من الشبكة إلى الجذمور

فئة :  مقالات

من الشبكة إلى الجذمور

الأصل اللاتيني للكلمة الفرنسية réseau هو retis الذي يدل على الخيط. تحيل الشبكة إذن، حتى في غير اللغة العربية، إلى الخيوط والنسيج. الشبكة تشابك خيوط. ارتبطت الشبكة دائما بالحرَف والتقنية، إلا أنها اقتصرت حتى نهاية القرن الثامن عشر، على حرفة النسيج.

وُظفت الكلمة منذ أفلاطون شتى أنواع التوظيف، وهكذا نُظر إلى الجسم وإلى الدماغ، بل وحتى إلى الجسم الاجتماعي على أنه شبكة أو سلسلة من الشبكات. غير أن القرن الذي سيعرف ازدهارا كبيرا للمفهوم، كما أثبت داغونيي، هو القرن الثامن عشر، حيث غدت الشبكة مفتاحا لتفسير كل ما هو طبيعي.

مع الثورة الصناعية، ستقام شبكات صناعية مقابل الشبكات الطبيعية، وهنا سيغدو المهندس هو مخطط الشبكات وواضعها. ستظهر، بشكل متواقت، شبكة السكك الحديدية وشبكة التلغراف، ثم بعد ذلك الشبكات الكهربائية إلى أن نصل إلى شبكة الأنترنيت. لا ينبغي أن ننسى ما كان لذلك من وقع على العلائق الاجتماعية، بله البشرية بصفة عامة، وهذا حتى قبل ظهور الأنترنيت.

قام مفهوم الشبكة ليحل محل مفهوم التشجير والربط العمودي. الشجرة جهاز يُغرس في الفكر كي ينبت في استقامة، ويُثمر أفكارا تُنعت بالصائبة. تنبت الشجرة انطلاقا من بذرة. إنها تتجذر في أصل. وتعلو صوب اتجاه عمودي واحد. وسرعان ما تغدو آلة للتفرعات الثنائية. الشجرة تجذرات وتفرعات. لا عجب أن يتحدث القدماء عن "الشجرة المنطقية" و"شجرة المعرفة"... و"شجرة الأنساب".

مقابل "الشجرة المنطقية" ستسعى الشبكات إلى أن تنسج علائق أفقية، تربط بين المتصل والمنفصل بهدف إدراك معقولية الأشياء وطبيعة الكائن، إلا أنها لن تحيد، على رغم ذلك، عن الهوس التقليدي للبحث عن الانتظامات والغائيات.

ضد فلسفة ديكارت التي انشغلت بالتأسيس والتأصيل، وضد فلسفة هيجل التي تتابع حركة النمو لتقف عند غايتها، لا يولي دولوز عنايته لا للأصل ولا للغاية، وإنما يسعى إلى أن يذهب بمفهوم الشبكة إلى مداه الأبعد محاولا تحريره من المفهومات العضوية للانتظام والغائية، فـيضعه في "جسم بلا أعضاء". ومن أجل ذلك، فهو يقتفي نموذج العشب الرديء الذي ينمو من وسط، هذا النبات الأخرق الذي لا بداية له ولانهاية، ولا أصل ولا غاية هو الجذمور rhizome.

مقابل النظام التراتبي الذي يفترضه مفهوم التشجير، حيث يُنظر إلى الشجرة باعتبارها جذرا وفروعا، جذعا وأغصانا، ماضيا ومستقبلا، ضد مفاهيم التكوين والنموّ والتاريخ والتطوّر، ومقابل الشجرة التي تشكل محورا تنتظم حوله الأشياء في دوائر، وتعيّن نظاماً من النقاط والأوضاع فتفرض منظومة تراتبية، وانتقالا لأوامر تصدر عن مركز وتعمل وفق ذاكرة استرجاعية تؤطر الممكن، ضد كل ذلك، يقوم مفهوم الجذمور الذي يعيّن عالما ترتد فيه حقيقة الأشياء إلى علائق وبينيات لا تحيل إلى حدودها المكوِّنة، فتضعنا أمام شتات، أمام ترابط ظرفي لا يخضع لمبدأ قارّ، ولا يستهدف غاية بعينها. فلا منظومات تراتبية. ليس إلا نمواً متفرعاً ونظاماً تعددياً وتراتباً عشوائياً وانقطاعات غير متوقعة. إنها مصائر بينية لا ماضي لها ولا مستقبل، مصائر من غير ذاكرة. هي خرائط وليست مآثر، جغرافية وليست تاريخاً، رحلة وليست استيطانا. كل هذا هو الريزوم. أن تفكر في الأشياء، بين الأشياء، هذا هو الريزوم. ليس الجذر، إنه الخط وليس النقطة. إنه عمارة الصحراء، وليس الأنواع والأجناس وفق ما يمليه التفريع الشجري.

في مؤلف مشترك مع دولوز، نقرأ هذا الاقتباس عن هنري ميلير: "لا وجود للعشب إلا بين الأماكن غير المغروسة. إنه يملأ الفراغات، وهو ينبت بين- بين، بين الأشياء... العشب تدفّق، إنه درس في الأخلاق". الأعشاب لا تزول بقطع جذورها. إذ سرعان ما تتجدّد وتتدفق من أية نقطة صوب أيّة وجهة، فتفيض على الحدود وتغمر الآلات الثنائية، وفق خطوط لا تؤول إلى حركة نقطة، خطوط لا بداية لها ولا نهاية، خطوط هاربة، خطوط الهروب. لكنه ليس الهروب بعيدا، الهروب خارجا، إنها خطوط الهروب التي تشكل جزءاً من لوحة الرسام.

لا يكتفي الجذمور، على غرار الشبكة، أن يقيم نظاما يحل محل السابق، مكتفيا بإحلال الأفقي محل العمودي، وإنما يقيم تمفصلات لا واعية. فلا يكفينا هنا "منطق المعنى" التقليدي لإدراك طبيعة الكائن. وليس العالم حركة دلالة ومعنى، كما أنه ليس خاضعا لترتيب وتصنيف. لا مفر لنا من أن نتخلى هنا عن نظام يُنظر فيه إلى الكائن وفق الواحد والمتعدد. ذلك أن المسألة الأساسية عند دولوز لا تكمن في تحرير المتعدّد، وإنما في توجيه الفكر نحو مفهوم متجدّد للواحد، وهو على حدّ تعبيره "ليس واحدا ولا متعدّدا...وإنما صوت واحد للمتعدّد الذي يتوفّر على آلاف الأصوات".