حوار مع الدكتور عدنان مقراني : الحج إلى الله في الإنسان


فئة :  حوارات

حوار مع الدكتور عدنان مقراني : الحج إلى الله في الإنسان

عدنان المقراني، من مواليد تونس سنة 1966، أستاذ الدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية المسيحية لدى الجامعة البابوية الغريغورية، والمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما (إيطاليا)، حيث يقيم منذ حوالي خمسة عشر عاما. تحصل على الدكتوراه في المعهد المذكور، وعلى دكتوراه المرحلة الثالثة من جامعة الزيتونة في تونس. وله إسهامات في مجال الحوار بين الأديان وفي مجال الدراسات القرآنية الحديثة.

نادر الحمامي: أستاذ عدنان المقراني بودّي بداية لو تقدّم نفسك، وتبيّن اهتماماتك العلميّة والمعرفيّة والمشاغل الأساسيّة التّي تهتمّ بها للتركيز لاحقًا على بعض النقاط في هذه المشاغل.

د.عدنان المقراني: كانت دراستي الجامعية في قسنطينة في الجزائر في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية أول جامعة إسلامية في تاريخ الجزائر المستقلة في أصول الدين، والأديان المقارنة، ثم الدراسات العليا في جامعة الزيتونة، حيث أعددت أطروحة دكتوراه كان موضوعها: نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي، بعد ذلك أتيحت لي الفرصة أن أسافر إلى روما عن طريق منحة الفاتيكان من المجلس البابوي للحوار بين الأديان لتعميق دراساتي في المسيحية. درست في البداية في جامعة القديس توما الإكويني، وهي جامعة تابعة للآباء الدومينكان، ودرست لاهوتا مسيحيا، ودراسات مسكونية؛ أي علاقات مسيحية مسيحية، ثم سجلت للدكتوراه في المعهد البابوي للدراسات العربية الإسلامية. تأسس هذا المعهد في تونس في ثلاثينيات القرن العشرين ثم انتقل إلى روما في سبعينيات القرن العشرين، وقد مر العديد من الأساتذة التونسيين بهذا المعهد، من مثل: احميدة النيفر، وعياض بن عاشور، أساتذة زائرين.

وقد كان الموضوع الذي درسته في الدكتوراه يدور حول نظرة المسيحيين اللبنانيين للعلاقات المسيحية الإسلامية بعد الحرب الأهلية؛ أي من سنة 1990 بعد اتفاقية الطائف، وهو بحث ميداني مبني على المقابلات، كان مقابلاً لأطروحة دكتوراه أخرى قام بها باحث لبناني مسيحي أرثوذكسي هو الأب جورج مسوح حول نظرة المسلمين للعلاقات الإسلامية المسيحية. أخذت أنا نظرة المسيحيين، ليكون ثمة تكاملاً بين الأطروحتين.

أما لماذا اخترت هذا الموضوع، فالاقتراح الأول من المشرف الأب سمير خليل سمير اليسوعي كان تحقيق مخطوطات، وهو رجل خبير في تحقيق المخطوطات المسيحية العربية وفي الجدل الإسلامي المسيحي، ولكني رفضت ذلك. فقد أردت أن أغير بعد ابن حزم وأبحث في الواقع "الحج إلى الله في الإنسان" واللقاء بالمسيحي العربي الشرقي. وقد تعرفت في روما إلى المسيحي الغربي، فكان عندي فضول أو رغبة للتعرف على المسيحي العربي المشرقي من خلال أسفار ولقاءات شخصية وأبحاث ميدانية، وقد كان البحث لقاء مع مختلف الشرائح ومختلف الأعمار ومختلف الكنائس، كان مدرسة تعلمت منها كثيرًا ميدانيًا.

بعد الأطروحة اشتغلت بمجال الصحافة في عدد من وكالات أنباء إيطالية، وقد استقر بي المطاف في نهاية الأمر في الجامعات الفاتيكانية، لأدرّس في المعهد نفسه الذي حضّرت فيه أطروحة الدكتوراه؛ أي المعهد البابوي للدراسات العربية الإسلامية، وهو معهد فريد من نوعه في العالم، إذ الهدف منه تكوين الكاثوليك المهتمين بالحوار الإسلامي المسيحي، وتدريس اللّغة العربية في القاهرة أولاً لسنة أو سنتين ثم في روما لسنتين بدرجة كافية تسمح للطالب بقراءة أيّ نص كلاسيكي عربي في العلوم الإسلامية، فدرّست علومًا إسلامية، ومداخل للحديث، ولعلم الكلام...الخ، ودرّست في الوقت نفسه في الجامعة البابوية القريقورية، بالإيطالية قريقوريانا، وهي أقدم جامعة يسوعية في العالم عمرها يناهز خمسة قرون، وهي جامعة كبيرة أصيلة، درس فيها معظم الباباوات، ومنهم البابا الحالي الذي سيخرج قريبًا إلى أسلافه، كما درّست مداخل كذلك.

وأظنّ أنّ هذه التجربة كانت ثرية جدًّا؛ تدريس الإسلام للمسيحيين. فمن الممكن أن يدرس الإنسان الإسلام في أجواء مختلفة، يمكن أن يدرس الإسلام في الجامعات الإسلامية، ويمكن أن يدرس الإسلام في جامعات غربية علمانية، فتكون نظرته نظرة علمية أكاديمية، ولكن هذه التجربة كانت في أوساط دينية، يعني تدريس الإسلام لمن يملك تجربة دينية مختلفة. هذا يعطي مفارقات ولكن أيضًا مفاجآت إيجابية. إن نظرة المتدين لدين الآخر، تختلف عمّن يدّعي الموضوعية العلمية في دراسة الأديان، ولدي حاليًا اهتمام خاص بالدراسات القرآنية وبنوع جديد من الحوار الإسلامي المسيحي، وهو الحوار المنهجي؛ بمعنى الحوار بين مناهج دراسات الكتاب المقدّس ومناهج دراسات القرآن، والحوار بين هذه المناهج، هذا باختصار.

نادر الحمامي: قبل الوصول إلى هذه الاهتمامات، جلبت انتباهي بعض المسائل في هذا التعريف من بينها قولك: "الحج إلى الله في الإنسان"، ألا تعتقد أستاذ عدنان، أنّ هذا "الحج إلى الله في الإنسان" هو وليد هذه التجربة المزدوجة التي تبدو بالنسبة إلى البعض متضاربة؛ فدراساتك العليا كانت في جامعة الزيتونة ثم انتقلت إلى الفاتيكان، ألا تعتقد أنّ هذا التكوين المزدوج هو ما أوصلك إلى القول بـ "الحج إلى الله في الإنسان"؟

د.عدنان المقراني: نعم، بالتأكيد هناك علاقة وطيدة؛ فعندما درست في الزيتونة، وهي أقدم جامعة إسلامية، كانت كلية أو جامعة صغيرة متواضعة ومحاصرة ومهمشة، وتعاني الأمرّين، فذهبت إلى روما فوجدت على الأقل عشرة جامعات كبرى للدراسات الدينية. الإنسان الذي يذهب إلى أوروبا بلد الحداثة والعلمنة، ويجد هذا الحضور الكثيف والهائل للديني في المدينة، المدينة المقدسة التي تسمى المدينة الأبدية، وفيها أعداد غفيرة من الكهنة والرهبان والراهبات؛ فروما تعج برجال الدين ونساء الدين والفاتيكان، ويسمع خطابات منفتحة جدًا ويستمع أيضًا إلى خطابات منغلقة وتمجد القرون الوسطى. فقد كنت في محاضرة لكاردينال لا أذكر اسمه، فقال: القرون الوسطى هي القرون الذهبية، فأخذ يمجد القرون الوسطى، ويقول هي الفردوس المفقود. وهذا أكسبني نوعا من المرونة ومن التنسيب.

نادر الحمامي: ألا يمكن أن تكون هذه المرونة وهذا التنسيب من نتائج البحث الميداني، وقد كانت أطروحتك على ما يبدو على غير الشاكلة المعهودة، باعتبارها قائمة على شهادات ميدانية مباشرة أكثر من الباحث الذي يجلس في مكتبه ويرتب معلوماته ويستنتج؟

د.عدنان المقراني: أكيد، البحث الميداني ليس فقط في لبنان، وقد طفت لبنان طولاً وعرضًا، ولكن أيضًا في إيطاليا. الحوار الديني ليس جامعة ولا مكتبة ولكن علاقات إنسانية، ومعرفة الآخر من الداخل، والتحرر من كل المقاومات الخفية للنفس التي تنتصر لذاتها عند لقاء الآخر. والحوار سلوك روحي وصوفي، وأعد أنّ الحوار الديني هو طريقة صوفية. فعادة أثناء لقاء الآخر المختلف، تتحرك فينا ميكانزمات الدفاع الذاتي ونخلط بين عقيدتنا والأنا المتكبرة المتعجرفة داخلنا، التغلب على هذه الأصوات الداخلية للاستماع الكامل لصوت الآخر كما هو، وتصور عالمه بعينيه هو جهد نفسي كبير يتطلب نوعًا من الرقابة الذاتية. أذكر مثلاً: أردت أن أحضر في البداية أول ذهابي إلى روما القداس المسيحي؛ أي الصلاة المسيحية حتّى أعرف الأجواء الروحانية والرموز والمخيال...إلخ، لأنّ أول درس استطعت من خلاله أن أفهم شيئًا ما عن المسيحية كان بعنوان اللاهوت الأفخارستي؛ أي شرح رموز الصلاة المسيحية اللاهوتية، ماذا تعني؟ الصلاة التي تبدو عبثية أو تبدو بلا معنى عند الغريب القادم هي صلاة تختلف تمامًا عن الصلاة الإسلامية، فيها أكل وشرب والمسلم لا يأكل ولا يشرب أثناء صلاته. وفيها خبز يتحول إلى لحم المسيح وخمر تتحول إلى دم المسيح. هذا في البداية أثار عندي لاشعوريًا شعورًا قويًا بالغثيان رغم ادعائي الشجاعة ورغبتي الشديدة في الحضور، ولكن ردة فعلي النفسية اللاشعورية كانت الغثيان. هذا ما منعني لمدة طويلة جدًا من الذهاب إلى الكنائس من أجل مشاهدة أو حضور الصلاة المسيحية. ولكن بعد أشهر أردت أن أكره نفسي، أتحدى نفسي وأذهب مرة أخرى، لأنّي رأيت أنّ ذلك يهدد كل التجربة، فلاشعوريًا أثناء ذهاب المصلين إلى المذبح لتناول القربان المقدس، وجدتني أردد الصلاة الإبراهيمية "اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد". فأيضًا لاشعوريًا، خرجت هذه الصلاة لإيجاد صلة بيني وبين المصلين، وهي العائلة الإبراهيمية، أنا لست منهم لأني لست مسيحيًا ولا معمدًا ولكنني منهم لأنني من آل إبراهيم، وهم أيضًا من آل إبراهيم، هذه كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة إليّ، أنّ رد الفعل الأول كان لاشعوريًا، والحل أيضًا كان عفويًا وغير مفكر فيه مسبقًا.

نادر الحمامي: هل تلمس هذا الدفاع الذاتي أو الجهد النفسي الملتبس بنفس صوفيّ ربّما وأنت تدرّس الإسلام للمسيحيين هل تحسه في ردود المسيحيين، وهم يدرسون عندك؟

د.عدنان المقراني: عند بعضهم، تجربتي الخاصة في الدفاع النفسي الذاتي جعلتني أتفهم وأقبل جميع ردود الأفعال، وجعلتني أهدأ وأكثر مرونة وأحسن إنصاتًا عند ظهور ردود أفعال، لأنّني مررت بتلك المرحلة، وهذا لا يحدث مع المسيحيين فقط، بل مع الأصولي، أو مع السلفي، في مرحلة من مراحل حياتنا، أنا شخصيا كنت إلى حد ما أقرب إلى الأصولية أوإلى التطرف الديني، وفي لبنان بالذات ،التقيت بشباب لبناني ممن حملوا السلاح، ممن قتلوا ولم يروا مسلمًا في حياتهم نتيجة الفرز السكاني، وكيف تجاوزوا تلك المرحلة، مرحلة الكراهية والإقصاء. وفي النهاية المرحلة الأولى هي التشتت، والانكماش، والانغلاق، والإقصاء ثمّ يبدأ الانفتاح، وعند انفتاحه يقع في إقصاء آخر، وهو إقصاء الإقصائيين وكره المتشددين. المرحلة الثالثة هي تجاوز جميع الإقصاءات والتعامل بنفس إنساني وروحي مع أشخاص ربّما لم تتح لهم فرصة أخرى ليكونوا مختلفين.

نادر الحمامي: هذه المسألة المتعلقة بتجاوز كل الإقصاءات، تعيدنا إلى النفس الصوفي مرة أخرى، وهو ما أكّدت عليه، الحوار الديني بالمعنى الذي قدّمته هو فعلاً كما قلت علاقات إنسانية، ولكن بودّي التوسّع أكثر في هذه النقطة. هل هذه العلاقات الإنسانية كونية؟ هل ترتبط بالإنسان في المطلق أم فيها شيء من الخصوصيّة؟ أقول هذا لأنّني أستحضر ما ذكرته آنفًا من قصّة الدعاء الإبراهيمي، وأنّك وجدت في المسيحيين ما يربطك بهم، أم إنّه فعلاً حوار إنساني أشمل لا يقتضي وجود ما يجمع المتحاورين على أساس إبراهيميّ أو غيره؟ هل يمكن اعتبار الحوار مع من ينتسب إلى غير الديانات الإبراهيميّة حوارًا إنسانيًا بالمعنى الّذي ذهبت إليه؟

د.عدنان المقراني: تلك هي المرحلة الثالثة، المرحلة الأولى هي الرفض، ثمّ القبول على أساس مشترك، وتبرير القبول، والمرحلة الثالثة هي تجاوز كل ذلك، وهنا الشيء نفسه. هناك بعض المسلمين لديهم تحفظات على الحوار مع البوذيين وهذا خطأ كبير، وكذا الحوار مع غير المؤمنين بدين من الأديان وغير ذوي القناعات الدينية، وكأنّ استعمال كلمة ملحد، لغة عنيفة، وكأنّ ذلك المختلف الذي لا يؤمن بدين من الأديان لا حقّ له في الوجود، ولا حقّ له في التعبير عن ذاته وعن أفكاره. وبالتالي الحوار ليس نشاطًا ديبلوماسيًا رسميًا بين الكنائس والدول؛ فالمجلس البابوي للحوار بين الأديان يستقبل وفودًا رسمية، ويعقد لقاءات دورية مع وفد إيراني، ووفد سعودي، ووفد من الأردن...الخ، وهناك دائمًا لقاءات من هذا النوع من أجل حل بعض المشكلات العالقة من أجل التعارف، أو حتى نوع من الشكليات، وتبادل الزيارات، في حين أرى الحوار فعل ديني. والحوار ديني؛ فالتدين هو حوار مع الله، والله غني عن العباد فالإيمان بالله هو من أجل الإنسان، لأنّ الله لا يحتاج أن يُعترف به واحدًا، لأنّه واحد في ذاته، ولكنّ الإنسان بتوحيده لله يوحّد نفسه، يوحّد شتات قلبه ثمّ يوحّد البشر ويهبط للبشر ويكوّن علاقات، علاقات تعاون ومحبة وتضامن، وبالتالي يمارس كل إمكاناته الإنسانية؛ أي يعبر عن مكنون إنسانيته. والوظيفة الدينية الأساسية للدين هي تخليص الإنسان من الأنا، هي العقبة الأساسية في العلاقات وفي النظر إلى الآخر، وهي الأنانية، وتدين معظم الأديان الأنانية صراحة، ولكن المشكلة الأساسية لا توجد فقط في الأنا، فلدينا أيضًا الأنا الجمعية الـ"نحن"، هذه الأنا الجمعية هي في شكل الجماعة، فالدين قبيلة كونية، والآن ندخل في إطار العصبية، وإطار الإقصاء والمنافسة غير الشريفة بين القبائل الدينية، ولا تكسر هذه الأوثان إلا بالحوار، فيكسر وثن الأنا الفردية ويكسر وثن الأنا الجماعية، عندما تصبح الجماعة مطلقة وليست فضاء للنمو. ولي صديق عزيز هو محمود أيوب، يقول: "أنا أعبد الله ولا أعبد ديني" ديني هو سبيلي إلى الله، ولكن ديني ليس الله.

نادر الحمامي: إذا كان التدين هو هذا الحوار مع الله، وهو تخليص الإنسان من الأنا، كما تقول، فكأنّك تعارضه مع المؤسسة المشرفة على الدين كما هو الحال في المسيحية، التي تقوم بهذه الزيارات الشكلية، ولكنّها لا تؤدي في حقيقة الأمر إلى تخليص الإنسان من الأنا وإلى الحوار مع الله، فهل تعتقد أنّ وظيفة الدين كما تقدمها باعتبارها وسيلة إلى الله تتعارض مع مأسسته، خاصة أنّك في بداية الحوار كنت قد تحدثت عن هذا الحضور الديني في مجتمعات معلمنة؟ ألا تعتقد أنّه إذا كان الدين ممأسسًا، فإنه يحول دون وظيفته هذه التي كنت تصف؟

د.عدنان المقراني: تجربتي في روما كان في وجود مؤسسة دينية عريقة منذ قرون طويلة لعلها من أقدم المؤسسات الدينية التي مازالت موجودة إلى اليوم، وهي الكنيسة الكاثوليكية، فإذا نظرنا إلى قائمة أسماء البابوات، فإنها ممتدة من بطرس، وقد تكون المؤسسة البابوية من الناحية التاريخية شيئًا آخر، ولكن ينتسبون إلى بطرس تلميذ المسيح. ولا تزال إلى اليوم مؤسسة تقليدية محافظة تعاني مشكلات داخلية ومشكلات شيخوخة وتحديات كبيرة أمام الحداثة. لكن من يعيش في روما يعيش هذا الحضور المكثف للمؤسسة الدينية. والمؤسسة الدينية هي تقسيم إداري أيضًا، هي ما يسمى الرعايا، كل البلدان الكاثوليكية مقسمة إلى مثل الولايات والبلديات...الخ، وهناك تقسيم إداري، وكل منطقة لها حاكمها، وهو الأسقف، وتحت الأسقف هناك كهنة الرعايا...الخ، وهو تنظيم إداري محكم يغطي المساحة تمامًا، يغطي المكان، وفي المقابل أتساءل هل توجد بالفعل مؤسسة دينية إسلامية؟ هل نعي الآن عصر ما بعد المؤسسة؟ ماذا بقي من الزيتونة؟ وماذا بقي من الأزهر؟ وماذا بقي من القرويين؟ هذا سؤال ضخم. قبل سنة تقريبًا استمعت إلى رضوان السيد يتحدث عن موت المؤسسة الدينية، المؤسسة الدينية ضربت ضربة شبه قاضية أو لعلها قاضية عندما صودرت وأممت وافتقدت للاستقلالية عن طريق مصادرة الأوقاف، وأصبح رجال الدين أو المشايخ موظفين لدى الدولة. هذا طبعًا أفسح المجال للحركات الأصولية والاحتجاجية، لأنّ الحاكم في الدولة الحديثة رأى المؤسسة الدينية منافسًا، وأراد التخلص منه في البداية، ولكن عندما احتاج إليه من أجل المناصرة وجده فاقدًا للمصداقية. وبالتالي نحن نعيش بقايا المؤسسة الدينية، والسؤال اليوم: ماذا نريد أن نفعل؟ هل نريد إحياء المؤسسة الدينية؟ هل هي ضرورية؟ هناك نقاش واسع حول الموضوع الذي لم يحسم بعد.

نادر الحمامي: ولكن هذه المؤسسة الدينية، لو فرضنا أنّها ضرورية، هل يستوجب الذهاب إلى تحديد الأدوار التي تضطلع بها؟ وهل يجب الذهاب إلى نمط من علمنة المجتمعات حتّى نصل إلى المعادلة، وحتّى لا تستغل أيضًا السلطة السياسية هذه المؤسسة الدينية؟ فكما هو معروف دائمًا يتم استغلال المؤسّسة السياسيّة للمؤسّسة الدينيّة لتمرير قراراتها وإضفاء الشرعية على وجودها، ولإيجاد معادلة صحيحة في هذه المجتمعات التي نعيش فيها اليوم هل من الضروري تركيز المؤسسة الدينية مع العلمنة؟

د.عدنان المقراني: تصوري الشخصي للمؤسسة الدينية هي الجامعة التي تدرس العلوم الدينية. والسؤال المطروح الآن: هل سنحتفظ بنفس الازدواجية السابقة بين كلية الشريعة وكلية الحقوق؟ أم نجد طريقًا ثالثًا؟ هل الجامعة الدينية ستكون فقط شعبة من الشعب في كلية الآداب؟ أم يمكن أن يكون لها وجود مستقل؟ أنا شخصيًا ليست لدي إجابة جاهزة الآن، هو موضوع مطروح للنقاش. المهم أن يكون فضاء الجامعة فضاءً حرًا يسمح بالبحث العلمي الحقيقي والتنوع والتعددية والحرية، وبدون هذا لا يمكن إصلاح الفكر الديني، ولا يمكن إعطاء بدائل ذات قيمة.

نادر الحمامي: في هذا السياق نفسه، هل تعتبر الإفتاء مؤسسة؟ وهل ترى من علاقة بين هذه المؤسسة والسلطة السياسية خاصة، وأنّ مؤسسة الإفتاء هي تابعة دائمًا للحكومات؟

د.عدنان المقراني: لا أدري، الإفتاء غير ملزم، وليس لديه قيمة قانونية؛ فمصدر التشريع هو البرلمان، وفي هذا الصدد يعجبني طرح عبد الله النعيمي في الموضوع، إذ يقول في كتابه الإسلام والدولة العلمانية: لا بد أن نتعلم فن التفاوض العقلاني؛ فالبرلمان يجمع أحزابًا ذات توجهات مختلفة بعضها ديني وبعضها غير ديني؛ ليلتقوا على أرضية مشتركة، ولا توجد أرضية أخرى غير العقلانية. فلا يمكن لأحد أن يستشهد بآية أو حديث، ولكن لابدّ أن يستخدم كل ما لديه من حجج عقلية لإقناع زملائه في البرلمان بجدوى وفائدة ما يطرح، هذا هو فن التفاوض، التفاوض من منطلقات المصلحة والعقل والفائدة والمصلحة العامة والخير العام. والمتدينون وغير المتدينين شركاء في هذا الفضاء من أجل أحلام. ولم نتعود في العالم العربي بعد على هذا، مازلنا في إطار الخصومة والجدل الإيديولوجي والتخوين والتكفير. ولا أرى في هذا الإطار التفاوضي مانعًا من وجود من يفتي؛ أي أشخاص متخصصون في الشؤون الدينية يسألهم المؤمنون عن بعض القضايا الدينية من أجل المشورة، لا أرى في ذلك في حد ذاته مشكلاً، ما دام الإطار القانوني هو إطار تشريع البرلمان، بدون إحداث أطر موازية للقانون.

نادر الحمامي: هذا السؤال يخطر ببالي، لأنّ لنا تجارب حتى في تونس منذ القرن التاسع عشر في إلغاء الرق مثلا؛ فقد تم اللجوء إلى المفتي الحنفي والمالكي ونصّا فتواهما على مضض على ما يبدو، في حين أنّ القرار كان سياسيًا، ولكن احتاج السياسي إلى المفتي دائما لتمرير هذا القانون اجتماعيًا، وحتى بالنسبة إلى بورقيبة احتاج في مجلة الأحوال الشخصية إلى الشيوخ لتبرير ما فرضه، هو قرّر وانتهى الأمر، ولكن لتبرير ذلك اجتماعيًا، ألا ترى أنّ هنالك فارقًا أحيانًا بين ما يريده السياسي وما يقبله المجتمع؟ وليجعل السياسي هذا القرار مقبولاً اجتماعيًا، فإنّه دائمًا في حاجة إلى مؤسسة دينية تمرر هذا المشروع؟

د.عدنان المقراني: لأنّ السياسي الحداثي العلماني منفصل عن الديمقراطية الحقيقية، وليس فاعلاً ديمقراطيًا، فيحتاج إلى مسوّغ ديني. وهذا تناقض في صلب الحداثة المنقوصة، يعني غير المكتملة. وهذا المشكل في بعض الزعامات الإسلامية، حتّى خارج الإطار العربي، فيتم اللجوء إلى مسوّغ ديني لتمرير بعض القرارات.

يتبع