التكفيرِ والهجرةِ

فئة :  مقالات

التكفيرِ والهجرةِ

التكفيرِ والهجرةِ([1])

وتجلياتهما في الجماعاتِ الدينيَّةِ المعاصرةِ

داعش أنموذجًا

بقلم: د. عامر عبد زيد الوائليّ

مقدمة

موضوعُ التكفيرِ من القضايا الراهنة في المنطقة التي تضغط بقوة على وعي المثقف وتدفعه إلى العمل على التحليل والنقد، وفي النتيجة لابدَّ أن يعمل على مراجعة الأحداث عاملا على كشف الأُطروحة الكامنة وراءها، سواء كانت واعية، أم غير واعية، ولكن في الأحوال كلها تظهر في توجيه ما يدور في المنطقة من أعمال عنف مرتبطة بإطار عقائديّ لتلك التنظيمات التي تحاول أن تعيد توجيه مسار المنطقة، انطلاقا من تصوراتها العقائديَّة وعلاقاتها الدولية.

فهذه الأحداث تمثل راهنًا يشغل المثقف، وتؤطِّر تفكيرَه ورهاناته الوجوديَّة، ولكن لا يمكن فهم رد الفعل لأيّ إنسان من دون الرجوع إلى التجارب المشاركة لأولئك الذين اتبعوا تلك الأطر الثقافيَّة؛ لأنَّ الفرد محدد داخل الثقافة المفروضة والمسيطرة، التي تعمل على قولبة الفرد عبر التربية والتثقيف في العائلة والمجتمع وعبر فرض سماتها الثقافيَّة؛ فثقافة التكفير لا يمكن فهمها بمعزل عن الراهن الثقافيّ والسياسيّ.

قبل البحثِ عن الأثر؛ أيّ حضور مفهوم "التكفير والهجرة" في فكر الجماعات الجهاديَّة والتكفيريَّة كداعش والنصرة، وهما المتولدتان عن القاعدة بالأساس، لا بدَّ من تناول عدة أمور، من بينها تحديد مفهوم جماعة التكفير، وطبيعة الرهان الذي كانت مشتبكة فيه.

فما هو متعارف عن الجماعة في المواقع الإلكترونيَّة من سردية تبين ملامح الجماعة ونشأتها والملابسات التي صاحبتها، وبالرغم من فقر تلك المعلومات ونمطيتها يمكن أن تكون العتبة التي نبدأ بها.

وفي محاولتنا هذه، نريد أن نحدد الرهان الذي كانت تعيشه تلك الجماعة والأطروحة التي كانت تنطلق منها، ثم المنهج الذي كانت تنطلق على المستوى التشريعيّ والعمليّ؛ فيمكن أن نُعرِّفَ الجماعة، بأنَّها:

جماعة أسسها شاب أزهري اسمه "علي عبده إسماعيل" شقيق "عبد الفتاح إسماعيل" الذي أعدم مع سيد قطب في عام 1966 وأسس "علي عبده إسماعيل" الجماعة في سجون مصر في الستينيات من القرن العشرين؛ لتكون نواة للمجتمع الإسلامي الذي سيقوم على أنقاض الكفر والجاهلية... وهو أوّل من أقام تنظيما دينيًّا يبدأ أفراده بالعزلة عن المجتمع ومقاطعته والهجرة، وسعوا إلى اسقاطه والسيطرة عليه وتطهيره من الدنس وإقامة مجتمع العقيدة بدلًا منه وإعادة الحكم فيه لله([2])، ولكنَّه تراجع فيما بعد، بعد تدخل بعض رموز الحركة الإسلاميَّة من أجل تراجعه عن منهج التكفير العنيف وآثاره المدمرة على الناس والوطن وعموم المسلمين، إذ نجده يعلن بعد أن "أنهى الصلاة قام وخلع جلبابه وقال: (إنني أخلع فكرة التكفير كما أخلع جلبابي هذا)، وفوجئ الجميع وقد استجابوا له ما عدا شاب واحد هو "شكري مصطفى" عضو "جماعة التبليغ والدعوة" الذي أصر على اعتناق فكرة التكفير وخرج من السجن عام 1970 وأنشأَ تنظيمَ التكفير والهجرة الذي بلغ عددُ أفراده في خمس سنوات خمسةَ ألافِ عضو.([3])

ويبدو أنَّ هذه الملابسات في النشأة غابت عن بعض مؤرخي الجماعات الإسلاميّة، فنسبت الجماعة إلى شخص "شكري مصطفى" حصرا؛ فقالت عن الجماعة إنَّها جماعة مصريَّة المنشأ تتبنى الإسلام السياسيّ، انبثقت في أواخر الستينيات وانتشرت في العديد من الدول، وبرز اسم الجماعة بصورة ملفتة للنظر في عام 1977، حيث أصبح المهندس الزراعيّ المصريّ شكري مصطفي (1942-1978)([4]) زعيما للجماعة. ويبدو أنَّ تحول هذا الرجل، من كونه متعاطفًا مع الفكر الإسلاميّ الإصلاحيّ للإخوان إلى واحدٍ من مؤسسي الجماعات المتشددة، التي انتقلت من فكر إصلاحيّ إخوانيّ ينتهج تحقيق التحول على صعيد المنهج، الذي كانت تعتمده في التحول المجتمعيّ من خلال الدعوة وتأسيس المؤسسات الخيريَّة، إلى منهج متشدد لدى هذه الجماعة التي تزعمها شكري مصطفى وأسَّس "تنظيمًا سريًّا في 1973 وأقام نواة لمجتمعه الإسلاميّ المنشود وحول أفكاره إلى واقع عملي – بل إلى دولة مستقلة – عن طريق قيام بأمور الزواج والطلاق والتربية والتعليم وقواعد التعامل المقبول والمرفوض... وكان قادراً على جذب الكثيرين وحل مشاكلهم، ومن وقت كان المجتمع حولهم يلفظهم، ويعجز عن التفاهم معهم، ووقع تنظيم "التكفير والهجرة" في يد الشرطة بعد قيامه باغتيال الدكتور حسين الذهبي وزير الأوقاف عام 1977 وإن بقيت فكرة التكفير "متخيلاً" لكل محبط وبائس وخارج عن النظام والمجتمع".([5])

المبحث الأوَّل: تحولات الخطاب الإصلاحيّ من الإخوان إلى التكفير والهجرة

هناك جملة من الدراسات تحاول رصد حالات التحول، والتمفصل في الخطاب الإسلاميّ وتحولاته من الدعوة والتغير الاجتماعيّ التدريجيّ إلى مفهوم التحول العنيف التكفيريّ. وهناك من لا يرى هذا التحول بل، لا يجد اختلافًا بين تلك الأطراف، كما يرى نصر حامد([6])، وهناك من يجد أنَّ الخطاب الإسلاميّ يرجع إلى بنية سلفية فيها أسماء قارة تشكِّل سماتها العامة، وهذه البنية تجد جذورها متجذرة في المدرسة السلفيَّة الحنبليَّة وفي فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيميَّة (ت: 726هـ)، وفي الحركة السلفيَّة الحديثة محمد بن عبد الوهاب النجديّ (ت: 1791هـ)، وتظهر روافدها في الفكر الإخواني، وفكر سيِّد قطب وأبي علي المودوديّ حول الحاكمية)[7])، وعلى الرغم من تلك التحولات، فإن النسق واحدٌ في المنهج والرؤية. وقد وجد فيه بعضهم انعكاسًا للواقع المتخلف، إذ "إن الواقع المتخلف والمتردي هو الذي يفرز أنظمة وحركات وحكومات وأيديولوجيات (عقائد) رجعية أساسها المصالح والامتيازات والاستغلال الطبقي"([8])؛ ولكن يبقى الإصلاح الإسلاميّ مرتبطًا بهذه المفاهيم الثلاثة: الفكرة، المجتمع، السلطة، وهي أهمُّ مقومات الإسلام عامَّة والإسلام السياسيّ خاصة، "والذي يبدو أنه محاولة لإتباع منهج نبوي نظري، حيث المشهور هو أن النبي ص بدأ دعوته بتغيير العقائد (الفكرة) ثم انتقل إلى المجتمع، حيث نزل التشريع لتنظيم الحياة المدنية (المجتمع)، وأخيرا انتقل الأمر إلى إدارة الدولة والسلطة".([9])

ويمكن أن نرصدَ هذه المفاهيم في المشروع الإسلاميّ، فهو قائم على ثلاثة أَبعاد، هي:

أولًا: الإصلاح الفكريّ "الفكرة" نجده يحاول أن يدعو إلى تحول فكريّ دعويّ عبر المنابر الاجتماعية والمساجد والإعلام والمحاضرات وغيرها من الوسائل في الإبلاغ من أجل إقناع المجتمع بالفكرة الإصلاحيَّة، ومن ثم تبني المجتمع لها طوعا، فيحصل التغيير المطلوب كما عند بعض الطرق الصوفيَّة والجماعات السلفيَّة وغيرها.

أمَّا الوسيلة الثانية، فهي الوسيلة القائمة على التغيير الاجتماعيّ: وهذه الوسيلة تقوم على استخدام المؤسسات الاجتماعيَّة المدنيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والرياضيَّة مثل محاربة الربا عبر إقامة مصارف إسلاميَّة، وكذلك الأمر في التعليم وبقية المسارات الأخرى، وهي وسائل سلميَّة تحاول دعم التغير المجتمعيّ.

أمَّا الوسيلة الثالثة، فهي وسيلة التغيير السياسيّ: وهي أكثر وسائل التغيير في المجتمع طلبا؛ لكونها تشمل الحكم بكل ما لديه من سلطة تشريعيَّة وشرعيَّة لاستخدام الجبر والإكراه في تحقيق التغيير في المجتمع عبر سن القوانين.([10])

وانطلاقا من هذه المقاربة، يمكن أن نرسم موقع كل من الإخوان وجماعة التكفير والهجرة؛ إذ تكون أطروحة الإصلاح في فكر حركة الإخوان المسلمين: على انتهاج الدعوة من أجل تغير الفكرة والتغيير الاجتماعيّ من خلال إقامة المؤسسات الخيريَّة والتعليميَّة، وهي تنتهج التحول التدريجي في المجتمع. في الوقت الذي يؤكِّدُ فيه الإخوان المسلمون "فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس منهاجهم، وهم مع هذا يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بد منها، وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة، لا بد أن تسبقها خطوات: لا بد من تعاون عام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها ..."([11])، بمعنى أنَّه يعتمد التحول التدريجيَّ السلميّ. "ما كان حسن البنا متشبعا به من حسّ سياسي واقعي، على الرغم من الانطباع الذي يخلفه - لدى كثيرين - كداعية مثالي أو طوباوي".([12])

وفي مقابل ذلك، كان هناك تحول في الخطاب الإسلاميّ الجهاديّ القائم على التكفير واعتماد العنف المسلح؛ ومن المسوغات في ظهور هذا التحول، أمران: الأول: المعالجة الأمنيَّة المتشددة التي كانت معتمدة، والأمر الآخر: التحول الذي أدخله فكر سيد قطب - وهو المؤثر الأكبر - في تغيير فكر الإخوان وتحوله من منهج ينشد الدعوة على صعيد الفكر والتغيير التدريجيّ التي دعا ليها حسن البنا، إلى منهج عنيف يقوم على التكفير والهجرة، وهو تحولٌ في الأطروحة التي كانت حاضرة بعمق على صعيد الفكرة والممارسة العملية في فكر الجماعة وزعيمها، الذي كان واحدًا من أعضاء حركة الإخوان المسلمين أو متعاطفًا معها، ولكنَّه انتهج أسلوبا أكثرَ تشددًا بعد إعدام سيد قطب.

وقد كانت هناك آثار لما طرحه سيد قطب في فهمه للجهاد ومفهوم التكفير، حيث نلمس هنا موقفين للتكفير في التصور الذي جاء به سيد قطب: "هنا أمران لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله ورسوله، وإما اتباع الهوى، وإما حكم الجاهلية، وإما الحكم بما أنزل الله كله، وإما الفتنة عما أنزل الله".([13])

والمفهوم الآخر: الأطروحات التكفيريَّة التي جاءت بعد قطب، كما عرضنا لها في تصورات "علي عبده إسماعيل"، وهو المؤسس الحقيقيّ لجماعة "التكفير والهجرة"، ثم جاء صالح سرية زعيم "حزب التحرير الإسلامي" الذي كان يخطط لاغتيال السادات في أكتوبر (تشرين الأول) 1975؛ فهاجم الكلية الفنيَّةَ العسكريَّةَ المصريَّةَ بهدف الاستيلاء على السلاح والعربات والمعدات العسكريَّة؛ ولكنَّ الهجوم فشل، وأُعدِمَ صالح سرية ونائبه، في السنة نفسها.([14])

وتعد تلك الحقبة بدايةَ الصدام المسلَّح المؤسَّس على ممارسة العنف والسياسة من منطق عقيدة وأيديولوجيَّة شاملة. وكان لهذا التحول أسباب متنوعة، خصوصا حين يخضع المجتمع إلى ظروف لا إنسانيَّة للحياة، إذ يجدّ جزءًا منه طريقه إلى السلوك الوحشيّ. وساهمت أحداث العنف إلى حدٍّ كبير في تحول أطروحة الإسلام السياسيّ بتأثير من الأوضاع الاقتصاديَّة والعنف نفسه؛ ممَّا أدَّى إلى تغيير الأطروحة. وهناك الكثير من الأقوال، منها: "إن أعراس الحرية كثيرا ما تحولت إلى مآتم السواد الكئيب وتلهب منها الجماهير الشقية وتستباح فيها الدماء والأعراض..."([15]). قد يكون الاستبداد السياسي هو المسوغ وراء ظهور هذه المواقف المتشددة التكفيريَّة "إن الإسلام والاستبداد ضدان لا يلتقيان، فتعاليم الدين تنتهي بالناس إلى عبادة ربهم وحده، أما مراسيم الاستبداد فترتد بهم إلى وثنية عمياء"([16]). ولكنَّ هذا يتطلب واقعًا متسامحًا "حين لا يتمكن المسلمون أن يقيموا دولة إسلامية، وسلطة منبثقة من واقع الإسلام الذي يعمل على توفير التعايش السلمي مع كل طبقات المجتمع، فإنهم يضطرون لتقبل الأمر الواقع ما لم يمس جوهر الإسلام ..."([17])، ولكن يبدو أنَّ هذا المنهج العنيف يمثل الجيل الأول من الخطاب التكفيريّ وقد أخذ بالتكاثر والانتشار في بعض الأقطار العربيَّة والإسلاميَّة من سبعينيات القرن الماضي، ومن أبرزها تنظيم الجهاد والتكفير، والهجرة والجماعة الإسلاميَّة في مصر، والجماعة الإسلاميَّة المسلحة، والجماعة السلفيَّة للدعوة والقتال في الجزائر، وعصبة الأنصار في لبنان، والجماعة الليبيَّة المقاتلة، فضلا عن عدد من التنظيمات خارج العالم العربيَّ.

ثُمَّ انتقل هذا التنظيم إلى نشاطٍ أوسع من خلال التوظيف الذي حدث في المواجهة مع الاتحاد السوفيتيّ، حيث تم إرسال أبرز ممثلي تلك الحركات إلى القتال في أفغانستان على إثر احتلالها سنة 1998، وبدعم غربيّ، وخصوصا أمريكيّ وعربيّ، حيث ظهر تلاقح بين تلك الجماعات الإسلاميَّة الجهاديَّة التي تمخَّضَ عنها ظهور تنظيم عالمي في أفغانستان بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهريّ، حيث تم تأسيس تنظيم القاعدة، الذي كان يمثِّل المجاهدين العرب هناك، وهم يعودون إلى جماعات الإخوان، والتنظيمات السلفيَّة في الخليج. وكان ظهور هذا التنظيم كما يبدو مرتبطًا بمقاومة الاحتلال السوفيتيّ الشيوعيّ.

وبفعل ممكنات العولمة وما أتاحته من ممكنات جديدة ظهر الجيل الثالث الذي استثمر ممكنات العولمة والفضاء الرقمي؛ فظهر تنظيم القاعدة بعد أن انفرط عقده بين الدول المصدرة للمجاهدين أو الجماعات المحلية، لكن تحت العباءة الفكريَّة للقاعدة وأخواتها.[18]))

وبعد احتلال العراق من أمريكا، ثم ظهور الربيع العربيّ وظهور الفصائل المسلَّحة مثل داعش، وجبهة النصرة في سوريا، وأنصار بيت المقدس في مصر، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، والقاعدة في بلاد المغرب العربيّ، وبوكو حرام في نيجيريا وغيرها، وهذه الفصائل تعتمد وسائل جديدة في التجنيد والتأطير والاستقطاب من الجماعات الجهاديَّة التي تقوم دعايتها على أَنَّها تحمل خلاصا للمهمشين والراغبين بمغادرة الهامش الاجتماعيّ الذي يحتويهم.

ولكنَّ حضور ذات الأفكار التكفيريَّة التي وجدناها في الجيل الأول عامة، خصوصا جماعة التكفير والهجرة، اتسمت في نظر بعض الدارسين بالسمات الآتية:

1- هيمنة الجنبة العسكريَّة على سلوكها العنيف المفارق لما هو سلمي، وظلت جماعة "التكفير والهجرة" التنظيم الأكبر في الحجم والعدد بعد "الإخوان المسلمين" حتى سنة 1978 تقريباً، ويعزى ذلك إلى أنها كانت حالة تنظيمية نشطة، فضلاً عن أفكارها البسيطة البراقة والمتطرفة أيضاً.

2- تنوعت مصادر تمويل الجماعة إذ وجهت أعضاءها نحو العمل ببعض الحرف اليدويَّة، بعد أن حرم عليهم شكري مصطفى العمل في المصالح الحكوميَّة، كذلك باع أفرادها ممتلكاتهم، خصوصاً الحلي والذهب، كي يتمكنوا من تزويد أنفسهم بالمؤن اللازمة ووسائل الدفاع عن النفس، تطبيقاً لمفاهيمه الفكريَّة حول الهجرة.

3- الهجرة هي العنصر الثاني في فكر الجماعة، ويقصد بها العزلة عن المجتمع الجاهليّ؛ لأنّ المجتمعات كافة جاهليّة بالنسبة إليه، والعزلة المعنية مكانيَّة وشعوريَّة، إذ تعيش الجماعة في بيئة تتحقق فيها الحياة الإسلاميَّة الحقيقية كما عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الفترة المكية. ففي سبتمبر (أيلول) سنة 1973 خرج أعضاء الجماعة إلى المناطق الجبليَّة، ولجأوا إلى المغارات الواقعة في دائرة أبي قوس في محافظة المنيا جنوب مصر.

4- التكفير العـنصر الأساسيّ في معتقدات هذه الجماعة،  فهم يكفرون كل من ارتكب كبيرة، وأصرَّ عليها، ولم يتب منها، كذلك يكفرون الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله بإطلاق ومن دون تفصيل، والمحكومين؛ لأنهم رضوا بذلك وتابعوهم أيضاً بإطلاق ومن دون تفصيل. أمَّا العلماء، فيكفرونهم لأنهم لم يكفروا هؤلاء ولا أولئك، ويكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم فلم يقبله أو قبله، ولم ينضم إلى جماعتهم ويبايع إِمامهم. أمَّا من انضم إلى جماعتهم ثم تركها، فهو مرتد حلال الدم، وعلى ذلك فالجماعات الإسلامية إذا بلغتها دعوتهم ولم تبايع إمامهم فهي كافرة مارقة من الدين.

5- كل من أخذ بأقوال الأئمة أو بالإجماع، حتى ولو كان إجماع الصحابة، أو بالقياس أو بالمصلحة المرسلة أو بالاستحسان ونحوها فهو في نظرهم مشرك كافر.

6- العصور الإسلاميَّة بعد القرن الرابع الهجريّ كلها عصور كفر وجاهليَّة، لتقديسها لصنم التقليد المعبود من دون الله تعالى، فعلى المسلم أن يعرف الأحكام بأدلتها ولا يجوز لديهم التقليد في أي أمر من أمور الدين!

7- لا قيمة لأقوال العلماء المحققين وأمَّهات كتب التفسير والعقائد؛ لأن كبار علماء الأمة في القديم والحديث، بحسب معتقدهم، مرتدون عن الإسلام.

8- قالوا بحجية الكتاب والسنة فحسب، ولكن كغيرهم من أصحاب البدع، اعتقدوا رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه فما وافق أقوالهم من السنة قبلوه وما خالفها تحايلوا في ردِّه أو ردِّ دلالته.

9- دعوا إلى الأمية لتأويلهم الخاطئ للحديث النبوي "نحن أمة أميَّة…"، فدعوا إلى ترك الكليات ومنع الانتساب إلى الجامعات والمعاهد، إسلاميَّة أو غير إسلاميَّة؛ لأنها مؤسسات الطاغوت وتدخل ضمن مساجد الضرار؛ إذ أطلقوا أن الدعوة لمحو الأميَّة دعوة يهوديَّة لشغل الناس بعلوم الكفر عن تعلم الإسلام، فما العلم إلَّا ما يتلقونه في حلقاتهم الخاصة، بل إنَّهم قالوا بترك صلاة الجمعة والجماعة في المساجد؛ لأنَّ المساجد كلها ضرار وأئمتها كفار إلَّا أربعة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وقباء، والمسجد الأقصى، ولا يصلون فيها أيضاً إلَّا إذا كان الإمام منهم.

10- زعموا أن أميرهم شكري مصطفى هو مهديّ هذه الأمة المنتظر، وأنَّ الله تعالى سيحقق على يد جماعته ما لم يحقق على يد محمد (صلى الله عليه وسلم) من ظهور الإسلام على جميع الأديان؛ وعليه فإن دور الجماعة يبدأ بعد تدمير الأرض بمن عليها بحرب كونيَّة بين الولايات المتحدة الأميركيَّة والاتحاد السوفيتيّ، تنقرض بسببها الأسلحة الحديثة كالصواريخ والطائرات وغيرها ويعود القتال كما كان في السابق رجل لرجل بالسلاح القديم من سيوف ورماح وحراب.

11- ادعى زعماء الجماعة أنهم بلغوا درجة الإمامة، والاجتهاد المطلق، وأنَّ لهم أن يخالفوا الأمة كلَّها وما أجمعت عليه سلفاً وخلفاً.([19])

المبحث الثاني: حضور الأثر التكفيريّ عند داعش وأخواتها

سنقف في هذا المبحث عند حضور الأثر التكفيريّ لدى جماعة "التكفير والهجرة" وكيف تحول الإصلاح الدينيّ من منهج سلميّ يعتمد الدعوة والتغيير المجتمع إلى منهج عنيف يقوم على بناء تنظيم يحاول اعتماد العنف وسيلة من أجل الوصول إلى السلطة، وفرض خطابة الإصلاحيّ بالقوة على الناس، وهذا ما سنحاول توصيفه من خلال تنظيمات القاعدة وصولا إلى داعش ومنهجها القائم على التناص مع جماعة التكفير والهجرة.

وكما يؤكد محمود حيدر: "حالة السلفية بأنواعها وتياراتها المتعددة، ولا سيما منها السلفية الجهادية بصيغتها "البن لادنية": حيث آلت هذه الأخيرة منذ ولادتها إلى دائرة التوظيف الغربيّ، ثم انتهت بعد مقتل ابن لادن لتصير أدنى إلى إعصار من العنف الأعمى، ولا غاية لها سوى تكفير الآخر، كل الآخر، والانخراط في الحروب الأهليَّة المتنقلة. ولعل ظاهرتي "داعش" و"النصرة" الآن، وسائر السلسلة المشتقة من الوهابيَّة القديمة والمستحدثة، إنما تترجم صورة ومادة الحالة العنفية للسلفيَّة المشار إليها".

أولًا: التكفير وتجلياته: بفعل ممكنات العولمة وما أتاحته من ممكنات جديدة ظهر الجيل الثالث الذي استثمر ممكنات العولمة والفضاء الرقميّ؛ فظهر تنظيم القاعدة بعد أن انفرط عقده بين الدول المصدرة للمجاهدين أو الجماعات المحلية لكن تحت العباءة الفكرية للقاعدة وأخواتها القائمة على توظيف التراث من أجل صياغة مرجعيَّة جامعة تتجاوز الأطر السياسيَّة المعتادة بالانزياح إلى علاقة أصوليَّة سلفيَّة عابرة للحدود في صياغة هوية دينيَّة متخيلة "انطلاقا من مجتمعات مسلمة، مهاجرة متعددة الأعراق، ومنزوعة الثقافة، يسمح الخطاب الاصولي الجديد بتغيب فقدان الهوية، وذلك بوصفها هوية مزورة ولطرحها في مطارح الوهم والحصر بين هلالين، وهو يسمح في ان يعمل الحد وعادة التركيب".([20])

وقد كانت البداية مع "الأفغان العرب" أو "العائدون من أفغانستان"، وهي ظاهرة تخترق حياة جيل كامل من الشباب العرب والمسلمين، ولو لم يكن الأمر كذلك لما انبرى هؤلاء الشباب؛ لأسباب ودوافع متناقضة أحيانا إلى اختيار النزوع الأفغانيّ وأرض أفغانستان انتماءً وتجربة حياة، وموتا؛ فكانوا مهيئين للذهاب...ولم يذهبوا في الخفاء، وإنَّما برعاية أعلى المراجع المحليَّة والخارجيَّة...وبرعاية خاصة...وكان الذهاب بقرار. أمَّا الإياب، فهو كلام آخر يتطلب أحيانا مطاردات دوليَّة، واتفاقات أمنيَّة وصفقات تبادل...فذهبوا إلى أفغانستان لمواجهة المدِّ الشيوعيّ؛ لمقاتلة "الإلحاد" و"الملحدين" السوفيات ...([21])، وهذا يعني توظيفهم في الصراع الدائر بين أمريكا والاتحاد السوفيتيّ؛ أي توظيف الدين في حرب أمريكا ضد أعدائها، مثلما كانت ألمانيا تسعى إلى توظيف مفهوم الجهاد الإسلامي في محاربة الحلفاء حين كانت الدولة العثمانيَّة حليفة ألمانيا.([22]) وهنا تمَّ توظيف الخطاب الأصوليّ، وتمَّ تخليق التوحش وحروب الإرهاب، وعلى الرغم من أنَّ الغرب ينتقد الأصوليَّة ويصفها بالجمودية و"رفض التكيّف" وجمود معارض لكل نمو، لكل تطور، والعودة إلى الماضي و"الانتساب إلى التراث" و"المحافظة"، وعدم التسامح، والانغلاق، والتحجّر المذهبيّ، "تصلب"، "كفاح"، "عناد"([23])، فإنه لم يتورع عن استخدامها والتحالف معها وتخليق أجيال من الأصوليين حتى يستخدمهم فيما بعد في تخليق الفوضى الخلاقة.

وهذا ما نجده في أفغانستان، إذ فرض الأفغان العرب أنفسهم على التاريخ المعاصر للمنطقة؛ ولكن من الأرجح أن من أرسلهم إلى تلك الأرض لم يكن يهجس بتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفيتيّ، وإنَّما كان يرى مصلحة في التخلص منهم([24]). كان هذا عند الحكام العرب، ولكنَّ الأمريكيين كانت لهم استراتيجية أبعدك كي يستخدمونهم في الحرب ضد الإرهاب، وهكذا عاد هؤلاء بكل ما تعلموه هناك ومنها عقيدة "الولاء والبراء"، "فالغلو في تأويل معاني عقيدة الولاء والبراء ومعالمها قد يؤدي إلى الغلو في إصدار الأحكام، وفي النتيجة أخذ الناس بما ليس عليهم، وهو ما وقع فيه المقاتلون الأفغان العرب وما ذلك إلَّا لوقوع الأفغان العرب في شبهة مفادها من أخذ بالسيف، فهو في جهاد ومن أخذ بالقلم فهو معطل للأول ...".([25])

وقد تم ترجمة تلك الرؤية بخطاطة عسكرية تقوم على ثلاثة مقومات، هي: الأول: استنزاف العدو حتى انهزامه، أو استسلامه، أو أن يطالب بالمفاوضات...والثاني: وهو ما يخصُّ الجماعات الإسلاميَّة المسلحة من دون الأفغان العرب لكسب تأييدهم، أو تبنيهم للمبادئ الجهاديَّة والتكتيكيَّة أو تعاطفهم، أو على الأقل ضمان عدم تعاونهم مع العدو؛ وذلك بالتهديد أو الترغيب. أمَّا الثالث: فهو إنجاز ميدانيّ يجب أن يصبَّ في نهاية المطاف في المصلحة الشرعيَّة للطائفة المقاتلة، وإن كانت سياسيَّة.([26]) أمَّا الخارطة الاستراتيجية، فهي تقوم على ثلاثة أهداف، هي: إزالة أنظمة الردة الطاغوتيَّة، وإزالة مظاهر الفساد الخُلقيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ...وثالثها: إقامة الشريعة الإسلاميَّة([27]). وهكذا تحولت "الأصوليّة - Fundamentalism" الإسلاميَّة مع هذه الاستراتيجية إلى عقيدة دينيَّة تتجاوز الثقافات التي جاء منها المسلمون، "وتحاول دمجهم بالعقيدة وخطابها الأيديولوجي الاحتجاجي ضد الغرب وجبروته، ومن أجل قيام دولة الخلافة"([28]). وقد حولت الدين إلى أيديولوجيا تستثمر تنظيرات الحركات الجهاديَّة السابقة، ولكنَّ الأيديولوجيا تختلف عن الدين بأبعاده الثيولوجية كلها، وتختلف أيضا عن الفلسفة من ناحية أخرى، إذ إنَّ تلك "العلاقة القائمة بين الدين والأيديولوجيا ليست الفلسفة؛ لأنَّ الفلسفةَ الحقيقيَّة هي تساؤل عن مشكلة الوجود الجوهريَّة، وعن وضع الإنسان الوجوديّ ... والأيديولوجيا نسقٌ مقفلٌ على نفسه، متمحورٌ حول بعض أشباه الحقائق، يسعى إلى إشهار قيمتها الكونيَّة والمطلقة، على الرغم من كل ما يثبت العكس([29])؛ ولكنَّ الأمرَ لا يتعلق بالأيديولوجيا فقط، بل إنَّ هناك - كما مر بنا في عرضنا السابق - أرشيف من الأصوليَّة تكاثر بشكل مذهل، وهو ما يشبه جبل الجليد، فهو يعبر جملة من السلوكيات والتراثيات المتأصلة التي ترسخ وتؤبد العلاقة بين المسلمين أولًا ونظرتهم إلى الآخر ثانيًا. إنَّ هذا الغاطس هو الذي يشيل المرئي، ويفسر شكله وتكوينه، فالأرشيف الدينيّ جزء من لا وعينا الجمعيّ، الذي ندرك أثرَه في السلوكيات، وأعمال العنف المتولِّدة عن تاريخ الصراع، وقد تم ترجمة كل هذا بخطاطة تتمظهر بأعمال العنف التي تمظهرت في الأفعال المتناسلة في الأجيال والجماعات الأخرى المتناسلة من الجماعة في المنطقة وخصوصا العراق وسوريا والبلدان المجاورة لهما. كما سيظهر لنا بعد عرضنا لذلك عند باحثين اثنين، الأول: من الأردن، والآخر: من العراق.

أولًا: حضور خطاب التكفير في سوريا والأردن بحسب (محمد برهومة)

توفر الأوضاع السياسيَّة والأمنيَّة في سوريا والعراق، اليوم، فرصةً ذهبيَّةً لأفكار السلفيَّة الجهاديَّة؛ لنسج خطاب يقوم على قول إنَّ ما يجري في هذين البلدين هو "صراع عقائديّ - دينيّ - طائفيّ" لا حلَّ له إلَّا بالعنف المسلَّح، وهذا النوع من الصراعات والحروب هو البيئة الخصبة لأيديولوجيا "القاعدة"، وأخواتها بوصفها حركات طائفيَّة، تتأسس على فكرة "الطائفة المنصورة"، و"الفرقة الناجيَّة".

1-     في سبيل تحقيق هذه الحركات أهدافها تقوم على العداء لفكرة الدولة، ورابطة المواطنة والهويَّة الوطنيَّة؛ لأنها أيديولوجيا عابرة للحدود، وتتعاطى مع فكرة "الأمة"، بوصفها كيانا سياسيًا وجغرافيًا، غافلةً عن أنَّها معنى ثقافيّ، ورمزيّ، ومعنويّ ليس إلا.

2-             يطغى على خطابات الحركات السلفيَّة الجهاديَّة النزعة الطائفيَّة من خلال تقديم نفسها بوصفها المنافح والمدافع عن "الطائفة السنيَّة" في وجه الطوائف الأخرى.

3-     يهيمن الطابع الأيديولوجيّ القائم على الجمع بين النزعة العسكريَّة، وخطاب عقائديّ يسير ومختصر، ويبدو معهودا لتوظيفه القرآن الكريم، والسُّنَّة النبويَّةَ في تبريراته وفتاواه، والأهم صِدام هذا الخطاب العقائديّ مع الأنظمة الحاكمة، وظهوره بمظهر الموازيّ لها، والقادر على هزيمتها أو النيل منها.

4-     يستثمر التنظيم بعد "ديموجرافيا النشاط الجهاديّ" في الأردن، ويتركز في بعض المخيمات الفلسطينيَّة الأشد تهميشا وفقرا وعشوائيَّة، مثل مخيم البقعة للَّاجئين الفلسطينيين على أطراف العاصمة الأردنيَّة، عَمَّان، أو في مدينتي المفرق، ومعان جنوبي الأردن، حيث معدلات التنمية في أخفض مستوياتها، أو في مدينة الزرقاء، التي تعد المدينة الأكثر عشوائيَّة، والأكثر اكتظاظا بالسكان بعد العاصمة الأردنيَّة، وكذلك هو حال مدينة الرصيفة المحاذية للزرقاء، وهما معا يشكلان "الخزان البشريّ" الأكبر لتفريخ السلفيين الجهاديين في الأردن، ومعقلهم الرئيس منذ عقدين من الزمن، وهذا لا يقلل من مكانة مدينة معان، كخاصرة رخوة جاذبة لمثل هذه الظاهرات.

5-     اللافت للنظر أنَّ الشخصيات التي تمتلك حضورا نافذا في التنظير والتأثير داخل تلك الجماعات المحسوبة على "القاعدة"، أو على السلفيَّة الجهاديَّة في سوريا والعراق، هي شخصيات أردنيَّة، إذ دعا أمير "جبهة النصرة"، أبو محمد الجولانيّ، إلى تحكيم كل من الأردنيين عمر محمود (أبو قتادة)، وعصام البرقاويّ (أبو محمد المقدسيّ) في النزاع الدائر بين "جبهة النصرة"، و"داعش". ليس هما فحسب، بل هناك مجموعة من الشخصيات الأردنيَّة المؤثِّرة، ممن ليست محسوبة بصورة مباشرة على هذا التيار، وهي أقرب إلى الجانب الفكريّ، ولكنَّ آراءها ومواقفها مؤثرة تماما فيما يحدث في سوريا، مثل الدكتور إياد القنيبيّ، والدكتور أكرم حجازيّ.

6-     ومع تعذر الحسم العسكريّ من جهة، والاستعصاء السياسيّ من جهة أخرى، تدخل الثورة السورية العام الرابع، فإن التوقعات بأعوام جديدة، ومراحل أكثر تعقيدا، تعني أمرين رئيسي: انخراط المزيد من الشباب الأردنيّ، وتمدد أفكار التنظيم ومن ناحية ثانية أن جغرافية الصراع ستتمدد إلى الجوار، وسينتشر "الفكر القاعديّ" متغذّيا على الفوضى، والنزاع الطائفيّ، وهي بيئة يحاول التنظيم استثمارها من أجل الانتشار في الأردن، التي جعل منها مركزًا للخدمات اللوجيستية.

7-     في لبنان تشكَّلت قياداتها من شبان خاضوا التجربة الأفغانيَّة، أو انخرطوا في الحراك السلفيَّ الجهاديّ بعد غزو العراق من القوات الأمريكيَّة، فإن جغرافيا الهامش الاجتماعيّ الذي استوطنته هذه المجموعات يشمل صيدا ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين، مثل عين الحلوة، ونهر البارد، وكثيرا ما كان مخيم عين الحلوة أحد أبرز مناطق الخارجين على القانون في لبنان. وفي المخيم عشرات التنظيمات الإسلاميَّة، وللأحزاب الإسلاميَّة الفلسطينيَّة كما لغير الإسلاميَّة امتدادات إلى مدينة صيدا.

8-     وعلى عكس تنظيم "داعش"، الذي يعدُّ تنظيما عابرا للدول ويضم في صفوفه عناصر وأنصارا من جميع الجنسيات، حاولت "جبهة النصرة" التي تعدُّ الفرع السوريّ لتنظيم "القاعدة"، بقيادة مركزيَّة من أيمن الظواهريّ، "توطين السلفيَّة الجهاديَّة في المجتمعات المحليَّة" والممانعة في قبول الأجانب في صفوفها. كما عرف عن تنظيم "أحرار الشام"، وهو فصيل عسكريّ جهاديّ ناشط ضمن الجماعات المسلحة في سوريا، أنَّه يحاول، بالرغم من اعتماده فكر "القاعدة"، أن يتجنب فكرة "الجهاد العالميّ".

9-     يبدو أنَّ العولمة أتاحت إمكانية الانتشار للتنظيم مما جعل منه تنظيمًا عابرًا للحدود، ومرشحًا للظهور في الأماكن التي تكون فيها سلطة الدولة واهنة، وتعاني فراغا سياسيًّا، وتسود بعض مناطقها الفوضى أو تعاني التهميش والإقصاء والتمييز، خاصة إذا كان على خلفيات طائفيَّة، ومذهبيَّة.([30])

ثانيا: حضور خطاب التكفير في العراق بحسب (رشيد الخيون)

1- خطابها وتمظهراتها في العراق: بعد احتلال العراق من أمريكا وبعد الربيع العربيّ، ظهرت الفصائل المسلحة مثل داعش وجبهة النصرة في سوريا وأنصار بيت المقدس في مصر، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، والقاعدة في بلاد المغرب العربي، وبوكو حرام في نيجيريا وغيرها، وهذه الفصائل تعتمد وسائل جديدة في التجنيد والتأطير والاستقطاب من الجماعات الجهاديَّة التي تقوم دعايتها على أنَّها تحمل خلاصا للمهمشين والراغبين بمغادرة الهامش الاجتماعيّ الذي يحتويهم.

ظهرت داعش في العراق في أبريل (نيسان) 2007، وقيل في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2006، حسب بيانات أعلنت من تنظيم القاعدة والجماعات التالية لها، وجميعها على المنهج السلفيّ... وهي تحاكي ما نقل بأحاديث وصفت بالحسنة والغريبة، تلك الجماعات التي اتخذت راية الرسول (صلى الله عليه وسلَّم) في صدر الإسلام شعارًا لها كالثورة العباسية، وكتلك الرايات السود القادمة من خراسان، وهي سوداء اللون مربعة الشكل، نقش عليها عبارة: (لا إله إلا الله) وداخلها دائرة مميزة بلون رماديّ نقشت منها عبارة الشهادة الثانية (محمد رسول الله) على أنَّها راية التنظيم.([31])

وكانت تحرِّض على العنف معتمدة ما ورد عن ابن تيمية (ت 327هـ) من وصايا تحرِّض على العنف مثل (قوام الدين بالمصحف والسيف)، وفتاوى التترس .... لا بأس من قتلهم وصولا إلى قتل المتمترسين أي المراد قتلهم، وهم يقيمون في أمكنة مأهولة بالسكان، وإن سئلوا عن ذلك لأجابوك بما انتهى فيه شيوخ السلفيَّة الأوائل ومنظرو الجهاد في القرون الوسطى والجدد([32])؛ فقال ابن تيمية (فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين، إذا لم يقاتلوا فإنه إن نرميهم ونقصد الكفار ولو لم نخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا من قولي العلماء، ومن قتل لأجل الجهاد كان شهيدا وبعث على نيته، ولم يكن قتله أعظم فسادا من قتل من المؤمنين المجاهدين)([33]). فتلك الفتوى قد أخذ بها الزرقاويّ، ثم داعش التي سارت على النهج نفسه في تنفيذ التفجيرات بأهداف مدنيَّة والإسراف في دماء العراقيين والسعي إلى الحرب الطائفيَّة بين السنة والشيعة.([34])

ثالثا: التحول من الإصلاح الاجتماعيّ إلى التنظيم الشموليّ

يبدو أنَّ حال أغلب تلك الجماعات التكفيريَّة متماثلًا، فهي تحاول أن تحقق ما تعتقده إصلاحًا عبر السيطرة السياسيَّة، والنزوع العسكريّ الذي يمكنها من تهديد الدول، والعمل على إقامة النظام الإسلاميّ، وهذا يتحقق من خلال إزالة أنظمة الردة الطاغوتيَّة، وإزالة مظاهر الفساد الخُلقيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ... وإقامة الشريعة الإسلاميَّة. وبهذا توسَّع ذلك التنظيم، حتى غلب على غيره وصبغ المجتمع بلونه، فهو لم يكن نتيجة حراك مجتمع متنوع الوجوه السياسيَّة والاجتماعيَّة، بل هو تنظيم توسَّع بمغالبة خصومه والتفوق على منافسيه أو احتوائهم، ولعل هذا واضح في ما سبق عرضه عن تعامل الأفغان العرب مع بقية الحركات الإسلاميَّة، وهو "ما يخصُّ الجماعات الإسلاميَّة المسلحة؛ لكسب تأييدهم أو تبنيهم للمبادئ الجهاديَّة والتكتيكيَّة أو تعاطفهم، أو على الأقل ضمان عدم تعاونهم مع العدو؛ وذلك بالتهديد أو الترغيب. إنَّ أيَّ إنجازٍ ميداني يجب أن يصُبَّ في نهاية المطاف في المصلحة الشرعيَّة للطائفة المقاتلة، وإن كانت سياسية"([35]). وبهذا المنطق، تمَّ التغلب أو احتواء المنافسين حتى بات المجتمع خاضعًا في توجهاته إلى إرادة التنظيم وأهدافه البعيدة عن الحرية الفرديَّة، وهذا ما يحصل في المدن والقرى الخاضعة إلى تلك التنظيمات على اختلافها، بعيدًا عن الحرية والتنوع والاختلاف التي يتمتع بها الأفراد بإرادتهم الحرة. وأيُّ خروج عن إرادة التنظيم يُعرِّض المجتمع إلى العنف والقتل "هكذا تقتل القاعدة الناس، أو هكذا تحاكم دولتها الإسلامية في الشام والعراق مواطنيها. تسألهم أسئلة، ولا توجه تهما. فإذا عرفوا الجواب ربما أفرجت عنهم، وإذا لم يعرفوا تقوم بإعدامهم، لا عقوبة غير الإعدام، ولا محاكمات أصولية. ولا تهم موجهة، ولا محامي دفاع... لكن هذا القاتل إياه يغطي كل هذا بتلاوة آيات قرآنية لكي يبدو للناس أنه إنما يطبق أحكام القرآن على الناس... هذه هي دولة القاعدة الإسلامية التي تريد إقامتها في العراق والشام، والتي يسقط الآن آلاف الضحايا من المدنيين المسالمين بسببها. من منكم يتمنى أن يعيش في ظل هكذا دولة؟"([36]). وفي ظلِّ هذه الخطابات الشموليَّة التي تعتمد رؤيةً كونيَّةً تحتكر الحقيقة، وتعتمد العنف الوسيلة المتمثلة في الوصول إلى الهدف حتى لو كان على حساب مصائر الناس، وهي تنثرهم عبر التفخيخ والأحزمة الناسفة؛ لإشاعة رؤيتهم الشمولية القائمة على أنَّها الحقيقة وأنَّ الآخر شطط وانحراف شيطانيّ.

الخاتمة

لوحظ أن أغلب هذه الحركات الإرهابيّة هي نسخة من سلوك جماعة "التكفير والهجرة" تعتمد العنف المفرط مع الخصوم على أسس مذهبيّة أو تختلف معهم أيديولوجيا، ثُمَّ توسعت فصارت عابرة للحدود، وعلى الرغم من خصوصياتها فالصفة الغالبة، هي أنَّها تعتمد تجنيد المقاتلين من جنسيات مختلفة؛ وفكرها ينبع من ظاهرة السلفيّة الجهاديّة في صلب تركيبها وبنيتها الفكريّة والتنظيميّة والتمويليّة، وهي ظاهرة "معولمة" عابرة للدول والكيانات الوطنيّة والقوميات ولا تعترف بها، وتجتمع على فكرة الإمارة الإسلاميّة أو الخلافة، ومرشحة للظهور في الأماكن التي تكون فيه سلطة الدولة واهنة، وتعاني فراغا سياسيًا، وتسود بعض مناطقها الفوضى أو تعاني التهميش والإقصاء والتمييز، خاصة إذا كان على خلفيات طائفيّة، ومذهبيّة. وما تزال هذه التنظيمات تكفِّر الدولة وتعدها عدوة لها وتعدُّ الصدامّ معها أمرٌ حتمي، فـ "القاعدة" وأخواتها لا تتبلور رسالتها من خلال "خصومة" سياسيّة، وهي لا تريد أن تكون "معارضة" بالمفهوم التقليديّ للكلمة، بل هي تريد أعداءً، وكفارًا، وأشرارا "تشيطنهم" لتقول إنَّه لا خلاص منهم إلّا بقتلهم، والعمل العسكريّ الذي ينال من قوتهم. ومرد هذا إلى هيمنة الفقه المتشدِّد؛ وهو يتعارض مع الواقع المدنيّ في العالم العربيّ، في مجتمعات عرفت بالاعتدال والوسطيّة في طابعها العام، وهي تأنف التطرُّفَ، والتشدُّدَ، والانغلاق الفكريّ والاجتماعيّ، وهذا الأمر يُظهِرُ أنَّ فكر التكفير والعنف المسلح هو فكر "أقلّوي" في المجتمعات العربيّة، من دون التقليل من خطر هذه القلة على أمن الأفراد والمجتمعات واستقرار الدول وتقدمها.

وإنَّ هذا لا يعني عدم الاعتراف بأن هذا الفكر إنَّما يستمد قراءاته للدين وشؤون الناس من نصوص دينيّة، وتراث دينيّ عقيديّ وفقهيّ قد يؤسس للتشدد إذا ما قُرئ قراءة مغلقة، لا تعترف بحركة الحياة وتطورها وتخلط بين الدين والتدين، وبين ما هو اجتماعي في التراث الديني، وما هو متعال على الاجتماع في النصوص المقدّسة، ويمثل روح الدين ومبادئه الأبديّة.

 

 

[1] - نشر بمجلة ذوات العدد 48

[2] نبيل فارس، الإسلام لا يعرف العنف، الدار الشرقية، ط1، القاهرة، 1992، ص19

[3] المصدر السابق نفسه، ص 20

[4] من مواليد أبو خرص مركز أبو تيج أسيوط.، هو مؤسس جماعة المسلمين أو جماعة الدعوة والهجرة، والتي سماها الإعلام جماعة التكفير والهجرة، كان متزوجاً من شقيقة الإخواني محمد صبحي مصطفى. كان الشاب شكري مصطفى متعاطفاً مع جماعة الإخوان المسلمين في الستينيات من القرن العشرين، ولذلك تم القبض عليه ضمن الإخوان المسلمين .... ابتداءً من عام 1965 وحتى خروجهم من السجن.

انظر: "YouTube" (.www.youtube.com باللغة الإنجليزية). اطلع عليه بتاريخ 2017-12-05

[5] نبيل فارس، الإسلام لا يعرف العنف، ص 21

[6] انظر: نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، دار سينا، ط1، القاهرة، 1992، ص 27

[7] نسيره هاني، القاعدة والسلفية الجهادية، كراسات استراتيجية، العدد (188)، 2008، مركز الأهرام القاهرة.

[8] محمد سلمان غانم، الله والجماعة من حقائق القرآن، دار الفارابي، ط1، بيروت، 2007، ص 26

[9] عبد الرحيم علي، منهاج النبوة في الإصلاح الاجتماعي، المركز القومي للإنتاج الإعلامي، 1997، ص ص47-48

[10] علي عبد الرحيم أبو مريم، أصحاب الحق دراسة في نقد الجماعات الإسلامية الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، بيروت، ص 28. وانظر: علي عبد الرحيم، أصحاب الحق، دراسة في نقد الجماعات الإسلامية، الدار العربية ناشرون، ط1، بيروت، 2014، ص ص 28-29

[11] حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام الشهيد، المؤسسة الإسلامية، بيروت، د.ت، ص ص178-179

[12] عبد الإله بلقزيز، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، بيروت، 2004، ص 138

[13] المصدر نفسه، ص 191

[14] نبيل فارس، الإسلام لا يعرف العنف، المصدر السابق نفسه، ص 21

[15] محمد الغزالي، الإسلام والاستبداد السياسي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، القاهرة، 2005، ص 11

[16] المصدر نفسه، ص 17

[17] محمد بحر العلوم، آفاق حضارية في الإسلام، معهد الدراسات العربية والإسلامية – لندن 2000، ص 79

[18] الدسوقي أبو بكر، إشكاليات الانتقال في أجيال العنف، مجلة السياسة الدولية، العدد 198 أكتوبر، مركز الأهرام القاهرة، 2014

 

[19] جماعة التكفير والهجرة – المعرفة، وانظر: جماعة المسلمين (التكفير والهجرة) موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. وانظر: جماعة التكفير والهجرة الموسوعة الميسرة (1/336(>

[20] أوليفييه روا، نحو إسلام أوروبي، خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، ط1، بيروت، 2010، ص72

[21] نسيم بلهول، العقيدة السلفية القتالية الجهادية من الجهاد السلفي الإقليمي إلى الأممية السلفية الجهادية، دار ابن النديم للنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 2013، ص 9

[22] معسكر "نصف القمر"، هو معسكر صغير لأسرى الحرب العالمية الأولى في "زوسين" بالقرب من برلين، وقد تم تخصيصه في الأساس لتحويل المسلمين المقاتلين في صفوف الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) إلى جهاديي حرب في الصفوف الألمانية.

[23] أ. د. خليل حسين، دراسة منشأ الحركات الاصولية وتداعياتها، منشأ الحركات الأصولية وتداعياتها، مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية (RSSC)، المؤتمر الإقليمي الأوّل، القضايا الإقليمية الناشئة: التحدّيات والرؤى المستقبلية، بيروت 29 آذار – 1 نيسان 2011

[24] نسيم بلهول، العقيدة السلفية القتالية الجهادية من الجهاد السلفي الإقليمي إلى الأممية السلفية الجهادية، ص ص 9-10

[25] المصدر نفسه، ص 104. وانظر: عبد المالك بن احمد بن المبارك...مدارك النظر في السياسة بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية، ط4، الإمارات العربية المتحدة، مكتبة عجمان، 2001، ص349

[26] المصدر نفسه، وانظر: أبو قتادة السوري، دروس أمنية للمجاهدين، سوريا، دار المنار الدعوة، 2003، ص 68

[27] المصدر نفسه، ص 150. وانظر: عبد العزيز ناصر الجليل، التربية الجهادية في ضوء الكتاب والسنة، سوريا، دار ابن القيم للنشر، 1422، ص 162

[28] انظر: أولفييه روا، الجهل المقدس، زمن دين بلا ثقافة، ترجمة، صالح الأشمر، دار الساقي، ط1، بيروت، 2012

[29] انظر: داريوش شايغان، ما الثورة الدينية؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة، ترجمة، محمد الرحموني، دار الساقي، ط1، بيروت، 2004، ص ص 218-219

[30] محمد برهومة، القابلية للاحتضان: عوامل صعود السلفية الجهادية في بلاد الشام، مركز الإمارات للدراسات السياسية والاستراتيجية.

[31] رشيد الخيون، 100عام من الإسلام السياسي بالعراق 2 السنة، مركز المسبار للدراسات والبحوث، ط1، دبي 2011، ص215

[32] المصدر نفسه، ص 218

[33] المصدر نفسه، ص 218

[34] المصدر نفسه، ص 233

[35] المصدر نفسه، وانظر: أبو قتادة السوري، دروس أمنية للمجاهدين، سوريا، دار المنار الدعوة، 2003، ص 68

[36] محمد عبد الجبار الشبوط، إسلام القاعدة، http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=52961