في معنى الصمود الثقافي: المعرفة لا تُقصف
فئة : مقالات
في معنى الصمود الثقافي: المعرفة لا تُقصف
تعرّضت مستودعات دار نشر مؤمنون بلا حدود في بيروت لقصف مباشر أدى إلى تدميرها بالكامل، وضياع مئات آلاف الكتب التي تمثّل حصيلة أكثر من ثلاثة عشر عاماً من العمل في النشر والترجمة والإنتاج الفكري.
إن هذه الخسارة، على فداحتها، لا تختزل في بعدها المادي، بل تمسّ رصيداً معرفياً وإنسانياً ساهم في بناء وعي القرّاء، وفتح آفاق للحوار، وترسيخ قيم التفكير النقدي في مجتمعاتنا.
لقد احترقت الكتب، وانهارت الجدران، لكن ما لا يمكن تدميره هو الفكرة التي انطلقت من أجلها هذه الكتب.
إن مشروع مؤمنون بلا حدود لم يكن يوماً مجرد مخزون ورقيٍّ، بل كان تعبيراً عن إيمان عميق بأن الكلمة والمعرفة هما السلاح الأسمى في مواجهة الحروب والعنف والدمار، وأن بناء الإنسان يبدأ من بناء وعيه. وإذ نواجه اليوم هذه الخسارة الكبيرة، فإننا نؤكد أن رسالتنا مستمرة، وأن ما تراكم عبر السنوات لن يتوقف عند حدود ما فُقد، بل سيجد طريقه إلى الاستمرار بأشكال جديدة.
وفي هذا السياق، ندعو كل من يؤمن بهذه الرسالة، من مؤسسات وأفراد، إلى المساهمة في الحفاظ على هذا الإرث المعرفي واستمراره؛ لأن المعرفة مسؤولية جماعية، وليست مشروعاً معزولاً. كما نتوجه بنداء إلى الدول والحكومات والمؤسسات الثقافية بضرورة حماية صناعة النشر والإنتاج المعرفي، بوصفها جزءاً من الأمن الثقافي للمجتمعات، لا يقل أهمية عن أيّ شكلٍ من أشكال الحماية الأخرى.
لقد آن الأوان للتفكير الجدّي في إنشاء بنوك رقمية لحفظ الإنتاج المعرفي، تضمن استمراريته وحمايته من الضياع، تماماً كما تحفظ بنوك البذور الحياة في وجه الكوارث، وتعيد إلى التربة المحروقة قدرتها على الإنتاج.
إن ما حدث ليس نهاية، بل لحظة اختبار لإيماننا جميعاً بقيمة المعرفة.
سننفض عنا الركام، وستبقى الكلمة حيّة؛ لأنها، في النهاية، ما يمنح الإنسان قدرته على الاستمرار.






