القرآنولوجيا المعاصرة: نصر حامد أبو زيد ومفهوم القرآن وطبيعته
فئة : مقالات
القرآنولوجيا المعاصرة:
نصر حامد أبو زيد ومفهوم القرآن وطبيعته
تمهيد
القرآنُ ــــ في اعتقاد المسلمين ــــ وحيٌ إلهيٌّ، وهو معطى أوليّ وجوهريّ في بنية العقل الإسلامي، وأيُّ صياغة جديدة لمعنى الحياة لابد، حسب هذا الاعتقاد، أنْ ترتكز على هذه البؤرة المركزية المُنتجة للمعنى. وإنّ الاجتهاد في تأويل دِلالات القرآن ومقاصده ضرورة عملية يقتضيها الواقع المتحرك والمتغير للمجتمعات الإسلامية. وقد كان الاجتهادُ عاملا من عوامل الإبداع والحيوية والاختلاف في الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وفُهمت التأويلات المتعددة والمتنوعة على أنها دلالة قوية على الثراء الدلالي للقرآن؛ وهكذا ففهم القرآن وتأويله: "مهمة مطروحة في كل وقت ومطلوبة في كل زمان، وقد يكفي التذكير بأنّ اقتناعنا بأن القرآن يخاطب أهل كل زمان ومكان، يفرض علينا اكتساب فهم متجدد للقرآن بتجدد الأحوال في كل عصر.."(1).
1 ــ تحديدات مفهومية
مفهوم "النص" من المفهومات التي تتباين تعريفاتها تبعا لتباين الحقول المعرفية التي توظفه في بناء صَرْحها النظري ونماذجها التحليلية، وقد استخلص محمد مفتاح(2) أهم مقومات النص انطلاقا من تحديداته داخل البنيوية، واجتماعيات الأدب، والتحليل النفساني الدلالي، وتحليل الخطاب، وخلاصة تلك المقومات أنّ النص مدونةٌ كلاميةٌ، وأنه حدَثٌ، وأنه تواصليّ، وتفاعليّ، ومغلقٌ، وتوالديّ؛ أيْ أنه مدونةُ حدثٍ كلاميّ ذي وظائف متعددة. إلا أن هذا التعريف التركيبي محكوم بالعلامة اللغوية المكتوبة(3)، ولا يشملُ أنظمةَ الدلالة الأخرى التي تتمركز حول العلامة غير اللغوية؛ ففي حقل السميولوجية يتسع مفهوم "النص" ليشمل كلّ نسق من العلامات اللغوية وغير اللغوية يؤدي إلى إنتاج معنى كلي، وتحت هذا التحديد تندرج النصوص والخطابات اللغوية، وغير اللغوية مثل الصور والإيماءات الجسدية والاحتفالات والطقوس والشعائر والأزياء ومائدة الطعام.. الخ. وهو أيضا "سلسلة من العلاقات تنتج معنى كليا يحمل رسالة. وسواء كانت تلك العلامات علامات باللغة الطبيعية ــ الألفاظ ــ أم كانت علامات بلغات أخرى، فإن انتظام العلامات في نسق يحمل رسالة يجعل منها نصا"(4). والنص بنية مستقلة بذاتها تتضمن المؤلف والقصد والقارئ الضمني، ولا تستبعد السياق اللغوي والثقافي؛ فالمؤلف يملك قصدا معينا من تأليف النص ونشره، وقصديته لا تعمل إلا داخل الفضاء اللغوي والثقافي الذي ينتمي إليه، كما يقتضي تخيّل متلقّ معيّن للنص، أضف إلى ذلك أنه يتضمن معنى "التناص"؛ إذ ليس هناك نص ينشأ من فراغ كامل، والتناص يعني أن النص له تعالقات وتفاعلات مع نصوص سابقة عليه.
وفي مجال تحليل الخطاب الديني، لابد من التفريق بين "النص الأصلي" و"النص الثانوي"؛ ففي الحالة الإسلامية القرآنُ هو النص الأصلي، وهو الواقعة الأولى في منظومة نبعث منه وتراكمت حوله. أما النصوص الثانوية، فهي السنة النبوية، والتي تُشكّل شرحا وبيانا للقرآن، ثم تأتي بعدها اجتهادات اللاهوتيين والفقهاء والمفسرين، والتي تُعدّ شروحا وتعليقات "إما على النص الأصلي الأول أو على النص الثاني الثانوي"(5). كما ينبغي التفريق بين "الدين" والفكر الديني"؛ فالدين هو النصوص التي سلّمت الثقافة بمصدرها الإلهي وبقدسيتها، في حين أن الفكر الديني مجموعُ الاجتهادات البشرية التي تسعى إلى فهم تلك النصوص وتأويلها واستنباط دلالاتها وقصدياتها، وهي اجتهادات لا تنفصل عن القوانين التي تحكم حركة الفكر البشري عموما، فهي ليست سوى خطابات إنسانية عن الدين؛ أيْ "جهد إنساني لصياغة معطيات الوحي صياغة فكرية، ومن الخيانة الفكرية لأصول التحليل العلمي أن نتصور أن هذه الجهود الفكرية الإنسانية تم إنجازها بمعزل عن الظروف التاريخية الاجتماعية للمجتمعات أو الجماعات/الأشخاص الذين أنجزوها"(6).
إن البحث عن مفهوم النص القرآني محاولة لاكتشاف طبيعته الاجتماعية والثقافية؛ أي من حيث كونه مركز الثقافة الإسلامية، وحفرٌ في العلاقة الجدلية بينه وبين الثقافة العربية من حيث تشكّله منها وتشكيله لها. والمصدر الإلهي المتعالي له لا يعني إبعاده عن حقل الدراسة والفحص العلمي؛ فكونُ "الخطاب إلهيا ــ من حيث المصدر ــ لا يعني عدم قابليته للتحليل بما هو خطاب إلهي تجسد في اللغة الإنسانية بكل إشكاليات سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي"(7). أما الإصرار على طبيعته الإلهية المفارِقة، فيعني أننا عاجزون بعقولنا ومعارفنا عن فهمه، ويتحول بهذا إلى نص مُستغلَق، وشفرة إلهية لا تحلها إلا قوة إلهية، مما يجعل الله وكأنه يكلم ويناجي ذاته، وتنتفي عن القرآن صفات الرسالة والبلاغ والهداية والنور.
وتتطلب قراءة النص القرآني استراتيجيات منهجية وفكرية؛ أهمها ربط الغيبيّ بالإنسانيّ، ويتطلب هذا الربط إبداع قراءة علمية تستهدف نزع الميثية عنه؛ أيْ أنسنةُ وعلمنةُ قراءته. وتستند هذه العملية إلى قاعدة "التماثل اللغوي" بين النص القرآني والنصوص البشرية، يقول أبو زيد: "إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية؛ بمعنى أنها تنتمي إلى بنية ثقافية محددة تم إنتاجها طبقا لقوانين تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي"(8)، وهكذا يتم إنزال النص الديني من مكانته المتعالية المطلقة إلى الفضاء التاريخي الاجتماعي النسبي الذي تشكل داخله. وللبرهنة على مصداقية طرحه يعقِدُ أبو زيد مقارنة بين القرآن وعيسى ابن مريم بقوله: "والمقارنة بين القرآن والسيد المسيح من حيث طبيعة نزول الأول وطبيعة ميلاد الثاني تكشف عن وجوه التشابه بين البنية الدينية لكل منهما داخل البناء العقائدي للإسلام نفسه، ولعلنا لا نكون مغالين إذا قلنا أنهما ليستا بنيتين، بل بنية واحدة مع اختلاف العناصر المكونة لكل منهما، فالقرآن كلام الله وكذلك عيسى ــ عليه السلام ــ رسول الله وكلمته"(9). وما دام المسلمون ينفون الصفة الإلهية عن النبي عيسى ويقرّون الصفة البشرية له، فيلزمهم بالمقابل إثبات الطبيعة البشرية للقرآن؛ لأنه تجسّدَ في لغة بشرية خاضعة لإكراهات الثقافة بكل تجلياتها. وإذا نظرنا إلى القرآن على أنه "منتج ثقافي" تشكّلَ في "الواقع والثقافة"، فإننا نملك حينها المدخل العلمي لدراسته؛ لأن الواقع يمثل ويعكس الحقيقة الملموسة التي نبدأ بها، إضافة إلى أنه يحتوي البنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ويشمل المتلقي الأول للنص ومبلِّغه والمخاطَبين به.
2 ـــ طبيعة القرآن
أ ــ القرآن نص لغوي ــ ثقافي
القرآن نص لغوي يمثل "في تاريخ الثقافة العربية نصا محوريا"(10)، ولهذا يصف أبو زيد الحضارة الإسلامية بأنّها "حضارةُ النصّ". وإنّ الطبيعة اللغوية لهذا النص تفرض مقاربته من حيث مستوياته الصوتية والتركيبية والمعجمية والدلالية والتداولية، وعلاقته بالنصوص الدينية والأدبية الأخرى(التناص)، ولكن قد يقال بأنه: "نص خاص، وخصوصيته نابعة من قداسته وألوهية مصدره، لكنه مع ذلك يظل نصا لغويا ينتمي لثقافة خاصة"(11)، فهو يستمد خصائصه النصية المميزة له من حقائق اجتماعية ثقافية في المقام الأول، فالكلام "الإلهي المقدس لا يعنينا إلا منذ اللحظة التي تموضَعَ فيها بشريا، وهي في تقديرنا تلك اللحظة التي نطق به محمد فيها باللغة العربية"(12). ليست النصوص الدينية، إذا، سوى نصوصٍ لغويةٍ تمّ إنتاجُها طبقا لقوانين الثقافة التي تُعد اللغة نظامها الدلالي المركزي؛ فإذا كانت الثقافة هي تصور العالم لدى مجموعة بشرية معينة فإن اللغة "هي النظام المعبر عن هذا التصور، وهي من تم لا تمثل نظاما ذا مستوى واحد، بل تتعدد مستوياتها بتعدد مستويات الثقافة التي تعبر عنها"(13). ومن هنا تنشأ العلاقة الجدلية بين الثقافة واللغة/النص، ولا يمكن فهمها إلا باعتماد المدخل اللغوي؛ فالنظر إلى اللغة نظاما أو نسقا من العلامات يعني أنها تعيد تشكيل العالم بطريقة رمزية؛ إنها تحوّل العناصر المادية والتصورات الذهنية إلى علامات ورموز، وفهم الثقافة التي هي تصور للعالم لا يتحقق إلا عبر فهم اللغة التي ترمز إليه؛ أي الأداة العاكسة للثقافة ومستوياتها، زيادة على أنّ فهم النص لا يتم إلا من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها، فإذا كان النص القرآني في حقيقته "منتج ثقافي" فهذا يعني أنه دخل في علاقة تفاعلية مع الواقع الثقافي؛ أي إنه "تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما"(14).
يصف القرآنُ نفسه بأنه رسالةٌ، والرسالةُ "تمثل علاقة اتصال بين مرسل ومستقبل من خلال شِفرة، أو نظام لغوي"(15)؛ فالله(المرسِل) أراد أن يقيم علاقة تواصلية مع البشر(المستقبِل)، ولهذا جسّد خطابه في نسق لغوي(اللغة العربية)؛ أي إن خطابه ليس مفارقا للنظام الثقافي الذي تجلى فيه، وإلا انتفت صفة "الرسالة" عنه. والقول إن القرآن منتج ثقافي يعني الحديث عن مرحلتين: مرحلة التكوّن والتشكّل في الثقافة، ومرحلة الاكتمال وتشكيل الثقافة، والمرحلتان ليستا في تعارض؛ فالنص في المرحلة الأولى لم يكن مجرد حامل سلبي لها، وإنما كانت له فعاليته الخاصة في تجسيد الثقافة والواقع، وهي فعالية لا تعكسها عكسا آليا، بل تجسيدا بنائيا يعيد بناء معطياته في نسق جديد. وفي المرحلة الثانية، لم تكن الثقافة صدى سلبيا للنص، فهي أيضا تملك "آلياتها الخاصة في التعامل مع النص وذلك بإعادة قراءته وتأويله"(16).
إن ما سبقة تقريره بخصوص تحديدات أبي زيد للقرآن وطبيعته هو ما جعله في تعارض مع الخطاب الديني السائد، هذا الأخير الذي يعتمد "الديالكتيك الهابط"، الذي يبدأ بالحديث عن الله (قائل النص)، ثم النبي (المستقبل الأول للنص)، ثم الواقع كما تعبر عنه مباحث علوم القرآن: أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ...إالخ. وبالمقابل يتبنى أبو زيد "الديالكتيك الصاعد" الذي ينطلق من الواقع والحقائق التاريخية المعروفة ليصل إلى المجهول والخفي، محاولا كشفه وبيانه. وإذا كان النص يقوم بوظيفة إخبارية تواصلية فلا يمكننا فهم طبيعة الرسالة التي يحملها إلا من خلال تحليل "معطياته اللغوية في ضوء الواقع الذي تشكل النص من خلاله"(17). ومصداقية النص نابعة من تقبل الثقافة العربية له، وليس من كثرة المؤمنين به، كما أن قلة المعترفين بقداسته وألوهته لا تقلل من قيمته، فوجوده "في الثقافة أخطر من وجوده في عواطف المعتقدين والمؤمنين"(18). وإذا حصل لدينا اتفاق على أن كل نص رسالة، فالقرآن نص بالضرورة، ويمكن أن نطبق عليه مناهج تحليل النصوص اللغوية والأدبية؛ لأنها مناهج ملائمة لطبيعته.
لقد وضح أبو زيد دوافع تحديده للقرآن بأنه نص لغوي ثقافي، خاصة في الباب الأول من كتابة "مفهوم النص" المعنون بـ "النص في الثقافة، التشكل والتشكيل"؛ ومن الأدلة الدالة على ذلك أن اللغة العربية سابقة على نزول القرآن، واللغة ليست إناء فارغا نملؤه بما نريد، بل هي محملة بمفهومات وتصورات وتمثلات، والقرآن جاء بهذه اللغة، ولم يفرغها من مضمونها كلّيا وعوضه بمضمون جديد، وإنما الذي حصل أنه "أحدث تأويلات وتحويلات دلالية في بعض المفردات"(19)، كما أن القرآن دخل في صراع مع الشعر وحاول نفي الشاعرية عن النبي محمد، وهو ما انعكس في بنيته.
ومعلوم كذلك أن عرب الجزيرة لم يناقشوا محمدا في الوحي ومعناه؛ لأنه معروف في ثقافتهم، لكن السؤال الذي طرحوه هو لماذا أنت يا محمد تحديدا دون الناس: {وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}(الزخرف: 30)؛ فالعلاقة بين الأرض والسماء أو بين الإنسان وغير الإنسان أمر مستقر في الثقافة العربية قبل الإسلام، فقد كان "ارتباط ظاهرتي الشعر والكهانة بالجن في العقل العربي، وما ارتبط بهما من اعتقاد بإمكانية الاتصال بين البشر والجن هو الأساس الثقافي لظاهرة الوحي الديني ذاتها"(20). لذلك فالمخاطبون أرادوا فهم ماهية القرآن في إطار الظاهرة التي يعرفونها، وهذا الذي ذكرناه هو المقصود بأنّ القرآن مُنتج ثقافي.
وعلى الرغم من أن النصوص الدينية مصدرها إلهي إلا أنها تأنسنت بسبب خضوعها لقوانين الثقافة؛ أي إنها "تجسدت في التاريخ واللغة وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقع تاريخي محدد، إنها محكومة بجدلية الثبات والتغير فالنصوص ثابتة في المنطوق متحركة متغيرة في المفهوم. وفي المقابل النصوص تقف القراءة محكومة أيضا بجدلية الإخفاء والكشف"(21). وإذا تقرر أن القرآن في المحصلة النهائية منتج ثقافي فهو خاضع شأنه شأن أي نص ثقافي للمناهج الحديثة في قراءة النصوص وتأويلها كاللسانيات والهرمنيوطيقا والسميوطيقا وغيرها؛ وذلك لأن النصوص القرآنية "دلالتها لا تنفك عن النظام اللغوي والثقافي الذي تعد جزءا منه، وهذا يجعل من اللغة ومحيطها الثقافي مرجعا للتفسير والتأويل"(22).
ب ــ القرآن نصّ تاريخي
تؤُول أغلب الإشكالات التي أثارتها كتابات المفكرين الإسلاميين الحداثيين إلى "توهم وجود تناقض بين كون القرآن إلهي المصدر من جانب، وكونه بشري التفسير والتأويل من جهة أخرى"(23)، ويرجع هذا التوهم إلى تناقضات منهجية ولاهوتية وتاريخية؛ منها الاعتقاد بأن القرآن ليس رسالة اختار مرسلها استخدام لغة المتلقي الذي هو بالأساس بشر؛ أي كائن اجتماعي تاريخي: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}(الكهف: 110 وفصلت: 6}، و{قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا}(الإسراء: 93}. ومنها اللغة المختارة، وهي اللغة العربية التي نعرف تاريخها وأدبها، وهي ظاهرة اجتماعية ثقافية تحيل بدورها على الإنساني والتاريخي: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيُضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم}(إبراهيم: 4). ويُستنتج من هذا أنّ الرسالةَ إذا كانت موجهة إلى متلقّ اجتماعي تاريخي بلغة طبيعية فالتعامل معها، فهما وتحليلا، لن يتم إلا من خلال منهج بشري، ومن هنا وجب التعامل مع النص القرآني بمناهج التحليل التاريخي، والنظر إليه بوصفه ظاهرة تاريخية؛ أي إعادة وضعه في التاريخ.
لقد كشفت الدراسات النقدية لعلوم القرآن التي أنجزها أبو زيد أن النص القرآني في منشإ تكوينه "مجموعة من النصوص ولم يكن نصا واحدا، فلم ينزل على النبي محمد(ص) مرة واحدة، بل نزل مجزأ على مدار بضع وعشرين سنة"(24)، لكن هذه النصوص بعد عملية الجمع في مصحف أصبحت نصا واحدا، لذلك نجد في علوم القرآن تفريقا واضحا بين ترتيب النزول(نصوص أو خطابات) وترتيب التلاوة(مدونة نصية مغلقة/المصحف).
ويرى الكثيرون أنّ القول بتاريخية القرآن يتعارض مع مقتضيات الإيمان ويؤدي إلى هدم مبدإ "عموم الدلالة"، الأمرُ الذي يُفضي إلى عدّ القرآن شاهدا تاريخيا لا أقل ولا أكثر(تراث)، ويؤدي إلى القضاء على قدسيته وإنكار مصدره الإلهي. سوءُ الفهم هذا مردّه في تقدير أبي زيد إلى اللّبس الناجم عن عدم التفريق بين مفهوم التاريخ ومفهوم التاريخية(25) في حقل الاجتماعيات والنّصّيّات، فهم يفهمون التاريخ بوصفه "تعاقبا زمنيا للأحداث والوقائع محكوما بقانون الصدفة وحدها، وهكذا يجعلون من الحكمة الإلهية التي أُنزلت القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم باللغة العربية في مكة، ثم في المدينة، من الجزيرة العربية مجزّءا على مدى بضع وعشرين سنة من توقيت بعينه هو القرن السابع الميلادي، يجعلون من ذلك كله مجرد صدفة حدثت على هذا النحو بإرادة إلهية مطلقة لا حكمة وراءها، وهذا لا يصح أن يكون فهم عامة المؤمنين فضلا عن الكتاب، فكيف بالعلماء وأصحاب الألقاب"(26)، كما أنهم يفهمون تاريخية النصوص بكونها منحصرة الدلالة وغير قادرة على مخاطبة الناس بعد نزولها.
إنّ تاريخية القرآن مفهوم لا يُقصد به الزمانية دائما، وإنما يعني "أننا ملزمون باستعادة السياق التاريخي لنزول القرآن من أجل أن تفهم مستويات المعنى وآفاق الدلالة، فنستطيع التمييز في مجال الأحكام والتشريعات بين مستويات لم ينتبه إليها أسلافنا"(27). ويُفهم من مقولة "القرآن نص تاريخي" أن التاريخي هو الزماني Diacronic إذ أننا في اللغة العربية لا نجد تمييزا واضحا بين المفهومين، لكن في الإنجليزية لدينا Temperal وHistorical، والثاني هو التاريخي وليس دائما مرهونا بالزمن؛ فالظاهرة التاريخية لها استمرار في التاريخ. أما الظاهرة الزمنية، فهي ظاهرة تولد وتقوم بوظيفة زمنية معينة ثم تنتهي إلى الأبد. فنحن، مثلا، نعرف تاريخ ظهور القرآن وتاريخ اكتماله؛ أي إننا نعرف ما حدث ما بين 612م و632م، وهذا هو المقصود بالتاريخي.
إنّ القرآن كلامٌ تشكّل في زمان ومكان محددين، وخضع لمتغيراتهما(الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني مثلا) طول بضع وعشرين سنة، وفي بنيته الداخلية نجد الملامح التاريخية والاجتماعية والثقافية لتلك المرحلة، إنه منتج محكوم بالخصائص التي ميزت ذلك المجتمع وتلك المرحلة التاريخية، وهو بهذا التحديد له وجود حقيقي في الواقع والتاريخ، ولتجلية هذه الفكرة يمكن استدعاء قضية خلق القرآن، وما دار بين المعتزلة وبين خصومهم من الأشاعرة والحنابلة؛ فالقول بتاريخية القرآن فرع للنظر إلى الأفعال الإلهية، وفعلها بالعالم المخلوق المُحدَث. ولهذا "فالقرآن ظاهرة تاريخية من حيث إنه واحد من تجليات الكلام الإلهي"(28).
يُقصد بتاريخية القرآن، أيضا، أن صفة القداسة ليست كامنة فيه، وإنما هي صفة أُضيفت إليه، ولهذا كان التأويل "الرافعة الدلالية لأدنى إشارة في النص كان يمكن أن تتعرض لمصير التحول إلى مجرد شاهد تاريخي"(29)، فإيمان المسلمين بالقرآن جعلهم يُقبلون عليه بالتفسير والتأويل الدائميْن، الشيء الذي أنتج ثروة ثقافية ومعرفية غنية، وهذا ما يعطي للنص حيويته واستمراريته، وإذا توقف القراء عن قراءة نصوص الجاحظ أو غيره من كبار الكتاب والأدباء والفلاسفة ستتحول نصوصه إلى مخطوطات لا معنى لها سوى وظيفة تزيين المتاحف والرفوف(الذاكرة التراثية).
ج ــ القرآن نصّ أدبيّ
يرى عبد الله كنون أنّ "أعظم النصوص الأدبية القرآنُ الكريم، لا يُعدّ في مادة الأدب عند الجميع"(30)، وهذا ما أكّده أمين الخولي بقوله: "لقد درس الفقهاء القرآن، ودرس اللغويون القرآن، ودرس البلاغيون القرآن، ودرس الفلاسفة وعلماء الكلام القرآن. ولكن الأدباء لم يقوموا بعد بهذه الدراسة، بالرغم من أن القرآن الكريم معجزة أدبية في المقام الأول"(31). لا يمكن حصر الأدب في نصوص محددة، وإنما ينبغي فتح مجاله ليشمل أنماطا نصية وخِطابية أخرى: دينية، فلسفية، تاريخية...إلخ، فالأدبُ: "كلّ معنى جميل في عبارة جميلة، فيأخذ الأدب من الدين والعلم والفلسفة والفن"(32)، وهذا تحديد مفتوح، ومرهون بخاصية الإيجاد اللغوي والفني.
ويمكننا، عموما، استخلاص تحديدين للأدب: الأول خاص؛ يتمثل في النصوص الأدبية الصّرفة التي سلّمت الثقافة بأنها أدب: الشعر، الرواية، المقامة...إلخ. والثاني عام، وهو الذي ذكره عبد الله كنون، ونجده عند ابن خلدون عندما عرف الأدب بقوله: "هذا علم لا موضوع له يُنظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته وهي الإجادة في فنيْ المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم"(33). ومع هذا، فالأدب كما يقول كيليطو: "يفشل في بناء موضوعه «objet» والإحاطة بهذا الموضوع بصفة مقنعة. ولعل هذا الفشل يرجع إلى الإصرار على دراسة الخطاب الأدبي بمعزل عن الخطابات الأخرى"(34).
والملاحظُ أنّ التعاملَ مع النص القرآني بوصفه نصا أدبيا في التراث العربي القديم لمْ يلقَ العنايةَ التي يستحقها؛ فالتفاسيرُ القرآنية الكلاسيكية، مثلا، غرقت في مباحث وجِدالات كلامية وفقهية وفلسفية وأخلاقية.. ومع هذا لا يمكننا نفي وجود دراسات تعاملت معه من هذه الزاوية، وهو ما نجده عند بعض أهل البيان والبلاغة القدماء مثل الجرجاني، وعند باحثين مُحدثين مثل: محمد عبده، وطه حسين، وأمين الخولي، وأحمد خلف الله، سيد قطب، ونصر حامد أبو زيد.
يمكن إرجاع التعامل مع النص القرآني من الناحية الأدبية إلى مراحل متقدمة في التراث العربي الإسلامي، خصوصا تلك المناقشات اللغوية البلاغية المتعلقة بمزية تفوقه على الشعر، يقول نصر حامد أبو زيد: "لو تتبعنا المناقشات التي دارت حول قضية الإعجاز القرآني فمن السهل أن ندرك أن النقاش تركز بصفة أساسية حول الإعجاز اللغوي والبلاغي، ومكانة مرجعية النقاش ومعايير التقييم تستند إلى النصوص الأدبية والشعرية قبل الإسلام، الأمر الذي يجعلنا نقول باطمئنان إن مقاربة قضية الإعجاز كانت مقاربة أدبية"(35).
لقد تمحورت قضية الإعجاز حول مبدإ "التفوق الأدبي للقرآن" على كل أصناف الكلام البشري: شعرا ونثرا، مع أنها في لحظة تاريخية انزاحت عن مجالها الأصيل، ونُوقشت داخل إطار كلامي لاهوتي ضيّق بين المعتزلة والأشاعرة، مع أن هذا الانزياح يُعدّ أمرا طبيعيا داخل نظام فكري تداخلت فيه مجالات معرفية متنوعة: لغوية، أدبية، لاهوتية، فلسفية، أخلاقية..
وتُشكل نظرية النّظم التي أسسها عبد القاهر الجرجاني الصياغة الناضجة للمقاربة الأدبية للقرآن في الفكر العربي الإسلامي الكلاسيكي، ومعلوم أنه يرى أن الإعجاز كامن بالأساس في البنية الداخلية الكلية للقرآن(النّظم/التأليف والتركيب)، ويُنكر بشدة منطق اللا تعليل، والقول إنّ الإعجاز قائم خارج بنية النص، فهو لا يقتنع "بأن الإعجاز يقع في صدق إخباره عن الماضي وعن الحاضر والمستقبل، فذلك يحصر الإعجاز في آيات من القرآن دون سائر الآيات والسور. أما ذلك التأويل الذي يحصر الإعجاز في أنماط بعينها من التشبيه والتمثيل والمجاز والاستعارة، فعبد القاهر يتساءل محقا: فماذا عن المواطن التي لا تتضمن أيا من تلك الأنماط البلاغية، وهي الأكثر في القرآن"(36). فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، فهل الإعجاز واقع من جهة معان دقيقة مستحسنة في العقول أم من جهة ألفاظه؟ يجيبنا الجرجاني بقوله: "أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيِه ومقاطعها، ومجاري ألفاظه ومواقعها، وفي مضرب كل مَثَل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه، وإعلام وتذكير، وترغيب وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان، وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شانها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ منهم ولو حكّ بيافوخِه السماء موضع طمح، حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول، وخَذيَت القُروم فلم تملك أن تصول"(37). فجهة إعجاز القرآن، حسب الجرجاني، قائمة في بنائه الداخلي الكلي، وطريق معرفتها واكتشافها ممكنة، من خلال معرفة قوانين الكلام: الأدب والشعر بشكل خاص؛ وذلك "أنّا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت، وبانت وبهرت، هي أنه كان على حدّ من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر، ومنتهيا إلى غاية لا يطمح إليها إلا بالفِكَر، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب، والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان، وتنازعوا فيها قصب الرهان، ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل، وزاد فيه بعض الشعر على بعض"(38).
إنّ دراسة الأدب ومعرفة قوانينه ومقاييسه ارتقى بها الجرجاني إلى درجة الوجوب تبعا للقاعدة الفقهية التي تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ أي إن دراسة الأدب واجب ديني لمن أراد اكتشاف دلائل الإعجاز(39). وفهم القرآن ينبغي أن يتم على الأساس "الذي كانت تفهمه عليه العرب وقت نزوله من حيث فهم الألفاظ اللغوية والعبارات الأدبية"(40). وهكذا، فالمنهج الأدبي ليس منهجا مستحدثا في الدراسات القرآنية المعاصرة، وإنما يعود إلى اجتهادات الجرجاني وآخرين في العصر الكلاسيكي، وهو منهج ملائم للطبيعة الأدبية والفنية المميزة للقرآن.
ويرى أبو زيد أن "النصوص الدينية نصوص أدبية بامتياز، من حيث إنها تمارس تأثيرها على المتلقي من خلال عناصر أسلوبية وبنية لغوية شعرية أو قصصية إلى حد كبير، هذه خصيصة أولى، الخصيصة الثانية أن هذه النصوص تُنْشَد أو تُرتّل باللغة القرآنية، بعد ممارسة طقوس تطهيرية خاصة"(41)، فنصوص القرآن لغوية ذات بنى سردية وتمثيلية، قصصية وشعرية، في المقام الأول، ومقاربتها الناجعة ينبغي أن تتلاءم مع هذه الخصيصة. والفعلُ التأثيري الذي يميز القرآن مرده إلى بنائه اللغوي الأدبي الفني؛ فهو "تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل، كما أنه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل. وكثيرا ما يشترك الوصف، والحوار، وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق، في إبراز صورة من الصور، تتملّاها العين والأذن، والحس والخيال، والفكر والوجدان"(42)، وهذه الخصائص البلاغية والفنية هي التي تفسر ذلك التوتر النفسي، والتشتت الذهني والانفعالي، وحالة الغُربة وعدم الألفة التي عبر عنها المستمعون للقرآن، حتى عجزوا عن تصنيفه في دائرة ما يعرفونه من أصناف القول؛ فوصفوه بأنه مشابه لأقوال الكهان، أو مماثل للأشعار، أو بأنه سحر...
والمنهج الأدبي في فهم القرآن وتفسيره أحياه، في العصر الحديث، محمد عبده، الذي تكلم عن التمثيل(مفهوم بلاغي) في القرآن، ونظر إلى القصص القرآني بكونها تمثيلات، بما فيها قصة آدم وخروجه من الجنة، فتلك القصص ليست لها دلالة تاريخية، وإنما "المراد بها الاعتبار والعظة من السياق"(43)، فالأهم هو الأسلوب السردي والبناء اللغوي الذي يفضي إلى الاعتبار. وبناء على هذا، فإن الإعجاز واقع في "اللفظ لا في القصص نفسها"(44).
وبعد محمد عبده جاء طه حسين، الذي طوّر المنهج، وبالأخص في كتابه "في الشعر الجاهلي" عندما أشار إلى أنّ القصة القرآنية عن إبراهيم وإسماعيل ليس من الضرورة عدّها واقعة تاريخية، واستند في رأيه هذا إلى ما قرره محمد عبده من عدم ضرورة حصول التطابق بين التاريخ والقصص القرآني، يقول: "وللتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا عن هجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها"(45). وهذا التأويل له ما يسوغه، فسياق البحث هو مناقشة مدى انتساب الشعر الجاهلي إلى مرحلة ما قبل الإسلام، والذي اعتمد فيه طه حسين على المنهج اللغوي الفني، وخلص إلى أن الصلة بين أصل العربية التي كانت تتكلمها العدنانية (في الحجاز وشمال الجزيرة)، واللغة التي كانت تتكلمها القحطانية في اليمن، إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة سامية، وهكذا فلا وجود للغة موحدة يشترك فيها العدنانيون(الشمال) والقحطانيون(الجنوب).
ولا ننسى الدور المركزي الذي لعبه أمين الخولي في توطيد دعائم المنهج الأدبي، عندما قرر أن أدبية القرآن هي السمة الأساسية التي تسبق أي سمة أخرى، وأن التحليل الأدبي وفن القول يسبقان أي تحليل فلسفي أو فقهي، فالقرآن "كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنه كذلك في الدين أم لا"(46). وتتوزع الدراسة الأدبية عنده إلى خطوتين(47): دراسة ما حول النص القرآني؛ من خلال دراسة سياقه الخاص المتمثل في علوم القرآن: أسباب النزول، المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، الجمع والترتيب.. والسياق الثقافي والاجتماعي والتاريخي والديني، ثم الدراسة الداخلية اللغوية. ويلخص أبو زيد هاتين الخطوتين بقوله: "إن دلالة النص تتكشف من خلال تحليل بنائه اللغوي أولا ومن خلال العودة إلى سياق إنتاجه ثانيا، إضافة إلى أن إهدار أحد الجانبين يعيق المفسر عن اكتشاف الدلالة والمعنى"(48)، وهذا المنهج، الذي أرسى دعاماته الخولي، هو الذي طبقته عائشة عبد الرحمن في "التفسير البياني للقرآن الكريم"(49)، وأحمد خلف الله في رسالته "الفن القصصي في القرآن"(50)، وشكري عياد في رسالته للماجستير "يوم الحساب في القرآن"(51).
ويعدّ نصر حامد أبو زيد امتدادا لهذا التوجه، وقد عمل على تطويره وفقا لإنجازات المعرفة المستجدة في اللسانيات والسيميائيات والتأويليات، ومجمل مناهج تحليل الخطابات والنصوص. ويصرح بأنه عندما كان يشتغل على دراسته "مفهوم النص" كان الشيخ الخولي مرجعية بالنسبة إليه في ما يسمى أدبية القرآن، يقول: "تقع هذه الدراسة في صميم الدرس الأدبي، وليست الدعوة إلى درس القرآن بوصفه نصا إلا استجابة لدعوة قديمة شاءت لها الظروف أن تمر دون أن تتحقق. إنها دعوة الشيخ أمين الخولي"(52).
وإنّ الدراسة الأدبية للقرآن كفيلة بتحقيق "وعي علمي" به، وحمايتها من التوظيفات الإيديولوجية والتلاعبات السياسية، كما أنها تمكّننا من التمييز بين ثلاثة مستويات سياقية تتفاعل في إنتاج دلالاته وقصدياته، وهي:
ــ السياق التاريخي: كل ما يتصل بالظروف المادية والمعنوية التي رافقت نزول القرآن، وفيها جُمع وحُرّر وقُرئ وحُفظ، وخاطب أهلها أول من خاطب، وإليهم ألقى رسالته لينهضوا بأدائها وإبلاغها شعوب الدنيا، إضافة إلى "ما يتصل بالحياة المعنوية بكل ما تتسع له هذه الكلمة من ماض سحيق وتاريخ معروف، ونظام أسرة أو قبيلة، وحكومة في أي درجة كانت، وعقيدة بأي لون تلونت، وفنون مهما تنوعت، وأعمال مهما تختلف وتتشعب"(53)؛ فكل ما يتصل بتلك الحياة العربية ضروري لفهم القرآن العربي.
ــ سياق التلقي: السياق المنتج للدلالة بسبب التفاعل بين النص والقرّاء (تاريخية التلقيّ).
ــ سياق المغزى: يمثل نتيجة تفاعل السياقين السابقين، وينبثق عنهما من خلال وعي الباحث النقدي بموقفه، وإدراكه المعرفي لتحيزاته السابقة، وهو الوعي الذي يحدّ من تأثيرها في تفكيره وتحليلاته، ويحميه من الأحكام المزاجية، والتأويلات المتحايلة التي تفرض، قسرا، مغزى عصريا على معنى تاريخي أو العكس.
خاتمة
تتميز المجهودات الفكرية والعلمية التي بدلها نصر حامد أبو زيد ببعدين أساسيين؛ يتمثل البعد الأول في إعادة النظر في الكثير من القضايا التي تقبلها العقل الإسلامي بوصفها مسلمات انتهى حولها النقاش، ومنها بحثه في ماهية الوحي، عن طريق الحفر في الشروط التاريخية والمعرفية التي جعلته ظاهرة متحققة ومعقولة، ويتجلى البعد الثاني في سعيه إلى تحليل النص القرآني من حيث طريقته في إنتاج الدلالة والكشف عن آليات تشكلها وانبنائها، إضافة إلى البحث عن الآليات التي ميزته عن باقي النصوص الأخرى وأكسبته سلطة التفوق، يقول علي حرب: "أما نصر حامد أبو زيد فإن أهمية عمله الفكري لا تكمن في جرأته على القول بأن النص القرآني هو نتاج لواقع العرب والثقافة العربية في العصر الجاهلي؛ لأن مثل هذا القول لا يضيف جديدا للفكر، الأحرى أن نبحث عن الأهمية الفكرية في تحليلات أبو زيد لآليات النص القرآني في إثبات تفوقه أو تثبيت سلطته. وهو أمر لم يستلفت نظر الذين اتهموه أو أدانوه. وهكذا، فالأهمية تتأتى من مصداقية الأفكار وقوة المفاهيم"(54). إن القول بأن القرآن منتج ثقافي لغوي تاريخي، وإعادة التأكيد عليه في كل وقت وحين ليس بالأمر البسيط كما يتصور علي حرب؛ لأن هذه الفكرة التاريخية الموضوعية غير متقبلة إطلاقا داخل المجال التداولي الإسلامي. أما تنبيهه إلى المجهودات التحليلية لأبي زيد في كشف آليات النص القرآني في إنتاج الدلالات والمعاني، فهذا ما ينبغي أن تنصب عليه البحوث والدراسات؛ إذ يشكل النص القرآني في بنيته الكلية ظاهرة أو واقعة نصية لغوية تفرض سلطتها على القارئ بشكل متكرر، وما علينا إلا البحث عن تلك الآليات والوسائل والقواعد اللغوية والدلالية والفنية التي يوظفها ويبني بها سلطته ويضمن بها استمراريته وتأثيره.
إنّ المقاربات التاريخية واللغوية والأدبية التي اعتمدها أبو زيد وغيره لا تعني إطلاقا إزالة ونزع القداسة عن القرآن بقدر ما تهدف إلى تعميق علاقة المسلمين المعاصرين بقرآنهم، بعدما نزعته منهم التأويلات الإيديولوجية والاختزالية للسلطات السياسية والمؤسسات الدينية والحركات الأصولية.
قائمة الهوامش والمصادر
(1) محمد عابد الجابري: مدخل إلى القرآن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص9.
(2) محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، البيضاء ـــ بيروت، الطبعة الثالثة 1992، ص120.
(3) قول محمد مفتاح إن النص مدونة كلامية معناه أنه مؤلف من كلام وليس صورة فوتوغرافية أو رسما أو عمارة أو زيا..، وقوله إنه مغلق معناه انغلاقُ سمته الكتابية، وهذا ما يجعل تعريفه محدودا، ومنحصرا في دائرة اللغة المكتوبة.
(4) أبو زيد: النص والسلطة والحقيقة، إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ــ المغرب، الطبعة الخامسة 2006. ص169.
(5) أبو زيد: التفكير في زمن التكفير، ضد الجهل والزيف والخرافة، سينا للنشر، الطبعة الأولى 1995، ص 133 ــ 135.
(6) أبو زيد: التجديد والتحريم والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1 ــ 2010، ص 74 ــ 75.
(7) أبو زيد: النص والسلطة والحقيقة، ص9. إن الوحي والتاريخ لا ينفصلان، ولهذا لابد من اكتشاف ظاهرة الوحي ضمن سياقها التاريخي والثقافي، وفهمها بوصفها ظاهرة تاريخية اجتماعية، اعتمادا على التحليل الدلالي والاجتماعي والتاريخي، وهو ما سعى إليه أبو زيد في دراسة "مفهوم النص دراسة في علوم القرآن".
(8) أبو زيد: نقد الخطاب الديني، سينا للنشر، الطبعة الأولى 1992، ص203 ــ 206.
(9) المرجع نفسه، ص 205 ــ 206. هذه المطابقة بين القرآن وعيسى سبق لأركون الإشارة إليها، ينظر: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص23 ــ 24.
(10) أبو زيد: مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ــ بيروت، الطبعة الثالثة 1996، ص9.
(11) المرجع نفسه، ص18 ــ 19.
(12) أبو زيد: النص والسلطة والحقيقة، ص97.
(13) المرجع نفسه، ص83. والثقافة عند علماء السميوطيقا عبارة عن أنظمة متعددة مركبة من العلامات يقع في قلب المركز منها نظام العلامات اللغوية لأنه النظام الذي تنحل إليه تعبيريا باقي الأنظمة في مستوى الدرس والتحليل العلميين.
(14) أبو زيد: مفهوم النص، ص24.
(15) المرجع نفسه، ص 24.
(16) نفسه، ص25.
(17) ن، ص 26.
(18) ن، ص28.
(19) ينظر دراستنا: "القرآنولوجيا المعاصرة: اللغة القرآنية وآليات التحويل الدلالي"، المنشورة على منصة "مؤمنون بلا حدود". https://www.mominoun.com/pdf1/2025-01/67869e20465911643385927.pdf
(20) أبو زيد: مفهوم النص، ص 33 ــ 34.
(21) أبو زيد: نقد الخطاب الديني، ص 118 ــ 119.
(22) أبو زيد: الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجيا الوسطية، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية 1996، ص198.
(23) أبو زيد: الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ــ بيروت، الطبعة الثانية 2005، ص260.
(24) المرجع نفسه، ص 257 ــ 258. هذا ما يؤكده قول المعارضين للنبوة الذين يستنكرون نزوله القرآن منجما ومجزأ: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}(الفرقان: 32).
(25) يعرف ألان تورين التاريخية بقوله: "المقدرة التي يتمتع بها كل مجتمع في إنتاج حقله الاجتماعي والثقافي الخاص به ووسطه التاريخي الخاص به أيضا(...)وما سوف أدعوه بالتاريخية هو إذن الطبيعة الخاصة التي تتميز بها الأنظمة الاجتماعية التي تمتلك إمكانية الحركة والفعل على أنفسها بالذات بواسطة مجموعة من التوجيهات الثقافية والاجتماعية"، ينظر محمد أركون: الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 1996. ص116.
(26) أبو زيد: النص والسلطة والحقيقة، ص88 ــ 89.
(27) أبو زيد: دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1999، ص11. ينظر أيضا الفصل الثالث من كتابه التفكير في زمن التكفير المعنون بـ "مفهوم التاريخية المفترى عليه".
(28) أبو زيد: النص والسلطة والحقيقة، ص75.
(29) أبو زيد: الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ــ بيروت، الطبعة الثانية 2005، ص264.
(30) عبد الله كنون: التعاشيب، الأدب المغربي تاريخ ونقد، دار الكتاب المصري، القاهرة ـ بيروت. الطبعة الثانية(د.ت)، ص 23.
(31) محمد أحمد خلف الله: مفاهيم قرآنية، عالم المعرفة، العدد 79/ 1984، ص7 ــ 8.
(32) عبد الله كنون: التعاشيب، ص 26.
(33) ابن خلدون(عبد الرحمن): المقدمة، مهد لها وحققها علي عبد الواحد وافي، لجنة البيان العربي، الطبعة الثانية 1965، الجزء الرابع، باب علم الأدب، ص 1387.
(34) عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، دراسة بنيوية في الأدب العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء ـ المغرب، الطبعة الثانية 2006، ص24.
(35) أبو زيد: الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ــ بيروت، الطبعة الثانية 2005، ص 261.
(36) أبو زيد: التجديد والتحريم والتأويل، بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت، الطبعة الأولى 2010، ص124.
(37) عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية 1989، ص 39.
(38) المرجع نفسه، ص 8 ــ 9.
(39) تأكيد الجرجاني على ضرورة دراسة الشعر لمعرفة القرآن يستتبعه بالنعي على الفقهاء الذين يقللون من قدْر الشعر، واعتبرهم يصدّون عن معرفة مزية تفوق القرآن، وللاطلاع على تفاصيل كلامه عن الشعر وردوده على الطاعنين فيه، ينظر دلائل الإعجاز، محور: في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه، وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه، ص 11 ــ 27.
(40) أمين الخولي: مناهج التجديد، ضمن الأعمال الكاملة لأمين الخولي، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1995، ص 229 ــ 230. ويسند الخولي هذا الكلام للشيخ محمد عبده، وهو في تصوره واضع الحجر الأساس للدراسة الأدبية للقرآن في العصر الحديث.
(41) أبو زيد: الخطاب والتأويل، ص234.
(42) سيد قطب: التصوير الفني في القرآن، دار المعارف المصرية، الطبعة الأولى 1945، ص 32.
(43) تفسير المنار، دار المنار، القاهرة، الطبعة الثانية 1947، المجلد الأول، ص 271.
(44) المرجع نفسه، المجلد الرابع، ص42.
(45) طه حسن: في الشعر الجاهلي، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة ــ تونس(نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، ص 38.
(46) أمين الخولي: مناهج التجديد، ص 304.
(47) المرجع نفسه، ص 310.
(48) أبو زيد: مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت، الطبعة الثالثة 1996، ص108.
(49) عائشة عبد الرحمن(بنت الشاطئ): التفسير البياني للقرآن الكريم، دار المعارف، القاهرة ـ مصر.
(50) محمد أحمد خلف الله: الفن القصصي في القرآن الكريم، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى 1951. كان أمين الخولي المشرف على هذه الأطروحة، والتي أثارت نزاعا خرج من الجامعة إلى الحياة العامة، وتدخل الأزهر والحكومة فألغيت الرسالة، وفصل خلف الله من الجامعة سنة 1949، وبعد خمس سنوات، واستكمالا لحركة التطهير، تم فصل أمين الخولي بعد أن كان قبل هذا محروما من الإشراف على الرسائل الجامعية المتصلة بالدراسات القرآنية.
(51) شكري محمد عياد: من وصف القرآن، يوم الدين والحساب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2012. وشكري عياد أحد طلبة أمين الخولي، وأثناء إعداده لأطروحة الدكتوراه غيّر التخصص من الدراسات القرآنية إلى الدراسات البلاغية لكي يحظى بإشراف الخولي.
(52) أبو زيد: مفهوم النص، ص 19.
(53) أمين الخولي: مناهج التجديد، هاش الصفحة 310.
(54) علي حرب: أوهام النخبة، أو نقد المثقف، المركز الثقافي العربي، بيروت ـــ البيضاء، ط2 ـــ 1998، ص 164.






