"المفرد والجمع في الحرّية والمساواة" لحمّة الهمّامي

فئة :  قراءات في كتب

"المفرد والجمع في الحرّية والمساواة" لحمّة الهمّامي

صاحب هذا الكتاب المناضل اليساري حمّة الهمامي، تناول فيه العديد من الإشكاليات من زاوية أنثروبولوجية وتاريخية؛ ومن بينها رؤيته من زاوية نظر تاريخيّة للإسلام، انتقد فيها الكاتب مواقف المستشرقين من هذه الديانة، وكذلك القراءات المتسرّعة والمتشنّجة لبعض الليبراليين واليساريين. ومن الإشكاليات الأخرى التي تناولها الكاتب بالدراسة، مسألة البديل السياسي والاقتصادي، حيث كان الكاتب حاسما في تأكيده أنّ "الدولة العلمانيّة" هي البديل الوحيد المؤسّس لدولة المواطنة، التي يستوي فيها الجميع بقطع النظر عن دينهم. وعن طريقها يحافظ على هويّته، معتبرا أيضا أنّ الدولة الدينية هي التي تصادر الهويّة الوطنيّة والحرّيات بمختلف أنواعها. وتناول الكاتب أيضا، في أغلب المقالات، رؤيته للعديد من المسائل وبالخصوص مسألة الحرّيات والمساواة بين الجنسين التي اعتبرها الحدّ الأدنى لأيّ تحالف سياسي منتقدا بعض المواقف وخاصة من سمّاهم جماعة "مُشْ وَقْتُو".

وسنتناول في هذا التقديم الإشكاليات التالية:

- التعريف بالكاتب والكتاب.

ـ محتوى الكتاب: رؤية نقدية.

أوّلا: التعريف بالكاتب والكتاب

1) التعريف بالكاتب

صاحب هذا الكتاب هو حمّه الهمامي، من مواليد يناير 1952 في منطقة العروسة بولاية سليانة بالشمال الغربي التونسي، حاصل على الأستاذية في الآداب العربية.

صاحب هذا الكتاب من أبرز زعماء اليسار التونسي، بدأ نشاطه النضالي بصفة مبكّرة منذ أواخر الستينيات في الحركة التلمذية، وبعد ذلك في الجامعة. قضّى جزءا من شبابه في غياهب السجون في عهديْ الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. ومن أبرز هذه المحطات السجنية نذكر:

- اعتقل سنة 1973، إلى جانب العديد من الناشطين بمنظّمة آفاق الماركسيّة، إلى جانب العديد المناضلين مثل محمّد الشرفي وغيره. وحكم عليه بـ 8 سنوات سجنا ونصف قضّى منها ستّ سنوات ونصف. وعلى إثر خروجه أسّس حزب العمال الشيوعي سنة 1986. وتمّت أيضا محاكمته سنة 2002، ليقضي فترة أخرى في السجن. وكان سنة 2011 من آخر الذين خرجوا من غياهب السجون.

2) كتابات صاحب الكتاب

"المفرد والجمع في الحرية والمساواة" ‘منشورات حزب العمال 2019، كتاب من الحجم المتوسط، يحتوي على 233 صفحة. وقدّمه فتحي بالحاج يحيى، صاحب كتاب "الحبس كذّاب والحيّ يرَوَّحْ ". احتوى على 16 مقالة شملت ميادين عديدة مثل المساواة، طبيعة الدولة التي ينادي بها حزب العمّال وغيرها من المسائل مثل المساواة بين الجنسين التي كانت حاضرة في أغلب المقالات إن لم نقل كلّها. وللكاتب أيضا عدّة كتب من بينها "المجتمع التونسي: دراسة اقتصادية واجتماعية"، "في اللائكيّة"، "الاشتراكية أو البربرية: مطارحات حول قضيّة المرأة"، و"الاشتراكية اليوم" وغيرها.

ثانيا: محتوى الكتاب: رؤية نقديّة

1) محتوى الكتاب

أ) تجربة السجن وتأثيرها على فكر الكاتب

كان للتجربة السجنية جزءٌ من اهتمامات صاحب هذا الكتاب من خلال فصل كان تحت عنوان "رسالة من السجن". فالقارئ لهذه الرسالة يلاحظ ما يلي:

- حجم المعاناة والتعذيب الوحشي الذي كان موجودا بالسجون التونسيّة أثناء حكم الحبيب بورقيبة، وكذلك زين العابدين بن علي. وهذه الرسالة سرّبها بصفة سرّيّة إلى محاميه وصديقه أنور القوصري، انطلاقا من سجنه بالناظور. ويجد الباحث والمهتمّ بتاريخ السجون بتونس وصفا مهمّا عن الزنزانة التي كان يقيم فيها السجناء وطرائق التعذيب المتعدّدة التي مورست ضدّهم. وممّا ذكره عن التعذيب من قبل الجلاّدين ما كان يردّده أحدهم "اضربوه على رأسه، اضربوه، حتّى لا ينتج مخّه الخامج مستقبلا أفكارا خامجة مثله". فهذه الشهادة وغيرها بإمكانها أن تكون منطلقا لبحث في الماجستير مثلا حول التعذيب بالسجون التونسيّة زمن "الدولة الوطنيّة".

وممّا يؤكد ذلك مواقفه من العديد من المسائل مثل حكم الإعدام، حيث يقول في هذا السياق: "لمّا غادرت السجن عام 1980، لم يعد لديّ أيّ التباس في الموضوع، أصبحت مناهضا لحكم الإعدام عن قناعة"[1]. وكان أيضا لهذه التجربة بالسجون وكذلك نضاله بمنظّمات حقوق الإنسان أثر في منح الأولويّة للحرّيّات الفرديّة.

ب) حمّة الهمامي والإسلام

طرح المؤلّف في كتابه العديد من التساؤلات التي من واجب كل اليساريّين طرحها، من بينها "نحن مازلنا معزولين عن قاعدتنا الاجتماعية الكادحة والشعبية، فماذا فعلنا لنجعلهم يقبلوننا؟"[2]. وفي هذا السياق، تحدّث عن إخفاقات اليسار التونسي في تعامله مع المسألة الدينية. وقدّم في العديد من المقالات رؤية تاريخية وعقلانية للإسلام. وبرز ذلك مثلا حين انتقد النظرة اللاتاريخية للإسلام والنظرة الاستشراقية المتشنّجة وغير الموضوعيّة. وكان الأستاذ حمّة الهمّامي وفيّا لقراءة ماركس التاريخية للأديان الذي اعتبر أنّ الإسلام في اللحظة التي جاء فيها شكّل "ثورة". ولقد اعتبر أيضا أنّ الإسلام شكّل الإطار الفكري والسياسي لأعظم حضارة في العصر الوسيط. ويجد قارئ هذا الكتاب العديد من المقولات لكلّ من ماركس وأنجلز حول الإسلام غير معروفة لدى الكثيرين.[3]

وممّا يجده القارئ أيضا في هذا الكتاب، نقده للذين يربطون تخلّف المرأة العربيّة المسلمة، مقارنة بنظيرتها في بقية أنحاء العالم، بالإسلام. فقد أكّد أنّها قراءات لا تاريخية، لأنّ أثناء تلك الفترة كانت المرأة، في أوروبا وفي غيرها من المناطق، تعيش ظروفا صعبة. ولقد ربط ذلك بالتطوّرات السريعة في العالم الغربي والجمود الفكري في العالم العربي الإسلامي[4].

إنّ قارئ هذا الكتاب، سيجد مواقف غير متداولة كثيرا من قبل اليساريين حول النبيّ محمّد، حيث دافع عنه ضدّ الذين عملوا على تشويهه من المستشرقين ومن المتشدّدين الإسلاميين. وممّا قاله ههنا: "وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى الصورة المشوّهة لمحمّد التي يروّجها، سواء أشباه الحداثيّين المنبتّين أو أتباع الرجعية الظلاميّة. فأمّا الفريق الأوّل، فهو يقدّم محمّدا النبي، بالمفهوم التاريخي الدقيق على أنّه المفكّر السياسي والدبلوماسي والعسكري، كما يقدّمه بعض المستشرقين الاستعماريين والعنصريين على أنّه شخص عدواني عنيف يحب النساء، نافين أنّه من أعظم الشخصيات التاريخية، إذ كانت دعوته وراء التحوّلات العظمى التي شهدتها المنطقة والعالم في القرون الوسطى.

وسيجد قارئ هذا الكتاب رؤية يسارية للإسلام تتناقض تماما مع قراءات المستشرقين، وكذلك المتشدّدين دينيا. وممّا قاله حول هذه المسألة: "أمّا الفريق الثاني أي أتباع الظلامية والرجعية، فإنّهم يسيئون إلى محمد تحت غطاء الدفاع عنه، فهم يجرّدونه من عبقريّته ومن ذكائه الذي جعله يقود مرحلة جديدة وحاسمة من مراحل تاريخ العرب. ويقدّمونه على أنّه مجرّد أداة تنفيذ لما يوحى إليه بدون تفكير"[5].

وفضلا عن ذلك، يجد قارئ هذا الكتاب شرحا مهمّا من قبل الكاتب للفوارق بين الشريعة التي هي إنتاج بشري من جهة، والإسلام من جهة أخرى.

ج) طبيعة الدولة وتشريعاتها

تعرّض الكاتب إلى العديد من المسائل التي أثارت ولا تزال جدلا كبيرا داخل المجتمع التونسي من بينها:

ـ طبيعة الدولة: كان المؤلّف واضحا وحاسما في هذه المسألة بالرغم من كوننا لا تفصلنا عن الانتخابات سوى أشهر قليلة. فقد انطلق من قول نصر حامد أبو زيد "العلمانيّة أو الموت" مبيّنا بشكل مستفيض وواضح أنّ العلمانية لا تتناقض مع الهويّة الإسلامية، بل هي أكبر ضامن لها. وساق المؤلّف عدّة براهين تؤكّد صواب ما ذهب إليه.

- قوانين وضعيّة: انتقد الأستاذ حمّة الهمامي قراءات أحزاب الإسلام السياسي والمحافظين بصفة عامة وتحاليلهم للمسائل الدنيوية العلمانية وإلباسها لبوسا دينيّا، وتحويلها إلى مسائل لاهوتية، معتبرين أنّ الطعن في تلك المسائل مثل تعدّد الزوجات والمساواة في الإرث، طعنا في الدين ذاته، مبيّنا أيضا طرق تعامل حركة الإصلاح مع هذه المسائل.

لقد بيّن الأستاذ حمّة الهمامي أنّ المطالبة بإصلاحات تشريعية تقدّميّة ووضعيّة، تصطدم بعدّة معطيات من بينها الجماهير الشعبية التي تعتبر ذلك مسّا بالإسلام، ناصحا التقدميّين ومناضلي حزب العمّال والجبهة الشعبية بصفة خاصة بمحاورة الجماهير بكلّ هدوء ورصانة وعدم استفزازها، مقابل إقناعها بتاريخيّة التشريعات وأنّ لكل مرحلة تشريعاتها، ويكون ذلك منطلقا لتناول مسألة المساواة في الإرث.

- يجد قارئ هذا الكتاب، رؤية الكاتب لتاريخيّة مسألة الشريعة. ومما يقول في هذا السياق: "إنّ التشنّج الذي يبديه البعض حيال الإسلام لا يمكن أن يقنع عامّة الناس الذين يرون فيه استفزازا لمشاعرهم الدينية"[6]. لقد بيّن الأستاذ حمّة الهمامي ضرورة وضع مسألة التشريعات في سياقها التاريخي، مثل قطع اليد، المساواة. وبالفعل تبدو هذه المسألة ضرورية. ومن أبرز الأمثلة الدالة على ذلك مسألة العبودية، الجواري وغيرها. فهذه المسائل لم يُلْغِها الإسلام، فهل يمكن اليوم الدفاع عنها؟

- بيّن المؤلّف أيضا أنّ الدولة الدينية أكبر خطر على الاستقرار، لأنّها دولة بالضرورة طائفية مستشهدا بعدة تجارب، مثل التجربة السودانية وغيرها. وبيّن أيضا أنّ الدولة الدينية خطر على كلّ البلدان العربية التي تتميّز بتعدّد الديانات، مؤكدا أنّ العلمانية أداة لتنظيم التعايش بين أفراد كل الشعب على أساس المواطنة، مبرزا أنّ الدولة لا يمكن أن تكون متديّنة.

وفي الكتاب، نجد أيضا إجابات عن عدّة أسئلة، مثل العلمانية والهوية، تشريعات الدولة العلمانية، حيث شدّد المؤلّف على أنّ أكبر خطر يهدّد وحدة دولة معيّنة هو الطائفيّة والدولة الدينية.

- يبيّن الكاتب أيضا أنّ الدولة العلمانية يجب أن تتماشى قوانينها مع المنظومة العالمية لحقوق الإنسان. ومن أبرز خصوصياتها، أن تكون مدنيّة، مبرزا أنّ إقامة الحدود تاريخيا تعود إلى ما قبل الإسلام، مقدّما العديد من الأمثلة التي تناولتها العديد من المصادر الخاصّة بهذه الفترة، من بينها قطع يد السارق الذي كان موجودا ببعض القبائل وخاصة قريش. وكان الجَلْد، ويسمّى "التعزير"، يستعمل في الحواضر وغيرها. ولقد برهن الكاتب من خلال هذه الأمثلة على نسبية القوانين وبكونها منتجا تاريخيّا وغير متعالٍ عن الزمان. وبيّن أيضا موقفه من المِثْلِية من زاوية نظر علمية. فبالرغم من حساسية هذا الموضوع، فإنّه كان أجرأ، من "لجنة الحريات الفردية والمساواة". ويجد القارئ فصلا كاملا متعلّقا بهذه المسالة.

وبيّن الكاتب تطوّر موقفه من حكم الإعدام، مؤكّدا على بعض المحطّات التي ساهمت في تطوّر مواقفه من هذه المسألة من بينها "حادثة حطاب". وكذلك الفظاعات التي رافقت إعدام مجموعة قفصة، فكلّها ساهمت في تغيير موقف الكاتب من مسالة الإعدام.

مسألة الحرّيّة والمساواة في الإرث

تناول المؤلّف هذه المسالة في العديد من الفصول، مؤكّدا الترابط الوثيق بين النضال من أجل الحرية الفكرية وحرّية الضمير وحرّية التعبير، وكذلك المساواة في الميدان الاقتصادي والاجتماعي. وهذه من الإضافات المهمّة، لأنّ الكثير من اليساريين والمطالبين بالاشتراكية يناهضون حاليا الحريات الفردية، باسم الخصوصيّة التي تسلّحت بها الأنظمة الاستبدادية في رفضها للإصلاح.

أمّا المسألة الثانية، التي أطنب فيها الكاتب وأعطاها حقّها من الدراسة هي مسالة المساواة بين الجنسين على مستوى الإرث؛ فأغلب الفصول، وخاصّة منها الواقعة بين الفصل السابع والفصل الثاني عشر، تناولت مسألة المساواة بين الجنسين. إذ عالجها الكاتب بِحِرَفِيّة كبيرة، وبلغة العارف المتمكّن من عدّة مسائل مثل تاريخية المسألة، حيث قدّم العديد من المعطيات ومن بينها:

- اعتباره أنّ صدور مجلّة الأحوال الشخصيّة خطوة إيجابية، لكنّها غير كافية لأنّها أبقت على سلطة الرجل (المهر، عدم المساواة وغيرها من النقائص)، مشيرا إلى أنّ إعلانها كان تكريسا لتوفّر ظروف موضوعية. وممّا قاله: "هذه المجلّة لم تكن ثورة تشريعية كما يزعم البعض، كانت في الواقع إصلاحا في المنظومة الذكورية الأبوية، لأنّها قنّنت التمييز بين الجنسين"[7].

- لقد بيّن الكاتب، بلغة العارف بتاريخ العرب القديم، أنّ مقالة حظ الذكر مثل حظ الأنثيين يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، مستشهدا بما ورد في كتاب المحبّر لابن حبيب: "وكانوا لا يورّثون البنات ولا النساء ولا الصبيان شيئا من الميراث، ولا يورّثون إلاّ من حاز الغنيمة وقاتل على ظهور الخيل. فأوّل من ورّث البنات في الجاهلية، فأعطى البنت سهما والابن سهمين هو القرشي، ذو المجاسد اليشكري وهو عامر بن جشم بن حبيب[8].

لقد بين الأستاذ حمة الهمامي، من خلال هذه الاستشهاد نسبيّة التشريعات والأحكام، مؤكدا أنّ الإسلام ترك العديد من التشريعات التي تتماشى مع المرحلة وطوّر معطيات أخرى. وانطلاقا من هذا الاستشهاد، بيّن أنّ لكل مرحلة تشريعاتها، وما شهده وضع المرأة في تونس من تحوّلات وتشريعات يقتضي النضال من أجل المساواة التامة. ولقد صرّح الكاتب بموقفه من مقترحات لجنة الحرّيات الفردية مذكّرا ببيان حزب العمّال حول هذه المسالة. ويجد قارئ هذا الكتاب أيضا، موقف الكاتب وكذلك حزب العمّال من مجلّة الحريات الفردية وما صاحبها من ردود فعل.

- لقد كان الكاتب حاسما وجازما في مسألة المساواة بين الجنسين، معتبرا هذه المسألة أساس أيّ تحالف سياسي. ومما قاله: "إنّ الدفاع عن حقوق المرأة وعن المساواة التامة بين الجنسين يمثل بندا من أهم بنود أيّة أرضية دنيا قد تجمع أحزاب المعارضة التونسية "[9]. فالتمييز جزء من الثقافة، وممّا جاء على لسان المؤلّف قوله: "إنّ فكرة التمييز، أو اللامساواة راسخة في ثقافة غالبية مجتمعاتنا العربية الإسلامية ومفاهيمها. فهذه المجتمعات تنظر إلى التمييز على أنّه أمر "عاديّ" و"طبيعي"، فالرجل والمرأة لا يتساويان والمسلم وغير المسلم لا يتساويان، حتّى لوكانا من الشعب الواحد".[10]

- المواقف من المِثْلِيّة وحكم الإعدام

على الرغم من حسّاسية هذه المواضيع وتأثيرها على الرأي العام في فترة لا تفصلنا فيها عن الانتخابات إلاّ أشهر قليلة، فإنّ المؤلّف تناول هذه المسائل بطريقة واضحة وشجاعة.

- بالنسبة ّإلى الحرّية، اعتبر أنّها المنطلق الأساسي لأيّ إصلاح ومن بينها حرّية التفكير التي اعتبرها "أمّ الحرّيات "، ومنها تحدّث عن الحريات الفردية، مثل حرّية الضمير التي نصّ عليها دستور 2014، مشيرا إلى مواقف حركة النهضة الملتبسة حول هذه المسـألة، ومنبّها إلى العوائق التي تكبّل هذه الحرية، وهي "التكفير في فضائنا العربي الإسلامي"[11].

2) القراءة النقدية للكتاب

انتقد الكاتب بشدة أحزاب الإسلام السياسي مثل حركة النهضة، حزب التحرير، لكنّ الجبهة الرافضة للحريات الفردية أوسع ممّا بينه الكاتب، بحذر شديد، وبنوع من المرارة. ومما قاله "فالمفكر في نظر البعض، حر طليق، بإمكانها أن يقول ما يريد لأنه غير معني بأصوات عامة الناس. أما السياسي، فهو مطالب بنتائج ملموسة، وعليه فهو مدفوع إلى "التشقليب" بدعوى عدم صدم الناس، وهو ما يجعله أمام أمرين اثنين، فإما أن يجاري العامة في أفكارهم الرجعية، أو أنه يتهرب من الإجابة بدعوى "مش وقتو"[12]. ومن بين الأطراف المقصودة برفضها للمساواة بدعوى "مش وقتو" قسم كبير من القوميين الذين يمثّلون رافدا من روافد الجبهة الشعبية والبعض الآخر يمكن أن يكون حليفا في البرلمان أو في الانتخابات الرئاسية. فهؤلاء الرافضون أيضا للمساواة لم يجادلهم الكاتب ولم ينقدهم، بالرغم من كون مواقفهم من مسألة الحريات الفردية كان مفاجئا، إن لم نقل صادما. وكان شبيها بمواقف أحزاب الإسلام السياسي. ولقد برز موقفهم الرافض للمساواة بين الجنسين من خلال بيان 16 غشت 2017 الذي أمضت عليه عدة أطراف قومية، مثل حركة الوحدويين الأحرار، المرابطون بتونس، حزب الغد وغيرها. وممّا ذكروه "لا اجتهاد في نصّ صريح وآيات محكمات"[13].

ومن الجوانب التي لم تقع الإشارة إليها هي وجود الإسلام الزيتوني النيّر بتونس، ومن بين رموزه جمعية الوعّاظ التي بينت بالأدلّة والبراهين الدينيّة أنّ مسألة المساواة في الإرث وكذلك زواج التونسيات من أهل الكتاب لا يتناقض مع الشريعة[14]. وممّا ذكرته في بيان لها صادر يوم الأربعاء 23 غشت2017 "نتفهّم أن يكون نصيب المرأة نصف نصيب الرجل في الأزمنة الغابرة. فإنّ الأحوال قد تغيّرت، وأصبحت المرأة تساهم في صنع الثروة وفي الإنفاق ولم يعد من مجال لانتقاصها في الميراث"[15]. فهذا الموقف النيّر بإمكان القوى التقدّمية تدعيمه إعلاميا، لأنه يساعد ويسهل الإصلاح ويسرّع به.

ويجب في هذا السّياق، ألاّ ننسى أيضا القراءات النيّرة لبعض العلماء العرب والمسلمين، ومن بينهم الأزهري سعد الدين الهلالي، المتخرج من كلّيّة الشريعة والقانون بالقاهرة، الذي بيّن بالحجة والبرهان أنّ مسألة المساواة في الإرث لا تتناقض مع الإسلام. ومما قاله: "إنّ قرار تونس بالمساواة في الإرث لا يتعارض مع كلام الله، إنّ الميراث مسألة حقوق وليست واجبات مثل الصلاة والصوم"[16]. ومما قاله أيضا: "المساواة في الإرث هي أحد وجوه الفقه الصحيحة". فهذه المواقف النيّرة بإمكانها أن تساعد على نشر ثقافة المساواة بتونس، والحدّ من الخطابات التكفيريّة. فالاعتماد على هذه الحجج الشرعية التقدمية بتونس وخارجها مهم جدّا في التسريع بالإصلاح، لأن الطريقة على ركز عليها الكاتب والمتمثلة في الثورة الثقافية مهمة، لكن يجب أن يكون التنوير الديني جزءا منها. أمّا الثورة الفكرية بوطننا العربي على غرار ما وقع بالغرب، فتتطلب فترة طويلة جدّا.

ومن الجوانب الأخرى النقدية، تناول الأستاذ حمة الهمامي مسالة الإصلاح في تونس تحت ضغط الراهن. وبرز ذلك من خلال اعتباره أنّ الإعلان عن مجلّة الأحوال الشخصية كان ضمن مسار طبيعي للتحوّلات، لكنّ الدراسات الموضوعية تبين أنّها كانت نتيجة قرار سياسي. ومما يؤكد ذلك أنّ العديد من الدول التي لم يتوفّر فيها قرار سياسي قويّ لم يقع فيها إصلاح شبيه بما وقع في تونس مثل الجزائر والمغرب الأقصى، ومصر في عهد جمال عبد الناصر. لكن حسب ما يبدو، فإنّ موقف الأستاذ حمة الهمامي من إصلاحات الحبيب بورقيبة (حكم من 1956 إلى 1987) كان تحت ضغط الراهن، فلا ننسى أنه عاش فترة من شبابه بالسجن ونال ألوانا من العذاب.

الخاتمة:

يعتبر هذا العمل إضافة جديدة تناولت مسائل شديدة الحساسية في زمن الانتقال الديمقراطي بتونس. وممّا توصلنا إليه من خلال هذه الدراسة هو أنّ المؤلّف:

- انطلاقا من المنهاج الماركسي انتقد بشدة موقف المستشرقين من الإسلام.

- قدّم العديد من الإضافات والإجابات حول الدولة العلمانية، المواطنة، الهوية، معتبرا أنّ الضامن الوحيد لذلك هي الدولة العلمانية.

- أكّد تاريخية الشريعة والعديد من الأحكام الواردة في القرآن، وبالتالي فإنّ تطويرها لا يتناقض مع هويّة المسلم.

- بيّن تطوّرَ رؤيته للحريات الفردية والعديد من المسائل مثل الشريعة، المثلية، حكم الإعدام وغيرها، متجاوزا بذلك الرؤية التقليدية للعديد من الماركسيّين.

ـ إنّ المسائل التي تناولها في حاجة إلى حوارات معمّقة من قبل القوى التقدّميّة بتونس لخلق أرضية لبرنامج مشترك بينها، يوفّر أفقا واضح المعالم للإصلاح بتونس.

وعلى الرغم من مقاربته التاريخية التي أكد فيها على نسبية التشريعات وضرورة تطورها، فإنّه لم يتناول المواقف النيّرة لبعض المجدّدين مثل جمعية الوعاظ بتونس والمصلح الأزهري سعد الدين الهلالي، التي بإمكانها المساعدة على تمرير الإصلاحات.


[1] حمة الهمامي، المفرد والجمع في الحرية والمساواة، منشورات حزب العمال، 2019، ص192

[2] نفس المرجع السابق، ص15

[3] نفس المرجع السابق، ص33

[4] نفس المرجع السابق، ص42

[5] نفس المرجع المذكور سابقا، الطبعة الثانية، ص38

[6] نفس المرجع، ص44

[7] نفس المرجع السابق، ص140

[8] ابن حبيب، المحبّر، تحقيق د. إيلزه لختن شتيتر، مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الطبعة، 1361هـ، 1942 م، ص236

[9] حمّة الهمامي، المفرد والجمع في الحرية والمساواة، ص100

[10] نفس المرجع المذكور سابقا، ص104

[11] نفس المرجع المذكور سابقا، ص60

[12] نفس المرجع السابق، ص14

[13] أحزاب وجمعيات قومية ترفض المساواة في الإرث www.mosaique.fm.net/ar

[14] يمكن الرجوع إلى، عبد المجيد الجمل، الجدل حول المساواة في الإرث بين حراس الشريعة والحداثيين بتونس وبالخارج، منشور على موقع مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قسم الدراسات الدينيّة، أكتوبر 2018 (بحث محكّم)، ص16

[15] الجمعية التونسية للوعاظ مع المساواة في الإرث: https://www.shemsfm.net

[16] سعد الدين الهلالي، http://www.youtube.com,watch,28 novembre,2018