نحو قراءة إنسانية للدين الإسلامي: نظرية الصراطات المستقيمة أو من الإسلام المغلق إلى الإسلام المفتوح

فئة :  مقالات

نحو قراءة إنسانية للدين الإسلامي: نظرية الصراطات المستقيمة أو من الإسلام المغلق إلى الإسلام المفتوح

مقدمة: إنسانية العرفان ضد انغلاقية الأرثوذوكسيات:

يندرج هذا المقال في إطار مشروع الإصلاح الديني في الإسلام، والذي يتم تقديمه كمشروع إصلاح شمولي وبعيد المدى يهدف إلى خلق ثورة بروتستانتية داخل الإسلام التقليدي للرجوع به إلى الأصول، وذلك عبر تفكيك وفك الارتباط مع مجموع الأساطير التي أنتجت ما يسمى اليوم الأرثوذوكسية الإسلامية أو الأصولية الإسلامية في شقها السني أو الشيعي، خصوصا الأساطير التي تشكل مركز كل الأرثوذوكسيات، والتي غذت العنف، ولا تزال تغذيه داخل المجتمعات الإسلامية، أو بين الإسلام وغيره من الأديان، مثل الصراط المستقيم، الدين الحق أو الفرقة الناجية ومقابلاتها، مثل الفرقة الضالة أو الهرطقة أو الزندقة أو البدعة، أو أسطورة دار الإسلام ودار الكفر.

يمكن القول هنا، إن تاريخ الإسلام هو أيضا تاريخ العنف الذي مورس باسم الإسلام لشرعنة العنف الفكري أو السياسي باسم مجمل هذه المقولات . تتحول الأديان أو المذاهب الدينية إلى هويات قاتلة تتغذى من وهم كبير يتجلى في الربط بين الهوية الدينية المختلفة والمتميزة عن الهويات الأخرى، أو تأويل خاص للدين ومفهوم الحقيقة الدينية الحصرية أو النرجسية الدينية. لذا نتساءل حول إذا ما كان لا يزال ممكنا تأسيس الخطاب الإسلامي، انطلاقا من ثنائيات كالكفر والإيمان أو الحقيقة والضلال.

للأسف، لا زال الخطاب الفقهي الإسلامي التقليدي يصر، ضدا عن منطق الإنسان الذي هو منطق الله، على اعتبار أن الإسلام، أو أن مذهبا إسلاميا ما هو إلا الدين الحق الوحيد، وأنه الدين الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يتعبد به. نتساءل هنا: كيف وصل العقل الإسلامي درجة من الوهم، غدا فيها عاجزا عن إدراك مفهوم الإنسان؟ أليست القراءة الإنسانية للإسلام هي وحدها القادرة على إنقاذ الإسلام؟ أليس من الضروري الانتقال من مفهوم الصراط المستقيم إلى مفهوم الصراطات المستقيمة[1] أو الحقائق المتعددة؟

يستدعي هذا الانتقال مراجعة آليات التأويل وأنسنة قراءتنا للقرآن والسنة، بدل الاستمرار في تغذية التصور التقليدي للإسلام الذي يقسم المسلمين إلى فرق ناجية وفرق ضالة ؛ لأجل هذا يجب طبعا التوقف عن اعتبار ما يسمى بالسلف الصالح مرجعية مقدسة، والعمل على تبني مرجعية، قد تبدو بالنسبة لنا أكثر قدسية، ألا وهي الإنسان،الإنسان القادر على رؤية الحقيقة بوصفه المثال الحي على الحضور الإلهي. لا يتعلق الأمر فقط بضرورة دينية، بل وكذلك بضرورة حضارية من شأنها أن تؤسس لنموذج جديد للتعايش بين المسلمين أنفسهم من جهة، وبين المسلمين وغير المسلمين من جهة أخرى. ألا يدل الصراع المحتدم ليومنا هذا بين السنة والشيعة، وبين السنة أنفسهم، أن مراجعة جذرية لمفهوم الحقيقة الدينية أصبح المطلب الأكثر حيوية بالنسبة لمستقبل الإسلام؟ ألا يمكننا أن نتنبأ بأن الاستحواذ المفرط على المفاهيم الإسلامية، وإساءة استخدامها باسم الإسلام أو الحقيقة الدينية قد يحكم على الإسلام بنفس مصير المسيحية؛ أي بعلمنة نهائية لهذه المجتمعات، وحصر للإسلام في المجال الخاص بعد إنهاك المجتمعات الإسلامية؟

إذا كان إرساء قيم التسامح جزءا أساسيا من مشروع بناء الفكر التنويري، وهدم "الجهالات المقدسة"، فإن خصوصية هذا المقال هو الاعتقاد بالقدرة التحريرية للفكر الصوفي وللقراءة الصوفية للإسلام من حيث قدرتها على إنتاج قيم التسامح وإحداث قطائع إبستيمولوجية تنقل الفكر الإسلامي من فكر النص إلى فكر الإنسان.يمكن أن نقترح براكسيسا دينيا جديدا يجعل من الإنسان مركز الدين، ويكرس الانتقال من المفهوم الفقهي والعقائدي الذي فشل عبر التاريخ في جعل الدين أداة سلام، وتأسيس لقيمة الإنسان إلى مفهوم أكثر عمقا، تم للأسف الشديد تجاهله لقرون، سواء في نطاق الحضارة الإسلامية أو الغربية، مفهوم يسمح بمقاربة جديدة لفكرة الحقيقة الدينية والعلاقة مابين دينية، وهو مفهوم الصراطات المستقيمة؛ أي وجود أشكال متعددة للحقيقة الدينية، مختلفة في ظاهرها ومتماثلة في المستوى العرفاني . يتحدد الدين في العمق انطلاقا من المعنى، وليس انطلاقا من الحقيقة. هنا يسمح الوعي الصوفي أو العرفاني بأنسنة الدين وجعل الإنسان مركز المقدس، وليس الفكر أو النص الديني. يمكن إذن، أن ننطلق من فكرة أنه يمكن لخطاب العرفان أن ينقد خطاب الدين أو الأديان ويعيده لأفقه الروحي، ولكن أيضا أنسنته عبر تجاوز صراع الأديان الذي يغذيه مبدأ الدين الحق أو الفرقة الناجية والانتقال من صراع الهويات الدينية إلى مفهوم الصراطات المستقيمة. الأطروحة المركزية هنا إذن، هي أن الأديان كلها حاملة للحقيقة الدينية؛ فهي تمثلات أو تجليات للروح الإلهية. يمكنتجاوز وهم الحقيقة الدينية الحصرية، ونعيد تفسير" الدين عند الله الإسلام" بكونه مجموع العقائد الدينية في مستواها الباطن من حيث هي استسلام للحضور الإلهي. كل هذا ينجز انزياحا في المعرفة الدينية، حيث يصبح الإنسان هو من يصنع حقيقة الدين بإيمانه ومن خلال ما يسميه الرسول عليه الصلاة والسلام بالفطرة أو بالنية المؤسسة للأعمال.

أ. في العرفان ونظرية الصراطات المستقيمة:

تتحدد نظرية الصراطات المستقيمة في الفكر الصوفي من خلال مستويات متدرجة، يمكن أن نطلق عليها اسم "مقامات".

1.مقام الإنسان أو مركزية الإنسان في الوعي الديني العرفاني:

يتأسس مبدأ الصراطات المستقيمة، حين يصبح الإنسان قيمة دينية في حد ذاته، فيتم التطابق بين الحقيقة الدينية والدين من جهة، باعتبار أن كل الأديان حاملة لهذه الحقيقة؛ ومن جهة أخرى، فإن هذا التطابق ليس إلا نتيجة منطقية للتماهي بين الجوهر الإنساني والمعنى الإلهي . على عكس ذلك،فإن فكرة الحقيقة الحصرية أو التصور القبلي ( من القبيلة) تعمل على فصل الإنسان عن الألوهية، مما يعني أن هناك بشرا يخرجون عن نطاق الله المعنى الإلهي، وذلك جهل بإطلاقية وجود الروح، لأنه وجود الله نفسه.

إن معرفة الإنسان هي أصل معرفة الله في تجلياته اللانهائية والمحيطة .وفي ذلك أن الله أحب الإنسان قبل أن يخلقه واستودعه سره القدسي، وهو كما كان لا يزال. ما دام أن الإنسان قد خلق على صورة الرحمان، ونفخ فيه من روحه القدسية، فإن أساس واحديه الأديان هو الإنسان كحامل للسر الإلهي. هذا البعد المركزي للإنسان يفرض علينا التخلص من أفكار تميز الوعي الديني الإسلامي الزائف، مثل وجود فرق أو نحل ناجية وفرق ضالة، أو وجود ديانات حاملة للحقيقة وأخرى زائفة، وجود ديانات وحيانية وأخرى غير وحيانية .

يمكن أن نشير هنا إلى نظرية الرسول الباطني؛ فبجانب الأنبياء الذين بعثهم الله لهداية البشر، يمكن أن نتحدث أيضا عن العقل الذي أودعه الله تعالى جميع البشر، وهو ليس شيئا آخر غير فطرة البحث عن الله والحقيقة. يقول جلال الدين الرومي:

" ماذا عساي أن أفعل أيها المسلمون ؟ فأنا لم أعد أعرف نفسي.

إني لست مسيحيا ولا يهوديا،لا مجوسيا ولا مسلما.

إني لست من الشرق ولا الغرب،لا من الأرض ولا من البحر،

لست لا آدم ولا حواء،

لا جسد لي ولا روح، لأني روح المحبوب نفسه،

تركت بعيدا كل اثنينية، إن العالمين شيء واحد"[2]

العرفان من حيث هو الطريق إلى الواحدية، يؤسس للمركزية الإلهية والمركزية الإنسانية في الوقت نفسه. أما أغلب البشر، فهم يريدون جعل الله ملكا لهم فلا يصنعون إلا أصناما وأوهاما، لذا يظن كل ذي دين أن دينه هو الدين الحق، وأنه في حزب الله. أين هي الفرقة الناجية؟ أليست هذه الأسطورة دليلا على الفصل الكارثي للدين عن الإنسان؟ يقول نبي الرحمة:

"الناس كلهم عيال الله، وأقربكم إلى الله أنفعكم لعياله"

يشكل كل إنسان فردا من عائلة كبيرة، والبشر كلهم عيال الله تجمعهم قيم دينية مشتركة.

2.مقام الفيض أو الأصل الواحد للأديان:

يعني مفهوم الفيض أنه لا شيء خارج المعنى الإلهي؛ أي خارج الله. في الفكر العرفاني، تفيض كل الموجودات عن الوجود الحقيقي والقدسي؛ أي عن النفس الإلهي الذي تجلى في صورة غيرية . يقول الله في حديث قدسي:" كنت كنزا مخفيا لم أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فبي عرفوني". يصبح تعدد الأديان حاملا لجوهر الوحدة، لأنه تعدد تجمع شمله الحضرة الإلهية. يقول سبحانه: " وهو معكم أينما كنتم"، من هنا مقالة الصوفي: "ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه"، ونزيد فنقول: "ما رأيت دينا وإلا رأيت الله فيه". إن اختلاف الأشكال الدينية هو الظاهر الذي يحيل إلى الباطن. من هنا قول الحلاج :

" تفكرت في الأديان جد محقق/فألفيته أصلا له شعب جما

فلا تطلب للمرء دينا فإنه/يصد عن الأصل الوثيق وإنما

يطالبه أصل يعبر عنده/جميع المعاني والمعاني فيفهما"[3]

الأديان إذن دين واحد، والإيمان الحقيقي هو القدرة على استيعاب كل دلالاتها.

التوحيد هنا يعني الارتقاء من إله المسلمين لإله العالمين؛ فالأديان لا يمكن أن تشكل إذن إلا معبرا نحو حقيقة واحدة، وهي الحقيقة الأحدية، ومن حيث كونها معبرا فهي ذات القيمة نفسها. هذا ما يجعل من التجربة الصوفية تجربة العشق الأكبر، حيث انمحاء الرسوم في تجربة العرفان. يصبح التأويل العرفاني هو تأويل اللا متناهي في الذات الإلهية، تأويل مرتكز عل الذوق أو المعرفة اللدنية التي تتجاوز قصور العقل الذي ينتهي إلى الوثوقية أو التكفير، ذلك ما يمكن أن نستخلصه من نص الشيخ الأكبر: " فإن كل طائفة قد اعتمدت في الله أمرا ما إن تجلى لها في خلافه أنكرته"[4]. بهذا المعنى، فإن الإسلام يعني في حقيقته الإسلام الباطن؛ أي كل الأديان التي يسلم فيها المؤمن وجهه لله . كل الأديان تشكل الإسلام الباطني، وهذا معناه أن الإسلام هو آخر الأديان من الناحية التاريخية فقط، لكن من الناحية الباطنية، فإن الإسلام هو أول الأديان وآخرها، بل هو الدين كله. يصبح الإسلام مرادفا لتجربة الحب التي يسلم بها البشر وجوههم لله. إن ما يحكم الأديان هو روح الحب، وليس هو منطق الحقيقة.

3.مقام التحقيق: من دين الخلق إلى دين الحق:

يستوجب الحديث عن وحدة الأديان التمييز بين مستويين من الحقيقة الدينية: الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة. لا يمثل الدين بالمعنى العقائدي إلا تمثلا وتصورا للذات المطلقة، لكن أغلب العابدين يخلطون الصورة بالذات، فترى المسيحيين يحصرون الله في صورة التثليث، وترى الكثير من المسلمين يظنون أن الله هو إلههم الخاص بهم، ولعل أغلب الأديان تؤسس نفسها كمركز للألوهية، وأغلب المتدينين يظنون أنهم شعب الله المختار، وذلك مما يمكن أن نسميه بعقدة المركز.

انطلاقا من هذا التمييز، يتحدث الشيخ الأكبر عن مستويين للدين : دين عند الله ودين عند الخلق.

1- اصطفاه وأعطاه الرتبة العليا، وهو دين وحدة الوجود، حيث الإله المعبود مطلق ولا صورة تحصره، وهو المعبود على الحقيقة في كل ما يعبد، المحبوب على الحقيقة في كل ما يحب.

2- وهو الله المصور في العقائد المختلفة، أو الشرع الذي ننقاد له، والذي يضمن السعادة، إن نحن التزمنا به.ويرى الصوفية أن الله سيتجلى لعباده يوم القيامة في الصور التي لم يعرفوه فيها، وهم في ذلك ينطلقون من الحديث القدسي:» أنا عند ظن عبدي بي ". يجسد ابن عربي هذه القدرة على الانفتاح على الأديان:

" لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي/ إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صار قلبي قابلا كل صورة/ فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف/وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت/ ركائبه فالحب ديني وإيماني"[5]

ب. في الهوية الدينية أوفي وهم الاختلاف:

ما هي الهوية الدينية؟ أهي شيء آخر غير الدين الذي اختاره الله لي؟ أليس الأمر كذلك بالنسبة للآخرين؟ ألا يعني هذا أن كل الهويات الدينية متماثلة القيمة، ما دامت أنها تنبع من فعل خالق واحد؟ أليست الهوية إذاً، وهما يخفي وراءه الحقيقة الواحدة؟

يمكن أن نشير هنا إلى كتاب أمين معلوف "هويات قاتلة"[6] الذي يبين أن الهوية نفسها لا تنفك تخضع لتحولات في مسار التاريخ، ويعطينا مثالا يؤسسه انطلاقا مما يسميه لعبة ذهنية معبرة عن الطابع الإشكالي لمفهوم الهوية : إذا نحن أخذنا رضيعا وفصلناه وأبعدناه عن بيئته، لنضعه في بيئة أو بيئات أخرى، فلنتخيل عدد الهويات ( الدينية ) التي يمكنه أن يعتنقها والكفاحات والصراعات التي يجب عليه أن يخوضها. هل من الضروري أن نوضح أنه لن يتبقى له أي ذكرى من دينه، بل ربما سيكون يخوض حربه المقدسة ضد أولئك الذين كانوا سيكونون أهله.

نعود إلى إشكالية الفكر والعنف داخل الأرثوذوكسيات الإسلامية، لنؤكد أنه من المؤسف، بل من المناقض لروح الإسلام نفسه المبنية على الاستسلام لله، أن ترى المسلمين في تهافت على مرتبة النجاة " كل بما لديهم فرحون"، بدل التفكير في البناء المشترك للإنسان . فترى الشيعة الإمامية يتمسكون بكونهم الفرقة الناجية، لأنهم على هدي أهل البيت وفيهم إمام ينتهي إليهم، فهم على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرون أن السنة يتمسكون بما لا ينفع، فتراهم يستشهدون بأحاديثهم التي يقدسونها. من جهة أخرى، يرى السنة أنهم أولى بالنجاة من الشيعة والخوارج والصوفية، لأنهم متمسكون بالجماعة وبالآثار الصحيحة المروية. نطرح السؤال: أليس السعي الدائم، المميز لأنساق الملل والفرق الإسلامية، للتأكيد على هويتها كفرقة ناجية دليلا عن غياب مؤسف لحقيقة التوحيد التي هي حقيقة الإيمان؟ ألا يمكن أن نقول إن الرجوع للإنسان وإعادة مركزته داخل الخطاب الديني هو وحده الكفيل بأنسنة الخلاف نفسه والشروع في إعادة التأويل العرفاني لمعتقداتنا؟ ألا يمكننا أن نقول إن مثل هذه المهمة الفلسفية هي فقط القادرة على إخراجنا من وهم الاختلاف الديني والهوية الأنوية وإعادة اكتشاف المفهوم الجديد لله الذين ليس البشر كلهم إلا عياله؟. يبين الحديث النبوي: «الخلق كلّهم عيال الله، فأحبّ الخلق إلى الله أحسن الناس إلى عياله»[7]أنوهم الفرقة الناجية أسطورة، فمن يملك الحق في اعتبار نفسه فرقة ناجية؟ أليس وهم الخلاص الفردي منافيا لروح الدين نفسه؟ أليس تعبيرا عن روح قبلية ليس إلا؟ يعلمنا الصوفي كيف نتجاوز وهم الفرقة الناجية. يقول جلال الدين الرومي، وهو يتماهى مع كل الفرق:

" أنا القنديل والمحبوب

أنا الشراب ونشوة الخمور

أنا إثنتان وسبعون فرقة في الدنيا وأقسم بربي أنها ليست شيئا غيري ( ...)

أنا هذه الأرض والسماوات بكل ما حوت"[8]

فكيف نقول بعدها: إن المسيحيين واليهود الشيعة أو البهائية هم الضالون أو المغضوب عليهم؟

لا شك أنه يجب إعادة تأويل قول الله تعالى:" ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين". نعتقد أن التفسير التقليدي يشكل مأزقا بالنسبة لحقيقة الإسلام ذاته. كيف يعقل أن يحرم الله تعالى أكثر من نصف الإنسانية من الجنة، لأنهم لم يستطيعوا الاهتداء للإسلام ؟ فهم إما لم يسمعوا به ولم يطلعوا على تعاليمه، والبعض منهم اطلع عليه، لكنهم لم يقتنعوا لظنهم أن الحقيقة غير ذلك، فهل يعاقبون على ذلك؟ لن يستطيع إنسان حي الضمير أن يفعل ذلك، أفيفعله الله، وهو منتهى العدل ومنتهى الرحمة؟ الإسلام الحق هو إذن الإسلام الشامل الباطني، وليس الإسلام التاريخي.

ت. نحو أفق ديني مشترك التسامح أو في مقام الإحسان:

يعني التسامح الإيمان بالآخر /الأنا، والاعتراف به كحامل للمعنى الإلهي . هل بإمكان أحد منا أن يميز بين معاناة طفل مسلم أو طفل مسيحي أو بوذي؟ ألا يجب أن ننطلق من اشتراكنا في المعاناة كي نصل لوحدة الخلاص نفسه؟ أليس متدينو اليوم هم أطفال البارحة وعيال الله في كل زمان؟ يمكن الحديث هنا عن "ديمقراطية الخلاص" التي تفترضه القراءة العرفانية للإسلام. نورد هنا حديثا للرسول عليه السلام :" من آذى نصرانيا أو يهوديا / أو ذميا فأنا خصمه، ومَن كنتُ خصمه خصمتُه يوم القيامة"، يمكن تفسيره كدليل على وحدة الأديان ووحدة الحقيقة الدينية. لعل مأزق المسلمين اليوم هو نتيجة لعجزهم عن صياغة تأويل إيجابي وإنساني لنصوصهم الدينية. لماذا الاستمرار في فرض منطق ثنائي ومانوي يميز بين المسلم والكافر أو منطق الولاء والبراء ؟ ألا يعني ذلك في آخر الأمر ارتدادا وردة ضد منطق التوحيد المؤسس للإسلام نفسه ؟ هل يعني هذا وجود نمطين من الإنسان، الإنسان المهتد والإنسان الضال؟ ألن تنتهي بنا، مثل هذه التأويلات إلى تأسيس أسطورة جديدة لشعب الله المختار الذي قال إنه " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى" ؟

لنتأمل الآية القرآنية: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم في ما كنتم فيه تختلفون"[9].ما ذا يعني "تأجيل حسم الخلاف العقدي" إلى يوم القيامة وجعله من اختصاص الرحمان الرحيم الذي يفصل فيما كان فيه البشر مختلفين؟ يعني ذلك أن أغلب البشر غير قادرين على إدراك كنه هذا الاختلاف؛ فهو يتجاوز إدراكهم، حتى ولو كان الاختلاف ضلالا، فإنه لا يخلو من الحضور الإلهي، ما دام أن الإنسان يظل دوما حاملا للمعاني الإلهية. لا شك أن الله قد قضى في الأزل أن يكون الناس مختلفين وكلف البشر أن يستثمروا هذا الاختلاف ويسعوا إلى إزالته بالحوار. يعني التسامح الحقيقي إذن، الاعتراف أولا بجوهرية وإلهية الاختلاف ،من هنا يجب أن نعتقد ليس فقط أن للآخرين الحرية في اعتناق الدين الذي يرونه صحيحا، بل يجب أن نعتقد أيضا أن إيمانهم يمنح لهذا الدين قيمة الصدقية؛ فالله من يجعلهم يؤمنون وليس الدين الذي هو مخلوق كما الإنسان. يقول الله الذي لا إله إلا هو: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".[10]

خاتمة: نحو عرفان ملتزم أو في مقام الأمل الديني

يمكن أن نستدعي هنا الأطروحة اللاهوتية لهانز كونغ Hans Kung التي يمكن اختصارها في مبدإ أساسي: "لا سلام بين الشعوب بدون سلام بين الأديان". إن السلام بين الأديان يعني الانتقال من العيش المشترك أو coexistence إلى المستقبل أو المشروع المشترك للبشرية proexistence، ولا يكون ذلك ممكنا، إلا من خلال معرفة تجارب الآخرين، بدل التقوقع في التشنج الهوياتي. نزيد فنقول لا سلام بلا انزياح تأويلي وفهم توحيدي للأديان، يجعل ممكنا الوصول لأخلاقيات دينية عالمية.

بهذا المعنى، يمكن أن نؤكد أن ما يسمى بلاهوت التحرير هو أيضا تحرير للدين بفضل أنسنته، يجب أن تلتقي الأديان عند فلسفة جديدة للإنسان تنبني على مبدإ أساسي : لا يمكن تحرير الإنسان دون تحرير الدين نفسه، ولا يمكن لذلك أن يكون ممكنا بطبيعة الحال، إذا لم نؤسس لمركزية الإنسان كحامل للمعنى الإلهي. هذه الأنسنة تتحدد انطلاقا مما يسميه لاهوت التحرير ب" الوجود الملموس للرب" والمتجسد في وضع البشر أنفسهم، الذين سماهم رسول الرحمة بعيال الله وجعلهم الله نفسه متماهين معه في الكثير من الأحاديث القدسية. ألا يفرح الله بتوبة العباد؟ ألا يحزن أيضا لما يصيبهم من اضطهاد؟ في هذا المسار يكرس لاهوت التحرير مفهوم الإله المعاني suffring god، والذي لا شك يذكرنا بالرب عند ابن عربي في تعاطفه مع بني البشر وفي تشوقه إليهم، بل إن شوق البشر ليس إلا انعكاسا لشوق الله لنفسه.

ننتهي إلى هذا التساؤل: ألا يعني هذا أن المهمة الأساسية التي يجب على الأديان الاضطلاع بها هي رفض شروط الاستلاب التي تبعد الإنسان عن جوهره الإلهي؟ ألا يجب التأكيد على أن ما يمنح أدياننا قيمتها ليس هو مجموع العقائد التي تحتويها، بل قدرتنا على تحويل هذه المعتقدات لممارسات أخلاقية تنبني على التعاطف الإنساني، كي يصبح الله مجموع الأديان حينما تكون قادرة على الالتقاء في بؤرة الإنسان، فتتم أنسنة الدين لصالح المسحوقين والمضطهدين؟


مراجع:

- الحلاج، قافية الميم، ديوان الحلاج وطواسينه، دار صادر، بيروت، 1998

- محمد العدلوني الإدريسي، التصوف الأندلسي، دار الثقافة،2005

- محمد الكحلاوي، الحقيقة الدينية من منظور الفلسفة الصوفية.الحلاج وابن عربي نموذجا، دار الطليعة، بيروت، 2005

- Amine Maalouf, Identités meurtrières, "Grasset", Paris, 1998

- Eva de Vitray -Meyerovitch, Anthologie du soufisme, Albin Michel, 1995


[1]- اقتبسنا العبارة من كتاب المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة: قراءة جديدة لنظرية التعددية الدينية ، ترجمة

قبانجي، أحمد ، منشورات الجمل ، 2009. لكننا نعتقد أن مجمل مباني هذا الكتاب تشكلت قبل ذلك داخل الفكر الصوفي بصفته قراءة إنسانية ومفتوحة للإسلام.

[2]- ترجمة عن كتاب

Eva de Vitray –Meyerovitch, Anthologie du soufisme, Albin Michel, 1995, p.262

[3]- الحلاج، قافية الميم، ديوان الحلاج وطواسينه، دار صادر، بيروت، 1998، ص 62

[4]] ابن عربي، ذكره محمد العدلوني الإدريسي ، التصوف الأندلسي ، دار الثقافة، 2005 ، ص.176

[5]- ابن عربي، ترجمان الأشواق، ذكره محمد ا لعدلوني، ص. 163

[6] Amine Maalouf, Identités meurtrières, "Grasset", Paris, 1998

[7]- رواه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو النعيم في الحلية والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود مرفوعا.

[8]- ذكره محمد الكحلاوي ، الحقيقة الدينية من منظور الفلسفة الصوفية.الحلاج وابن عربي نموذجا، دار الطليعة ، بيروت، 2005 ، ص.5

[9]- المائدة ، 48

[10]- يونس،99