نحو قراءة قرآنية للسيرة النبوية

فئة :  مقالات

نحو قراءة قرآنية للسيرة النبوية

من أهمّ مصادر السيرة النبوية الثابتة ثبوتاً قطعياً، القرآن الكريم؛ فكتاب الله يذكر الكثير من الأحداث التي وقعت في القصّة الكبرى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكن روايته للأحداث النبوية ليس كالروايات المدوّنة في كتب المغازي والسير؛ فالقرآن الكريم له منهجه الخاص في عرض القصص بصفة عامة، فهو لا يهتم بالتفاصيل الزمانية والمكانية...، بقدر ما يهتم بالدروس والعبر، لأنه كتاب هدي للعالمين أجمعين، إضافة إلى أنّ ميزة القرآن في عرض السير البشرية، سير الأنبياء والمؤمنين والكفار والمنافقين...، أنّه يكشف أسرار النفس الإنسانية، وهو ما لا يمكن أن تجده في باقي المرويات، من هنا يجب على الباحث أن يلتفت إلى هذه المسألة التي تساعده في قراءة حدث السيرة النبوية، لأن القرآن يقصد إلى بناء "الهدى المناهجي" بتعبير الدكتور الشاهد البوشيخي، هذا الهدى الذي يتخفّف من أثقال الزمان والمكان ليكون للعالمين بشيراً ونذيراً.

لبيان هذا المعنى، يمكن أن نعرض التناول الفريد للقرآن الكريم، لقصّة الإفك، هذه القصّة وإن ارتبطت بزوج النبي صلى الله عليه وسلم، عائشة رضي الله عنها التي اتهمها المنافقون بزعامة عبد الله بن أبي بن سلول بالوقوع في الفاحشة مع الصحابي صفوان بن المُعطِّل السُلمي عبر توظيف أسلوب الإشاعة، حتى تورّط بعض الصحابة رضي الله عنهم في تصديقها والترويج لها دون علم، مثل حسان بن ثابت ومِسطح بن أُثاثة وحمنة بنت جحش أخت زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه القصة في السيرة النبوية، وإن ارتبطت بكل هؤلاء الشخصيات، إلا أن القرآن الكريم، لم يذكر اسم أحد منهم، بمن فيهم عبد الله بن أبي بن سلول الذي وصفه القرآن "بالذي تولّى كبره"، ناهيك عن الآخرين، لأنّ المهمّ هو العبرة والعظة.

إنّ القرآن الكريم، وهو يعرض حدث الإفك الذي خلّدته آيات تتلى آناء الليل وأطراف النهار، عرضه بمنهجية بديعة تستحقّ التدبّر والاعتبار، من خلال الملاحظات الآتية:

أوّلاً: إنّ مجتمع النبوة، ليس مجتمعاً ملائكياً، نعم؛ تشرّف هذا المجتمع برسول عظيم، لكن أفراد هذا المجتمع ليسوا نسخة طبق الأصل للرسول صلى الله عليه وسلم، ففي هذا المجتمع الصادق، والكافر، والمنافق، والعدوّ، والصديق، فهو متنوّع في بعض مستوياته إلى درجة التضادّ، بمعنى آخر فهو مجتمع كباقي المجتمعات الإنسانية التي عرفها التاريخ.

ثانياً: إنّ حدث الإفك في هذه القصّة، ما هو إلاّ "وضعية مشكلة" تختبر مهارات وقيم مجتمع النبوة، فالمهم في الحدث ليس الوضعية، لأنها مجرد تمرين للنوازع النفسية، وللمهارات المعرفية، ولذلك لم يتحدّث القرآن عن القصة بتفاصيلها، ذاكراً سياقها وشخوصها... بل ركّز على كشف حقائق هذا المجتمع الذي ليس مستبعداً عن الامتحانات والابتلاءات، بل إن الامتحان كان في بيت النبوة، وفي موضوع خطير، وهو شرف وعرض زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن هذا الامتحان أراد أن يكشف للعالمين، مستويات التفاعل مع شائعة من الشائعة، والتي قد تنجح في إقناع بعض من هم، من أصحابك أو من حزبك أو من مرجعيتك أو من وطنك، وذلك من أجل الوصول إلى خلاصة أساسية، مفادها؛ أن أفراد مجتمع ما، مستحيل أن يكونوا على قلب رجل واحد.

ثالثاً: إنّ الإفك كما يقول الطاهر بن عاشور في تحريره هو اسم يدلّ على كذب لا شبهة فيه فهو بهتانٌ يفجأ الناس. فبالرغم من الوضوح البيّن للكذب في الخبر، غير أنّ بعض الناس تنطلي عليهم الكذبة، والسبب في ذلك هو استخدام أسلوب الإشاعة، لأنه يتوسّل طريقة إخبار الناس بخبر مكذوب دون أن يعرفوا مصدره، فيتداولونه في مجالسهم، وهذا ما وقع في حادثة الإفك. انطلقت الإشاعة ولم يعرف مجتمع النبوة من يكن صانعها، ولذلك فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة انتظروا أياماً معدودة، ليعرفوا الحقيقة التامة، فجاءت البراءة من الله، وعلموا أنّ من خطط للإفك هم المنافقون، فلو علم مجتمع النبوة بمصدر الإشاعة لم يكن ليهتزّ. هذا التفاعل المجتمعي يؤكّد للناظر أنّه إزاء مجتمع كباقي المجتمعات الإنسانية.

رابعاً: إنّ الجماعات البشرية، قد تنقسم انقسامات حادّة، تصل إلى الحروب الأهلية بسبب إشاعة واحدة، فلا فرق بين جماعة وجماعة إلاّ بمنهج التبين والتثبت، والابتعاد عن منهج التلقي بالألسنة والقول بالأفواه دون علم، نعم؛ قد يكون العاصم من الانقسامات الإيمان بالله، لكن قد نجد في التاريخ والواقع المعاصر أنّ سبب التناحر والنزاع هو "التلقي بالألسنة" ومعناه كما يبيّن الطاهر بن عاشور، أن تلقي الأخبار في الحقيقة يكون بالأسماع لا بالألسنة، لكن الله سبحانه في هذا الحدث، يقول:" إذا تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" والمقصود أنهم يسوقون الأخبار بأفواههم دون أن يعلموا الحقيقة، وهذه آفة تعاني منها المجتمعات، ولها تداعيات خطيرة.

خامساً: ترسّخ في أذهان بعض المسلمين مأساوية حدث الإفك، ولم ينتبهوا إلى ما قاله الله سبحانه:" لاَ تَحْسبُوهُ شَرّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ"، فعوض أن يبحثوا في الخير الذي يقصده الله، ارتبطوا بالشرّ، وحصروا أذهانهم في قذف المنافقين لعائشة رضي الله عنها، وتأسّفوا لولوغ ألسنة بعض الصحابة في خبر الإفك، ونظروا إلى القصة برمتها من هذه الزاوية، لكن الله سبحانه يحدثنا على أن ما وقع فيه خير، ومن اللافت أن هذا الخير لم يذكر تفاصيله في الآيات التي تحدث عن الحدث، مما يعني أن المتدبرين في القرآن مدعوون إلى بيان هذا الخير، والخروج من القراءة التجزيئية للحدث.

إنّ المتأمّل في القرآن الكريم حين ذكره لأحداث السيرة النبوية، سيصل إلى حقيقة ساطعة، مؤداها أن مجتمع النبوة هو مجتمع إنساني بامتياز، فوجود النبي صلى الله عليه وسلم فيه، لا يمنحه صفة المجتمع الملائكي، غير أن القرآن ينبّهنا إلى أنّ هذا المجتمع يضمّ فريقاً من المؤمنين المخلصين يجاهدون بالليل والنهار، للإصلاح وإقامة العدل، وهم أيضا ليسوا ملائكة، فقد يخطئون كما يخطئ باقي البشر.