فضائل القرآن في المتخيل الإسلامي

فئة :  مقالات

فضائل القرآن في المتخيل الإسلامي

لقد دخل المستعمر فقتّل وسلب وشرّد، كانت هذه الصّورة المفزعة كفيلة برفض المسلمين للواقع وحرصهم على تفعيل دور الدّين والمقدّس، راحوا ينسجون من الأساطير والرّموز القرآنية والمتخيّلات المحليّة والكونيّة والقصص الشعبيّة ثقافة عالمة وجامعة، أسهمت في تحويل مجرى الثقافة والتاريخ.

لقد وجد المسلم أنّ الخارطة الإسلاميّة تتقلّص يوما بعد يوم، وتنبّأ بعد سقوط عدّة خلافات إسلاميّة، أنّ الآفاق ضاقت والنّهاية اقتربت، وشعر بضيق عالمه وتبخّر آماله، فآثر الاستكانة لتضميد جراحه وإيجاد خلاص من هذا الواقع الأليم؛ فنتج عن ذلك إنتاج غزير من النّصوص الدّينيّة المتخيّلة التي تقوم بعمليّة تعويضيّة، يتمّ فيها صياغة واقع جديد بدل آخر مرفوض يثبت سيطرة العنصر الأعجمي على حركة الواقع الإسلامي، وكذلك على حركة الثّقافة؛ فالواقع هو الذي يوجّه الإنتاج الثقافي في نهاية المطاف، وهو ما يؤكّد أهميّة العامل السياسيّ في اصطناع الفضائل.

وأضحت نصوص فضائل القرآن في فترات لاحقة تراثا منقولا نقلا أمينا عن مجتمع الصّحابة وغيرهم من السّلف المتأخّرين، إضافة إلى نشأة مؤلَّفات كثيرة في فضائل القرآن، تعكس شيوع النّقل في هذه الأخبار ونموّها في المتخيّل الإسلامي. ولا جدال في أن لهذه الفضائل وظائف تضطلع بها في المتخيّل الإسلامي، وأهمّ هذه الوظائف، وظيفة الحثّ على قراءة القرآن، التي أفصحت عمّا يشوب هذه القراءة عامّة من غاية تحصيل الأجر بغضّ النّظر عن مقياسَي العمل والسّلوك، وهو ما يُفضي إلى تبيّن علاقة المؤمن بالنصّ القرآني، وهي علاقة تحكمها نزعة براغماتيّة، تعلن عن التزام المؤمن بقراءة القرآن مادامت هذه القراءة مقترنة بالثواب المستفيض والأجر المتضخّم، وهو الأمر الذي يجعل المؤمن يتبرّك بالكتاب باعتباره كلاما خارقا قادرا على الفعل والخلق؛ فهو الكتاب المبارك في اعتقاد المسلمين. وجليّ من هذا القول أن ّمقولة الإنسان الفاعل تفقد معناها، وتتحوّل بالتالي إرادة القوّة إلى الكلام الذي ليست له قدرة على الفعل في ذاته، وتتقلّص بذلك بوادر تعويل المؤمن على العقل الفاعل وتنشدّ رؤاه إلى الغيبيّات، ويتطبّع بالاستكانة والخمول الفكريّ والجسديّ، اعتقادا منه أنّ القرآن معجزة كلاميّة قادرة على الخلق والتّغيير دون حاجة إلى مجهود عقليّ أوبدنيّ.

وتتسع قاعدة الحديث في ما تختصّ به بعض السّور أو الآيات في الوقاية من فتنتي الدّجال والقبر، وإن لم تكن هذه الفتن سوى انعكاس لإحساس أناس عرفوا أزمات وصراعات مختلفة؛ فشعروا في تلك اللّحظات بأنّ السّاعة آتية لا ريب، وأنّ الأزمات التي يعيشونها ليست سوى علاماتٍ على اقتراب السّاعة، برغم ما ورد في القرآن من اعتبار الفتن اختبارا لإيمان الـمؤمن )كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ اُلْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَاُلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْناَ تُرْجَعُونَ( {الأنبياء 21/35}

ولا مناص من القول إنّ الأحاديث التي تعنى بفضل القرآن في دخول الجنـّة تستحوذ على أكبر نسبة من أحاديث الفضائل، علاوة على أنها تبيح للمؤمن دخول الجنـّة دون حساب، كما تبرّر تهافته على الفوز بالنـّعيم الأخروي، إلاّ أنّ ما استرعى انتباهنا في هذه النقطة بالتحديد ما حصل من تغييبٍ للمرأة وإلغاءٍ لأحقّيّتها في التّمتّع بهذا الفضاء المتصوّر وجعله حِكرا على الرّجل ومكانا لتحقّق رغباته؛ فقد كشفت صورة المرأة ومنزلتها في المتخيّل الإسلامي عن تمايز جنسّي ونظرة تقديسيّة للذّكر دون الأنثى، لذلك تتّفق نصوص الفقه والتّفسير والحديث على متخيّل واحد في هذا الشّأن؛ فكلّ نصّ يمثّل امتدادا للنّصّ الآخر، لا يدحضه بل يدعمه، فعمليّة إقصاء المرأة عن الجهاد مثلا، باعتبارها أقرب إلى المدنّس، هو استحضار لبقيّة النّصوص المتخيّلة التي ترى في المرأة حقارة ودنسا، بينما ترى في الرّجل قداسة وطهارة، هذه الفكرة تدعّمها تلك الأمثال الأسطوريّة التي تكتنزها كتب الفقه من قبيل «خلقت المرأة من ضلع أعوج، فإن تقوِّمها تكسرها، وإن تتركها تستمتع بها على اعوجاجها» «النّساء ناقصات عقل ودين» «الحكمة في أنّ الرّجال يزيدون على مرور الأيّام حسنا وجمالا لأنّهم خلقوا من التّراب والطّين، والنّساء يزددن على مرور الأيّام قبحا لأنّهنّ خلقن من اللّحم، واللّحم يزداد على مرور الأيّام فسادا». والأمثلة كثيرة يغذّيها المتصوَّر والسّائد الاعتقادي.

ولعلّ الحديث في هذا الشأن، يعدّ نتيجة للإشارات الصّريحة في نصوص فضائل القرآن، وخاصّة منها الفضائل الأخرويّة التي تبرز بوضوح المتع الحسّية الخاصّة بالذّكر، ليتمّ الإعلان بالتّالي عن تواصل هذا التّمايز الجنسي داخل الجنّة، وتصوّر ما أعدّته هذه النّصوص للذّكر/المقدّس من لذائذ كنكاح العذارى، وشتّى المتع الحسّيّة من شراب وأكل، فإذا كانت الجنّة وملذّاتها في خدمة الذّكر أو في «خدمة مولانا الذّكر» بعبارة وحيد السّعفي، يكون السّؤال أين موقع المرأة في الجنّة؟ وكيف تمثّل ثوابها؟ و ما مدى الأخذ بالمنطوق الذي يبيّن التّسوية بين الجنسين في الجزاء؟.

إنّ مقولة المرأة/ المدنّس هي مقولة ثقافيّة ألبستها الأساطير والقصص هذا اللّبوس الدّونيّ، فحكمت عليها بالأدنى وبالطّبقيّة، فانخرطت كلّ النّصوص الدّينيّة في إبراز هذا التّمييز لتأخذ شكل الأحاديث المنسوبة إلى الرّسول من قبيل الحديث الذي رُوِيَ فيه أنّ الرّسول نظر إلى النّار، فوجد أنّ أكثر أهلها هم النّساء.

و تبدو الرغبة الجنسية حاضرة بكثافة في نصوص الفضائل، ولو أنـّها تعدّ ميسمها، وخاصّة على مستوى رسم الجنّة المفعمة بالقيمة المقدّسة للرغبة؛ حيث متعة الجنس ولذّة الخمرة ( اللّذة الأبيقوريّة)؛ وحيث تنتصر الحياة بما هي لهو ولعب على الموت والفناء؛ فعمليّة الإغراء التي تشدّ كامل أحاديث الفضائل تبيّن هذه الجنسانيّة، في منح الذّكر أعدادا لا تحصى من الإناث (الثّيّب والعذراء)، كلّ ذلك في خدمة الذّكر الذي ألبسته الثقافة الإسلاميّة هالة من القداسة، رغم ما صرّح به القرآن في شأن التسوية بين الجنسين باعتبارهما نفسا واحدة. ومن جملة ما خلصنا إليه في دراسة الفضائل، هيمنة أسلوب التصوير الذي أبرز طابعي التخييل والتجسيم معا، وهما من الظواهر الفاعلة في المنطق الحكائي والمنهج الوصفي. إنّ الصورة هنا تعدّ أبرز وسيلة يُنجَز بواسطتها السّرد كما الوصف، ويبدو الأمر بشكل ملحوظ في الصّور المكثّفة والمبرزة لفضل القرآن الدّنيوي والأخروي على غرار "إذا ختم العبد القرآن صلّى عليه عند ختمه ستّون ألف ملك"، وعن ابن مسعود قال: "سمعت رسول اللّه (ص) يقول: من قرأ حرفا من كتاب اللّه فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (ألـم ) حرف ولكن ألفٌ حرف ولام حرف وميم حرف".

كما تظهر تقنية التضخيم لأول وهلة في تناقل الأخبار؛ حيث تعبّر عمليّة تحوّل الخبر من شخص إلى آخر عن أثر الزّيادة في صياغة العجيب المدهش الذي كان يلحّ على الإنسان وعلّة وجوده.

إنّ نصوص الفضائل تؤمّن شعور القارئ باللّذة؛ لأنّها تمنحه فسحة من الحلم والانطلاق إلى غياهب المتعالي، وهي كذلك تزوّده بشعور الارتقاء وملامسة العالم النّقيّ، إنّها ببساطة عالم تحقّق الرّغبات وإعلاء المكبوت من المشاعر الدّفينة.

ويمكن القول إنّ نصوص فضائل القرآن تنهض بوظيفتين؛ أوّلها الوظيفة الفنّـيّة حيث تبدو صورة الجنّة صورةً للعالم العلوّي الذي يستدعيه القارئ حينما تشتغل مخيّلته، فيصبح الفنّ أحد العوامل المسهمة في عودة المكبوت من المحظورات (Tabous)، وهنا يمكن القول إنّ الفنّ يؤسّس لأهمّ لحظات الحرّية والانعتاق. أمّا الوظيفة الثانيّة، فهي الوظيفة الجماليّة وهذا ما نتلمّسه في فضائل القرآن من خلال الإحساس بجمال الصّور التي تنبع من اللاّشعور الإنساني وتؤثّثها لغة إيحائيّة رمزيّة، إلاّ أن ذلك لم يخف انتشار ظاهرة تعبّد النص مع مرور الزّمن وانـحسار التفكير في مجال الاعتقاد، وقد تأكّد لدينا أنّ اعتقاد المسلم في عدم وجود ثوابٍ متعلّقٍ بقراءة القرآن يفضي لامحالة إلى انقطاعه عن التّلاوة، وهو الأمر الذي يؤكّد النزعة البراغماتيّة التي تحكم سلوك المؤمن، فتوجّهه نـحو التماس الفضل في قراءة ســــور وآيات دون أخرى؛ ممّا يعني تحوّل النّص القرآني من دلالة إلى شيءٍ غرضه التماس البركة وحسب.

وليس باستطاعتنا الحديث عن وظائف الفضائل دون استدعاء مصطلح مهمّ هو في حقيقة الأمر يشدّ كامل فصول بحثنا، إنّها الرغبة. تتحقّق هذه الرّغبة في ممارسة الطّقوس التي ترفع الإنسان إلى عالم السّماء المقدّس؛ حيث يعانق المطلق ويعلو عن يومه؛ فيشعر بالاطمئنان والقرار. تكمن هذه الرّغبة أيضا في أهمّ اللّحظات المصاحِبة لقراءة نصوص فضائل القرآن؛ حيث يغزو القارئ إحساس في هذه المدّة الزّمنية الوجيزة بالارتفاع عن واقعه، فيشعر بمتعة المتخيّل ويحسّ بلذّة النص (Le plaisir du texte) الذي تتحرّك فيه الصور الجميلة في منطقٍ حكائيّ متميّز يلوذ داخل حدوده القارئ، فيوفّر لنفسه طاقة إضافيّة يقاوم من خلالها مظاهر العجز والاستيلاب اليوميّة.

ولا غرو أن ما تحمله هذه الفضائل من دلالات رمزية هو ما يثقل المعنى الخاص بكلّ رمز، فقد مكـّنتنا دراسة هذه الدلالات، وتحديدا رمزيّة دخول الجنـّة من تبيّن العلاقة بين صورة الجنـّة في المتخيّل الإسلامي وصورة الحضارة العربيّة الإسلاميّة في أوج ازدهارها، وهو الأمر الذي حفّزنا على اقتفاء أثر هذه الحضارات كالحضارة العبّاسيّة والحضارة الأمويّة في الأندلس. ولاحظنا أنّ حروب الطوائف ودخول الأعاجم كان له الأثر العميق في انـحسار التفكير العقلانيّ ونموّ الثقافة الشّعبيّة، فراجت إثر ذلك الفضائل، وخاصّة الأخرويّة، منها لترسم بريشة الخيال ذاك الأفق الواقعيّ المزدهر في تلك الحقبة الماضية التي تميّزت بجمال القصور وفنّ العمارة وروعة الجنان والعيون الجارية، وكثرة الإماء والجواري الحسان ومجالس الأنس والمتعة وما يحويها من أكل وشرب خمرة. هذه الصورة الحضارية الماضية هي نفسها تلك الصورة التي أثّـثت فضاء الجنّة، وهي أيضا تلك التي نستشفّها من أحاديث فضائل القرآن المبثوثة في التفاسير المتأخّرة زمنيّا كتفسير القرطبيّ في القرن السابع للهجرة؛ حيث وَثَّقت هذه النصوص لتلك الفترة المزدهرة وبكت أطلالها في زمن عرفت فيه الذّات عزلة وتراجعا إلى الدّاخل؛ أي إلى استحضار الماضي وتفعيل دوره بعدما تراجع النّشاط العقلاني، وبعد أن عرفت الترجمة والفلسفة إلخ.. انـحسارا، وعرف المسلم تقوقعا ورفضا للآخر. وجلّ النصوص التي تصف الجنان في مبحثنا تبرز هذه الصلة بين صورة الجنـّة وصورة هذه الحضارات الآفلة، على غرار حديث نسب إلى الرسول في قوله : "لكلّ شيء ثمرة وإنّ ثمرة القرآن ذوات "حم"، هنّ روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليقرأ الحواميم"، هكذا أضحت الجنّة في المتخيل الإسلامي رمزا لرغبة العيش في الأبدي و فضاء تتحقق فيه الرّغبات والملذّات دون كبت تلزمه الحضارة، أو عنف يسلّطه «الأنا الأعلى» (Le Sur-moi) على « الأنا» (Le moi) بالقمع والحراسة المشدّدة.

ومن ضمن هذه الدلالات أيضا الشهادة التي توازي مفهوم الجهاد، ولكنّ هذا المفهوم لقي تراجعا بعد نشر الإسلام، إلاّ أنّ المحدّثين لم يقفوا أمام هذا الاختزال في المفهوم، وفي المقابل وَسّعُوا من دائرة الشّهادة لتأخذ أشكالا أخرى من الموت كالغرق والطّعن... تطوّر هذا المفهوم تاريخيّا على مستوى المعنى؛ فأصبح يشمل الموت في سبيل الوطن، فالمسلم حينما يموت مدافعا عن موطنه، فإنّه بذلك يحقّق إرادة اللّه التي تحثّه على هذا النّوع من الجهاد، والذي يمثّل قدرا ومصيرا حتميّا لبعض الشعوب (الشعب الفلسطيني مثلا).

ويصبح الموت، في سبيل إرادة اللّه، جزءا من الرّغبة في تبوّء أعلى درجات الجنّة، إذ يصير الموت على هذه الشاكلة تعبيرا عن إرادة الخالق الذي يتكاتف مع المسلمين المضطهَدين والمظلومين من أجل إعلاء الحقّ ونصرته.

و جليّ من هذا القول أنّ مفهوم الجهاد قابل للتمطيط، وهو الأمر الذي جعل منه أخطر سلاح إيديولوجي على الإطلاق يستخدمه الدّعاة اليوم لتمرير خطاب العنف وتثبيت سياسة التجهيل بتقوية النزعة الانتحارية لدى الشباب العربي، و دفعه إلى النشاط الإرهابي، هذا فضلا عمّا يروّج من أنواع جهاديّة مخزية تفضح هذه الإيديولوجيا التي تستهدف الفكر العربي الإسلامي.

وقد تناولنا بالبحث أيضا الدلالة الرمزية للحج، وسورة الحج كفيلة بمنح قارئها غايته، و تتمثل رمزيته في عقد صلة بالماضي ليكون الحجّ مجالا للتّطهّر وتقام المناسك إعلانا على عمليّة التّقرّب من اللّــه بتعظيم شعائره وتنقيــة النّفـــس من الأدران، و الولوج حيث ملكوت اللّه بكثرة الذّكر والعبادة والتّلبية.

وتتجلّى النزعة النفعيّة بوضوح أكثر؛ حيث تطبع سلوك الإنسان اليوم في أداء فريضة الحجّ، وحيث يروم من ذلك محو ذنوبه ونقاء نفسه كما يُنقّى الثّوب الأبيض من الدّنس، وعلى ذلك مدار هذه الآية )وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً( {آل عمران3/97}، إذ تمّ تأويلها اليوم في ارتباطها بالاستطاعة الماديّة في حين أنّ الاستطاعة كانت مرتبطة بتحمّل مشقّة الطريق وعناء السّفر الذي قد يدوم أشهرا. هكذا اختلف مفهوم الاستطاعة بين الماضي والحاضر ليكرّس اليوم القدرة على اشتراء المغفرة مع الإصرار على تكرار هذه العمليّة الطقسيّة طمعا في الإثابة.

وتستغلّ المملكة العربيّة السعوديّة المتخيّل الإسلاميّ في تعظيم شعائر الحجّ؛ فتوجّه أهدافها نـحو تعزيز رصيدها من الدولارات وإنجاح الموسم الاقتصادي وإدخال العملة الصّعبة، ممّا يعبّر عن ثراء فاحش يقلّص من المعاني الرمزيّة لهذه الشعيرة.

إذا كان ذلك كذلك، فهل يعني أنّ الفقير في الدنيا يدفع ضريبة فقره لمجرّد أنّه لا يجد مجالا لشراء صكوك التّوبة؟ وهل من الإنصاف أن يمنح اللّه الثواب للناس لأدائهم الفرائض دون نظر في سجلاّت أعمالهم الدنيويّة، وغضّ النّظر عن سلوك المؤمن الذي قد يستحقّ أن يُثاب لمجرّد عدم قدرته على تحمّل الأعباء الماليّة التي يفرضها علماء الدّين مدعومين بقرارات المسؤولين السياسيّين في أداء الشعائر الدّينيّة؟. والحاصل من كلّ ما تقدّم أنّ للتراث الأنتروبولوجي الرّمزي جذورا متلبّسة بمحيط بلاد العرب قبل الإسلام؛ فالصّورة الماثلة في أذهان المؤمنين اليوم هي ذاتها تلك التي نشأت منذ آلاف السنين في متخيّل جمعيّ صارع قساوة المناخ واستأنس بكلّ ما حاكه من صورٍ وخيالاتٍ تحدّ من خوفه من الموت والمصير. ويستدعي حديثنا عن فضائل القرآن في المتخيّل الإسلاميّ هذه الشبكة الرّمزية من الاعتقادات الأولى، منها الاعتقاد في وجود كائنات لامرئية كالشّياطين والجنّ والملائكة، استدعت هي الأخرى طقوسا إمّا للطرد (الشّياطين والجن) أو للحضور (الملائكة)، من منطلق التّفريق بين ما هو خبيث وما هو خيّر. كما مثّلت رمزيّة مركزيّة الكعبة أحد الاعتقادات الموروثة في أداء طقوس الحج، إضافة إلى رمزيّة النّور المصاحِبة لكلّ ما هو نقيّ و جميل.

وصفوة القول إنّ المخزون الرمزيّ لفضائل القرآن يتعلّق بعالم الأحلام؛ حيث تنفذ كلّ رغبة مقموعة وتنسحب إلى المتخيّلة التي تصيّرها واقعا متحقّقا. إنّ البنية العامّة للمتخيّل الإسلامي لهي جماع فنّي الرّمز والقصص؛ حيث تتغذّى الضّمائر الجمعيّة في الماضي من هذه المنابع التي مثّل النص القرآني أهمّ مصادرها باعتباره «البنية الأسطوريّة» النّموذج لاحتوائه على رصيد مهمّ من الرّمز والأسطورة.

لقد مثّل القرآن نصّا ثقافيّا، خاطب متقبّليه بلغتهم ووفق السّقف الثّقافي الذي راهن على خصوبة مخيّلتهم، واستطاعت بعد ذلك النّصوص الدّينية المختلفة أن تُفعِّل دور المتخيّل في واقعها من منطلق الحاجة الأنثروبولوجيّة التي استوجبت تجذيرا أعمق للعجيب المدهش. مع العلم أنّ نمط البداوة وصعوبة المناخ في الجزيرة العربيّة، والشّعور بما يترصّد الكائن البشريّ من أمراض وأوبئة جعله ينسج الحكايا، فيرتفع عن يومه ويغادر واقعه بالتّحليق في عالم المتخيّل العجيب؛ حيث يكون لوقْع الحكاية وجرسها الأسطوريّ أثر في استقرار الأرض وتجمّل الحياة. وهكذا مثّلت الاعتقادات البدائيّة لعرب مكّة ذخيرة من الرّموز والأساطير التي مثّلت بعفويّتها جزءا لا يتجزّأ من تكوين الرّموز والأساطير الدّينيّة المنتمية إلى فترة ما قبل الإسلام، وصوّرت الثّقافة الشعبية الحياة أكثر سخاء واطمئنانا، وعبّرت عن حلم الإنسان الدّائم إلى الصّعود نـحو الأعلى وإيجاد صيغ للمقدّس الدّيني، الذي راحت تثريه البنية الفكريّة لمعتنقي الإسلام، من خلال انغماسها العفويّ والرّوحيّ في أشكال من الشّعائر والسّلوكات الطّقسيّة.

وجليّ ممّا سبق، أنّ تنوّع المصادر أسهم بشكل أو بآخر في رواج الفضائل، تنضاف إليها أهمّ العوامل التي يمكن أن نستقيها من تلك الفترات التي مرّت بها الإمبراطوريّة الإسلاميّة، والتي تميّزت بـاضطراب داخليّ إثر الغزو الخارجي لها، ممّا كان له الأثر العميق في تشكّل الأبعاد السّياسيّة والنّفسيّة والفكريّة أيضا، آل فيها الوضع إلى التفاف على الذّات وتأمّل في المصير وانبثاق أسئلة وجوديّة عميقة للمسلمين، راحوا يبحثون من خلالها عن رابطة متجدّدة مع الواقع، ويحلمون بالجنّة الموعودة، فينسجون الأقاصيص معتمدين القرآن كمنطلق لرسم الخطوط العريضة في إنشاء ثقافة عالمة (التّفسير) موازية تتحدّى الهزائم وتنشُد عالما ثريّا من المتخيّل تلتقي من خلاله المطامح الاجتماعيّة والحاجات الأنثروبولوجيّة والإلحاحات النّفسيّة بعد الشّلّ الحركيّ؛ فكانت الكتابة بمثابة «الدينامو الرّوحي»، يحرّك الجانب الفكريّ والنّفسيّ والتّاريخيّ.

وتضافرت هذه العوامل، فأسهمت في سرعة نموّ الفضائل، وهو ما دعانا إلى تتبّع نسق هذا النموّ من خلال التعريج على مقارنة بين تفسيرين من حقبتين مختلفتين؛ أحدهما ينتمي مؤلِّفه إلى القرن الرّابع (الطبري)؛ أمّا الثاني، فينتمي مؤلِّفه إلى القرن السابع (القرطبي)، واهتمّت هذه المقارنة برصد نموّ المتخيّل على مستوى أشهر ما قيل في فضل سورٍ وآيٍ بعينها، مـمّا أفضى إلى ملاحظة مفادها النمو السّريع لأحاديث الفضائل.

في قراءة مبحث فضائل القرآن ما يدعو إلى التّساؤل عند الكثيرين، هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ وهل بالإمكان أن تعدل سورة قراءة النصّ بأكمله؟ففي حين لا يُعثَر على فضل سورة الفاتحة وفضل آية الكرسي في تفسير الطبري، فإنّ القرطبي، و هو الذي عاش في القرن السابع، يُورِد فضلهما في تفسيره باعتبارهما من أشهر ما قيل في فضائل القرآن، وهو الأمر الذي يؤكّد اتّساع قاعدة الحديث في فضائل القرآن ونموّها في المتخيّل الإسلامي إثر تراجع الفكر العقلاني، وازدهار الثقافة الشعبيّة.

من هذا المنطلق كيف يستقيم أن تكون الإخلاص ثلث القرآن؟ وأن يعطى قارئوها ثواب من قرأ القرآن كلّه؟

يعبّر بالتّالي منطق العطاء المستفيض، عن إباحةٍ تكاد تكون مطلقة تنعكس على أداء الشعائر والطّقوس، حتّى لكأنّ هذه النصوص تزيح النصّ الأوّل (القرآن)؛ فتخوض في الجزئيات، وأحيانا كثيرة تبتعد عن المنطوق في عمليّة عزل الجزاء عن العمل، وتصبح عمليّة تكرار سور بعينها تعبيرا على مدى انتشار المنـزع النّفعي الذي يطبع سلوك المؤمن. وقد ذكرنا أنّ هذه النصوص هي على الأرجح من نسج خيال المتصوّفة، فهم صانعوها لنتبيّن أنّ لصناعة الفضائل إذن وظيفة تعويضيّة، وهي وظيفة تقوم أساسا على إقامة التّوازن النّفسي لهؤلاء، قوامها تعويض الحرمان الذي تتكبّده النّفس في قطعها مع المتع الحسيّة وكافة الملذّات الدّنيويّة، وقتل الجسد بإحياء الرّوح المتعطّشة دوما إلى الاتّحاد مع الذّات الإلهيّة. هذا الامتلاء هو الغذاء الرّوحي، الذي يحلّ محلّ الحسّ، به تشبع الرّوح وتعوّض نـحول الجسد وظمأ النّفسِ. ومثلما كانت الحياة الرّوحيّة تعبيرا عن ذلك التّوازن النّفسي الذي يراد تحقيقه في أشكال من العزلة والتّلقّي، كانت فضائل القرآن جزءًا من هذا التّوازن السّيكولوجي الذي توفّره الحياة الرّوحيّة؛ فهي بمثابة تصعيد (Sublimation) يتشكّل في إعلاء كلّ ما هو مكبوت ودفين. وفضائل القرآن تعبير عن هذه الحياة الباطنيّة؛ فمعرفة المتصوّفة العميقة باللّه والحركة التّصاعديّة المستمرّة، نتج عنها انخراط في معرفة صفاته (النّور، المتعالي...) وبلوغ أعلى درجاته (الحلوليّة)، فشاهدوا العالم العلــويّ وعانقوا نوره وجماله، وارتقوا عبر مقاماتهم وأحوالهم إلى ملامسته، بعد أن تجرّدوا من الزّائل وآثروا الخلود .

ولا يخفى علينا تلمّس التطوّر الذي عرفته أحاديث فضائل القرآن في حقب تاريخيّة مختلفة، فمن المؤكّد أنّ هذه النّصوص مرّت في صناعتها بفترة أولى تعلّقت بالفكر الصوفيّ العالِم، ونُرجِّح بداية الكتابة في فضائل القرآن منذ القرن الثالث، وهي الفترة التي تبلور فيها مفهوم الصّوفيّة والمتصوّفة؛ لذلك نجد أنّ البخاري يضع في القرن الرابع بابا لذكر فضائل القرآن. وقد نشأ الفكر الصوفيّ العالِم منذ هروب المتصوّفة من الواقع وإيثارهم الحياة ، بعدما فشا الفساد والمجون. وظلّ حلّ الهروب في فترات لاحقة من أحسن الحلول إلاّ أنّ الترويج لأحاديث الفضائل أخذ يتكثّف ويتنوّع في أساليب التصوير مع تتالي الأحداث التّاريخيّة، ومرورا بحضارات متنوّعة المعالِم.

وعلى هذا الأساس، كانت الفضائل تقوم بدور الوظيفة التعويضية في إقامة واقع بديل عن آخر متدهور يتمّ من خلاله تعويض الحرمان أو سدّ الافتقار ( الحلم بالثراء مثلا أمام واقع الفقر). هذا التعويض مفاده الإحساس بمتعة النص الذي يعتمد على فنّ الصورة وجمالها في تحريك المشاعر المكبوتة، أمّا الشكل الثاني من التعويض فيتمّ على مستوى تحرّر القارئ من أسر الواقع ومن ضغوطاته في الوقت الذي تعاني فيه هذه المجتمعات الحديثة من مخلّفات العلمنة ومظاهر الاستيلاب المختلفة. إضافة إلى أنّ عالم الخيال يعبّر عن حلم الإنسان في التخلّص من منزلته الوجوديّة ومعانقته المطلق، وعادة ما يتّم ذلك في أشكال من الممارسات الطقسيّة. ويظلّ توسّل المؤمن بالقرآن التماسا للفضائل ضربا من ضروب تعبّد النصّ والتبرّك به، ويبرز نسيج الغرابة، وتتغلغل ثقافة الفضائل لتغزو المجتمعات الحديثة.

أمّا على مستوى وظيفة اشتغال العقل؛ فالمتخيّل هو المحرّك الأساسي لهذه الوظيفة، باعتبار أنّ النشاط العقلاني يعتبر نشاطا موهوما إذا تمّ عزله عن المتخيّل، تلك الطاقة الضرورية والمجنّدة لدفع وتنشيط حركة العقل.

إنّ نصوص فضائل القرآن تشير إلى الاستثمار الإيديولوجي لهذه الأحاديث الموضوعة التي تلقى صدى، كلّما ارتدّ الإنسان إلى الماضي، وكلّما شعر بتدهور الواقع المعيش، الذي يستلزم عودة القرآن بقوّة ولِمَ لا يترأّس جميع المجالات الحيويّة في الواقع، من مثل حديث ابن عباس :" من تعلّم كتاب الله ثم اتّبع ما فيه، هداه الله بـه مـن الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب".

وها نحن اليوم نشهد ظاهرة متفشية تمثلت في قراءة سورة التكوير جهرا قبيل صلاة المغرب، وهو ما يفسّره ذاك الحديث الذي نسب إلى الرّسول في قوله :" من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة، فليقرأ إذا الشمس كوّرت، وإذا السّماء انفطرت، وإذا السّماء انشقّت"، وهو ما يثبت نموّ المتخيّل وشيوع ثقافة فضائل القرآن كلّما تراجع المسلمون وأحسّوا بالإحباط وانـحسر تفكيرهم في عجيب الأخبار.

ورغم ما تضطلع به الفضائل من وظيفة نفسيّة، فإنّ مصير المؤمن يبقى مرتهنا بما استثمر استثمارا موجّها من الرأسمال الرّمزي الموروث، خاصّة وقد تملّكت المؤمن اليوم هواجس انسداد الأفق، وغزت وعيه خيالات الوهم والتصوّر الأخرويّ، في ظلّ انهيار العالم الدّنيوي. إنّ هذا الوعي المجهّز بآليات تقبّل العجيب، ينصاع إلى مفهوم «الخلاص» ؛ حيث تتشكّل الرّؤى الميثيّة أكثر ثباتا في العقل وأكثر قوّة، فيتمّ من جديد التركيز على إحياء المتخيّل الإسلامي في النصوص الدّينيّة، وإعادة صياغة الواقع وفق هذا المتخيّل.

* هاجر مسعود باحثة تونسية