النفس بين عـينية ابن سينا وﮔـنزا ربا

فئة :  مقالات

النفس بين عـينية ابن سينا وﮔـنزا ربا

النفس بين عـينية ابن سينا وﮔـنزا ربا

أ.د. قيس مغشغش السعدي[1]

ابن سينا مولده ونشأته

الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الحكيم المشهور، والده من متصوفة بلخ في أفغانستان حاليـا، ثم سكن بخارى في أوزبكستان حاليا . ولد سنة 980 ميلادية وتوفي في همذان سنة 1037 ميلادية. تقلبت به الأحوال حتى إنه استوزر من قبل شمس الدولة أمير همذان ثم عزل. وضع أكثر من 200 كتاب في مواضيع مختلفة وأشهر أعماله كتاب القانون في الطب، وهو عمدة الكتب في تعليم الطب. عرف بلقب الشيخ الرئيس وذاع صيته في الغرب، وعرف بأبي الطب الحديث متبعا أسلوب أبقراط. أما أهميته الفلسفية، فتبرز في نظريته في معرفة النفس الناطقة وأحوالها. واعترافا وتقديرا لأهمية نتاج ومساهمات ابن سينا في مجالي الطب والفلسفة، فقد دعت منظمة اليونسكو للمشاركة في إحياء ذكرى مرور ألف عام على ولادته وأقيم الاحتفال عام 1980 في دمشق.

وفيما يتعلق بالنفس التي هي محور هذا الموضوع؛ لأن العينية التي كتبها ابن سينا، إنما وضع فيها خلاصة تصوره عنها، فنقرأها في رسالته عن النفس التي ثبت فيها:

1- أن جوهر النفس مغاير لجوهر البدن: فالمراد بالنفس جوهر روحاني فاض على هذا القالب (البدن) وأحياه واتخذه آلة في اكتساب المعارف والعلوم، حتى يستكمل جوهره بها، ويَصير عارفًا بربه عاملا بحقائق معلوماته، فيستعد بذلك للرجوع إلى حضرته، ويصير ملكا من ملائكته في سعادة لا نهاية لها.

2- بقاء النفس بعد فناء البدن، فالجوهر لا يفنى بعد الموت ولا يَبلى بعد المفارقة عن البدن؛ وذلك لأن جوهره أقوى من جوهر البدن، ولأنَّه محرك هذا البدن ومُدبِّره ومُتصرف فيه، والبدن منفصل عنه تابع له.

3- مراتب النفوس في السعادة والشقاوة بعد مفارقة النفس عن البدن، تظهر في ثلاث؛ فهي إما أن تكون كاملة في العلم والعمل، وإما أن تكون ناقصة فيهما، وإما أن تكون كاملة في أحدهما ناقصة في الآخر.

وجملة الإنسان في ثلاثة عوالم؛ هي عالم العقل وعالم النفس وعالم الجسم. فاما العقل فبالمدركات، وأما النفس فبالمحسوسات، وأما البدن فبالأعضاء المستجيبات المدبرات المتدبرات.

وقد اشتهرت قصيدته العينية في النفس التي كتبها وشرحت كثيرا وتم ملاقاتها بقصائد. تصف القصيدة النفس قبل ولوجها في البدن وحالتها، وهي فيه ومآلها بعد مفارقتها له، ونظرته للنفس أنها قائمة موجودة قبل تشكل البدن بعهد طويل، غير معروفة الكنه، حلت وتحل فيه كارهة مكرهة. وتتعايش معه فتألفه، فإن حل الموت ربما كرهت ذلك. والجسد آلة النفس يجري منها مجرى الثوب من البدن، فكما الجسد يحرك الثوب، تحرك النفس البدن بواسطة أعضائه الظاهرة.

ﮔـنزا ربا: هو كتاب الصابئة المندائيين[2] الأساس الذي يشتمل على معتقدهم الديني بجميع أبعاده ما يتعلق منه بالإيمان القائم على توحيد الخالق وتنزيهه، وكذلك على انبثاق الخلق، سواء للعالم العلوي: عالم النور، أو العالم الوسطي: عالم المثال السني، أو العالم السفلي، وهو الكون بجميع ما فيه من سماوات وأرض ومجرات وكواكب. ويشتمل الكتاب على خلق الماء، أساس الحياة، والنبات والحيوان وكل ما يدب ويهب على الأرض، ثم خلق الإنسان، وهو كتاب كبير يقع في حوالي 650 صفحة، ويقسم إلى قسمين يسمى القسم الأول اليمين، وفيه أسفار عديدة عن التوحيد، والغفران، والوصايا، والمحرمات والمحللات، والأوامر والنواهي، وخلق آدم وحواء، والقيم الخُلقية، وكل ما يتعلق بالحياة، وحث الإنسان المخلوق على معرفة الخالق والإيمان به للفوز بحياة هانئة في هذه الدنيا، وتحقيق الوعد بحياة أخرى بعد الموت. والقسم الثاني وهو القسم اليسار، ويتعلق بالموت وطلب نفس آدم أبو البشرية الرحيل بعد أن انتهى كيلها وعمرها، ويتضمن أيضا تسابيح تتعلق بالنفس والعقل الذي حل في جسد الإنسان بعد أن كان موطنه العالم العلوي، عالم النور، ثم التسابيح التي تتعلق بتوق النفس لمغادرة الجسد والالتحاق بعالمها الأصلي الذي قدمت منه. وكلها عِبرٌ في انعتاق نفس الإنسان ومغادرتها محسبها وارتقائها إلى عالم النور. وهذا القسم أصغر من القسم اليمين، ولأنه يتعامل مع نصوص الموت مقابل القسم اليمين الذي يتعامل مع الحياة، فقد وضع بشكل مقلوب عن القسم اليمين.

وفيما يتعلق بالنفس، فإن معتقد ديانة الصابئة المندائيين، كما يرد في كتابهم (كنزا ربا)، يحدد أن الإنسان مكون من ثلاثة مكونات هي:

1- النفس: (نشمثا) بمعنى (النسمة)، وتشير إلى العقل أيضا حسبما تسمى في لغتهم المندائية التي هي فرع من الآرامية الشرقية.

2- الروح: وتسمى (روها) وهي مجموعة الغرائز والرغبات والأعلاق وكل ما يتروّح به، وهي الطاقة التي تدفع الجسم للحركة وتجعله يسعى لإشباع حاجات البدن من أجل أن يستمر في الحياة، ويحافظ على بقاء النوع.

3- الجسد: ويسمى (ﭙـغرا)، وهو البدن الحاضن للنفس والروح، المؤتمر بأمر النفس والمتحرك بدوافع الروح، وهذا مبعث التصارع بين الأمر والحركة بحكم ما تمليه النفس كضمير، وما تدفع إليه الروح من جشع وعدم شبع.

فإن قابلنا بين نظرة ابن سينا للإنسان في مكوناته ونظرة معتقد الصابئة المندائيين، نجد التطابق من هذه الناحية في المكونات الثلاثة من حيث طبيعتها ونوعها ومادتها وتسلسلها ومصيرها. وحيث إن ابن سينا قد وضع خلاصة نظرته في هذا الموضوع في قصيدته العينية، فإننا سنقوم في هذه الدراسة بملاقاة ذلك في جميع متضمناته الأساسية مع ما موجود أصلا في معتقد ديانة الصابئة المندائيين التي لا شك أنها سبقت ابن سينا بما لا يقل عن ألف عام تأسيسا على النظرة العرفانية للنفس في منشئها وهبوطها ووجودها ومغادرتها وخلودها.

وقد قادتنا المفاهيم التي وردت في القصيدة[3] والتشابهات بينها وبين معتقدات الصابئة المندائيين للسعي في الوقوف على كل بيت من أبياتها، بل وأحيانا في الكلمات والتعابير أيضا.

1.         هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ             وَرقَـــاءُ ذَاتُ تَـعَـــزُّزٍ وَتَـمَـنُّــعِ

هبط بمعنى نزل، والهبوط من علو إلى سفل، وهو غير السقوط؛ لأن الهبوط يتضمن الشعور والإدراك، ويمكن أن يكون في المكانة. وتاء التأنيث المتصلة بالفعل تخص (الورقاء: الحمامة). ونرى المقصود بـ (إليك) هو الجسد. أما المحل الأرفع، فهو صيغة تفضيل للمقام السامي العالي الذي يسمو على المكان الذي تم الهبوط إليه، وهو ليس مكان ولا مقام، بل هو محل كانت تحل فيه، لأن ماهيته لا تدرك، فبكلمة محل يبقى مجهولا. والورقاء هي الحمامة البيضاء المشوبه بلون رمادي خفيف إشارة إلى طائر يعرف كيف يهبط ويعرف طريقه إذا طار وعاد، وهو الأنيس المألوف المحبوب من بني آدم، وهو الذي ينوح شوقا ويضرب به المثل في ذلك. وقد قرن هذا الهبوط بالتعزز والتمنع لأسباب اختلاف المكان الذي قدمت منه عن الذي تهبط إليه، وفي هذا إشارة إلى أنها مدركة وعارفة. ولذلك تعززت لإدراكها شرف أهليتها ومكانتها على وضاعة ما ستذهب إليه، وتمنعت سعيا بأن تبعد هذا الهبوط، ولم يقل مانعت لأن حدها في التمنع، وليس في منع ما تقرر عليها، والذي عليها أن تستجيب له.

وعند الصابئة المندائيين أن النفس (نشمثا) هي قبس نور كنهها غير معروف، وهي بضعة من الحي، وهي نسمة أدخلت في الجسد يتنفسها فيحيا، والشرارة التي تقدح في البدن، فتحركه وتملؤه طاقة حيوية. ظلت خافية عن الملائكة في سرها وعن الجسد الذي يحتضنها. هبطت من عالم النور ولا أحد يدرك هذا العالم غير الوصف بأنه الأرقى والأنقى والأتقى. كان هبوطها لغرض أن تحيي الجسد الذي جبل وظل هامدا لا حراك فيه. ولم تأت علانية، بل لفت برداء أبيض ناصع كيلا ترى ولا تعرف. وأولجت في الجسد من قبل ملاك هو هيبل زيوا: واهب الضياء (جبريل). ويرد تصوير ذلك في نصوص كتابهم الأساس كنزا ربا، ومنه نقتبس لنقف على النص كما ورد وفي ذلك يتم الوقوف على التطابق في الرؤية والمعاني بخصوص رؤية ابن سينا في البيت الأول.

- "من بلد النور أتيت، منك أيتها الدار المتقنة أتيت"

- "كنت مخفيا في بيت الكنز.. مقيم في نعمة أبي، متألق بالضياء الذي كان فيه.. غرسة الحي العظيم الذي في بيت الحي مقيم"

- "من ملكوت الحي الأمين، خرجت نشمثا (النفس) ومعها ثلاثة من الأثريين"

- "خافت وأجفلت، وبكت واعولت، وعن الدخول إلى الجسد تمنعت"

- "يا نشمثا الحي الحرة: لماذا تعاصين وتتمنعين"

وتشبه النفس في النصوص المندائية بالحمامة، ويطلق عليها (ﭙـا) تنطلق وتطير محلقة يرافقها مخلصها حينما تغادر.

وبهذا يتطابق تصوير ابن سينا مع نصوص ديانة الصابئة المندائية بكل ما ذهب إليه في هذا البيت.

أما عن تشبيه النفس بالطائر، فيرد عندهم:

- "طارت نشمثا بأجنحة أدعيتها وصلواتها"

- "وتنطلق نشمثا وتطير، محلقة وحدها في الأثير"

- "ها أنا بثوب النور أسير، بالثوب الذي ألبسنيه الحي أطير"

وفي طقس الارتقاء (مسقثا) الذي يقام للمتوفي دعما لارتقاء نفسه إلى عالم النور، فإن من إجراءاته أن رجل الدين يذبح حمامة وتسمى (با) إشارة إلى إنعتاقها وانطلاقها مثيلا.

2- مَحْجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ            وَهْيَ الَّتي سَفَرَتْ وَلَمْ تَتَبَرْقَـعِ

ليست النفس محجوبة بحجاب، بل إن الحواس لا تدركها وخاصة حاسة البصر. هذا يعني أن إمكانات بصرنا محدودة. ولذلك، فهي تقصر عن أن تراها، بل إن أي عارف لا يستطيع أن يراها ولا يدركها، لأنها غير معروفة الماهية. فهي بضعة من الخالق، وطالما أن الخالق غير معروف فبضعته غير معروفة ويعجز العارفون عن ذلك بمن فيهم الملائكة والأنبياء. ويردف ابن سينا في البيت بأنها سفرت ولم تتبرقع، وسفورها يكون للعارفين الذين يتلمسون معرفتها ببصيرتهم وليس ببصرهم ويقفون على ذلك بآثارها وأفعالها التي تكون وراء حركة الجسد، ذلك أن الجسد آلة لها.

ونشمثا حسب معتقد الصابئة المندائيين حين أهبطت لفّت برداء نور أبيض، والرداء هنا للحجب، رغم أنها ليست جسما ماديا، بل قبس ضياء رداؤه النور الذي يحجب رؤية أي عين حتى من قبل الملاك الذي جلبها والأثريين الذين رافقوها.

- "ليبق الملاك بثاهيل[4] جاهلا كيف تهبط النفس إلى البدن"

- "أيها الأثريون" "كونوا حراسا على النفس، لا يعلم بأمرها أحد"

ونقرأ ما تقول النفس عن ماهيتها وكيانها والجهل بها في نصوص كنزا ربا:

- "واحد بناني، واحد كون كياني، واحد هو غارسي. أحد أبناء السلام كان حارسي، في كن الضياء ضمني، وإلى آدم سلمني. كان آدم ساذجا وخجولا، وكان مرتبكا وعجولا، ما ميزني ولا حماني، ولكن في جذع الجسد رماني، في جذع المرارة والعلقم ألقاني".

3- وَصَلَتْ عَلَى كُرْهٍ إِلَيْكَ وَرُبَّمَا            كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهْيَ ذَاتُ تَفَجُّعِ

يرى ابن سينا أن النفس هبطت إلى الجسد مكرهة غير راغبة، وهذا الكره لمعرفتها بعدم موافقة ماهيتها لطبيعة الجسد؛ فهي روحانية أثيرية وهو طبيعي مادي، وهي نقية طاهرة، وهو من كدر فلا تجانس بينهما. وعلى هذا، فإن وجودها فيه جاء بالأمر والقهر. ومع أنها وصلت على كره، فإنها ربما تكره فراقه وذلك بحكم التعلق بينهما. فالنفس وإن هي مغايرة في طبيعتها لكنها ليست طارئة، بل وجدت لغرض الإحياء وهذا يملي التعلق ما بين الاثنين، وكلما كان التعلق أوثق كلما صعبت المغادرة. من هنا نجد أن الكهل يستسهل مغادرة نفسه، وربما يطلبها قياسا بالشاب الذي يتفجع لهذه المغادرة.

وإذا ما قارنا معاني هذا البيت بما يرد في نصوص الديانة المندائية، نجد حسبما يرد في كتاب كنزا ربا أن النفس:

- "خافت وأجفلت، ثم بكت وأعولت، وإلى الجسد ما دخلت".

وهي تقول:

- "عان أنا.. مبعد من الفردوس.. مبعدٌ وعان أنا.. الحي العظيم عناني..أثريو النور أبعدوني.. جاءوا بي من دار الطيبين وفي دار الأشرار أقاموني.."[5]

تقول أيضا:

- "بماذا أخطأت بينكم فأربكتموني، وعن موطني أقصيتموني.. ومن بيت أبي أخرجتموني؟ لم من بيت أبي أخرجتموني؟"

ويرد في الأدب المندائي ممايزة بين طبيعة النفس والجسد: الماء لا يمتزج بالقار

كما يرد في نصوص كنزا ربا أن آدم ألِف جسده ويظهر ذلك أنه حين قدم إليه المخلص، ليرافقه إلى الملأ الأعلى طلب أن يأتي جسده معه، فخاطب ربه قائلا:

- "يا أبي، إن أردتني أن آتي إليك، فليأت جسدي معي. اجعل جسدي يصحبني في طريقي، ويكون أليفي وصديقي"

ومن هذه الألفة أيضا، نجد أن آدم يتمتع بوصف الجسد، فيقول:

- "ولكن كم كان ذلك الجسد جميلا؟ رأسا صقيلا وشعرا أملسا مسدولا. كم عدلوه وقوموه، وكم أجادو حين رسموه. العقل وهبوه والحكمة علموه. صنعوا له عينين اثنتين في النهار والليل مبصرتين، صنعوا له فما يسبح الحي كل يوم، ويدين تعملان لاتكلان ولا تتعبان ورجلين حيثما أراد تسيران"

هكذا يتفجع آدم، وهكذا يذكر ابن سينا هذا التفجع.

4- أَنِفَتْ وَمَا أَلِفَتْ فَلَمَّا وَاصَلَتْ             أَنِسَتْ مُجَاوَرَةَ الخَرَابِ البَلْقَـعِ

والنفس، حين وصلت على كره إلى البدن، وهي تعرف أن مادته أرضية لا ترقى إلى ماهيتها، أنفت منه ولم تتقبله، ولذلك أولجت فيه إيلاجا غير متآلف. وبسبب طول التواجد مع هذا الهيكل، فقد أنست التواصل والمجاورة وليس الانتماء. فالنفس تبقى غير مندمجة مع البدن (الماء لا يمتزج بالقار)؛ لأنها تدرك أن البدن الذي هي فيه لا شك آيل إلى خراب مهما طال به الزمن، في حين تبقى هي متقدة. وحين تغادره بأسباب الكهولة أو عدم الأهلية يعود هامدا غير صالح كأنه ما كان.

ونقرأ ما يرد في نصوص الديانة المندائية من وصف تمايز به النفس كينونتها عن البدن، وكيف تأنف منه ولا تألفه بالقول:

- "أنا غرسةُ الحي العظيم . إني في بيْت الحيّ مُقيم، فمن أدخلني في جذْع الطّين بـهذي الصُّوُرة، وألقاني في المعـموُرة؟ كُنْتُ ملْء الكون أطير، فحُشرتُ في جسدٍ لا يعرفُ كيْف يسير. كان لي فمٌ يمْلؤهُ الشُّعاع، صار فمًا للـكذب والخداع . عيْناي اللّتان تفتّحتا على بــلد النُّور الأمين، صارتا مـن كدرٍ وطين . قلْبي الذّي كان للْحيّ ينْبُضُ بالحـنين، صؑار يخْفقُ داخل هـذا الجذْع المهـين. وفكري الذّي كان مُضيئًا في ملكُوت ربّي، صار بهذا الجسد مُعتماً مثْل قلبي"

ولكن حين تضيق نفس آدم بجسدها يأتيها الجواب:

-"يا آدم، هذا الجسد الذي تضيق به وتعاصيه أنت لست خالدا فيه. إنه زمن ستقضيه تعود بعده إلى بيتك الذي تشتهيه"

هذا يملي أن على النفس مؤانسة الجسد؛ لأن قدرها أن تكون فيه لتحييه إلى أمد محدود بوعد ثم تعود وعليها إذًن أن تتقبله، وهذا التقبل لا شك يقود إلى المؤانسة، فالنفس والجسد ليسا عدويين، بل إنه آلتها التي إن نجحت في تسييره كانت حياة الإنسان أهنأ بدنا ونفسا. فالجسد خراب في مادته، ولكن ليس والنفس فيه. ولذلك نقرأ لأبي إسحق الصابي حكمته بالقول:

جملة الإنسان جيفة         وهيــولاه سخيفــة

فلماذا ليت عمـري         قيل للنفس شريفـة

إنمّـــا ذلــك فـيـــه                   صنعة الله اللطيفة

وربما يتأثر وجود النفس بماديات الحياة، وهنا يكون دور الأديان التي تحث وتحض بتوصياتها لتذكير النفس بنقائها وأصلها، وأن لا تنشغل بمغريات العالم وتذكر يوما تعود به إلى باريها، حيث يكون الحساب على ما أغريت به فانساقت بدلا من أن تسوق.

وأكثر درس تقدمه المندائية في هذا هو المحاجة التي قدمها أبو البشرية آدم عليه السلام يوم تمنع في مرافقة مخلصه والعودة إلى عالمه الأول، حيث يرد:

- "أعول آدم وبكى، وناح وشكا، وقال للمخلص الذي أتى: يا أبتا، إن أتيت معك فدنياي من سائسها؟ وزوجتي من يؤانسا؟ وأغراسي التي أنا غارسها، من حارسها؟"

وهذا إشارة إلى أن النفس يمكن أن تأنس الدنيا وإن طال عيشها فيها وهو ما ذهب إليه ابن سينا أيضا.

5- وَأَظُنُّهَا نَسِيَتْ عُهُودًا بِالحِمَى             وَمَنَازِلاً بِفِرَاقِهَا لَمْ تَقْنـــَعِ

ويرى ابن سينا أن النفس ربما نسيت العهود والوصايا التي أوصيت بها ومنازلها التي جاءت منها على كره أو قد يساورها ذلك. فهل يمكن أن تنسى النفس؟ نعم، كما ذكرنا فربما الانشغال يلهي؛ ولذلك يرد التعليم في ديانة الصابئة المندائيين:

- "رأس التذكر أن لا تنس الله"، وكذلك "إن سر عبادتك أن لا يزول اسم الله من فمك".

وفي القرآن الكريم يرد "واذكر ربك إذا نسيت". فالعمر الطويل نسبيا للإنسان وكثرة مجالات اللهو واللذات الموجودة في العالم المادي يمكن أن تشغل النفس فتلهيها وتنسيها.

ويرد في النصوص المندائية أن النفس تتحسب خشية بالقول:

- "سيتغلب علي الخاطئون، سيعلمونني مما يعلمون ويكلمونني كما يتكلمون، فينسونني من أكون".

ويرد أن المرشد المخلص (مندا اد هيي) يقول:

- "دعوتهم إلى الحي فانشغلوا بالدنيا، دعوتهم إلى نفوسهم فانشغلوا بأجسادهم، دعوتهم لخلاصهم فتعثروا بفسادهم.. ليكن الحي لي شاهدا أني ناديتهم".

وعلى هذا، فإن رياضة النفس بالدين تكون في التعليم وفي اعتماد الطقس وبخاصة الصلاة ذكرا، والصباغة (التعميد) طهارة، والصدقة تواصلا.

وهذا ما نقرأه في التوصية إلى المرشدين حين يأمرون بأمر الحي:

- "اذهبوا إلى ذلك العالم، عالم الظلام. النفوس التي أخذت من هنا إليه علّموها وقومومها واهدوها وزكوها. زكوا نفوس الطيبين والصالحين، لكي يسمعن تعليم الحي."

6- حَتَّى إِذَا اتَّصَلَتْ بِهَاءِ هُبُوطِهَا           عَنْ مِيمِ مَرْكَزِهَا بِذَاتِ اُلأَجْرَعِ

هو الانفصال إذًا عن ميم المركز، فالنفس مركزية الوجود والكينونة القائمة في مبدئها ومركزها العلوي المباين للعالم السفلي المادي. واتصالها بهذا العالم المادي، إنما كان بالهبوط وبهائه الساحبة الهابطة في الهواء الذي تأتي به وتلفظ به. وربما، حسبما يشار، أن هاء الهبوط هو الهيولي؛ أي المادي بإشارة إلى العالم المادي الذي أتت إليه في حين أن ميم المركز هو المبدأ الأول لها. وهذا الاتصال كان بذات الأجرع الذي هو الجسد؛ لأن أصله من أديم الأرض، وهي المادة الأرضية الكثيفة.

وبملاقاة ذلك مع ما يرد في نصوص العقيدة المندائية نقرأه في:

- "يا آدم، أنت مضيء بنفسك، مبتهج بغرسك، عامر بقلبك ورأسك. فاصبر في عالمك وثبّت أغراسك، وأقم أعراسك، وبارك أرضك وسواقيك حتى أناديك. وحين أطلبك، فإن رسولي سيأتيك".

هذه هي الوصية لنفس آدم حين انفصلت عن ميم المركز، وهبطت بهائها إلى الأرض ذات الأجرع بمادتها الكثيفة، حسبما يرد من وصف للعالم الأرضي في كتاب كنزا ربا، فهي هبطت إلى:

- "عالم الفتنة المضطرب، عالم الغش والكذب المزروع بالشوك والعليق".

7- عَلِقَتْ بِهَا ثَاءُ الثَّقِيلِ فَأَصْبَحَتْ            بَيْنَ المَعَالِمِ وَالطُّلُولِ الخُضَّـعِ

وهذه النفس بعد أن ارتبطت بالبدن، وهو مادة الأرض، علقت به بحكم ثقل مادة الجسد وكثافته قياسا بها، وهي النسمة والشرارة التي لا حيز لها، رغم أنها تملأ الكيان كله. وكأن أشراك الجسد قد امتدت ضلوعا وعظاما ولحما وشحما، وكل هذا ثقل أحاط بالنفس وأثقلها، حتى صارت بين المعالم المغلفة لها والطلول القاسية، ومع ذلك فكل هذه خاضعة للفناء والإندثار. وإشارة ابن سينا في ذلك، أن البدن يتعلق بالنفس ويعمل على إبقائها طبيعة فيه؛ لأنه سيسقط عندما تغادره إن بالكهولة وعدم الأهلية، وهو موت طول العمر، أو نتيجة عطب كبير يصيبه أو جزء فاعل فيه فلا تجد النفس فيه الأهلية لبقائها.

ويظهر تصوير نصوص الديانة المندائية لتعلق الجسد بالنفس في طلب آدم أن يصعد جسده الذي ألفه معه بإشارة إلى التعليم الذي يلزم الفصل بينهما، حيث يرد:

- "يا أبي، إن أردتني أن أسمعك، ليأت جسدي معي".

ويأتي الجواب لآدم:

- "كم أنت حزين يا آدم، كم أنت حزين! أعلى جسد من طين؟ يا آدم لا يصعد جسد إلى عليين".

ومن ثاء الثقيل تكون الأعلاق والرغبات المقترنة بالحاجات التي جبل عليها الجسد، والتي تسعى للإشباع بمختلف الوسائل المادية كما في الطعام والشراب، والروحية كما في اللهو والملذات، وحتى الاجتماعية في النجاح وتحقيق الذات. كل هذه يطلق عليها في عقيدة الصابئة المندائيين مصطلح الروح (روها) وهي ما يتروح بها الجسد. وهذه الروح ترافق النفس في وجودها بالجسد، والفرق أنها تتطلب الشبع والنهم الذي يقود إلى السوء والشر. وحقا أنها الثقل الذي يمسك بالنفس، حتى في انطلاقها ومغادرتها الجسد، . ونقرأ ذلك في أن الروح التي تمثل نفسها بأنها أخت النفس تتوسل بها من أجل أن ترافقها ولا تفارقها حينما تصعد إلى عليين، فتقول لها:

- "بحياتك يا أختاه، بحياة كل تلك السنين، خذيني معك حين تنطلقين".

فتجيب النفس الروح:

- "كيف آخذك معي إلى من سأدق بابه وأنت روح كذابة؟ إنك يا أختاه تكذبين... وصاحب الميزان الذي يزن الأعمال، ويرفعها للديان يصعد الصالح لصلاحه، ويمسك السيء لسوء أعماله، فكيف أخرجك من أقفاله؟"

8- تَبْكِي إِذَا ذَكَرَتْ عُهُودًا بِالْحِمَى          بِمَدَامِعٍ تَهْمِي وَلَم تتقطّـعِ

جاء هذا البيت في بعض النسخ (ولما تقلع). فالنفس تبكي كلما ذكرت عهودا بحماها يوم كانت مستقرة في العالم الأول الذي كانت فيه ومنه هبطت، ومدامعها مستمرة لا تنقطع، حتى تعود فتهنأ. ويصوّر ابن سينا حال النفس أنها حتى لو كانت مسرورة في الدنيا، فإن حنينها لا ينقطع إلى ذلك العالم، وتظل تذكره وتكون علامة الذكر والحنين تلك الدموع التي لا تنقطع. فلو كان وجود النفس مقصورا على ما هي عليه في هذه الدنيا لما حنت ولا بكت. أما في نسخ (ولما تقلع)؛ أي إنها لا تتوقف عن البكاء والمعنى واحد.

لقد وعدت النفس كما يرد في العقيدة المندائية بأنها ستعود إلى منازلها وعالمها الأول مما خفف عنها وطء دخولها الجسد، فيرد في كتاب كنزا ربا:

- "بقوة الحي وقدرته، وعلى اسم العليم وسمته، والوعد الذي وعدنيه، سرت إلى الجسد ودخلت فيه، فصرت قرينته أراقبه وأداريه".

وهي كلما ذكرت ذلك الوعد بكت، ويرد تصوير ذلك في أحد نصوص كتاب كنزا ربا:

- "إحدى بنات الحق تبكي في الدار المظلمة، تقول: أنا بنت رجال صديقين، بنت رجال مؤمنين أنا.

بنت صديقين مؤمنين، فمن رماني في دار المظلمين؟"

- "النفس تبكي طول الدهر، تنحدر الأرض من دموعها وترتج السماء لصوتها، تبكي وتقول: أنا اللؤلؤة من تاج العظيم، من أتى بي إلى هنا لأقيم في هذا العالم الأليم"

والنفس في النصوص المندائية تبكي أيضا، فهي وإن وعدت بالخلاص لكنها لا تعرف متى وكيف، فتقول:

- "من ذا الذي يخرجني من هذا الجسد؟ من ذا الذي ينتزعني من هذا البدن؟ يا لحزني في هذا العالم المعتم، العالم الذي كله دسائس وفتن وعقد وشجن".

9- وَتَظَلُّ سَاجِعَةً عَلَى الدِّمْنِ الَّتِي           دَرَسَتْ بِتِكْرَارِ الرِّيَاحِ الأَرْبَعِ

وتظل النفس تنوح ساجعة مثل نوح الحمامة على طلول البدن والعالم الذي هي فيه، والذي لاشك أنه آثار دارسة بكرور الزمن التي تمثلها الرياح الأربعة التي تدور بفصوله وبمواده الأساسية الأربعة مادة التكون المادي (التراب، الماء، النار، والهواء). فالنفس التي تبقى على حالها تتأثر من العجز والشيخوخة للبدن وعلله ما يجعلها تأن باستمرار لوجودها فيه، ويظهر ذلك بأقصى العمر خاصة، حيث تكون الحياة رتيبة، ويظل الإنسان ينتظر خلاصه بموته الذي بحصوله تطير فيه الورقاء عائدة، ويعود الجسد إلى الأرض أصله.

ويرد في نصوص كنزا ربا:

- "النفس في جذع الجسد ناطرة، أوجاعها ماطرة. كم سيطول غيابها، ومتى ينتهي أجلها وحسابها وتحل عودتها وإيابها".

- "متى يحل الوعد الأمين فيصل الفرج للمتضايقين".

- "متى ينتهي عمري؟ متى ينتهي هذا العذاب المهين؟ متى أخرج من ثوب الطين وأعود إلى بيت أبي الأمين؟ متى أعود إلى بلد الصالحين؟"

- "لقد إنحنت قامتي، وطالت هنا إقامتي، فمتى أرفع إلى بلد النور هامتي"

10- إِذْ عَاقَهَا الشَّرَكُ الكَثِيفُ وَصَدَّهَا       قَفَصٌ عَنِ الأَوْجِ الفَسِيحِ المُرْبِعِ

فما عاقها عن الطيران هو شرك الجسد هذا، وهو لاشك كثيف كثافة ما في العالم الدنيوي. هو قفصها الذي ترى من خلاله، لكنها لا تستطيع أن تفارقه بنفسها مالم يعينها معين لتنطلق إلى ما هو سام وعال في الأوج الفسيح الرحيب.

القفص عند ابن سينا يقابله السجن والحبس الذي تحبس فيه النفس إشارة إلى الجسد الذي تقيم فيه على كره في النصوص المندائية. وبهذا الخصوص يرد:

- "أيها المختار الذي ما كان من هنا، ولا غرسته هنا غرست، ولكن نفسه هنا حبست"

- "يا آدم، أمرت أن أحررك من جسدك، وأخرجك من هذا العالم. أحررك من سجن اللحم ومن سلاسل الدم والعظام لأصعد بك إلى بيت أبيك؛ بيت النور والسلام، حيث لا بغض ولا ظلام"

- "أي ضيق أعانيه، وأي سجن أتعذب فيه، وإلى متى أراقبه وأداريه؟"

- "متى نتخلص من أسر الطين، متى ننجو من شرك الشياطين؟"

11- حتى إذا قَرُبَ الْمَسِيرُ مِن الْحِمَى      ودَنَا الرَّحِيلُ إلى الفَضَاءِ الأوْسَعِ

ولن يبقى الشرك أبدا، بل سيحل الوعد الذي تأمل به النفس في تحقق الرحيل وقرب الانطلاق في المسير الذي يوصلها إلى حماها وموطنها، وهي متى ما اطمئنت إلى ذلك فإنها تتهيأ آملة. وهذا ما يرد في نصوص كنزا ربا:

- "سيمر الزمان، ويئين الأوان.. الأغنياء يخرجون من غناهم، والأسياد من ممالكهم وقراهم.. ستغادرين المعمورة وستعودين أيتها النفس الحزينة المقهورة".

- "يا آدم أبشر، استنر وأنر، فإنني قادم إليك. لقد أمرني ربي أن أقف بين يديك، وأن أقرأ سلامه عليك، وأن أعود بك إلى دارك الأولى."

12- وَغَدَتْ مُفَارِقَةً لِكُلِّ مُخَلـَّفٍ عَنْهَا       حَلِيفِ التُّرْبِ غَيْرِ مُشَيِّعِ

إذن ستغدو النفس مفارقة لكل عوالقها، وخاصة الجسد الذي سيتخلف عنها فلا يلحقها؛ ذلك أن هذا الجسد هو حليف التراب؛ لأنه من مادته، فلا يصعد إلى العلى إلا ما نزل منها. النفس وهذه الحالة صاعدة في حين أن الجسد سيتخلف في الترب، ولن يشيّع ولا يتبع النفس مهما علق وتوسل، وستنسل النفس منه؛ لأنها ليست من طبيعته، بل إنه كان آلة لها استعملته على قدر عمرها.

وهذا يتطابق مع ما يرد في كتاب كنزا ربا

- "ماذا أفعل بك يا جسدي؟ لقد جبلت من طين وستعود إلى الطين. لو كنت يا جسدي ثوبا من ضياء ونور للبستك، فصعدت معي إلى بيت الحي!"

- "يا آدم، لا يصعد جسد إلى عليين"

- "وصعد آدم تاركا جسده في ذلك العالم".

13 هَجَعَتْ وَقَدْ كُشِفَ الغِطَاءُ فَأَبْصَرَتْ              مَا لَيْسَ يُدْرَكُ بِالعُيُونِ الهُجَّعِ

إن هجعت ونامت النفس، وكأن في ذلك تحقق الموت الذي تتعطل فيه حواس الجسد، وتتخلص النفس من كل العوالق في هذا النوم، وبه ينكشف الغطاء عنها، ومتى ما كشف هذا الغطاء وأزيلت الغشاوات ستبصر. وما تبصره لا يمكن أن يدرك بالعيون النائمة في أحلامها أو رؤياها؛ ذلك أن بصر وبصيرة النفس غير بصر العيون التي ترى ما يعكسه الضوء فيها.

ونصوص كنزا ربا تؤكد ذلك، حيث يرد:

- "أفيقي أيتها النفس، أفيقي من نومك، تطلعي إلى ملكوت الحي، انهضي وتطلعي إلى بيت الحي وارفعي وجهك صوب بلد النور. انظري إلى العالم كله، شيء كاللاشيء. وما ليس بشيء فأية فائدة فيه!"

وهذا الانكشاف تصوره نصوص الديانة المندائية ضمن عودة شيتل بن آدم وآدم وما دار من حوار، ذلك أن آدم تمنع من مرافقة المخلص، عندما نزل ليخلصه أولاً فذهب إلى ابنه شيتل (شيت) الذي لبى النداء. وبعد أن لبى انزاحت غشاوة الدنيا عن عينيه، فأبصر ودعا لأبيه أن يبصر. فيرد:

- "سبحانك ربي، كما أزلت الغشاوة عن قلبي أزلها عن قلب آدم أبي، لكي يرى بعينيه هذا العالم الذي أنا ذاهب إليه"

- "وسقطت الغشاوة عن عيني آدم، والسدادة عن أذنه، وكتلة اللحم عن قلبه، فرأى العالم الذي ينطلق شيتل ابنه إليه، فعز بقاءه وحيدا عليه. قال: يا ولدي لا تسبق أباك، عد أنت وأذهب أنا هناك.."

ويرد أيضا:

- "من أزال الغشاوة عن عيني؟ من اقتطع اللحم عن قلبي؟ إني أبصرت ضياء يفوق كل ضياء، ونورا على نور".

14- وَغَدَتْ تُغَرِّدُ فَوْقَ ذِرْوَةِ شَاهِقٍ         وَالعِلْمُ يَرْفَعُ كُلَّ مَنْ لَمْ يُرْفَعِ

تحررت النفس إذن، ومن شدة فرحها صارت تغرد طربا في أعلى الأعلى الذي هو شاهق لا تناله ماديات العالم الأرضي والجسدي. كيف لا وهي الحمامة الورقاء القادرة على الطيران. أما كيف كان هذا الطيران ومن الذي جعلها في الشواهق، فإنما هو العلم الذي جبلت النفس عليه بأنها علامة، وهي علامة العقل أيضا، وهذا العلم هو الذي يرفع ويسمو بصاحبه مهما كان. فآلة الرفع في كل شيء هي العلم وبه مُيز الإنسان.

ومقابل هذا نقرأ ما يرد في كنزا ربا:

- "أجنحة منذ القدم، صوّر لها صاحب الأرض والسماء، فانطلقت وجلست في سحابة من الضياء"

- "حين أبصرت النفس ضياء المخلص (مندا اد هيي) تراقصت فرحا وسرورا"

- "أيتها النفس قري عينا، فستصعدين إلى سمائك، إلى كنز آبائك"

- "ها أنا بثوب النور أسير، بالثوب الذي ألبسنيه الحي أطير"

- "طوبى لمن عرف نفسه، وجعل عقله معمارا له"

15- فَلِأَيِّ شَيْءٍ أُهْبِطَتْ مِنْ شَامِخٍ                    عَالٍ إِلَى قَعْرِ الحَضِيضِ الأَوْضَعِ

في هذا البيت يظهر الاستفهام عن أسباب هبوط النفس الذي هو حاصل، وكان ذلك من الشموخ المؤكد بالعلو إشارة إلى سمو الملأ الأعلى ومنه النفس، وإلى أسفل الحضيض في الآرض وأوضعه الذي هو الجسد في مادته التي تؤول إلى فساد وتفسخ واندثار. وما قيامه وحركته إلا بهذه النفس الحية، وإلا فهو تمثال صلصال يمكن أن يصنعه أي مثال. وتتخصص الأبيات الباقية في محاولة الإجابة.

مثل هذا التساؤل هو مبعث حيرة، ويرد على لسان آدم أبو البشرية في كتاب كنزا ربا، وكأن البشر يسألون ويظلون يسألون، فيرد:

- "يا أبتي، مادمتم تعلمون أن العالم هكذا سيكون[6]، فلماذا أقلقتموني، وفي هذا الجسد الكساء أدخلتموني؟"

ويأتي آدم الجواب:

- "اصعد يا آدم. إن كان في رأسك سؤال يدور، فاصعد إلى ملك النور، إصعد إلى العزيز الغفور، قف بين يديه وإعرض سؤالك عليه".

والسؤال نفسه يرد على لسان سام بن نوح حسبما يرد في كتاب (تعاليم يحيى)، حيث يتساءل:

- "بماذا أخطأت في بيت الحي العظيم، لكي في هذه الدار الباطلة أقيم؟"

ويظهر هذا أن المخلوق لا يملك علم ومعرفة الخالق، ولماذا أن هذا الخلق قد ألزم بالهبوط من الشامخ إلى الحضيض. ويرد بشكل صريح تساؤل النفس عن وجودها:

- "لماذا أجيء؟ لماذا أحل في هذا الجذع الدنيئ؟ لماذ أقيم فيه السنين والشهور؟ هو لن يصعد معي إلى بلد النور."

16- إِنْ كَانَ أَهْبَطَهَا الإِلَهُ لِحِكْمَةٍ            طُوِيَتْ عَنِ الفَطِنِ اللَّبِيبِ الأَرْوَعِ

يبقى التساؤل قائما، إن كان الهبوط لحكمة الخالق وإرادته التي لا يمكن لأروع فطين ولا لألبب لبيب أن يصل لها. وهنا يكون الإعجاز الذي لا يحتاج أن يحار المخلوق فيه، بل عليه تقبله كما هو متعضا مستجيبا لقدره فيه في الحرص على أن لا يعلق بالنفس ما يثقل طيرانها، وأن لا تتعقد مسيرة وصولها وعودتها.

والإجابة عن ذلك حسبما يرد في كنزا ربا، حيث يرد:

- "الحي أدرى، الحي الذي يلزم الصمت أدرى، فلا تقل كلمة أخرى!"

كما يرد حوار مفيد، وكأنه تصريح الخالق للداخلي الذي فيه، والذي يمثل بالمثيل (دموثا) مستفسرا ومجيبا:

- "حين يكون البشر، فإن الشر ينتشر، سيكون في العالم النقصان والكذب. إنه عالم خرب مضطرب"

فيكون الرد في الحوار:

- "حسبنا في صلاح غرستنا أن لا يكون فيها عوز ولا نقصان.. فالعالم الذي ناديناه لأمر كبير بنيناه، فيه باهرو الصدق يتكاثرون وصوت الحي ينشرون، منهم من يصعد إلى بلد النور، ومنهم من لا يخلص نفسه من الديجور."

وهذه هي الحكمة الإلهية.

17- فهُبُوطُها إن كان ضَرْبَةَ لاَزِبٍ لتكونَ سامِعةً لِما لم يُسمَعِ

طالما لا يمكن الوقوف على غاية الهبوط فيُسلّم بأنه أمر لازم وموجب، لكي تعايش النفس عالما غير العالم الذي جاءت منه، وتقف على دناءة العالم الأرضي الذي بدونه لا يمكنها المقارنة، ولا يمكن أن تقف عليه ما لم تعيشه وتسمعه. فإن يغشى البصر بالأنوار يكون السمع أثبت وأصدق، وهذا ما يؤكد عليه.

ويرد في النصوص المندائية:

- "إنك يا آدم قد رأيت الضوء وسمعت الصوت، فلا تفكر في الموت. لن يفوتك الفوت، تمسك بضيائك واحتفظ بسيمائك ولا تنس كنوز لآلئك."

- "لا تعترضوا على أمر ربكم وكونوا صالحين"

- "بأمرك كان كل شيء، وبأمرك خلق كل شيء"

18- وَتَعُودَ عَالِمَةً بِكُلِّ حَقِيقَةٍ       فِي العَالَمَيْنِ فَخَرْقُهَا لَمْ يُرْقَعِ

وبعد عمرها الأرضي ستعود النفس تأكيدا، وهي عالمة بكل ما في هذا العالم على قدر ما عاشت وعملت وقد أترع كأسها حد أن الخرق الذي إخترقته لن يرقع في هذه الدنيا. ومن هنا، فهي تطلب الخلاص ولا تطيب لها هذه الدنيا، حتى وإن هنأت فيها.

والعودة حتمية حسبما يراها ابن سينا، وهذا مبدأ الإيمان بالوحدانية وخلود النفس وعدم نسخها، وهو ما يرد في نصوص كتاب كنزا ربا أيضا:

- "سأعود إلى ضوء أبي الذي أنشأوني عليه، سأسعى إليه، وسأضع كنزي بين يديه"

- "أتريد حقا أن تمتلئ بالحكمة يا آدم، إذن فأقم في هذا العالم. اصبر على ما فيه من ظلام، ومن وجع وآلام حتى ينتهي ما قدر لك من الأيام. إن عين مخلصك عنك لا تنام"

- "وتأمل آدم وفكّر، إنه قدر مقدر، فما عصى ولا أنكر، بل أنشأ وعمّر، وغرس وثمّر، وعاش حتى عمّر".

- "يا آدم لا تقلق من أمرك. أقم بينهم بقية عمرك ثم تصعد إلينا وتمثل بين يدينا"

- "واعتصمت بصبري، محتملا أمري، حتى انتهى عمري"

- "وصعد آدم من عالمه، فرأى الضياء الزاخر، وأحاطه النور الباهر، ورأى الكمال الطاهر الذي إليه أتى"

19- وَهْيَ الَّتِي قَطَعَ الزَّمَانُ طَرِيقَهَا        حَتَّى لَقَدْ غَربت بِغَيرِ المَطْلَعِ

وليس النفس في العالم الأرضي مثلما كانت في العالم العلوي، فهي هناك نسمة مستكنة وبضعة من النور، أما في عالم الأرض، فقد اقترنت بالجسد الذي لا يناسبها وبه قطع الزمان سبيلها وطريقها، وهي حين وصلت حد الغروب، فقد كان ذلك بغير حال الطلوع لهول ما قاست وعانت ومرت به من عناء في الجسد بسبب مطالبه التي سعت لأن تحدّها، فتحملت ما تحملت وعلق بها منه ما علق، حتى شاخ هذا الجسد كما هو مقرر له، وصارت تنازع وتتضرع للخروج منه.

وتصور النصوص التي ترد في كتاب كنزا ربا ذلك:

- "كنت ملء الكون أطير، فحشرت في جسد لا يعرف كيف يسير. كان لي فم يملؤه الشعاع، صار فمًا للكذب والخداع. عيناي اللتان تفتحتا على بلد النور الأمين، صارتا من كدر وطين. قلبي الذي كان للحي يصلي بالحنين، صار يخفق داخل هذا الجذع المهين. وفكري الذي كان مضيئا في ملكوت ربي، صار بهذا الجسد معتما مثل قلبي".

- "تركت جسدي للتراب وطار نفسي للأحباب"

20- فَكَأَنَّهَا بَرْقٌ تَأَلَّقَ بِالحِمَى      ثُمَّ انْطَوَى فَكأَنَّهُ لَمْ يَلْمَعِ

والنفس، بعمرها الدنيوي، يشبهها ابن سينا مثل لمحة برق تألق في البدن وفي الدنيا ثم انطوى وانتهى. والتشبيه بالبرق قيم فهو يُرى لشدته، ولكنه يمضي سريعا بلمعة قصيرة تنسى، حتى يكاد يغيب عن التصور أنه قد لمع. فهذا عمرها، إذا ما استبعدنا منه فترة الطفولة وفترة النوم التي تصل إلى النصف ثم الشيخوخة المعجزة، لن يبقى إلاّ لمعة برق حقا.

وعلى هذا نجد أن التوصية في كتاب الصابئة المندائيين أن لا يتوانى الإنسان في حياته:

- "قل للذين أجسادهم يهندسون، استعجلوا ما تعمّرون، فإنكم سريعا منها تخرجون".

ولا يترك المخلص بحسب النص في كنزا ربا الوقت يطول لبقاء النفس في الجسد فهو يحثها بالقول:

- "هلمي.. هلمي أيتها اللؤلؤة التي من كنز الحي أخذت. هلمي.. هلمي أيتها الزكية التي عطرت ذلك الهيكل الطين. هلمي.. هلمي أيتها المنيرة التي أضاءت البيت المظلم. هلمي..هلمي يا سليلة الأحرار، يا من سموك أمةً في تلك الدار، دارلإ الأشرار. هلمي انزعي بدلة الطين، بدلة اللحم والدماء والبسي بدلة النور والضياء. البسي ثوب العطر والأريج، وضعي إكليلك البهيج، ثم اصعدي وأقيمي بين الأثريين".

21- أنعم بردِ جَوابِ ما أنا فاحِصٌ عنهُ فَنارُ العلمِ ذاتُ تَشعشُعِ

وهذا بيت ختمٍ يُحرك ذوي العلم والمعرفة لأن تتماحك معرفتهم بأسلوب رد الجواب فيما ذهب إليه ناظم الأبيات مبدعا في الفلسفة والوصف وجمال التعبير ودقة الألفاظ وانسيابية القصيدة وتسلسل الأفكار فيها. وقد ذهبنا مذهبا في ملاقاتها مع معتقد قديم وفكر عرفاني يصل إليه كل من سعى إلى العرفان، وخلصت نفسه في تلمس الخالق من صفات خلقه. وأعجز الخلق هذه النفس الحية فينا، والتي لا نستطيع أن نراها ولا ندركها إلا بما تتيح لنا، ولهذا نجهد في مسعى الإدراك. البعض وصل ومن هذا البعض نتعلم.

ونرى أن ابن سينا، إما أنه اطلع على الفكر العرفاني لدى الصابئة عامة والصابئة المندائيين خاصة من خلال هذا الذي أوردناه في التطابق، أو أن من خلصت سريرته في العرفان سيلتقي مع من سبقوه في هذه الرؤية، حتى وإن لم يكن قد التقى بهم أو اطلع على ما لديهم، ويكون في ذلك رقي الرؤية واتفاق العقل البصير في المسير والمصير.

 

مراجع

عن سيرة ابن سينا موقع المعرفة

https://www.marefa.org/%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7

القصيدة مستقاة من مصادرة عدة منها ديوان ابن سينا/ وموسوعة الشعر العربي

https://www.aldiwan.net/cat-poet-ibn-Sina

كنزا ربا. كتاب الصابئة المندائيين المقدس طبعة ألمانيا تحت إشراف أ. د. قيس مغشغش السعدي. دار درابشا 2015

[1] - دكتوراه تكنولوجيا التعليم/ جامعة بغداد 1989. دراسات مندائية ما بعد الدكتوراه 2001 . مقيم في ألمانيا. أمين الرابطة المندائية لعموم ألمانيا. سفير السلام العالمي. له 16 كتاب مطبوع تتعلق بالمندائية

[2] ديانة رافدينية قديمة ورد ذكرها في القرآن الكريم ضمن الأديان الموحدة. لا تأريخ محدد لظهورها ولا تقترن باسم نبي مؤسس. تعتمد آدم أول نبي ومن بعده شيث وسام، وآخر معلم ونبي عند أتباعها هو يحيى بن زكريا. مازال أتباعها باقون إلى اليوم في العراق وإيران ومنهما صاروا في دول الشتات بعد ما حصل في بلدي وجودهم الأصل.

[3] اختلفت بعض الكلمات بحسب النسخ المتعددة للقصيدة وقد إعتمدنا الشائع أو الأكثر قربا للمعنى

[4] هو الملاك الذي كلف بجبل جسد آدم الطين.

[5] هذا النص من كتاب (الإنياني) وهو كتاب للصلوات والأدعية والتراتيل

[6] القصد أنه آيل إلى خراب