مفهوم المواطنة وسياقات تشكله

فئة :  مقالات

مفهوم المواطنة وسياقات تشكله

يعرف المهتمون بتطور الفلسفة السياسية الليبرالية، ومركزية مفهوم المواطنة داخل هذه الفلسفة، أنّ المفهوم تطور في سياق التحولات التي ارتبطت بالخطاب السياسي الليبرالي، وتم ذلك انطلاقاً من الانتقادات العديدة التي وجهت إلى بعض مضامينه بغية تطويرها، في ضوء المتغيرات والمكاسب التي حصلت في التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

لقد أصبح ينظر إلى مفهوم المواطنة، باعتباره أفقاً يتجاوز الصبغة القانونية الحقوقية، ليشير إلى حركية اجتماعية، هدفها تحرير الأفراد ودفعهم للعمل بفعالية، للتمكن من تركيب تاريخهم، والمساهمة في بناء مجتمع ديمقراطي، يضمن مختلف حقوقهم، كما يضمن حريتهم وكرامتهم. وفي هذا السياق، تقدم مساهمة توماس مارشال (1893-1981) نموذجاً نظرياً، يقترح نوعاً من التجاوز للمفهوم في صورته الأنوارية، وذلك انطلاقاً من مسعى نظري يروم توسيع دلالته في ضوء متغيرات النصف الأول من القرن العشرين، وقد شكّل كتاب توماس مارشال المعنون، المواطنة والطبقة الاجتماعية، (1950)، إسهاما نظرياً مهماً في تطور دلالة المفهوم.

اعتبر مارشال أنّ المواطنة الجديدة تُعدُّ بالضرورة مواطنة اجتماعية، لأنها ترتكز إلى ميراث القرن الثامن عشر المتمثل في الحقوق المدنية، حرية الفرد أساساً، مع مسعى جديد يروم المساهمة في الحد من غلوائها. وتستند مواقف مارشال، في موضوع مواجهة غلو المدافعين عن حرية الفرد بصورة مطلقة، إلى المكاسب السياسية والاجتماعية الجديدة للقرن التاسع عشر، وهي المكاسب التي بنت ورتبت ملامح مطلب الحق في المشاركة في الحكم، والحق في المشاركة في القرار السياسي.

لا يقف النموذج النظري المستوعب في كتاب مارشال الآنف الذكر، عند مكاسب القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل إنه يعتبر أنّ جيل حقوق الإنسان الاجتماعي المتمثل في الحقوق الاجتماعية من قبيل الصحة والتعليم والثقافة، يعد بدوره من بين الأسس الجديدة الموصولة اليوم بمفهوم المواطنة ودلالتها. ويترتب على كل ما سبق، أنّ منظور مارشال يبلور نموذجاً جديداً يقر بجملة من المعطيات الاجتماعية والسياسية التي تتوخى في نهاية التحليل ممارسة أشكال من تحويل وتوسيع دلالات المفهوم.

ونستطيع اليوم انطلاقاً منها ومن جهود مارشال وأعمال باحثين آخرين، حاولوا بدورهم استيعاب جوانب من متغيرات عصرنا، والنظر إلى مفهوم المواطنة في ضوئها، أن نلاحظ التوجهات الهادفة إلى التقليل من الشحنة القانونية التي تحصر المفهوم في علاقة الفرد بالدولة، لتحوله إلى مفهوم لا يقتصر على المجال السياسي وحده، قدر ما يستوعب أيضاً مختلف قيم المجتمع المعاصر، في كثير من تمظهراتها المجتمعية والمؤسساتية.

إنّ أبحاث جون رولز john rowls في موضوع العدالة، ودراسة ويل كميلك will kymlike، في موضوع التعددية الثقافية التي اتجهت إلى استيعاب مفهوم المواطنة في إطار التعدد الثقافي، إضافة إلى المناقشات التي تربط اليوم مفهوم المواطنة بالهوية والقيم والمساواة، وبموضوع الشرعية، أسهمتفي إغناء وتوسيع حقول دلالته. كما أنّ التطورات التي لحقت المجتمع المعاصر عملت بدورها على تركيب النتائج الآتية:

أ- أصبح مفهوم المواطنة يلح في صيغ تداوله الجديدة على ضرورة التقليل من البعد الاثني والديني دون نفيهما. إنه يتطلع إلى منح الاعتبار الأول للرابطة المدنية، وذلك بالإعلاء من شأن القيم الصانعة لها، دون أن يعني هذا، كما قلنا، نفي الأبعاد الأخرى المعزِّزة للمواطنة الثقافية والقيَّمية.

ب- لا تنفي رابطة المواطنة في أبعادها الجديدة، أصناف الروابط الأخرى الصانعة لنسيج التجمعات البشرية، من قبيل الروابط الثقافية والعقائدية.

ج- لا يمكن فصل المواطنة عن الديمقراطية وقيمها؛ فهي أساس المجتمع السياسي وأساس تكون المجتمع المدني.

د- يترتب على تشبع المجتمع بالمواطنة وقيمها انتعاش الحس المدني والقيم المدنية، الأمر الذي يعزز قيم المساواة والتعاون والتعاضد والتشارك.

بالنسبة للوطن العربي، فقد انتعش الحديث عن المواطنة في الخطابات السياسية العربية، وفي فضاءات المجتمع المدني، بفعل عاملين اثنين متداخلين يرتبط أحدهما بأسئلة النهضة والتنمية والإصلاح، وهي أسئلة تمتلك اليوم كما امتلكت بالأمس شرعية تاريخية كبرى، ويرتبط الثاني في أن جوانب من هذا الانتعاش تعود إلى المبادرات التي تصدر عن بعض المنظمات الدولية التي تروم المساهمة، ضمن استراتيجيات محددة، في ترتيب خرائط معينة في العلاقات الدولية.

ولاشك في أن أفعال التغيير التي حفرت مجاريها وإيقاعاتها الرامية إلى مقاومة الاستبداد والفساد في ساحات المدن العربية، وبدون استثناء طيلة سنة 2011، تعد في كثير من جوانبها مُحصِّلة تداخل وتقاطع العاملين المذكورين، إضافة إلى عوامل فرعية أخرى مهدت ولَوَّنَتْ مجمل الأحداث الحاصلة، ومنحتها مواصفات محددة.

إن إطلاق مفردة المواطنة وأخواتها، من قبيل الكرامة والحرية والمساواة في خطابات معينة داخل فضاء المجال السياسي والمدني العربيين، وفي إطار المنتديات الثقافية والجمعوية التي ارتفعت وتائر إيقاعها في العمل في العقود الأخيرة داخل العديد من البلدان العربية، يُنْبِئ في حد ذاته بميلاد حركات سياسية واجتماعية وقانونية هدفها بلورة مشروع مجتمعي جديد، يتجه لتجاوز مظاهر التأخر العربي، ومظاهر سيادة الاستبداد السياسي في كثير من الأنظمة العربية.

يعكس مفهوم المواطنة والمفاهيم المقرونة به، كما تتفاعل في خطاباتنا السياسية، نوعاً من الحيوية السياسية، إنه يضع أمام الملاحظ جملة من العلامات الدالة على نمط الإرهاصات، التي تَشِي بها التحولات الجارية في كثير من مجتمعاتنا مشرقاً ومغرباً.

نستعين في عمليات الاقتراب من مفهوم المواطنة في الفكر العربي بمحورين اثنين؛ نعتني في الأول منهما بالمواطنة في سياقات تشكلها وتداولها، ونفكر في الثاني في التحولات التي لحقت دلالات المفهوم في عالم متغير.

يشكل مفهوم المواطنة (مواطن civis – مواطنة - civitas)، في سياق عمليات ميلاده وتطوره، ما يمكن اعتباره خاصية بنيوية في أغلب المفاهيم المركزية الكبرى الناظمة لأنسجة الخطابات الفلسفية والسياسية. إنه يحيل إلى معانٍ متعددة، ويرتبط بوشائج من القربى مع أنظمة في النظر ووقائع من التاريخ متنوعة، إضافة إلى ما ترتب عن مراحل تشكله المتواصلة من دلالات لا حصر لها.

ويمكن أن نلاحظ أيضاً أن المفهوم يُستخدم ويُوظف في سياقات وجبهات عديدة، بهدف تجاوز الدلالة المباشرة، وبحثاً عن أفق في النظر يتجاوزها. وذلك من أجل منح الإيحاءات المقرونة به ما يحولها إلى أداة في الفعل السياسي والاجتماعي الذي يتوخى إصابة أهداف بعينها. وسنتبين بعض علامات ما نحن بصدد الإشارة إليه في الجرد التاريخي والمفاهيمي المختزل في المحور الأول من مقالنا.

ارتبط المفهوم، منذ بدايات تبلوره في الفلسفة السياسية الحديثة، بتصورات معينة للحقوق الإنسانية، تصورات تعلن عدم ارتباطها بالمرجعيات اللاهوتية والإثنية. إن الإيحاءات التي حملها منذ بداية تداوله الأول في الفكر اليوناني والمدينة اليونانية تربطه بالحق في المشاركة في الحياة السياسية. ذلك أن مفردة المواطن في التداول اليوناني، تشير إلى من يدلي برأيه في مختلف شؤون المدنية (المدينة الدولة) التي كان يدبرها ويديرها الأحرار والذكور من ذوي الأصل اليوناني.

وقد استوعبت هذه الدلالة تَلوينات تحمل بعض سمات الخصوصية التاريخية اليونانية. وتم تجاوزها عندما أعيد تأسيسه في القرن الثامن عشر وما بعده، وذلك انطلاقاً من نصوص الفلسفة السياسية الحديثة وفلسفة الأنوار، حيث نقف عند الدلالة التي اكتسبها في آثار هوبز وجون لوك ومونتسكيو وسبينوزا وجان جاك روسو وكانط. كما نقف عند المعاني التي أضافتها إليه مبادئ الثورة الفرنسية وإعلانها لحقوق الإنسان.

ضمن هذا السياق النظري والتاريخي الجديد، تَشَبَّع مفهوم المواطنة في أصوله الحديثة بالخلفية القانونية، وتم النظر إليه من الزاوية التي تَقرِنه بجملة من الحقوق والواجبات المدنية الموصولة بالحريات الفردية والمجتمع المدني. وقد كان يُنظر إلى هذه الحقوق على أنها عناصر مركزية في نسيج الخطاب السياسي الليبرالي. فأصبح بناءُ قيم المواطنة مشدوداً إلى مفاهيم العقد الاجتماعي والدولة الوطنية، وقيم التشارك والتداول على السلطة، في دولة العقل والمصلحة الفردية والمؤسسات. وشكَّل هذا النسيج النظري في علاقته بسيرورة المجتمعات الأوروبية، وفي إطار التاريخ الأوروبي الحديث، أفقاً للعمل السياسي والاجتماعي والقانوني، من أجل توسيع وتعزيز الخيار الديمقراطي مؤطراً بالمرجعية السياسية الليبرالية ومبادئها الكبرى.

ولو شئنا أن نُجْمل الدلالة التي استقر عليها المفهوم، في سياق الفكر السياسي الحديث، لتبينا أنه اتخذ مظهرين أساسيين؛ فقد شكلت المواطنة اليونانية، والأثينية بالذات، أساً من الأسس المُرَكِّبة لدلالته، وذلك لأنها ابتكرت المفهوم كوسيلة لدعم الاندماج السياسي والمشاركة السياسية، ضمن خصوصية المجتمع اليوناني. لكن مفردة المواطنة اتخذت بعدها الأساس في الأزمنة الحديثة، مستوعبة ما هو عام في الإرث اليوناني، ومطورة لدلالته، بالصورة التي تمنحه امتيازاً لتملك مكاسب عصر الأنوار في النظر إلى الإنسان والسياسة والحقوق.

لقد استوعب المفهوم أيضاً مآثر الثورة الفرنسية وبيانها حول حقوق الإنسان والمواطن. كما استوعب روح الفكر السياسي الحديث، وجوانب عدة من أصول الفلسفة السياسية الليبرالية التي بَنَت، كما هو معروف، مفاهيم الفرد والسياسة المدنية ودولة التعاقد والحريات. وقد ظلت الدلالة السياسية التي ترسخت في ثنايا تشكل المفهوم، سواء في صيغته اليونانية، أو في نسيجه الدلالي المتسع بفضل إسهام فلاسفة الأنوار، ورموز الفلسفة السياسة الحديثة، ظلت بمثابة مؤشر مركزي صانع لأشكال تداوله في الفكر السياسي الحديث والمعاصر.