كما انحسرت العربية من الأوساط الإيرانية والتركية، واقتبست بلدان الشرق الأوسط الأنواع الأدبية الأوروبية، مثل الرواية والقصة القصيرة والمسرحية واستوعبت في الشرق استيعاباً كاملاً. وزادت أعداد الكتب الأصيلة من هذه الأنواع التي تصدر في هذه البلدان، بل لقد أصبحت هذه هي الأنواع الأدبية المعتادة للتعبير. وامتد التأثير الثقافي إلى التسلية والترفيه، فانتشرت ألعاب الورق، والألعاب الرياضية البدنية، مثل كرة القدم والسلة والبولو.

ولكن ما الذي حدث في الغرب نفسه؟

الثورة الصناعية وتداعياتها الاجتماعية:

يقدم هوبز باوم في سلسلة كتبه الرائعة: "عصر الثورة، وعصر رأس المال، وعصر التطرفات" مشهداً شاملاً يحلل فيه التداعيات والتحولات الكبرى التي جرت في العالم مرافقة للثورة الصناعية التي ترمز إليها "الآلة البخارية"، فقد ظهرت واتسعت الطبقة الوسطى (ظهر المصطلح للمرة الأولى عام 1812). يقول اوبستباوم: اجتمعت العناية الإلهية والعلم والتاريخ لتجعل الأرض لقمة سائغة للطبقة الوسطى، وبدأ الإقطاع يتجه إلى الانحسار والأفول، لتنشأ طبقة جديدة من العصاميين التجار والمهنيين، وبدأ المجتمع البرجوازي يحل محل المجتمع الإقطاعي، واحتل مفهوم القوى العاملة مكانة واسعة في السياسية والاقتصاد.

وبدأ الاقتصاد الصناعي يأخذ مكانة مهمة متنامية، ليقود الاقتصاد بدلاً من الزراعة ويهيمن على الاقتصاد العالمي لفترة لاحقة طويلة، فأصبحت المعابر المائية الصناعية والطبيعية وسكة الحديد تشكل شبكة وشرياناً من النقل وتبادل السلع والخدمات، وبدأت السفن البخارية تعبر البحار والمحيطات، لتنشئ شبكة عالمية من الاقتصاد والهيمنة والتبادل الثقافي والتجاري، ثم بدأت موجة واسعة من الهجرة من الريف إلى المدن والمراكز الحضارية أو بين الأقطار والدول في العالم القديم أو باتجاه العالم الجديد.

وبدأت المهن تأخذ مكانة مهمة في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية، لتنشئ طبقات جديدة تحل مكان الأرستقراطية البائدة، وظهر مصطلح الطبقة الوسطى للمرة الأولى عام 1812، كانت طبقة جديدة من العصاميين والمناضلين والمهنيين والمثقفين الذين واجهوا الحكم الأرستقراطي والكنيسة والبروليتاريا أيضاً، وكانوا يزدادون ثراء وثقة بالنفس عاماً بعد عام، وتوقفت مقولة إنه ليس أمام الأبناء سوى العمل في صنعة آبائهم، بل كان أمامهم فرص جديدة ليعملوا في التجارة والتعليم (الذي سيؤدي بدوره إلى أعمال جديدة في الحكومة والمهن والسياسة) والفنون والحرب.

وازدهرت حركة الفنون والآداب ازدهاراً خارقاً للعادة، وما زالت الأسماء التي ظهرت في هذه المرحلة تقود الأدب والفن والفلسفة، مثل نيتشة، وديكنز، ودستويفسكي، وموتزارت، وبوشكين، وبلزاك والأهازيج الغنائية للشاعرين ووردزورث وكوليريدج، ومعزوفات الخلق والفصول لبيتهوفن، وصورة مدام ريكامييه للرسام ج.ل. دافيد، وأعمال غوته وشيللر وجان بول، وروايات لأمثال والتر سكوت، وفيكتور هوغو، وأليساندرو مانزوني، وقصائد لشعراء، مثل ليوباردي وألفريد دوفيني، وظهرت مسرحيات خالدة لبوشكين، ورواية بلزاك "الأب غوريو"، وأعمال لامارتين، وألكسندر دوماس، وبوخنر في ألمانيا، وفي النمسا ظهرت الشاعرة فرانز غريلبارزر، وفي الدنمارك حكايات هانز أندرسون، وسلسلة أخرى طويلة من الروايات والأعمال الموسيقية والمسرحية المتنوعة... وارتفعت المكانة الاجتماعية للمسرح، ونشأت ظاهرة معبود الجماهير من المغنين والموسيقيين والممثلين والجميلات.

وتحول الفقراء والكادحون الذين لم يستفيدوا من التحولات إلى ثوار ومتمردين، وبعضهم تعرض لكوارث اجتماعية واقتصادية بسبب عجزهم عن مواكبة واستيعاب التقدم الصناعي والتقني الذي زاد من بطالتهم وقلل من أهميتهم في الاقتصاد والعمل، فانتشر إدمان الكحول الجماعي، ليصبح ملازماً لعمليات التصنيع والتحضر المتهورة، وأصبح الإغراق في الخمر وباء اكتسح أوروبا من أقصاها إلى أقصاها، وانتشرت الدعارة والانتحار والجريمة والتشرد، وعادت بسبب الإهمال والزحام أوبئة الكوليرا والتيفوس.

وامتدّت التحولات إلى الأفكار والمعتقدات والآداب والفنون، لتصعد العلمانية التي تقلل من دور الدين في الحياة والسياسة، وتشجّع على الإلحاد، وكذلك ظهرت أيديولوجيات التقدم والنهضة، فكانت الرؤى والنظريات الماركسية والليبرالية، وظهر مفكرون ما زالوا يقودون التفكير والنظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مثل إميل دوركهايم، وماكس فيبر وأوجست كونت، وآدم سميث...

وأخضع الدين والتاريخ لدراسات نقدية منهجية، فكان كتاب "حياة يسوع" من تأليف ديفيد شتراوس في ألمانيا التي أنشأ فيها فريدريك كارل فون سافيني المدرسة التاريخية لفلسفة التشريع، وظهر فيها أيضاً كارل ماركس، وكتب ودراسات شارلز دارون عن أصل الأنواع والتاريخ الطبيعي للإنسان.

واتّسعت آفاق المعرفة، واطلع الناس على ما يجري من تطورات، وظهرت اختراعات مذهلة حوّلت حياة الناس كالمصانع والمختبرات، واستخدام الغاز والطاقة والكهرباء، وسكة الحديد والآلة البخارية والمحركات.

وتحوّلت الأنظمة السياسية، وظهرت الجمهوريات وأنظمة الحكم الديمقراطية، وتشكلت الاتحادات والنقابات المهنية. واندلعت في عام 1848 ثورة اجتماعية كانت مقدمة للثورة الشيوعية بعد ذلك بأكثر من ستين سنة، فقد كانت هذه الثورة انتفاضة للكادحين والعمال، وحشدت الطبقات الاجتماعية في العواصم في وسط وغرب أوروبا، وعندما هدأت العاصفة وقف العمال، ليطالبوا بالإضافة إلى الخبز والعمل بإقامة مجتمعات ودول جديدة، وأدركت أنظمة الحكم المطلقة في أوروبا أنّ التاريخ يقف ضدها، فتداعت بسهولة عندما هبّت الثورة.

وبدأ للمرة الأولى سكان المدن والحضر يتجاوزون سكان الريف لتنشأ المدن العملاقة، وتنمو مداخيل الطبقة الوسطى من سكان المدن ومؤسسيها وقادتها الجدد.

في نهاية هذه المرحلة كانت القوة الأوروبية هي المهيمنة على العالم، فقد تهاوت أو بدأت بالتهاوي الإمبراطوريات الهندية والصينية والتركية العثمانية.

الاستجابة الإصلاحية الإسلامية:

جرت محاولات مؤسّسية واسعة ومهمة في الدولة العثمانية ومصر وتونس لاستيعاب التقدم الأوروبي. وتركز هذه المقالة على الجهود الفكرية والعلمية التي بذلها رواد وعلماء وإصلاحيون، مثل رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي... وهم يشكلون نماذج لاستيعاب الحالة الغربية الناهضة ونقد التخلف والفشل في العالم الإسلامي ومحاولة فهمه وتفسيره، وبالطبع هناك جهود ومبادرات كثيرة، ولكن ربما يكون هؤلاء الأعلام من القرن التاسع عشر هم الأكثر اهتماماً وشهرة، أو هكذا بدا الأمر للكاتب.

رفاعة الطهطاوي:

ولد رفاعة الطهطاوي عام 1801 وتوفي عام 1873، بدأ تعليمه في الأزهر، ثم سافر إلى فرنسا عام 1826 في بعثة تعليمية أرسلها محمد علي، ومكث فيها خمس سنوات، ألّف بعدها كتابه الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، يصف فيه تجربته ومشاهداته وأهم الأحداث التي جرت في فرنسا وخلاصة أفكاره عن فرنسا والعلوم والمدنية الفرنسية.

عمل بعد عودته في الترجمة من الفرنسية إلى العربية، لتطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعية، والقوانين والتشريعات، وأهم المصادر في الفلسفة والتاريخ والعلوم، وأنشأ وأدار مدرسة الترجمة عام 1835 ثم صارت مدرسة الألسن، وتحولت مدرسة الألسن إلى مؤسسة تعليمية متخصصة بالترجمة، في مجالات المعرفة والعلوم، وتعليم الاقتصاد والمحاسبة والإدارة والعلوم السياسية.

وقد نفي إلى السودان عام 1850، وهناك ترجم مسرحية "تليماك": لـ فرانسوا فنلون، ثم عاد إلى مصر عام 1854 مواصلاً عمله في الترجمة والتدريس وإدارة التعليم والثقافة، وألف كتباً، مثل: "مباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية"، و"المرشد الأمين للبنات والبنين"، و"القول السديد في الاجتهاد والتجديد"، و"تعريب القانون المدني الفرنساوي."

كما أدار وأشرف على طبع كثير من المخطوطات التراثية العربية، فطبعت عيون التراث العربي على نفقة الحكومة، مثل تفسير الرازي ومقدمة ابن خلدون، وخزانة الأدب للبغدادي، ومقامات الحريري، وأسس وأدار صحيفة الوقائع المصرية، ومجلة روضة المدارس، وكانت خلاصة مشروعه الفكري والتعليمي ومعه عدد من الرواد حوالي ألف كتاب مؤلف ومترجم أنجزت في أربعين عاماً.

خير الدين التونسي:

تدرّج خيرالدين التونسي في سلاح الخيّالة في تونس، حتى صار قائداً عسكرياً ثم وزيراً للبحرية والمالية في بلاط الباي التونسي ورئيساً لمجلس الشورى، وشارك في صياغة دستور تونس عام 1860، ثم تقلّد منصب الوزير الأول، واستطاع النهوض بتونس اقتصادياً وسياسياً، وأجرى إصلاحات سياسية وضريبية وإدارية وتعليمية واسعة في تونس؛ فقد أعاد تنظيم وتوزيع الضرائب على نحو يشجّع على الزراعة والتجارة والتصدير، وألغى الحملات العسكرية، ونهض بالتعليم بإنشاء المدارس والمكتبات والمطابع والصحافة.

هاجر في عام 1878 إلى استنبول وعمل إلى جانب السلطان عبد الحميد الثاني في الإدارة المالية، ثم تقلد منصب الصدر الأعظم، رئيس وزراء الدولة العثمانية ثم عضواً في مجلس أعيان الدولة حتى وفاته عام 1890. ويمثل كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" خلاصة تجربته وآرائه ومشاهداته لأوروبا والعالم، ومن أهم فصول الكتاب:

-اقتضاء الظلم لخراب العمران

-وجوب المشورة وتغيير المنكر

-استقامة الوزير لا تفي بمصالح المملكة إذا لم يكن لإدارتها قوانين ضابطة

-نفي تضييق سعة تصرف الملك بمشاركة أهل الحل والعقد والاستشهاد على ذلك بالمعقول والمنقول

-بيان ما كان للأمّة من الثروة والشوكة والمعارف وشهادة غير المسلمين لهم بمزيد من التقدم في ذلك

-أسباب أخذ الأمّة بالتراجع

-لزوم الاتحاد بين رجال السياسة والعلماء في جلب مصالح الأمّة ودرء مفاسدها

-دفع شبهة القادحين في التنظيمات

-أطوار التمدن الأوروبي وأسبابه وآثاره

-ذكر من اشتهر من الأوروبيين بالمعارف والاختراعات

-تلخيص المكتشفات والمخترعات وتواريخها

-تراتيب العلم والتعلم في فرنسا

-خزائن الكتب وحسن إدارتها وتنظيمها

-شرح الحرية بالمعنى المتعارف عليه

-ما اجتناه الأوروبيون من دوحة الحرية

جمال الدين الأفغاني:

أمير أفغاني من أسرة مهمة، نشأ في كابل وتلقى تعليماً تقليدياً في اللغة العربية والفارسية والدين والمنطق والفلسفة والرياضيات، ثم سافر إلى الهند ليتعلّم اللغة الإنجليزية والعلوم الحديثة على الطريقة الأوروبية، وتنقل في العالم الإسلامي في رحلة طويلة ممتدة، عاد بعد ذلك إلى أفغانستان وتقلد منصب الوزارة، ثم سافر إلى الهند بسبب الخلافات بين الحكام، ثم انتقل إلى مصر عام 1870 ثم إلى الحجاز والأستانة، وعُيّن في مجلس المعارف، ولكنه عاد إلى مصر بعد فترة وجيزة بسبب خلافه مع شيخ الإسلام.

أقام في مصر يعمل في التعليم، وأنشأ مجلساً يؤمّه العلماء والأعيان وطلبة العلم، وكان ملهماً للنهضة العلمية وتطوير معاهد التعليم في مصر، ومن أشهر تلامذته وأكثرهم أهمية: "محمد عبده، وعبد السلام بك المويلحي عضو مجلس الشورى، ومحمود سامي البارودي، وإبراهيم اللقاني، وعلي بك مظهر، والشاعر الزرقاني، وأبو الوفاء القوني في مصر، وسليم النقاش، وأديب إسحاق، وعبد الله النديم في الإسكندرية".

نفي في عام 1879 إلى الهند، وأصدرت الحكومة بياناً تبرّر نفيه بأنه يدير جميعة سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا، رغم أنّ صديقه وتلميذه محمود سامي البارودي كان وزيراً في الحكومة، وفي الهند ألف كتابه في الرد على الدهريين.

وبعد فشل ثورة عرابي، سمحت بريطانيا للأفغاني بمغادرة الهند، فسافر إلى لندن، ثم انتقل إلى باريس، ولحق به محمد عبده الذي كان منفياً في بيروت، وفي باريس أصدرا مجلة العروة الوثقى التي كانت تصدر عن جمعية العروة الوثقى، والتي أسست بهدف مناهضة الاستعمار وتحرير مصر والسودان.

توقفت المجلة عن الصدور، وسافر الأفغاني إلى إيران بدعوة من الشاه عام 1889، ثم نفاه الشاه إلى البصرة، ثم رحل إلى لندن، وأصدر من هناك مجلة "ضياء الخافقين"، وكانت تركز على معارضة الشاه في إيران والتحريض عليه.

استدعاه السلطان عبد الحميد عام 1892 لمساعدته في مشروع الجامعة الإسلامية، وعُومل بحفاوة وتقدير، ثم تغيّر السلطان عليه ووضعه تحت الإقامة الجبرية، وأصيب بمرض السرطان وتوفي عام 1897، وفي عام 1944 نقل جثمانه من تركيا في موكب إسلامي مهيب ليدفن في كابل، وضريحه اليوم في وسط جامعة كابل.

محمد عبده:

تعلّم في الأزهر، وعمل مدرساً في دار العلوم، كان يدرّس كتباً مثل مقدمة ابن خلدون وتاريخ التمدن الأوروبي، تتلمذ على يد الأفغاني وصار أقرب الناس إليه، وعملا معاً على تأسيس جميعة العروة الوثقى ومجلتها، وعاد إلى مصر وعمل في القضاء والتعليم في الأزهر، وعُيّن عضواً في مجلس شورى القوانين، وأسس جمعية إحياء العلوم العربية لنشر المخطوطات. أحاطت به مجموعة من التلاميذ الذين صاروا رواداً في الفكر والإصلاح، مثل رشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي، واشتغل أيضاً بالكتابة في الصحف والمجلات.

يقوم مشروع محمد عبده الإصلاحي على التجديد في الفقه الإسلامي، وتطوير التعليم وبخاصة الأزهر وإدخال التراث العقلي والفلسفي في التعليم، والنهضة العامة في الفكر والسياسية والتشريع، والتوفيق بين العلم والدين، والتوفيق بين الإسلام والفكر الحديث.

عبد الرحمن الكواكبي:

عمل في الكتابة والتأليف والمحاماة، كما عمل في صحيفة الفرات الحلبية، ثم أصدر صحيفة الشهباء عام 1877، ثم صحيفة الاعتدال، وقد أوقفتهما السلطة العثمانية، درس المحاماة وعمل فيها، وعمل أيضاً مديراً لمطبعة الولاية ورئيساً فخرياً للجنة الأشغال العامة في حلب، ورئيساً لبلدية حلب.

هاجر إلى مصر بسبب تضييق السلطة عليه، وشُغل بالإصلاح والنهضة الإسلامية، وألف في ذلك عدداً من الكتب، منها "طبائع الاستبداد"، و"أم القرى". توفي في القاهرة، ويُظن أنه مات مسموماً.

يتلخص مشروع الكواكبي في مقاومة الاستبداد، ويعبّر عنه في كتابي "طبائع الاستبداد" و"أم القرى"، يقول الكواكبي: ﺗﻤﺤص ﻋﻨﺪي أنّ أﺻﻞ داء الانحطاط الذي أصاب العرب هو اﻻﺳﺘﺒﺪاد اﻟﺴﻴﺎسي، ودواؤه دﻓﻌﻪ ﺑﺎﻟﺸﻮرى اﻟﺪﺳﺘﻮرﻳﺔ.

وفي كتاب "أم القرى" يبحث أسباب تخلف المسلمين وسبل نهضتهم في مؤتمر مُتخيّل يعقد في مكة يحضره ممثلون لجميع أقطار العالم الإسلامي.

واليوم، وبعد مئة سنة على هذه الجهود والمبادرات الإصلاحية، نتساءل: أين نحن؟ يجيب برنارد لويس بالقول: كان دعاة الإصلاح والتحديث يركزون جهودهم في ثلاثة مجالات رئيسة هي: المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال، فقد أدى السعي إلى النصر بجيوش محدثة إلى سلسلة من الهزائم المهينة، وأدى السعي إلى الرخاء عن طريق التنمية الحديثة إلى الفقر والفساد والاعتماد على المساعدات الخارجية.

ولم تساعد الجيوش ولا المدارس والجامعات والمصانع والبرلمانات دول الشرق ومجتمعاتها، ولا أوقفت الفجوة بين العالم الإسلامي وبين الغرب، وكل ما عملته أنها ساعدت بعض النخب. ولم يقتصر الأمر على أن يجد المسلمون أنفسهم ضعفاء وفقراء بعد قرون من الثراء والقوة؛ فقد أتى القرن العشرون بمزيد من الإذلال والهزائم، وتقدمت عليهم دول أخرى كانت أضعف وأفقر، مثل اليابان ودول شرق آسيا.

أين الخلل؟ كانت الإجابة عن هذا السؤال متنوعة ومختلفة؛ فقد حُمّل المغول والأتراك والاستعمار الغربي واليهود مسؤولية التخلف والضعف، وأعادها البعض إلى أسباب ثقافية وفكرية تعود إلى التخلي عن الثقافة الإسلامية والركض وراء الثقافة الغربية. ولكنّ أعداداً متزايدة من أبناء الشرق الأوسط تتحول إلى موقف النقد الذاتي، فكان السؤال الأساسي: أين الخطأ؟ وكيف نصحح؟

وأمّا المراقب الغربي، فهو يعتقد أنّ متاعب العالم الإسلامي مردّها إلى غياب الحرية: حرية التفكير وحرية الاختيار، وحرية الاقتصاد، وحرية المرأة. وإذا استطاعت شعوب الشرق الأوسط أن تطرح إحساسها بالظلم وتسوّي خلافاتها وتعمل على تكاتف طاقاتها ومواهبها ومواردها لتحقيق أهداف نهضوية مشتركة، فسوف تستطيع من جديد أن تعيد الشرق الأوسط إلى ما كان عليه في الأزمان الغابرة من تفوق وازدهار ومركز رئيس للحضارة... والاختيار بأيدي هذه الشعوب.