علامات توظيف المقدس في الحاضر العربي (تتمة)

فئة :  مقالات

علامات توظيف المقدس في الحاضر العربي (تتمة)

وضحنا في المقالة السابقة، جملة من المعطيات التي تشخص جوانب من تمظهر المقدس الديني في الحاضر العربي. ونتوقف في حلقة اليوم، أمام جوانب أخرى من التوظيف المقنع للمقدس في الأنظمة العربية السابقة على رياح الانفجارات التي عمت أغلب البلدان العربية سنة2011، نتوقف أمام صور المخاتلة التي جسَّدها تاريخنا السياسي المعاصر، في موضوع علاقة الدولة بالدين، وذلك اعتماداً على أمثلة محددة.

فقد اعتبر المغرب دولة إسلامية، كما اعتبر الملك أميراً للمؤمنين، وشمل ذلك مختلف دساتير المملكة منذ دستور 1963 إلى دستور 2011. وقد ترتب عن الخيارين الدستوريين السابقين، أن الدين تابع للدولة.

يجد الاستعمال السياسي لإمارة المؤمنين تفسيره في البنية السياسية التي تستعمل مفردات تقليدية، للتعبير عن قضايا موصولة بالأنظمة السياسية الحديثة، وذلك في إطار يستحضر لغة بعينها محددة لمواجهة فاعلين سياسيين آخرين، حيث يعلن أحقيته وأسبقيته عليهم في مواجهة رهانات سياسية معينة. وقد بدأت هذه الوضعية في التغيير ابتداء من الثمانينيات، وذلك مع وصول فاعلين إسلاميين إلى المجال السياسي. وبعد أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية في الدار البيضاء، اتخذ النظام السياسي في المغرب جملة من الإجراءات بهدف الاحتراس من علاقات تشي بتحولات محتملة. يتعلق الأمر بإعلانه وحدة المذهب المالكي، وإقراره أن الافتاء في أمور الدين يعد شأناً ملكياً، بحكم أن الملك هو أمير المؤمنين. والهدف من وراء الإقرارات السابقة، هو الحد من السلفية الجهادية، ووضع سقف معين لخيارات الإسلام السياسي. وقد ارتبطت المواقف المذكورة، باحتياطات واحترازات أخرى تهم المجال السياسي في دينامياته الواقعية.

نقف في مغرب مطلع الألفية الثالثة، على كثير من مظاهر تدبير الشأن الديني، الذي يعتمد على مبدأ قبول تصور الملكية في المغرب للدين، بحكم وظائفه التاريخية في الوحدة والاستقرار. لكننا لا نفترض أن فصائل الإسلام السياسي في مجتمعنا، تقبل نفس المبادئ. ويظل الأمر مفتوحا على ممكنات أخرى في العمل، إما في اتجاه تطوير المكاسب ذات المرجعية العلمانية المتدرجة، والمستندة إلى مبدأ تبعية الدين وشؤونه للدولة ودواليبها، أو في اتجاه ضبط المجال الديني وتسيجيه بقراءة محددة للثوابت والعقائد والطقوس، أو اتجاه آخر يضعنا على أبواب الدولة الدينية.

فهل يواصل الإسلاميون عمل الدولة داخل النظام السياسي المغربي، في موضوع بناء دولة القانون والمؤسسات، القائم على التعاقدات التاريخية، كما بدت ملامح ذلك في صورتها الأولى في الدستور الجديد (2011)، الذي يعد نتيجة من نتائج الثورات العربية؟

بناء على ما سبق، نحن نتصور أن الجدل في موضوع حدود المجال السياسي في الفكر السياسي العربي، في ضوء التحولات الجارية اليوم في مجتمعاتنا، يقتضي الإعلان أولاً، أننا نتحدث في المجال السياسي، وأن هذا المجال هو مجال للصراع التاريخي بامتياز. وأن كل محاولة لاستدراج الدين والعقائد الدينية والسعي لتوظيفهما، بهدف تحصيل مكاسب ومغانم في هذا الباب، تبتعد عن روح المفهوم وتجعلنا نقترب أكثر من علم الكلام ومن السياسة الشرعية، ونقترب من لغة حراسة الدين في الدنيا، وكلها مفاهيم موصولة بتاريخ لم تعد ملامحه واضحة اليوم، في حياتنا المعاصرة.

ورغم عدم وجود أي فصل بين الديني والدنيوي في تاريخ الحكم في الإسلام، إلا أنه يجب أن نقر أن المجتمع الإسلامي يفرض وحدة السلطة، لكنه لم يحصل أبدا أن توحدت السلطة في التاريخ الإسلامي، وما سمي بولاية الفقيه لم يتحقق أبدا. كانت الولاية دائما بيد السلطان، وكان هذا الأخير يعتمد على الفقيه، ويقول بوحدة السلطة على أساس ما يقوله الفقيه، إلا أن استبداده وتسلطه كان علمانياً وليس دينيا.

نشأ مشروع الدولة الوطنية في كثير من الأقطار العربية، منذ نهايات القرن التاسع عشر، وظلت الشرعية التقليدية موصولة ببعض مجالات التدبير السياسية في أغلب المجتمعات العربية، ولم يفتح نقاش عقلي واضح حول الموضوع إلى حدود هذه اللحظة، حيث ما تزال صُوَّر المخاتلات مهيمنة على كثير من مظاهر الفعل والنظر السياسيين في عالمنا.

نقف اليوم في كثير من الساحات العربية بعد انفجارات 2011 وما تلاها، أمام جملة من المؤشرات التي تقضي بضرورة تبلور جدل وحوار في موضوع الدين والدولة. وفي هذا الإطار، نشير إلى أن الجدل المطلوب لا ينبغي أن يتجه لإعادة التفكير في الإشكال التاريخي السياسي الذي عَيَّنا بالعدة النظرية لتجارب محددة في التاريخ، إنه يتطلب فعلا الاستعانة بالتاريخ ويتطلب أيضا استمرار معاينة قضايا الحاضر في ضوء أسئلتها الجديدة، وما تقتضيه من تجديد وإعادة ترتيب لموضوعات السياسي والديني في فكرنا.

وعندما نفكر مثلا في تعيين حدود المجال السياسي، وأنماط التدبير السياسية السائدة في مجتمعنا، فإنه يمكننا أن نفتح نقاشا في موضوع العلمانية بهدف تطوير الإشكالات السياسية والتاريخية المطروحة أمامنا اليوم، ومن أبرزها إشكال الاجتهاد في مواجهة مستجدات عصرنا ومتغيراته. كما يمكننا أن نفتح نقاشا آخر في موضوع إعلان أن الإسلام هو الحل، الذي نرادفه في الأغلب الأعم بمبدأ تطبيق الشريعة. وأن الجمع بين الشعارين في الفضاء السياسي العربي اليوم، يضعنا أمام مشروع الدولة الدينية في زمن نعرف فيه بفضل مآثر التحديث السياسي، أن مسؤولية الدولة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية واسعة، وأن الدين والسمو الديني شأن خاص بامتياز، ولا يمكن بلغة سبينوزا" أن نرغم أحداً على السعادة الأبدية". لكن يحق للجميع تقاسم موارد وخيرات أوطانهم بروح العدل والمساواة. ومن أجل ذلك، تنشأ الدولة ليتداول عليها الفاعلون السياسيون بلغة التاريخ والمصلحة.

* د.كمال عبد اللطيف مفكر مغربي