الاستشراق والقرآن: من تاريخ الوحي إلى تاريخ النصّ والخطاب "دراسات قرآنيّة" لـجون وانسبـرو (1928 ـ 2002) أنموذجا

فئة :  مقالات

 الاستشراق والقرآن: من تاريخ الوحي إلى تاريخ النصّ والخطاب "دراسات قرآنيّة" لـجون وانسبـرو (1928 ـ 2002) أنموذجا

مقدمة

لئن مثّلت سرديّات السيرة النبويّة إلى جانب مدوّنة الحديث والتـراث الفقهيّ الإسلاميّ الأساس المرجعيّ للدّراسات الاستشراقيّة الكثيرة الّتـي اهتمّت بالإسلام المُبكّر، وبحثت في عناصره التكوينيّة ومسارات تشكّله التاريخيّ، فقد ظلّ التأليفُ الاستشراقيّ المتعلّق بالنصّ القرآنيّ شـحيحًا لاعتبارات كثيـرة من أهمّها قلّة المعطيات التاريخيّة الّتي يوفّرها عن التجربة المحمّديّة ونشأة الإسلام مقارنة ببقيّة السرديّات، غير أنّ هذا الاعتبار المنهجيّ لم يمنع الباحثين من النّظر في القرآن لا باعتباره وثيقة تاريخيّة يمكن اعتمادُها والمقارنة بين ما يردُ فيها وما يردُ في بقيّة السرديّات فحسب، بل بعدّه النصّ المرجعيّ للعقيدة الإسلاميّة ورؤية المسلمين للعالم الّتي ستتشكّل وفقا لكيفيّات تمثّلهم لهذا النصّ وفهمهم لمضامينه التوحيديّة وممكناته التشريعيّة. وعلى الرّغم من التداخل الكبير بين مواضيع البحث في هذا المجال والضبابيّة الكبيرة الّتي قد يجدها الباحث إزاء تحديد الملامح الكبرى لوجهات النظر الاستشراقيّة المتعلّقة بالقرآن، فإن رؤية تأليفيّة للبحوث الّتي يمكن إدراجُها في حقل الدّراسات القرآنيّة يمكن أن تكون مفيدة في تحديد المراحل الكبـرى الّتي وسمت اتّجاهات التأليف الاستشراقيّ في هذا المجال، والّتي يمكن تقسيمها تاريخيًّا إلى:

  1. المرحلة الأولى تبدأ مع النصف الأوّل من القرن الثاني عشر وتحديدا سنة 1142م، حيثُ قام روبيرتوس كاتانينسيس بأوّل ترجمة لاتينيّة كاملة للقرآن،[1] وزادت هذه الترجمة الّتي لاقت انتشارا واسعا منطلق ترجمات عديدة أخرى إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسيّة من اهتمام المستشرقين بدراسة القرآن وفهم مضامينه؛ غير أنّ هذه الفترة الّتي ستمتدّ إلى حدود أوائل القرن السادس عشر، وإن ارتبطت بالرغبة في الفهم، فقد كانت ذات طابع إيديولوجيّ محكوم بنوعيْن من الصراع: الأول عقائديّ مرتبط بالرفض المسيحيّ للإسلام ومضامينه، وبالتالي رفض نبيّه والكتاب الّذي جاء به، والثاني سياسيّ متعلّق بالحروب الصليبيّة والصراع الأوروبيّ العثمانيّ "في زمن هدّدت فيه الجيوش العثمانيّة وسط أوروبا، ووصلت إلى مشارف فيينّا"[2]، حتّـى إنّ القرآن التبس بالطابع العثماني للوجود الإسلامي، وسُمّي وقتها في التقبّل الأوروبي بـ "الكتاب المقدّس التركيّ" Die Türkische Bible، وهو ما يؤكّد خضوع التمثّل الاستشراقيّ للقرآن في هذه المرحلة إلى ظروف الصراع ومقتضيات التوظيف السياسيّ والدينيّ الّتـي لن تسلم منها الدّراسات الاستشراقيّة في مراحلها اللاحقة، وإن بطرائق مختلفة ومتفاوتة.
  2. المرحلة الثانية ترجعُ جذورها إلى أواخر القرن السادس عشر، حيثُ تأسست في أوروبا معاهد متخصّصة في الدراسات الاستشراقيّة في إيطاليا وألمانيا وإنجلترا وغيرها. وإذا كان من الممكن حدُّ نهاية هذه المرحلة بالنصف الأوّل من القرن العشرين، فإنّها تتطلّبُ شيئا من التدقيق المنهجيّ المتعلّق بالعوامل المرتبطة بها واتّجاهات التأليف فيها. وفي هذا الإطار، نرى أنّهُ من الضروريّ أن نسوق ثلاث ملاحظات رئيسة: الملاحظة الأولى تتعلّق بضرورة التمييـز الدّقيق في هذه المرحلة بين ثمار الجهود الفرديّة الّتـي قام بها الباحثون الأوروبيون حُبّا في التعرّف على الشرق ولغاته وحضاراته من ناحية، واقتـرانُ الاستشراق بالمشروع الاستعماريّ الأوروبيّ الّذي يوجّه نتائج البحث ويوظّفها خدمة لمصالحه. أمّا الملاحظة الثانية، فمفادها أنّ الاستشراق في هذه المرحلة سيستفيدُ من الإرث التنويريّ الأوروبيّ وحركات الإصلاح الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة، خاصّة مع نشوء المذهب الإنسانيّ Humanisme، وهو ما سيجعل من الأعمال الّتي يمكن إدراجها ضمن هذه المرحلة أكثـر موضوعيّة وأكثـر التصاقا بالمصادر الإسلاميّة، بل ومنسجمة مع بعض ما يردُ فيها، خاصّة فيما يتعلّق بصدق تجربة النبوّة المحمديّة والاعتـراف باستقلالية القرآن، باعتباره كتابا دينيّا فريدا، رُغم تركيز المستشرقين على مقارنته بالتراث الكتابيّ المسيح-يهوديّ والإشارة إلى عناصر التشابه الكبيـرة الّتي تقرّبه إلى كتب اليهود والمسيحيين. وقد افتتن في هذا الإطار، كثيـر من الباحثين والأدباء الأوروبّيين بثقافة الشرق عموما، وبلغة القرآن خاصّة، مثل جوزيف فون همر بروغشتال الّذي ربط "بين سحر لغة القرآن وطابعه الإلهـيّ"[3] أو غوته الّذي عُرف بتأثّره الكبيـر بالقرآن وبديوانه الغربيّ للشرق. أمّا الملاحظة الثالثة، فتتعلّق بالمنهج الّذي طغى على أهمّ الدّراسات الّتي كُتبت في هذه المرحلة، ويمكن أن نميّز في هذا المنهج بين ثلاثة مميّزات: الأوّل طيغان البحث اللغويّ والفيلولوجيّ على البحوث الاستشراقيّة وأساسا على المدرسة الألمانيّة؛ ذلكَ أنّ هاجسَ فهم الإسلام ارتبط بضرورة فهم لغته ومرجعيّاتها وطاقتها الاستعاريّة وعناصرها التكوينيّة. أمّا المميّزُ الثاني، فيتعلّق بهيمنة الرؤية التاريخيّة النقديّة عليها، ولم يكن منطلق هذه الرؤية في البداية دراسة الإسلام، بل دراسة الكتاب المقدّس بعديه القديم والجديد داخل حركة الإصلاح الدينيّ البروتستانتيّة واليهوديّة، لتتوسّع دائرة البحث وتشمل الإسلام ونصوصه التأسيسية، باعتباره مندرجا ضمن الدّيانات الساميّة، وهو ما سيقودنا إلى المميّز الثالث المرتبط بالمنهج المقارنيّ المعتمد في هذه الدّراسات والمرتبط بتناول الإسلام ونشوئه في سياقه اليهو – مسيحيّ لا من وجهة نظر تقلّل من قيمته مقارنة بالديانتين التوحيديّتين السابقتين له، وإنّما من وجهة نظر تموقعه داخل سياقه الحقيقيّ من الدّيانات الإبراهيميّة، وتبحث عن المُشترك الممكن الّذي وسم الرؤية الدينيّة للعالم من خلال هذه الديانات الثلاث. ولئن تحوّلت سمات التأثّر الإسلاميّ بما سبقه في بعض الدّراسات الاستشراقيّة اللاحقة إلى موضوع إيديولوجيّ وسياسيّ يقلّل من قيمة الإسلام وقيمة القرآن، فقد ظلّت في هذه المرحلة من الاستشراق الكلاسيكيّ موضوع بحث علميّ وتاريخيّ وأساس درس علم اجتماع الأديان والأديان المقارنة، وقد كان لهذه المرحلة فضل كبير على الثقافة العربية في تحقيق وترجمة عديد المخطوطات التراثيّة الّتي لم تكن لتصلنا لولاها.
  3. المرحلة الثالثة؛ يمكن أن نجد جذورها في بعض المؤلّفات المتفرقة الّتي كُتبت في المرحلة السابقة دون أن تنتمي كليًّا إلى الأسس المنهجيّة الّتـي قامت عليها، أو الفرضيّات البحثيّة الّتـي أُلّفَت في ضوئها، لكنّ ملامحها الكبـرى ستكتمل بداية من النصف الثاني من القرن العشرين إلى أيامنا الراهنة. ويمكن إدراج هذه المرحلة الأخيرة ضمن ما يُعرف بالاستشراق الأنجلوسكسونيّ الّذي أثار جدلا كبيـرًا في الأوساط الثقافيّة العربيّة وحتّى في الأوساط الغربيّة، يصل في بعض الأحيان إلى رفض مجلوبات هذا الاتجاه. وبغضّ النظر عن التهمة الرئيسة الّتي وسمت طبيعة التعامل مع هذا الاتجاه والمتعلّقة بغاياته الاستعماريّة التدميريّة والبُنى المعرفيّة المنغلقة الّتي يستندُ إليها في بناء تصوّراته – وقد ناقش إدوارد سعيد هذه المواضيع باستفاضة في كتاب "الاستشراق" - فإنّ ما يلفتُ الانتباه في هذه المرحلة أنّها وسّعت من دائرة البحث في الإسلام المبكّر من خلال بعض الفرضيّات التاريخيّة الّتي يمكن أن يقودنا إليها النقدُ الكتابيّ وإعادة النظر في المصادر المختلفة المتوفّرة عن هذه الفتـرة لا من زاوية التحقيق التاريخيّ، بل ما ناحية اعتبارها مادّة بحث أنثروبولوجيّ تظلّ الاستنتاجات الّتـي يمكن استخراجها منها رهينة مدى إخضاعها إلى معايير العلميّة وما توصّلت إليه العلوم التاريخيّة والإنسانيّة الحديثة من نتائج يتقاطعُ فيها الدينيّ مع الكتابي والأسطوريّ والتاريخيّ والأركيولوجيّ والمعرفيّ والثقافي. وإذا حاولنا تخليص الكتابات الأنغلوسكسونيّة من بعض استنتاجاتها ومضامينها الإيديولوجيّة الّتي تتعلّق بالضرورة بظرفيّات إنتاجها، يمكن أن نستخرجَ بعض ملامحها المعرفيّة المفيدة وأهمّها تجاوز النظر في التاريخ الحدثيّ إلى النّظر في البُنى المعرفيّة والابستيميّة الّتي حدّدت تحوّل تمثّل المسلمين لتاريخهم من دائرة "ما وقع فعلا"، إلى دائرة "ما تخيّل المسلمون أنّهُ وقع أو ما أرادوا لهُ أن يقع"[4] على حدّ عبارة فْرادْ دُونّرْ (أستاذ تاريخ الشرق الأوسط والإسلاميّات في جامعة شيكاغو). وهذا التمثّل لا يتعلّق فقط بالشحنة الرمزيّة الإيمانيّة الّتـي قد تضفيها السرديّات الإسلاميّة على شخصيّة النبـيّ وتجربتها فحسب، بل يتجاوز ذلك نحو اندراجه ضمن مشروع ثقافيّ أكبـر تشكّلت أهمّ ملامحه في فتـرة التدوين الّتي يؤرّخ بعض الباحثين بدايتها بـ 127ه. وقد ساهم هذا التحوّل المنهجيّ الكبيـر في التعامل مع مصادر نشأة الإسلام وتكوّنه في تجاوز بعض البحوث السابقة الّتي كان همّها مرتبطا بما نسمّيه "التبرير التاريخيّ للإيمان"؛ أي بالبحث عن كلّ ما يمكن أن يشذّب السرديّة الإسلاميّة، لتُصبحَ متلائمة مع إيمان عصريّ وحديث وعلماني في بعض الأحيان.

تمثّل هذه المراحل إذن، المحطّات الكُبـرى الّتي وسمت تعامل الاستشراق مع الإسلام عموما، ومع القرآن خاصّة، لكنّها على أهميتها في بناء رؤية تأليفيّة لمسارات التأليف الاستشراقيّ تظلّ مقيمة داخل هاجس التحقيب التاريخيّ، وهو ما يستوجبُ مزيدًا من التدقيق في الرؤى الرئيسة والتوجّهات المعرفيّة الّتي رسمت ملامحها، والّتي يمكن حصرُها في توجّهيْن كبيـريْن تتقاطع فيهما المراحلُ الثلاث تقريبا، وإن بطرائق مختلفة:

v   توجّهٌ يبحثُ في النصّ وفي السياق، وينظر إلى القرآن في ضوء نصوص السيرة والحديث مركّزا على بعض المسائل مثل ظروف الوحي وسياقات جمع القرآن والطرائق المنهجيّة في ممكنات تمييـز المكيّ والمدنيّ منه. ويمكن أن ندرج ضمن هذا التوجّه البحوث والدّراسات الّتي أنتجتها المدرسة الألمانيّة أساسا، وخاصّة أعمال غوستاف فايل (1844) وثيودور نولدكه (1860) وفريديريك شفالي، مع إمكانيّة الإشارة في المستوى الفرنسيّ إلى محاولة ريجيس بلاشير في إعادة ترتيب آيات القرآن (1959).

v   توجّه يبحثُ في البُنى المعرفيّة المنتجة للنصّ باعتباره تمثّلا للسياق، وقد ركّز على مشكلات الحقيقة التاريخيّة المتعلّقة بالإسلام مهتمّا أساسا بدراسة سياقه اليهو - مسيحيّ، ويمكن اعتبار دراسة أبراهام غايغر (1833) "ماذا أخذ محمّد من اليهوديّة؟"Was hat Mohammed aus dem Judenthume aufgenommen ?، من أوّل الدّراسات الّتـي اهتمّت بالإسلام من هذا المنظور، ثمّ يأتي إ. غولدتسيهير في "الدراسات المحمّديّة" (1890) لتنتقل نظرة الاستشراق التاريخيّة النقديّة إلى القرآن من البحث في مرجعيّاته إلى النظر في الفرضيّات التكوينيّة للنصوص المرجعيّة الإسلاميّة، بما في ذلك النصّ القرآني، وسيمثّل جون وانسبرو بكتابيْه "دراسات قرآنيّة" (1977) و"الوسط السكتريّ" (1978)، نقطة التحوّل الرئيسة في الدّراسات الاستشراقيّة وحلقة الربط بين التوجّهين؛ أي بين مجلوبات المدرسة الألمانيّة والدّراسات اللاحقة الّتي ستثير جدلا مشابها للجدل الّذي أثاره وانسبرو في الأوساط الأكاديميّة، ونقصد بذلك كتابات باتريسيا كروان ومايكل كوك وأندريو ريبّين وجيرالد هاوتينغ وكريستوف لكسمبورغ وغيرهم.

ولئن حظي التوجّه الأوّل باهتمام كبيـر في المشروع النقديّ العربيّ مؤثّرا في بعض أطروحاته، فقد ظلّ التوجّهُ الثاني - باستثناء بعض الدّراسات القليلة - شبه غائب، ولم يُتـرجم من الأعمال المندرجة في إطاره سوى بعض المقالات المتعلّقة بالملامح العامة لهذه الأعمال، أو بعض الدّراسات المتفرّقة لأصحابها، وإذا أمكن تسويغ هذا الغياب بالنسبة إلى الكتابات المنشورة في السنوات القليلة الأخيـرة بضعف حركة الترجمة العربية، فإنّ غياب ترجمات لأعمال غايغر وغولدتسهير ووانسبرو وغيـرهم قابل للتفسير، باعتبار "تطرّف" الأطروحات الّتـي يقترحها هذا الاتجاه وخطورة الفرضيّات الّتي يناقشها، والّتي قد تتناقض مع بعض التصوّرات المستقرّة في التـراث الإسلاميّ وحتّـى في المشروع النقديّ العربيّ، على الرغم من إمكانيّة أن تكون زعزعة هذه التصوّرات مفيدة لهذا المشروع. ويعتبر "دراسات قرآنيّة" للمؤرّخ الأمريكي جون وانسبرو John Wansbrough من الكتب الّتي ينطبق عليها هذا الأمر أكثر من غيرها. لذلك، ارتأينا الاهتمام به قصد تبيّن أهمّ الفرضيّات البحثيّة الّتي تأسّس عليها، والمرجعيّات المعرفيّة والمنهجيّة الّتي اعتمدها، والاستنتاجات الّتي وصل إليها.

             I.     الإطارُ النظريُّ العام لـ "دراسات قرآنيّة": الإسلام والنقد التاريخيّ

لئن اهتمّت الدّراسات الإسلاميّة النقديّة الّتـي سبقت ج. وانسبرو بالتجربة النبويّة باحثة في تاريخيّتها والظروف الّتي حفّت بها ناظرة في تجربة محمّد الإيمانيّة (الوحي) والتبشيريّة (الدعوة) والسياسيّة (المدينة)، فإنّ أطروحة صاحب "دراسات قرآنيّة" - وإن استفادت من مُجمل البحوث السابقة - تتأسّس على مجموعة من الإشكالات التاريخيّة والفرضيّات البحثيّة الّتي يُمكن أن نُجملها في ثلاثة عناصر كبـرى:

- أوّلا، أنّ الاستنتاجات الّتـي وصلت إليها البحوث الفيلولوجيّة والمقارنيّة، والّتي تؤكّد استفادة الإسلام من الإرث اليهوديّ والمسيحيّ الّذي سبقه وعدم قطيعته التّامة مع هذا الإرث، حتّـى وإن كانت منسـجمة مع السرديّة الدينيّة الّتي تعتبـر محمّدًا خاتم الأنبياء والمرسلين، وتعتبـر الإسلام التتويج التيولوجيّ للديانات التوحيديّة، فإنّها يمكن أن تمثل مدخلا لدى المهتمّ بمشكلات الحقيقة التاريخيّة، للتفكيـر في فرضيّات جديدة أساسها إمكانيّة الاستفادة المباشرة من النصوص التراثية المسيح – يهوديّة والتأثّر بها ومحاكاتها وتطويرها، باعتبارها ممكنًا بشريّا لا وحيًا منـزّلا.

- ثانيا، أنّ ما توصّلت إليه البحوث حول طبيعة الكتابة التاريخيّة الإسلاميّة تؤكّد أنّ هذه الكتابة تتميّـز بأمرين رئيسيْن: بمُمَاسفتها لتاريخ وقوع الأحداث بأكثر من قرن من ناحية، وبتأسّس سرديّتها على معطيات ميثيّة تقوّي طابعها الرمزيّ والإيمانيّ على حساب طابعها التاريخيّ من ناحية أخرى؛ وقد يؤدّي هذا الإقرار إلى إمكان إدراج نصوص السيرة وغيرها من السرديّات التراثيّة ضمن "ما تخيّل المسلمون أنّهُ وقع أو ما أراد له المسلمون أن يقع"، لا ما وقع فعلا.

-  ثالثا: أنّ مُشكل الحقيقة التاريخيّة في ضوء المستويين السابقيْن؛ أيْ في ضوء ما يمكن أن يصل إليه البحث اعتمادا على دراسة المرجعيّات التيولوجية للإسلام من ناحية، ودراسة المسارات التكوينيّة للخطاب الإسلاميّ في ضوء هذه المرجعيّات من ناحية أخرى، قد يسوّغ أنْ يكون الإقرارُ بتشكّل الخطاب التراثيّ الإسلاميّ واستقراره على امتداد قرنين من الزمن (فتـرة التدوين)، مدخلا للإقرار بإمكانيّة أن تأخذ جميع النصوص التأسيسيّة هذه المُدّة لتستقرّ على الحال الّذي وصلت به إلينا، بما في ذلك النصّ القرآني.

ولمّا كان الإثباتُ المُباشر للفرضيّة الأخيـرة شبه مستحيل من خلال ما تقدّمهُ المصادرُ الإسلاميّة نظرًا لطبيعتها الإنشائيّة، أو من خلال ما يُقدّمهُ القرآن نفسه نظرًا لقلّة الإحالات التاريخيّة الّتـي قد نعثـر عليها داخله في دائرة ما يمكن أن نسمّيه "الميتا - قرآن" (أي في دائرة ما يقوله القرآن عن نفسه وعن تاريخه)، كان على صاحب "دراسات قرآنيّة" البحث في فرضيّته في مساريْن رئيسيْن: الأوّل يرتبط ببناء البحث على جهاز مفاهيميّ يتناسبُ مع الفرضيّة الّتي يقترحها، ويهتمُّ بظاهرة النبوّة ومُشكلات الوحي ومسار انتقاله من الشفويّ إلى المكتوب وعناصره التكوينيّة وكيفيّات تمثّله من قبل المسلمين؛ والثاني يتعلّق بالاستفادة من بعض المصادر غيـر الإسلاميّة المعاصرة لزمن النبـيّ وزمن التدوين، وخاصّة ما يندرج منها ضمن التـراث اليهوديّ المسيحيّ والإرث الكتابيّ (Biblique) الإبراهيميّ، وتبيّن أثره الممكن في التفاسير الإسلاميّة. وسنحاول في العنصريْن اللاحقيْن التوسّع في المساريْن المذكوريْن.

          II.     "دراسات قرآنيّة": من مشكلات الوحي إلى مرجعيّات التفسيـر

مثّل المبعثُ في سرديّات السيرة النبويّة نقطة الارتكاز الّتي انعقدت عليها بقيّة العناصر المكوّنة لسيرة نبيّ الإسلام، وقد لا نبالغ إذا قُلنا إنّ كلّ ما يردُ في السيرة بمختلف تنويعاتها قبل المبعث وبعدهُ، إنّما هو متنزّلُ في إطار التمهيد للمبعث أو التقرير لما سينجرّ عليه من تحوّلات في شبه الجزيرة العربيّة زمنَ النبوّة المحمّديّة. ويُعتبـرُ الوحي في الوعي الجمعيّ الإسلاميّ حدثًا تأسيسيًّا تستندُ إليه نظريّة النبوّة الّتي تموقعُ رسول الإسلام في الخطّ الإبراهيميّ في بداية الأمر، ثمّ تحوّلهُ إلى خاتم الأنبياء، بل إلى مركز وأصل يجعل من بقيّة الأديان مُجرّد توابع ينحصر دورها في التمهيد لنبوّته الّتـي حاول السابقون طمسها وتحريفها والتغطية عليها، ليُصبحَ اللاحقُ في الوعي الإسلاميّ سابقًا بالقوّة، بل وأصلا يستحيل معهُ السابق متماهيًا معهُ شكلا ومضمونا: "وما كانَ إبراهيمُ يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مُسلِمًا وما كان من المُشركين" (آل عمران، 67).

غيـرَ أنّ تدقيق النظر في هذا التحوّل من التموقع أو البحث عن موقع داخل الخطّ الإبراهيميّ إلى الاستقلال عنه وبناء الخصوصيّة الإسلاميّة، قد يتعالق مع النظر في التحوّلات الطارئة على خطاب الوحي وفق خصوصيّة الظرف الّذي يتنزّل فيه، وفي ضوء وظيفتيْن مزدوجتيْن يضطلع بهما باعتباره ختمًا لمناسبات تدخّل القوّة الإلهيّة في التاريخ: تبيان مضمون الرّسالة من ناحية، ويُمكنُ أن تُدرج هذه الوظيفة ضمن مجال العقيدة أو الإيمان، والردّ على الخصُوم من ناحية أخرى، ويمكنُ أن يُدرج ضمن مجال التاريخ، أو تفاعل الوحي مع محيط الرسالة في مسارات افتكاك الاعتراف بها. وإن لم تقتصر مكوّنات خطاب القرآن لاحقا على هاتيْن الوظيفتيْن، فإنّهما تمثّلان الخصيصتان الرئيستان والممتزجتان لبدايات الوحي، باعتبار ما يقتضيه الردُّ على الخصوم من بيان لمضمون العقيدة.

وعلى هذا الأساس، انطلقت فرضيّات وانسبرو التاريخيّة، من التمييـز بين نوعيْن من القرآن: القرآن قبل أن يستوي على الهيئة الّتـي وصلنا بها، أو القرآن ما قبل الكتابي Pre-canonical Quran ويتعالق هذا القرآن مباشرة مع البحث في قضايا الوحي والنبوّة والطابع الشفويّ للخطاب الّذي يبنيانه، والقرآن الكتابيّ؛ أي كما سيستقرُّ لاحقا في عمليّة انتقاله إلى التدوين أوّلا، ثُمّ جمعه في كتابٍ واحدٍ جامعٍ ومانعٍ.

ويُرجّحُ وانسبرو في هذا الإطار، أنّ القرآن ما قبل الكتابيّ وُجِدَ في شكل نوع من الإنشائيّة النبويّة Prophetic logia[5] أو القول النبويّ الّذي بنى خطابهُ في ضوء المشترك التيولوجيّ العربيّ القديم الوثنيّ وخاصّة اليهو – مسيحيّ، ويستندُ وانسبرو في هذه الفكرة إلى معاينة تنطلق من النصّ القرآني ذاته ومفادها تكرار إيراد قصص الأنبياء نفسها في مواضع مختلفة من القرآن، مع اختلاف في الطول والقصر، وتنوّع في المعجم الّذي تردُ به، فـ "التكرار والتناقضات الواضحة في القرآن، يدلّان على أنّ هذه الإنشائيّة [قد ترسّخت] مُكتسبةً نوعًا من الشرعيّة لدى مختلف الفئات سابقة لـتقديس القرآن [والشرعيّة الّتي اكتسبها لاحقا]"[6]. وعلى هذا الأساس، بالنسبة إلى وانسبرو لا وجود لقرآن مقدّس ومكتمل زمن نبوّة محمّد، وانعدامُ وجود هذا القرآن، لا يتعلّق بالمدّة الزمنيّة الّتي تطلّبها نزول الوحي على مراحل مختلفة، باعتبار أنّنا يمكن أن نقول إنّ القرآن زمن النبوّة مشروع مفتوح لا يكتمل إلّا مع اكتمال الرسّالة وانتشار الدعوة، بل يؤسّسُ لفرضيّة أخرى تموقع هذا المشروع في مسار تشكّل حركة التدوين العربيّة الّتي وإن اعتبر بعض الدّارسين انطلاقها الرسميّ سنة 127ه، فإنّ ملامحها التكوينيّة يمكن أن تمتدّ على القرن الهجريّ الأوّل أيضا. ولمّا كان التمثّل الإسلاميّ المبكّر للقرآن مُرتبطًا بالتفسيـر من ناحية، وببداية تشكّل الوعي الفقهـي الإسلاميّ من ناحية أخرى، فإنّ الهيئة الّتي سيستقرّ عليها القرآن لاحقا، ستكون نتاجًا لهذا التمثّل، ولا يعني ذلك بالنسبة إلى وانسبرو أنّ التفسير لاحق للهيئة الّتي استقرّ عليها الكتاب، بقدر ما يؤسّس لرؤية يكون فيها التفسير جزءًا من عمليّة صياغة هذه الهيئة، بل وأساسا لها. وعليه، لا ينحصرُ معنى التدوين - وفق هذا المنظور - في الكتابة في حدودها الإيتيمولوجيّة الضيّقة (كتابة بعض الآيات أو السور زمن الرسول، أو كتابة القرآن من أفواه حفّاظه ومسار جمعه المعروف في السرديّات الإسلاميّة)، بل يشملُ التحوّل من الشفويّ إلى المكتوب ومُجمل الإشكالات الّتي يمكن أن يطرحها، والتحوّل من البُنى المعرفيّة الّتي تميّز العقل الشفويّ إلى البُنى المعرفيّة المرتبطة بالعقل الكتابي، ممّا يجعل التدوين عمليّة واعية لا تقتصرُ على جمع موجودٍ أو التأليف بين عناصره، بل تتجاوز ذلك نحو البحث عن منطقها الخاصّ، وانسجام عناصر الخطاب المكوّنة لها، بطريقة تجعلُ من المتقبّل (المفسّر / المدوّن) مساهما في صياغة خطاب الرّسالة خاصّة بعد أن ترك المُرسِلُ المجال مفتوحا لذلك[7]. ولمّا كان الخطابُ الفقهيّ الإسلاميّ مرتبطًا ارتباطا أساسيّا بالقرآن والإحالة عليه في تثبيت العقيدة أو استنباط الأحكام الشرعيّة، دعّمُ صاحب "دراسات قرآنيّة" فرضيّة تأخّر استقرار القرآن على الهيئة الّتي وصلنا بها، بما صار يُعرفُ في الوسط الاستشراقيّ الأنغلوسكسونيّ الّذي تناول أطروحة وانسبرو تأثّرًا ونقدًا، بـ"حُجّة الصّمتِ عن" Argumentum a silentio الّتـي اجترحها من اللاتينيّة، ليستدلّ بها على قلّةٍ تصل حدّ الانعدام في الإحالات والاستدلالات القرآنيّة في كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة النّعمان (ت 150هـ) الّذي يُعتبـر من الكتب الأساسيّة الّتي نتبيّنُ فيها تمثّل الفقهاء في هذه المرحلة للملامح الرئيسة للعقيدة الإسلاميّة الّتي يتطلّبُ الاستدلال عليها الانطلاق من القرآن والرجوع إليه. وعلى هذا الأساس، يكون انعدام المرجعيّة القرآنيّة أو الصمت عنهُ في هذا الكتاب الأساسيّ في الفقه مدخلا لافتراض أنّ القرآن في هذه الفتـرة لم يكن قد اكتمل على هيأته النهائيّة وغيـر القابلة لأيّ تعديل إضافي ne varieture status[8]. وبالتالي، لم يكن يكتسي من الأهميّة والتقديس ما سيكتسبهُ من أهميّة وتقديس لاحقيْـن.

ولا تتعلّق الاستنتاجات الّتي يمكن أن تترتّب عن هذه المعاينة بالمسار التكوينيّ للقرآن فحسب، بل تتجاوز ذلك نحو اعتبار الفقه سابقا للقرآن، إن لم نقُل مساهما في صياغته بطريقة تجعلُ حتّـى من الاحتجاج بآيات منه في كتب الفقه اللاحقة خاضعة لما تمليه الرؤية الفقهيّة ومسار الاستدلال فيها. وبعبارة أخرى، يمكن القول وفقا لهذا المنظور أنّ الكتابة الفقهيّة اللاحقة تنطلقُ من القضيّة الفقهيّة أولا، ثمّ تبحث عمّا يتناسب في القرآن معها، لا العكس. وبغضّ النظر عن تشعّب قضيّة الاستدلال القرآني في التراث الفقهي الإسلاميّ وما تحتاجه من تدقيق لا يتّسعُ له مقامنا هذا، فإنّ الحاصل من تتبّع وانسبرو للمسار التكوينيّ للقرآن في ضوء مجمل الفرضيّات الّتي أشرنا إليها هو التالي:

- أوّلا أنّ تطبيق النقد التاريخيّ على القرآن من خلال مختلف المصادر المتوفّرة يكشف أنّ القرآن لم يستوِ على الهيئة الّتي وصلنا بها لا في زمن النبوّة المحمّديّة، ولا حتّى منتصف القرن الثاني للهجرة.

- ثانيا، أنّ خطاب القرآن (الكتاب) مختلف عن خطاب الوحي الأوّل، باعتبار أنّ هذا الوحي مندرج ضمن ما سمّاه بالإنشائيّة النبويّة أو القول النبويّ المتنزّل داخل المشترك التيولوجي اليهو - مسيحي، حتّـى وإن رجّحنا أنّ هذه الإنشائيّة ستمثّل المكوّن الجنيني لخطاب القرآن كما سيستقرّ لاحقا.

-  ثالثا، أنّ أسبقيّة التفسير والفقه على استواء هيئة القرآن / الكتاب، يدعّمُ فاعليّة التفسير في صياغة خطاب الكتاب.

- رابعا، أنّ التفسير لم ينطلق من لاشيء، بل استند إلى التفاسير اليهو - مسيحيّة (الهاجاديّة والهالاخيّة والماسورتيّة) والمرجعيّات الأليغوريّة المشتركة في الديانات الإبراهيميّة، لتساهم هذه المرجعيّات في سدّ الفراغات الّتي تركها الوحي في مسار انتقاله من الشفوي إلى المكتوب.

وعلى هذا الأساس، يبدو من المستحيل بالنسبة إلى وانسبرو أن تكون الهيئة الّتي استقرّ عليها القرآن كما وصلنا "قد سبقت الاعتـراف بسلطة القرآن [الكتاب] داخل المجتمع الإسلاميّ، وزمنيًّا لا يمكن تأكيد أن تحيل مدوّنة التراث العربيّ على وجود الكتاب قبل القرن الثالث هجريًّا".[9]

      III.     القرآن ومشروع التدوين العربي الإسلاميّ: الجدل الاستشراقيّ حول الفرضيّات الوانسبرويّة:

أثارت أطروحات وانسبرو في "دراسات قرآنيّة" جدلا كبيرا لم يتعلّق فقط بصعوبة تقبّل الوجدان الإسلاميّ لأفكاره الّتي تخلخل الأساس التراثيّ لسرديّات الإسلام المبكّر، بل شمل الوسط الاستشراقيّ نفسهُ نظرا للاستتباعات الّتي يمكن أن تترتّب عن القبول بها، والّتي يمكن أن نُجملها في النقاط التالية:

- أولا، أنّ أيّ ربط بين القرآن ونبيّ الإسلام سيبدو مستحيلا؛ لأنّهُ وفق هذا التصوّر لا يمكن اعتبار القرآن محمّديًّا ولا في زمن محمّد ولا حتّى في شبه الجزيرة العربيّة.

- ثانيا، أنّ أغلب الأعمال المتعلّقة بما يطرحه القرآن من قضايا مثل الناسـخ والمنسوخ، أو بالمكيّ والمدنيّ منهُ ستصبحُ عديمة الجدوى، باعتبار ارتباطها بحدث الهجرة أي بزمن النبوّة المحمّدية التي لم تكتمل فيها الهيئة النهائية للقرآن.

- ثالثا، أنّ كلّ الأعمال الإسلاميّة والاستشراقية (نولدكه، شفالي، وات، وغيـرهم) الّتـي اهتمت بمراحل النزول وتاريخيّة الوحي والترتيب الزمنيّ والتاريخيّ لآيات القرآن، ستصبحُ لاغية.[10]

وقد لخّص هارالد موتسكي الخطورة الّتي يمكن أن تمثّلها الأطروحة الوانسبرويّة على مسار البحث في الإسلام المبكّر قائلا: "في حال قُبلت نظريّة وانسبرو، لا توجد أيّ طريقة لإثبات أيّ شيء من الوحي أو من محمّد التاريخي من خلال القرآن أو السيرة أو التفسير أو الحديث. وسيستحيل النظر [في إمكان وجود] حقائق تاريخيّة داخل هذا النوّع من المصادر، عمليّة بحث لا معنى لها."[11] ولئن اندرج هذا الرأي ضمن تقرير الاستتباعات المترتّبة عن استنتاجات وانسبرو، فإنّ بعض الكتابات الاستشراقيّة الأخرى ناقشت المفاهيم الرئيسة الّتي استندَ إليها صاحب "دراسات قرآنيّة"، إذ اعتبر فْريدْ دونَرْ مثلا أنّ مصطلح القول النبويّ Prophetic Logia، إلى جانب غموضه الاصطلاحيّ وصعوبة الاعتماد عليه مفهوميّا في مقاربة ظاهرة النبوّة، فإنّهُ أقربَ إلى الحديث منهُ إلى القرآن[12]. أمّا تشارلز آدامز، فناقش "حجّة الصمت عن" الّتي فصّلنا الحديث عنها آنفا، معتبرا أنّ خلوّ "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة من الإحالات القرآنيّة مرتبط بتنزّله في سياق جداليّ وفرقيّ مثّل فيه أبو حنيفة توجّهَ السُنّة والجماعة في الردّ على الخوارج، فلم تكن غاية الكتاب الأساسيّة الإحالة على القرآن أو تثبيت ما جاء فيه، بل الانخراط في مناقشة القضايا التيولوجيّة الّتـي تطلحها الجماعة وتثبيت الرؤية الفقهيّة السنيّة وردّ المقولات المخالفة لها عنها. وعلى هذا الأساس، فإن خلوّ هذا الكتاب من الإحالات القرآنيّة لا يمكن بالضرورة أن ينفي وجود قرآن مكتمل في هذه الفتـرة.[13] وإلى جانب ذلك، أشار بعض الدّارسين الآخرين الّذين ناقشوا أطروحات وانسبرو مثل أنجليكا نورويث إلى وجود كتب فقهيّة أخرى تُنسب إلى أبي حنيفة النّعمان وإلى غيـره ممّن عاصره من الفقهاء مثل الحسن بن محمّد بن الحنفيّة (ت 100 هـ)، وتحتوي على إحالات قرآنيّة كثيـرة تُنسّب، بل وتكاد تنفي ما ذهب إليه وانسبرو.[14]

ومهما يكُن من أمر هذه المناقشات الّتي تتواصل في الوسط الاستشراقيّ إلى وقتنا الراهن، فإنّ أغلبها يركّز على المضامين والاستنتاجات وبعض المفاهيم الّتي اعتمدها وانسبرو في بناء أطروحته، غيـر أنّ مدقّقَ النظر في هذه الأطروحة، يرى أنّ أهميّتها والجدل الكبير الّذي أثارتهُ لا يتعلّق بخطورة ما وصلت إليه من استنتاجات قد تزعزع مشروع الإيمان الإسلاميّ، وتنفي أغلب الارث الاستشراقيّ الكلاسيكيّ فحسب، بل تشملُ المنهج الّذي انتظمت وفقهُ واستندت إليه ووصلت من خلاله إلى مجموعة من الفرضيّات الّتي تنطوي على حدّ من المعقوليّة قد يجعل منها منطلقا لاستنتاجات أخرى تضعُ بعين الاعتبار موقع الإسلام في سياقه اليهو – مسيحيّ وتعيده إلى مكانه الطبيعي داخل الإرث الإبراهيميّ وداخل مقولات الجدل الّتي تحكمُ تاريخ الأديان وتطوّرها وتفاعلها، بالطريقة الّتي تجعلهُ مشروعًا قادرا على استيعاب الآخر، بل ونابعا منهُ ومن تُراثه ومن بعض تصوّراته، لا مشروعًا منغلقًا يؤسّس لخصوصيّته من خلال نسخ ما سبقهُ والاعتقاد في أصليّته بالطريقة الّتـي تجعل من بقيّة الأديان مجرّد عناصر تابعة لهُ، لا قيمة لها دونهُ، ولا وظيفيّة لوجودها لولاه.

 

 

خاتمة

إنّ أهمّ ما يبقى من "دراسات قرآنيّة" لجون وانسبرو هُو حسّهُ النقديّ وقدرته على خلق مسارات بحث جديدة قد تدفع نحو إعادة النظر في التّراث الإسلاميّ ونصوصه التأسيسيّة كلّها، ولئن أرجع وانسبرو كلّ ما يتعلّق بهذا التراث إلى فتـرة التدوين الّتي لا يختلف اثنان في أهميّته ومرجعيّتها، فإنّ ذلك متنـزّل ضمن تمثّله للتحوّل التاريخيّ النوعيّ الّذي ترتّب عن هذه الفتـرة في الثقافة العربيّة الإسلاميّة. وإذا كان من الممكن تنسيب القول بصناعة القرآن من قبل المفسّرين والفقهاء في هذه الفترة، فإنّ ذلك لا ينفي أهميّة بعض العناصر الّتي تتضمّنها هذه الرؤية والّتـي قد نعثـر من خلال قراءة نقديّة للتـراث الإسلامي على ما يُسوّغ صحّتها. وإذا ما أردنا الاختزال، أجملنا هذه العناصر في معطييْن رئيسيْن:

- الأوّل، إعادة الاعتبار لفرضيّة الجماعة المؤمنة؛ أي لمساهمة هذه الجماعة في تثبيت أركان العقيدة وصياغة الخطاب الدينيّ الإسلاميّ، كما هو شأن الجماعات السابقة المسيحيّة واليهوديّة. فإذا كان القرآن معجزة محمّد، فإنّهُ لا قيمة لهذه المعجزة دون مَنْ يؤمن بها؛ أي دون من يحوّلها إلى قوّة في التاريخ.

- الثاني، إعادة الاعتبار للتـراث الكتابي اليهوديّ والمسيحيّ وإثبات دوره الحيويّ في صياغة الخطاب الدينيّ الإسلاميّ، ولئن اقتصر وانسبرو مراعاة لانضباطه المنهجيّ على المرجعيّات التفسيريّة اليهو – مسيحيّة الّتي اعتمدها المفسّرون لاحقا في بناء خطاب القرآن، فإنّ الجدل الإسلاميّ اليهوديّ يشملُ زمن النبوّة المحمّديّة، بل وكان الخطاب القرآنيّ مندرجا في كثير من الأحيان داخل أفق هذا الجدل.[15]

ولا يمكن لأيّة رؤيّة نقديّة موضوعيّة أن تنكر هذيْن المعطيين الّذيْن تشكّل وفقهما الإسلامُ زمن النبوّة المحمّديّة وبعدها. وإذا سلّمنا بوجود الوحي محفوظا ومكتوبا في الزمن المحمّديّ، فإنّ تحوّل الوحي من هذا المستوى إلى مستوى النصّ الّذي ينطوي على حدّ أدنى من المنطق والخطاب الّذي ينطوي على حدّ أدنى من الانسجام تطلّب سيرورة تاريخيّة حدّدت ملامح صيرورة القرآن الّتي حكمتها تاريخيّته زمن النبوّة وتاريخيّة سياقه زمن استوائه على الهيئة الّتي وصلنا بها. لذلك، لا يجبُ - حسب رأينا - أن يتحوّل رفض استنتاجات النظريّة الوانسبريّة حول القرآن إلى مدخَلٍ لرفض كلّ مجلوبات المدرسة النقديّة التاريخيّة؛ لأنّ أمرًا مُشابها قد يؤدّي إلى تطرّف عكسيّ يعيد إنتاج المقولات الفقهيّة القديمة ويكرّسُ رؤية تراثيّة ولاتاريخيّة للإسلام ولمساره التكوينيّ. وليست الرؤية التراثيّة المنغلقة الّتـي تُخرج الإسلام من الإرث الإبراهيميّ، لتجعلهُ مركزًا لا قيمة لسواه، سوى المعادل الموضوعي للرؤية الأنغلوسكسونيّة الّتي تُخرج الإسلام من الإرث الإبراهيميّ لتجعلهُ هامشا لا قيمة لهُ مقارنة بسواه.

[1] تيودور نولدكه: تاريخ القرآن، ترجمة جورج تامر، دار الجمل، ألمانيا، 2008، صVIII

[2] المرجع نفسه، صIX                                                                     

[3] المرجع نفسه، صX

[4] Fred Donner : How Islam Began, Lecture delivered at the University of Chicago on August 4, 2011. “There is always a question of is this what happened or is this just what the people 200 years later wanted us to think happened.

[5] هذا المصطلح من وضع وانسبرو نفسه، وقد أنشأهُ للتدلال على التراث التيولوجيّ العربيّ، سواء تعلّق ذلك بالتراث الوثنيّ أو بالتراث اليهوديّ المسيحيّ، وكيفيّة مساهمة هذا التـراث في بناء إنشائيّة الخطاب الدينيّ زمن النبوّة المحمّديّة؛ أي القوانين اللغويّة والمعجميّة والمضمونيّة الّتي تجعلُ من الخطاب الدينيّ دينيًّا. وتعني Logia ذات الأصل الإغريقيّ في الاستعمال المسيحيّ القول الإلهيّ الّذي يُنسبُ إلى المسيح عموما، والقول الإلهيّ الّذي يُنسبُ إلى المسيح دون أن يكون مطابقا لما يردُ على لسانه في الكتاب المقدّس. وقد اخترنا إدراج "الإنشائيّة" (الّتي لا نستعملها هنا بالمعنى الدقيق الّذي استعمله بها البعض في ترجمة كتاب أرسطو المعروف La Poétique) ضمن إمكانات ترجمة Logia، للدلالات الّتي يمكن أن تحيل عليها هذه الكلمة في علاقةٍ بالمُشترك التيولوجيّ الّذي يؤكّدُ وانسبرو فاعليّتهُ في تحديد ملامح الخطاب الدينيّ زمن النبوّة المحمّديّة. وفي هذه الحالة، تكون لفظة "قول" مكتفية بالإحالة على شفويّة الخطاب دون أن تستوعب بالضرورة مواضعاته الإنشائيّة الّتي استقرّت في الوعي الدينيّ ما قبل الإسلاميّ.

[6] Wansbrough, Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation, p.p. 50-51. “The repetitions and apparent contradictions within the Quran indicate that the logia achieved a measure of canonicity in several communities prior to the canonization of the Quran”.

[7] مفكّرين في فرضيّات وانسبرو، نشير في السياق ذاته إلى ما يمكن أن يطرحهُ عدم تفكير الرّسول في جمع القرآن وعدم إقدامه على ذلك من مشكلات. ولئن بررت السرديات الإسلاميّة عدم الجمع بترقّب الرسول للوحي إلى آخر حياته بطريقة تجبره على تعديل ما رتّبه وجمعهُ مع كلّ آية جديدة قد تنزل عليه، فإنّ ما تقدّمهُ السرديّات ذاتها لا يتناسب كثيرا مع هذه الفكرة، ومرجع النظر في ذلك عندنا، أنّ الآيات الّتي كانت تنـزلُ على الرسول وقتها كانت تُكتبُ على الرّقاع (الجلود) واللّخاف (الحجارة الرقيقة) والعسب (جريد النخل)، وعن زيد بن ثابت قال: "كُنَّا عِنْدَ رَسُوْلِ الله نُؤَلِّفُ القُرْآنَ مِنَ الرِّقاعِ" (رواه الترمذي)، وبغضّ النظر عن الممكنات التأويليّة للفظة "نؤلّف" في هذا السياق، فإنّ الإمكانيّات المتوفّرة لكتابة ما ينزل من القرآن لم تكن تتجاوز ما تتيحه بيئة شبه الجزيرة العربيّة، لذلك فإن عدم جمع القرآن في زمن الرسول، وإن سوّغهُ عدم اكتمال الرسالة، فإننا نرجّحُ أنّ ما كُتب منه زمن الرسول وفقا لهذه الإمكانيّات أقل بكثير ممّا استوى عليه لاحقا، خاصّة وأنّ الجمع في الوعي الإسلاميّ المبكّر كان يدلّ على معنيين الأوّل حفظه في الصدور، والثاني كتابته. وإذا ما رجّحنا طغيان الأوّل مقارنة بالثاني تصبح بعض الروايات الّتي تقول مثلا بكتابة سورة كاملة في ليلة واحدة بالإمكانيّات الّتي أشرنا إليها، لا معنى لها كأن يقول ابن عباس مثلا عن سورة الأنعام المتكونة من 165 آية: "هِيَ مَكِيَّة، نَزَلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، نَزَلَتْ لَيْلَاً، وَكَتَبُوْهَا مِنْ لَيْلَتِهِمْ" (أورده ابن الجوزي في زاد الميسر). إلى جانب ذلك، يمكن أن تكون بعض الآيات القرآنيّة نفسها، مدخلا لمناقشة المسار التكوينيّ للقرآن سواء تعلّق الأمر بتجربة الوحي أو بمسار التدوين من قبيل الآيات التالية من سورة القيامة: "لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)".

[8] يجترحُ وانسبرو هذا المصطلح من اللاتينيّة أيضا، وتعني النهائيّ أو غيـر القابل للتعديل Jamais Varié.

[9] Wansbrough, Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation, p. 202. ”Logically, it seems to me quite impossible that canonization should have preceded, not succeeded, recognition of the authority of scripture within the Muslim community. Chronologically, the data of Arabic literature cannot be said to attest to the existence of the canon before the beginning of the third/nine century.”

[10] Ahmad Sanusi Azmi : Crystallization of the Quran: An Analysis of John Wansbrough’s theory, Jurnal Ilmiah Agama dan Sosial Budaya 2, 2. December 2017. P.240

[11] Harald Motzki, ―Alternative accounts of the Qur’ān’s formation, in The Cambridge Companion to the Qur’an, Cambridge University Press, 2006. P. 62. “If Wansbrough’s theory is accepted, there is no way to establish anything of the revelation or the life of the historical Muhammad from Quran, Sira, Tafsir or Hadith. To look for historical facts in this sort of literature would be a meaningless research exercise

[12] Fred M Donner, Narratives of Islamic Origins: The Beginnings of Islamic Historical Writing, The Darwin Press, 1998. P. 36. “By Prophetical Logia he presumably means sayings by and about the Prophet what we usually call Hadith.”

[13] C. J. Adams, Reflections on the work of John Wansbrough Brill, 1997. P.84

[14] يمكن العودة بهذا الصدد إلى: "العالم والمتعلّم"، و"رسالة إلى عثمان البتّي" لأبي حنيفة النعمان، و"كتاب الإرجاء" للحسن بن محمّد بن الحنفيّة.

[15] من بين الأحاديث الّتي يمكن أن ندرجها ضمن هذا الجدل، ما يورده أحمد بن حنبل في مُسنده: "حدثنا ‏ ‏عبد الرزاق ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏جابر ‏ ‏عن ‏ ‏الشعبي ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن ثابت ‏ ‏قال :‏ جاء ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم، ‏ ‏فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من ‏ ‏بني قريظة ‏ ‏فكتب لي ‏ ‏جوامع ‏ ‏من التوراة ألا أعرضها عليك قال فتغير وجه رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏عبد الله يعني ابن ثابت ‏ ‏فقلت ‏ ‏له ألا ‏ ‏ترى ما بوجه رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم، ‏ ‏فقال ‏ ‏عمر ‏ ‏رضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا ‏ ‏وبمحمد ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏رسولا قال فسري عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وقال، والذي نفس ‏ ‏محمد ‏ ‏بيده ‏ ‏لو أصبح فيكم ‏ ‏موسى، ‏ ‏ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين." (مُسند أحمد، الجزء الرابع، ص265). وفي القرآن أيضا، آيات كثيرة تندرجُ ضمن هذا الجدل وفي بعض الأحيان لا تتضمّن وجهة نظر التصوّر الإسلاميّ فحسب، بل وجه نظر الرّافضين للإسلام أيضا مثل ما يرد في الآية الخامسة من سورة الفرقان: "وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا".