معاني ومراتب العقل في فلسفة الفارابي

فئة :  مقالات

معاني ومراتب العقل في فلسفة الفارابي

معاني ومراتب العقل في فلسفة الفارابي

مقدمة

قدم الفارابي معاني عديدة للعقل، وميز فيه بين مراتب كثيرة. والقصد في هذا المقال أن نبين جملة المعاني التي استخلصها أبو نصر الفارابي من حاصل نظره في العقل، كما نروم استخلاص مراتب العقل في فلسفته، وبذلك سنجرد مناحي حضور العقل عنده في مباحث عدة، أخلاقية ودينية وابستمولوجية وأنطولوجية- ميتافيزيقية. فنبين بذلك كيف تشكل معمار العقل في فلسفته، وكيف فسر به نظام الوجود المفارق والوجود الإنساني.

ليس من الممكن استخلاص عمق تصور الفارابي للعقل دون المرور أولا من فهم معاني العقل ومراتبه. ولما كان اسم العقل يرد عنده على أنحاء كثيرة، فلابد من الوقوف عند هذه الأنحاء قبل الحديث عن مراتب العقل، لكي يكون في مكنتنا الانتقال من مستوى إلى مستوى آخر في بحث العقل وأنحائه ومراتبه. زادنا في ذلك التماسك النظري الذي يميز نظرة الفارابي للعقل؛ ذلك أن الانتقال، مثلا، من عالم الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة يبدو ممكنا وسلسا وفق نظرية المعلم الفارابي في العقل؛ إذ استطاع ردم الهوة التي بين العقول المفارقة وعالم الكون والفساد؛ وذلك من عبر توسط العقل الفعال الذي يقع في نهاية سلسلة العقول المفارقة.

نروم في هذا البحث الإجابة عن السؤال الآتي: كيف تصور الفارابي العقل؟ والإجابة عن هذا السؤال تدفعنا بالضرورة إلى الوقوف على كل مناحي العقل، والتي عرضها المعلم الثاني في جملة من كتبه ورسالته.

1) معاني العقل في "رسالة في العقل"

من خلال رسالته في العقل، استطاع الفارابي تقديم تصور شامل للعقل في مجمل مناحيه، ورغم صغر حجم الرسالة (التي تقع في ست وثلاثين صفحة)، إلا أنها رسالة ضخمة من حيث المضمون، وضخمة كذلك لغنى المعاني التي يطرحها الفارابي في العقل. وقد توزعت الرسالة على ستة محاور ذهب أبو نصر في كل واحد منها إلى ذكر معنى مخصوص للعقل، وتدرج من أبسط معاني العقل؛ وذلك كما يفهمه الجمهور، لينتهي إلى العقل في أرفع مستوياته، وهو العقل الذي باعتباره جوهرا سرمديا، له فعل مطلق في الوجود.

أ) في معنى العقل والتعقل

لمَّا كان للإنسان وحده، من بين سائر كائنات هذا العالم، القدرة على التمييز بين الخير والشر، عبر إعمال عقله في سائر أمور دنياه، وكان في ذلك يتفاضل ويتنافس، فإن الفارابي ارتأى أنه من الواجب النظر في الملكة التي تعين الإنسان على التمييز بين الصالح من الأمور الأخلاقية والفاسد منها، وهل هذه الملكة تحصل فينا بعد أن لم تكن أم إنها حاصلة لنا بالفطرة والطبع؟ وإذا كانت حادثة، فكيف السبيل إلى تحصيلها؟ أما إذا كانت حاصلة بالفطرة والطبع، فهل تكون منحازة للخير أم تكون منحازة للشر؟

لفحص هذه المسألة، لابد من الوقوف على أخص خصائص العقل المرتبط بالسلوك والمقوّم للفعل؛ وذلك بالنظر إلى ما يراه الجمهور في العقل.

رأى الفارابي أن العاقل عند الجمهور يطلق على الإنسان الفاضل، إذ يُؤخذ العقل عندهم بالمعنى الأخلاقي، فيقولون في الإنسان الذي ينهج الفضيلة ويتجنب الرذيلة إنه عاقل، لكن اسم العقل هنا يرد بمعنى مخالف للمعنى الحقيقي للعقل؛ ذلك أن "العقل الذي يقول به الجمهور في الإنسان إنه عاقل، فإن مرجع ما يعنون به هو إلى التعقل."[1] إذ إن القصد الذي يقصده الجمهور بالإنسان العاقل هو الإنسان الفاضل، والعقل هنا يؤخذ بالمعنى العملي، وهو مرتبط بالأخلاق ولا يرتبط بالنظر العقلي.

إذا كان العقل عند الجمهور يعني الفضيلة، فإن الإنسان الذي لا يقتفي الفضيلة في سلوكه لا يسمى عاقلا عندهم؛ "وذلك أنه ربما قالوا في مثل معاوية إنه كان عاقلا وربما امتنعوا أن يسموه عاقلا ويقولون العاقل يحتاج إلى دين والدين عندهم هو الذي يظنون هم أنه الفضيلة، فهؤلاء إنما يعنون بالعاقل من كان فاضلا وجيد الروية في استنباط ما ينبغي أن يؤثر من خير أو يتجنب من شر"[2]، فإذا كان فعل الخير دليل على أن الإنسان عاقل، فإن فعل الشر سلب لهذا العقل عن الإنسان، والعاقل عند الجمهور لا يكون كذلك ما لم يكن على دين؛ أي على فضيلة.

العقل عند الجمهور مقترن بالدين، لذا يمتنعون أن يسموا من لم يكن على الدين عاقلا، والدين عندهم هو الفضيلة، ومنه يكون العقل هو الفضيلة، فمن لم يكن على الدين أي على فضيلة لم يكن عندهم عاقلا مهما بلغ من دهاء وفطنة، بل يجب أن يكون جيد الروية في استنباط أفعال الخير واقتفائها، واستنباط أفعال الشر واجتنابها لكي يستحق أن يسمى عاقلا.

أما من كان جيّد الروية في استنباط أفعال الشر واقتفائها، فإن الجمهور لا يسمونه عاقلا، بل يسمونه نكرا وداهية. لذلك امتنعوا أن يسموا معاوية عاقلا، بل ذهبوا إلى أن الذي فيه هو "النكراء والشيطنة"[3]، فمهما بلغ الإنسان من جودة الروية في استنباط أفعال الشر واقتفائها لا يسمى عند الجمهور عاقلا، وإنما يسمونه "داهيا أو نكرا أو ما أشبه هذه الأسماء."[4] والشرط في أن يكون عاقلا عندهم هو أن ينهج نهج الخير ويقتفي الفضيلة في سلوكه كما يمتنع عن فعل الشر، فهذا هو الذي يستحق أن يسمى عاقلا عندهم.

ب) معنى العقل وبادئ الرأي المشترك

يعتبر الفارابي أن وظيفة العقل عند المتكلمين تكمن في الفصل بين الأحكام التي يصدرونها حول أمور الدين والدنيا. وبذلك، فإن العقل عندهم يقوم حكما بين الخير من الشر والجميل من القبيح، لكنه يرى أن العقل بهذا المعنى يعني المشهور في بادئ الرأي، فيقول في هذا السياق إن "العقل الذي يردّده المتكلمون على ألسنتهم، فيقولون في الشيء هذا مما يوجبه العقل أو ينفيه العقل أو يقبله العقل أو لا يقبله العقل، فإنما يعنون به المشهور في بادئ رأي الجميع"[5]. أما بادئ الرأي، فمعناه مبتدأ الرأي، ومنه نقول: بدأت بهذا الأمر، إذا ابتدأت به قبل غيره، و في سياق قولنا نجد أن المقصود ببادئ الرأي هو الأحكام المشهورة التي لا تحتمل الخلاف.[6]

وبادئ الرأي عند المتكلمين يدل على الأمر البديهي الذي لا يحتمل الخلاف، ولا يطلب فيه التفكير وطول النظر، و إنما يعتبرونه أمرا بديهيا.[7]

كما أن بادئ الرأي يعتبر عند بعض المتكلمين أصلا من الأصول التي يبنون عليها كلامهم، وهو ما يسمونه بالمعقول[8]، فيكون المعقول بالنسبة إليهم هو الأصل الذي منه ينطلقون، وعليه يؤسسون كل كلامهم في الشرع، ويعتبرون بذلك أن أي خروج عن هذا الأصل هو خروج عن العقل.

فالعقل عند المتكلمين، إما أن يدل على الجواز البديهي الذي لا يحتمل الخلاف، [9] وإمّا أن يدل على الأصل الذي منه يكون الانطلاق في إثبات بعض المسائل في الشرع، والأمران سيّان في هذا المعنى. وكل هذا يدخل في بادئ الرأي المشترك؛ ذلك أن "بادئ الرأي المشترك عند الجميع أو الأكثر يسمونه العقل وأنت تتبين ذلك متى استقريت كلامهم شيئا شيئا مما يتخاطبون فيه وبه، أو مما يكتبون في كتبهم ويستعملون فيه هذه اللفظة".[10]

ج) العقل ملكة للتدبير

ليس من شأن العقل فقط أن يتحرى الصالح من الأمور ليأتيها الإنسان، ويتحرى الفاسد من الأمور ليتجنبها، بل إن من شأنه كذلك أن يدبر أفعال الإنسان الدنيوية، وهذا العقل المدبر من طبيعته أنه يحتمل النمو والتطور، وبذلك يكون أفقه منفتحا قابلا لتدبر وتدبير الحياة الإنسانية العملية. ويزداد حسن تدبير العقل المدبر للأمور الإنسانية مع طول استقراره في الإنسان، فكلما طال عمر المرء زادت حكمته في التدبير والتسيير.

في سياق فحصه عن معنى العقل الوارد في كتاب "الأخلاق إلى نيقوماخوس" ذهب الفارابي إلى أن هذا العقل هو ملكة للتدبير، عقل له من الإمكانيات ما يكفي لتوجيه أفعال الإنسان وجهة صحيحة، شريطة أن يحسن المرء استعماله، وأن يستفيد من التجربة في حياته، ويرى أن "العقل الذي يذكره أرسطو في المقالة السادسة من كتاب الأخلاق، يريد به جزء النفس الذي يحصل فيه بالمواظبة على اعتياد شيء شيء مما هو في جنس جنس من الأمور وطول تجربة شيء مما هو في جنس جنس من الأمور على طول الزمان اليقين بقضايا ومقدمات في الأمور الإرادية التي شأنها أن تؤثر أو تجتنب".[11]

العقل المقصود في المقالة السادسة من كتاب "الأخلاق إلى نيقوماخوس" هو العقل العملي، عقل يتدبر أحوال الإنسان، ويدبر الأفعال التي يقدم عليها، فيتحرى الأفعال التي توافق الفضيلة كما يتحرى الأفعال التي تناقضها، فيأتي الأولى ويتجنب الثانية، وهو عقل يزيد أثره في التدبير مع زيادة عمر الإنسان.

إذا كان الإنسان معدّا ومستعدا بالطبع أن يأتي أفعال الفضيلة ويتجنب أفعال الرذيلة، فإنه لابد من تنمية مجموعة من الفضائل في النفس، حتى يستحق الإنسان أن يسمى فاضلا وعادلا وما شابه ذلك.[12]

وإذا كانت الفضائل الخلقية لا تحصل إلا عن طريق المران والتكرار؛ أي المران على إتيان الخير وتكرار أفعال الخير، فإن العقل وحده هو القادر على ضمان حصول الفضائل الخيرة، إذ عبر التعود والمواظبة يحصل للإنسان اليقين بالمسالك التي يحسن اتباعها والمسالك التي ينبغي اجتنابها، فيكون دور العقل هو الفصل بين الخير والشر.

للإنسان في البدء استعداد طبيعي لإتيان الفضيلة، لكن متى اعتاد المرء إتيان أفعال الرذيلة انمحت الفضائل من نفسه وانغرست فيها الرذائل، ومتى قوى المرء الفضائل في نفسه وتعود عليها كان أشد امتناعا عن إتيان الرذائل. وسبيل تنمية الفضائل يكون من خلال العقل، فالعقل يختار المسالك الفضلى فيتبعها، ويستنبط المسالك الفاسدة فيتجنبها.[13]

إذا كان هذا العقل لا يكتمل إلا عبر الاحتكاك مع التجارب، فإن أكثر الناس الذين يكتمل لديهم العقل المدبر هم أولئك الذين نالوا أكبر قدر من التجارب، وهم بالضرورة أكبر سنا من غيرهم، خلاف الأحداث الذين لم يحصّلوا تجارب كثيرة في الحياة، وفي هذا السياق يقول أرسطو: "إن الشباب يستطيعون أن يكونوا مهندسين ورياضيين، بل يستطيعون أن ينبغوا في هذا النوع من العلوم ولكنه لا يكاد يوجد، فيما يظهر، شاب يمكن أن يكون مدبّرا. السبب في هذا بسيط وهو أن التدبير لا ينطبق إلا على الحوادث الجزئية وأن التجربة وحدها هي التي تعرفنا إياها والشباب ليس مجربا؛ لأن الزمان وحده هو الذي يوجد التجربة"[14]. الأمر، إذن، مرده إلى طول التجربة، فبطولها تزداد الحكمة في التدبير.

إذا كان العقل العملي وثيق الصلة بالأفعال الأخلاقية، ويزداد نموا مع تقدم الإنسان في العمر؛ ففي حوزة الإنسان عقل من نوع آخر له طابع نظري، وهذا العقل هو على أنحاء ومراتب عديدة. وعبر فحص هذا العقل النظري يتجلى أمر أساسي، وهو أن نظرية الفارابي في العقل، وخاصة منه النظري، لم تكن مجرد بحث في طبيعة العقل، من حيث هو ملكة للمعرفة؛ ذلك أن جوهر الإنسان هو العقل، ولا يون الإنسان إنسانا إلا بحصول تلك القوة التي تنطبع في نفسه وتكون مستعدة لقبول المعقولات، على اختلاف أنحائها.

د) العقل هو الملكة الأولى في الإنسان

بعد أن فحص الفارابي عن نحوين من الأنحاء التي يقال عليها اسم العقل يصل في "رسالته في العقل" إلى النحو الثالث من هذه الأنحاء، وهو الذي يفيد معنى العقل كما يرد في كتاب البرهان عند أرسطو، ويرى أن "العقل الذي يذكره أرسطو في كتاب البرهان، فإنه إنما يعني به قوة النفس التي بها يحصل للإنسان اليقين بالمقدمات الكلية الصادقة الضرورية لا عن قياس أصلا ولا عن فكر، بل بالفطرة والطبع أو من حيث لا يشعر من أين حصلت وكيف حصلت، فإن هذه القوة جزء من النفس يحصل لها المعرفة الأولى لا بفكر ولا بتأمل أصلا واليقين بالمقدمات التي صفتها الصفة التي ذكرناها وتلك المقدمات هي مبادئ العلوم النظرية."[15]

العقل المقصود بهذا المعنى، هو الملكة التي بها يتم تحصيل العلوم النظرية، وقد وافق الفارابي في تصوره لهذه الملكة تصور أرسطو في حديثه عن العقل، باعتباره قوة من قوى النفس تتقدم على القياس والعلم. ومن خلال كتاب "البرهان" لأرسطو، وبالتحديد إلى كتاب "التحليلات الثانية" نقف على التحديد الدقيق لما أراده أرسطو بالعقل في هذا كتاب (أي كتاب البرهان)، وما أراده كذلك من الحديث عن القوى المدركة، وذلك في حديث أرسطو عن القياس والبرهان وما هو حاصل لدى الإنسان من ملكات بالطبع، وقد تساءل: "أهذه الملكات تحدث فينا من حيث لم تكن موجودة فينا، أم كانت موجودة فينا ونحن ناسون لها؟. فإن كنا مقتنين لها فيكون شنيعا؛ وذلك أنه قد يلزم أن نكون مقتنين لعلوم أشد استقصاء من البرهان ونكون ناسين لها. وإن كنا إنما نتناولها بعد أن لم نكن مقتنين لها فيما تقدم، فكيف يكون لنا السبيل إلى أن نعلمها ونتعلمها من حيث ليس عندنا معرفة متقدمة الوجود؟".[16]

إن لنظريته في العقل أبعادا كثيرة، حيث تتشابك نظريته في الأخلاق مع نظريته في المعرفة مع نظريته في الوجود من خلال توسط هذا العقل.

العقل، بهذا المعنى، هو الملكة الأولى والأقوى عند الإنسان. لكن المبادئ التي في الذهن؛ أي التي حصلت للإنسان من جراء تفكره في أمر من أمور العالم، يكون منها الصادق دائما كما منها ما يرجح فيها الغلط، لكن بإعمال العقل والفحص عن المدرات التي أدركها الإنسان، يمكن أن يتلافى الوقوع في الزلل؛ ذلك أن العقل هو أرفع المبادئ، حيث لا يمكن أن نقول بوجود مبدإ آخر يتقدم العقل في الإنسان.[17]

فالعقل على هذا النحو هو مبدأ العلم، بل المبدأ لجميع المبادئ، ولما كان العقل مبدأ العلم فإنه بالضرورة يتقدم القياس والبرهان وهذا ما ذهب إليه الفارابي في حديثه عن العقل كما يرد في كتاب البرهان لأرسطو.[18]

هـ) في مراتب العقل

معنى العقل بالقوة

رأى الفارابي أن العقل بالقوة موجود في الإنسان وجودا أصيلا، وليس وجود هذا العقل ممكنا إلا عند الإنسان؛ فالحيوان غير الناطق لا يحوز العقل بالقوة أبدا. ولمّا كان هذا العقل وقفا على الإنسان، فلابد أن يكون هو المصدر الأصيل لكل المدارك التي يدركها. أما المُدرك الذي يمكن إدراكه بالعقل، فإنه غير معقول دائما بالفعل، حيث يصادفه العقل فيدركه، بل يكون أولا معقولا بالقوة، فيكون حاله كحال العقل المعد والمستعد لإدراك هذا المدرك، كما أنه يوجد عقل بالقوة معد ومستعد لانتزاع ماهيات الموجودات كلها وصورها دون موادها، فكذلك توجد معقولات بالقوة لها قابلية لأن تدرك، حيث تصير معقولات بالفعل.

العقل بالقوة هو جزء من أجزاء النفس وله استعداد محض لتقبل المعقولات، لكن هل توجد هذه المعقولات، التي يكون العقل بالقوة مستعدا لتقبلها، مجردة أم إنها توجد في مواد؟ وإذا كانت مجردة عن المادة فكيف يعقلها؟ أما إذا كانت في مواد فهل يعقل المادة أم يعقل الصورة أم يعقلهما معا؟

في سياق شرحه للعقل بالقوة، في رسالته في العقل، يقول الفارابي إن هذا العقل: "ذاته معدة أو مستعدة؛ لأن تنتزع ماهيات الموجودات وصورها كلها دون موادها، فتجعلها كلها صورة لها أو صورا لها، وتلك الصور المنتزعة عن المواد ليست تصير منتزعة عن موادها التي فيها وجودها إلا بأن تصير صورا لهذه الذات[19] وتلك الصور المنتزعة عن موادها الصائرة صورا في هذه الذات هي المعقولات."[20]

العقل بالقوة هو، إذن، استعداد محض لتقبل المعقولات، وهو حال شبيه باللوح الذي يكون مستعدا لتقبل سائر أنواع الكتابة[21]، والعقل بالقوة هو عينه المعقولات كلها، ذلك أن للعقل بالقوة استعداد محض لتقبل سائر المعقولات.

سميت المعقولات بهذا الاسم باشتقاق اسمها من اسم العقل الذي عقلها. أما العقل بالقوة، فيشبهه المعلم الثاني "بمادة تحصل فيها صور"[22]، ويشبه تلك الذات (أي العقل) بالشمعة التي "نقش فيها نقش ما فصار ذلك النقش وتلك الصورة في سطحها وعمقها واحتوت تلك الصورة على المادة بأسرها حتى صارت المادة بجملتها كما هي بأسرها هي تلك الصورة بأن شاعت فيها الصورة."[23]

معنى العقل بالفعل

لمّا كان العقل بالقوة معد ومستعد للدخول في سلم ارتقائي، فإنه لابد أن ينتج عن هذا الارتقاء حصول مستوى أرفع من مستويات العقل الإنساني، وفي هذا المستوى ينتقل العقل بالقوة من مجرد الاستعداد إلى عقل بالفعل قادر على انتزاع ماهيات الموجودات وصورها.

مع حصول صور الموجودات في تلك الذات، التي اعتبرها الفارابي عقلا بالقوة، تصير الآن عقلا بالفعل، وتنتقل تلك المعقولات التي كانت بالقوة، قبل أن تنتزعها تلك الذات، من حال القوة إلى حال الفعل، فتكون معقولة بالفعل لعقل عقلها بالفعل، وقد كانت قبل أن يعقلها العقل بالفعل معقولة لعقل معد ومستعد لتعقلها، وفي سلسلة الارتقاء هذه ينفتح الأفق أمام العقل بالفعل من أجل تعقل ما لا يتناهي من المعقولات، لكنه يظل عقلا بالفعل بالقياس فقط إلى تلك المعقولات التي انتزعها عن موادها، وبالقوة قياسا إلى المعقولات التي لم تحصل فيه بالفعل.

العقل بالفعل يحدث مع حصول التفكير، حيث إن العقل عندما يفكر يحوز المعقولات التي عقلها بالفعل، إذ إن الانتقال من حال القوة إلى حال الفعل هو انتقال يتم من خلال عملية التفكير التي هي من شأن القوة الناطقة.[24]

للعقل بالفعل، إذن، ميزة كبرى، عند أبي نصر الفارابي؛ ذلك أن القول إن العقل بالفعل ليس كذلك بإطلاق، بل يبقى فيه شيء من القوة دائما، يعني أن لهذا العقل قابلية دائمة للاكتمال ولتحصيل المدارك التي لم يدركها العقل بالفعل. يفهم من هذا أن أبا نصر لا يجعل للعقل الإنساني حدودا في مجال المعرفة، ويترك باب الاستعداد مفتوحا في وجه العقل بالفعل ليحوز أصنافا من المعارف والعلوم، فينتقل باستمرار من القوة إلى الفعل، ويرى أن المعقولات بالقوة "إذا انتزعت حصلت معقولات بالفعل بأن حصلت صورا لتلك الذات، وتلك الذات إنما صارت عقلا بالفعل بالتي هي بالفعل معقولات، فأنها بالفعل وأنها عقل بالفعل شيء واحد بعينه."[25]

لكن هذا العقل، عندما يصل إلى أعلى درجات المعرفة، ينتقل من كونه عقلا بالفعل ويصبح عقلا مستفادا، بحيث لا يعقل هذا العقل المعقولات المجردة عن موادها، بل يعقل نوعا آخر من المعقولات.

معنى العقل المستفاد

العقل المستفاد هو أرفع درجات العقل الذي يمكن للإنسان أن يبلغه حسب الفارابي. هذا العقل لا ينحط إلى درجة تعقل الموجودات التي هي في مواد، فينتزع صورها عن موادها، بل يعقل الصور التي لا تكون في مواد أصلا. وفي سياق شرحه للكيفية التي يحصل بها العقل المستفاد عند الإنسان يقول: "إذا كانت هاهنا موجودات هي صور لا في مواد ولم تكن قط صورا في مواد، فإن تلك الذات إذا عقلت صارت موجودة وهي معقولة الوجود الذي كان لها من قبل أن تعقل، فإن قولنا أن يعقل الشيء أولا هو أن تنتزع الصور التي في مواد عن موادها ويصير لها وجود آخر غير وجودها الأول، فإذا كانت هاهنا أشياء هي صور لا مواد لها لم تحتج تلك الذات إلى أن تنتزعها عن مواد أصلا، بل تصادفها منتزعة فتعقلها".[26]

مع تعقل العقل للصور التي وجودها لا في مواد ولم تكن قط صورا في مواد، نكون أمام أرفع مستويات العقل، وهو العقل المستفاد. أما الانتقال إلى هذا المستوى، فيكون على النحو الآتي: العقل بالقوة هو استعداد محض لقبول حصول المعقولات، يخرج من القوة إلى الفعل بأن تحصل فيه صور الموجودات المنتزعة عن موادها، فتكون معقولة بالفعل لعقل عقلها بالفعل، ومع الانتقال الى تعقل العقل للصور التي وجودها لا في مواد يحصل العقل المستفاد. ونمثل لهذا الانتقال بالخطاطة الآتية:

 

                                                          

 

الصور التي لا يكون وجودها في مواد، هي موضوع العقل المستفاد، والعقل المستفاد هو صورة العقل بالفعل. لذلك، فإن المعقولات التي لا يون وجودها في مواد هي أرفع المعقولات التي يمكن للعقل الإنساني أن يعقلها؛ أي ما يلخصه الفارابي "يكون العقل المستفاد شبيها بالصورة للعقل الذي بالفعل، والعقل الذي بالفعل صورة لتلك الذات."[27] أما الصور التي عقلها العقل، فكلما تتبعنا الدرجة التي هي دونها، اكتشفنا أن هذه الصور تأخذ في الانحطاط درجة درجة من العقل المستفاد، نزولا إلى العقل بالقوة الذي عنده تنحط الصور إلى أحط درجاتها، وهي درجة الصور الهيولانية.

في معنى العقل الفعال

أول رتبة تبتدئ منها الموجودات المفارقة هي رتبة العقل الفعال، ويقع في نهاية سلسلة العقول المفارقة، ورتبته في سلم العقول المفارقة هي الرتبة العاشرة، وهو الأقرب إلى العقل الإنساني وإلى عالم الكون والفساد، لذلك يسمى واهب الصور[28]، إذ يهب القوة الناطقة صور الموجودات فتحصل فيها معقولة، وقد ذكر أرسطو هذا العقل في المقالة الثالثة من كتاب النفس. يقول الفارابي: "العقل الفعال الذي ذكره أرسطاليس في المقالة الثالثة من كتاب النفس هو صورة مفارقة لم تكن في مادة ولا تكون أصلا."[29]

العقل الفعال مفارق للمادة، وهو صورة لا في مادة، وهو فاعل وفعال؛ لأنه يفعل في القوة الناطقة التي هي معدة ومستعدة للانفعال، والعقل الفعال أسمى وأرفع درجة من الشيء الذي فيه يُفعل؛ أي من القوة الناطقة التي يُصَيِرُها العقل الفعال من حال القوة إلى حال الفعل.[30]

المعقولات التي يقبلها العقل الفعال ليست على نفس الجهة التي تكون عليها في العقل بالفعل؛ ذلك أن العقل بالفعل يقبل من المعقولات الأنقص، ثم التي فوقها في الدرجة ثم التي فوقها، ويرتقي في سلم التعقل نحو تعقل المعقولات التي تتدرج في الكمال من أدنى مستوى إلى أرفع مستوى. أما العقل الفعال، فإنه "يعقل أولا من الموجودات الأكمل فالأكمل، فإن الصور التي هي اليوم صور في مواد هي في العقل الفعال صور منتزعة، لا بأنها كانت موجودة في مواد فانتزعت، بل لم تزل تلك الصور فيه بالفعل."[31]

2) ترتيب العقول المفارقة في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة"

إذا كان الفارابي في "رسالته في العقل" قد انطلق من النظر في العقل في أعم معانيه، مبتدئا بالعقل عند الجمهور ومنتهيا بالنظر في العقل في أعلى مراتبه، وهو العقل الأول، كما يرد ذكره في مقالة اللام من كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، فإنه في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" قد قلب هذا المنهج في النظر الفلسفي، إذ ابتدأ أولا بالحديث عن الأول باعتباره أشرف وأكمل وأقدم موجود، ثم شرع بالحديث عن العقول التسع الثواني والعقل الفعال إلى أن انتهى في آخر الكتاب بالحديث عن العقل الإنساني ومراتبه.

يقدم لنا كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" ترتيبا وشرحا وافيا للعقول المفارقة، ومن خلال النظر في جملة من كتب أبي نصر الفارابي، نستشف أن كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" وكتاب "السياسة المدنية" هما الكتابان اللذان يعرضان كفاية نظام العقول المفارقة وترتيبها وطبيعتها.

أ) في شرف العقول المفارقة

ابتدأ الفارابي حديثه عن العقل في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" بالحديث عن الأول، واسمه يدل عليه، فهو الأول في الوجود، وهو المعشوق الأول، وهو عالم وحي وحق، ويرى أن "الموجود الأول هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها، وهو بريء من جميع أنحاء النقص"[32]، ولما كان الأول هو الموجود الأول وكان بريئا من جميع أنحاء النقص وجب أن يكون المشرف على جميع الموجودات.

وبعد الأول تحدث الفارابي عن العقول الثواني، وهي أنقص رتبة من العقل الأول، وليست تخلو من نقص، لذلك فهي تستمد شرف الوجود من تعقل الأول.

يفيض عن الأول عقل ثان، وهو بجوهره عقل بالفعل، وبعده يفيض عقل ثالث، ثم يفيض بعده عقل رابع، وهكذا يستمر الفيض إلى أن يفيض العقل العاشر، و"كل واحد من العشرة يعقل ذاته ويعقل الأول، وليس في واحد منهما كفاية في أن يكون فاضل الوجود بأن يعقل ذاته، بل إنما يقتبس الفضيلة الكاملة بأن يعقل مع ذاته ذات السبب الأول."[33]

تترابط العقول التسع الثواني مع بعضها البعض من خلال تعقل كل واحد منها للعقل الذي هو أرفع درجة، إذ يعقل كل واحد منها الأول ويعقل العقل الذي يتقدمه في الوجود، ويستمر فيض العقول المفارقة إلى أن ينتهي بفيض العقل الفعال الذي ينتهي معه الوجود الذي لا يحتاج في قوامه إلى مادة وموضوع فيه يفعل.

ليس في هذه العقول كفاية بأن تستمد شرف الوجود من تعقل ذاتها فقط، بل لا بد لها من تعقل السبب الذي عنه وجودها.

شرف العقول الثواني مستمد كذلك من مفارقتها التامة للمادة؛ فهي لا تعقل المعقولات بتوسط موادها، بل تعقل المعقول مجردا عن المادة تجردا تاما، ومن هنا رأى الفارابي أن "كل واحد من العقول الفعالة أشرف مما يلي، وجميع العقول الفعالة أشرف من الأمور المادية."[34] وأشرف هذه العقول المفارقة العقل الأول الذي تشتاق إليه كل العقول الثواني وتستمد شرف وجودها من تعقلها له.

ب) في رتبة العقل الأول

يرد ذكر العقل في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" منظورا إليه ومفحوصا عنه في عالم الملكوت أولا، حيث استهل الفارابي هذا الكتاب بالقول في الموجود الأول الذي وصفه بأنه خلو من جميع أنحاء النقص، ونزهه عن سائر العوارض الدونية، ثم يصفه بأنه "عقل بالفعل، وهو أيضا معقول بجوهره"[35].

لقد أفرد الفارابي زهاء أربع وعشرين صفحة من كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" خصها لها للحديث عن الأول وصفاته[36]، وبين أن الأول هو المعقول الأول، وأنه عقل بالفعل وأنه معقول وعاقل.

أما عن سبب ابتدائه بالحديث عن العقل الأول في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة"، فله ما يبرره على المستوى النظري؛ ذلك أن هذا العقل هو الأكمل والأقدم والأجمل والأفضل بإطلاق، ما يرى، وكل ما يلي من العقول الثواني والعقل الفعال والعقل الإنساني هي في مرتبة أدنى من مرتبة هذا العقل، ولابد أن تكون هذه العقول أحط درجة من العقل الأول، كما أن وجود الأول هو أحق وجود، وقد ذهب الفارابي في سياق حديثه عن وجود الأول الحق، إلى القول إن "الحق يساوق الوجود، والحقيقة قد تساوق الوجود، فإن حقيقة الشيء هي الوجود الذي يخصه. و أكمل الوجود هو قسطه من الوجود، وأيضا فإن الحق قد يقال على المعقول الذي صادف به العقل الموجود حتى يطابقه؛ وذلك الموجود من جهة ما هو معقول، يقال له إنه حق. ومن جهة ذاته من غير أن يضاف إلى ما يعقله يقال إنه موجود، وبأنه معقول صادف به الذي عقله الموجود على ما هو موجود. وليس يحتاج في أن يكون حقا بما هو معقول إلى ذات أخرى خارجة عنه تعقله."[37]

ولما كان العقل الأول في أعلى رتبة في الوجود، فإنه لا يحتاج إلى شيء دونه يستمد منه بهاء الوجود وكماله، ذلك أنه واجب الوجود لذاته، وهو مستغن عن كل موجود دونه، "فالواجب لذاته هو الغاية، إذ كل شيء ينتهي إليه، كما قال: وإن إلى ربك المنتهى، وكل غاية فهي خير مطلق."[38]

ج) في رتبة العقول الثواني

العقول الثواني عددها تسعة، ورتبتها بعد الأول الرتبة الثانية، وهي على الترتيب الآتي "العقل الأول المحرك للسماء الأولى، والعقل الثاني المحرك لكرة الكواكب الثابتة، والعقل الثالث المحرك لكرة زحل، والعقل الرابع المحرك لكرة المشتري، والعقل الخامس المحرك للمريخ، والعقل السادس المحرك للشمس، والعقل السابع المحرك للزهرة، والعقل الثامن المحرك لعطارد، والعقل التاسع المحرك للقمر"[39].

وتقوم هذه العقول بتعقل مزدوج، بحسب ما يراه الفارابي، فهي من جهة تعقل الأول، بما أن وجودها فائض عنه، ومن جهة أخرى تعقل ذاتها، فيفيض عنها عقل أقل رتبة في الوجود، ولهذا فإن "كل واحد من العشرة يعقل ذاته ويعقل الأول، وليس في واحد منهما كفاية في أن يكون فاضل الوجود بأن يعقل ذاته، بل إنما يقتبس الفضيلة الكاملة بأن يعقل مع ذاته ذات السبب الأول".[40]

كما أن كل واحد من العقول الثواني ينحاز بوجوده الخاص به، "فكل واحد من العشرة متفرد بوجوده ومرتبته، ولا يمكن أن يكون وجوده لشيء آخر غيره."[41] وبذلك، فالعقل الأرفع في الثواني هو العقل الأول المحرك للسماء الأولى، ووجوده لا يمكن أن يشاركه فيه عقل آخر ولا بوجه من الوجوه. أما أدنى مرتبة من مراتب العقول الثواني، فهي مرتبة العقل التاسع المحرك للقمر، ووجوده كذلك لا يمكن أن يشاركه فيه عقل آخر، والأمر كذلك مع سائر العقول الثواني التي تنحاز بوجودها ومرتبتها عن سائر العقول الأخرى.

العقول الثواني متخلصة من الهيولى، ولذلك فإنها لا تعقل الموجودات بتوسط موادها، بل تعقل بجواهرها، ولو كانت العقول الثواني غير متخلصة من الهيولى، لكانت تعقل بموادها التي فيها وجودها، ولكان لزاما أن تكون حينا بالقوة وحينا بالفعل، والحال أن هذه العقول هي بالفعل دائما، وبذلك فهي بريئة من المادة، لكنها لا تخلو من نقص، لذلك يلزمها أن تعقل الأول الذي منه تستمد شرف الوجود.

3) العقل ضمن كتاب السياسة المدنية

يرد العقل في كتاب "السياسة المدنية" على أنحاء مختلفة وبمعان عديدة، يفحص الفارابي عن هذا العقل أولا في عالم الموجودات المفارقة، ويفحص عن هذه الموجودات التي هي عقول بالفعل، وهي مبادئ لم تكن في مادة أصلا؛ لأنها بجوهرها عقول بالفعل، والمرتبة الأعلى ضمن هذه المراتب هي مرتبة العقل الأول، ثم تليه في الرتبة العقول الثواني، ثم العقل الفعال، وهذه الثلاثة لم تكن بالقوة ولا تكون أبدا.

أما العقل الإنساني، فهو معرض لجميع أنحاء النقص، خلاف العقول المفارقة التي لا يلحقها نقص، فالعقل الإنساني يكون حينا بالقوة ثم يوجد بالفعل، وهو منفعل وقابل لتلقي الصور التي يفيضها العقل الفعال، لذلك فهو أقل درجة من العقول المفارقة، كما أنه ملامس للمادة، لذلك سمي بالعقل الهيولاني. أما العقول المفارقة، فهي بجواهرها بالفعل دائما، ولما كانت كذلك فهي متبرئة وجوه النقص الذي يطال الموجودات المادية.

فما منزلة العقل في كتاب السياسة المدنية؟ وما العقل الأول وما هي العقول الثواني وما هو العقل الفعال؟ وما دور العقل الفعال في المعرفة والوجود؟

أ) منزلة العقل الفعال في كتاب الساسة المدنية

إذا كان الفارابي قد بدأ في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" بالحديث أولا عن الأول وصفاته وطبيعته، فإنه في كتاب "السياسة المدنية" قد شرع بالحديث عن المبادئ التي بها قوام الموجودات والأعراض، لكنه حين فرغ من الحديث عن هذه المبادئ شرع في الحديث عن الأول الذي هو مبدأ جميع المبادئ.

يحضر العقل بأنحاء مختلفة في كتاب "السياسة المدنية"، ورغم أن الفارابي قد تحدث في هذا الكتاب عن العقل الأول والعقول الثواني والعقل الإنساني بمراتبه المختلفة، إلا أن الملفت للنظر هو الحضور الكبير للعقل الفعال في هذا الكتاب[42]، ولما كان هذا الكتاب ينتهي إلى الفحص عن أمور السياسة والاجتماع، فإننا نستطيع أن نفهم سبب الحضور الكبير للعقل الفعال في كتاب السياسة المدنية.[43]

لا يحصل ارتقاء العقل الإنساني بمعزل عن فعل العقل الفعال، إذ إن هذا العقل يمد القوة الناطقة بكمالها الضروري، وبذلك يحصل الإنسان وقد طبعت في نفسه شتى صنوف المعقولات، ولا يتقوَّم الوجود الإنساني تمام التقوُّم، إلا بتدخل العقل الفعال الذي يشرف على الجزء الناطق الذي هو بطبعه استعداد محض لتقبل المعقولات التي يهبها العقل الفعال.

لقد انتقل الفارابي في تصوره للعقل في كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" بشكل متدرج، بادئا الحديث عن العقل الأول ثم العقول الثواني والعقل الفعال ثم العقل الإنساني بمراتبه الثلاث. أما العقل في كتاب "السياسة المدنية" فلا يرد بهذا الترتيب، إذ يتشابك القول في العقل الأول مع القول في العقول الثواني مع القول في العقل الفعال مع القول في القوة الناطقة.

يشغل العقل الفعال حيزا كبيرا من كتاب "الساسة المدنية"، ويتشعب في كل الموضوعات التي فحص عنها أبو نصر الفارابي في هذا الكتاب، بدءا من نظريته في الوجود، التي عرض فها لنظريته في الفيض وكيف يكون عالم الوجود المحض، ثم نظريته في المعرفة، وكيف يتدخل العقل الفعال في تحصيل الكمال للذي يمكن أن يبلغه الإنسان، ثم نظريته في الأخلاق والسياسة، إذ يدخل العقل الفعال في كل هذه الموضوعات.

ب) ما يجب أن يعتقد في الأول والثواني والعقل الفعال

في سياق حديثه عن المبادئ التي تتقوم بها الموجودات، يشرح الفارابي ما يجب أن يعتقد في كل عقل من العقول المفارقة، بدءا من الأول، ثم العقول التسع الثواني ثم العقل الفعال.

ويرى أن لكل من هذه العقول المفارقة تسميات وصفات وجب معرفتها، "فالأول هو الذي ينبغي أن يعتقد فيه أنه هو الإله، وهو السبب القريب لوجود الثواني ولوجود العقل الفعال."[44] والأول يسميه الفارابي حينا العقل الأول ويسميه أحيانا الأول فقط، وهو واجب الوجود بذاته ولا يحتاج إلى شيء خارج عنه يستمد به قوامه، بل إنه كتف بذاته ولا يشوبه نقص أو عدم أو ضد.

ويرد ذكر "العقول الثواني" في مواطن كثيرة من كتابات الفارابي، ومرتبة هذه العقول بعد الأول المرتبة الثانية، كما تقدم، و"الثواني هي التي ينبغي أن يقال فيها الروحانيون والملائكة وأشباه ذلك"[45]. فهذه العقول (الروحانيون، الملائكة) هي التي تشرف على عالم ما فوق القمر، وكل واحد منها يعقل الأول ويعقل ذاته، وهي عقول فعالة من جهة ما هي محركة ومشرفة على موجودات العالم العلوي.

أما العقل الفعال، ونظرا لمكناته وفعله في القوة الناطقة وفي عالم ما تحت القمر، فإن الفارابي يرى أنه "ينبغي أن يقال إنه الروح الأمين وروح القدس، ويسمى بأشباه هذين من الأسماء، ورتبته تسمى الملكوت وأشباه ذلك من الأسماء."[46]، فهذا العقل، بما هو فاعل، فإن له طابعا قدسيا بالنسبة للموجودات التي هي دون فلك القمر،

ج) دور العقل الفعال في المعرفة والوجود

للعقل الفعال فعلان أساسيان في عالم ما تحت فلك القمر؛ ذلك أنه من جهة ما يعقل ذاته تفيض عنه الصور على عالم الكون والفساد، ومن جهة ما يعقل الأول تفيض عنه النفوس الإنسانية، وقد أسند الفارابي للعقل الفعال وظيفة أساسية، إذ نظر إليه باعتباره الضامن الأساس للمعرفة التي تحوزها القوة الناطقة عندما تصير عقلا بالفعل، كما أسند له مهمة وجودية تجلت في النظر إلى فعل العقل الفعال بالنسبة للموجودات التي هي دون فلك القمر؛ "لأنه لما كان آخر العقول السماوية فإنه إذا فكر في ذات الخالق سبحانه فاضت عنه النفوس الإنسانية، وإذا فكر في ذاته، على أن وجوده مستمد من الله، فاضت عنه العناصر الأولية التي يتألف منها العالم، وتساعده في هذا الأمر الأخير الأجرام السماوية."[47]

العقل الفعال هو آخر العقول الكونية الصادرة عن الأول، بحسب الفارابي، وهذا العقل هو المسؤول عن عالم الكون والفساد، "وظاهر أن الموضوعات التي يفعل فيها العقل الفعال هي إما أجسام وإما قوى في أجسام متكونة فاسدة، وقد تبين في كتاب الكون والفساد أن الأجسام السمائية هي الأقسام الفاعلة الأول لهذه الأجسام، فهي إذا تعطي العقل الفعال المواد والموضوعات التي فيها يفعل."[48] فهذا العقل هو الذي يهب للمواد الواقعة في عالم ما تحت القمر الصور النوعية الخاصة بها، تساعده في ذلك الأجرام السماوية التي تهبه الموضوعات التي فيها يفعل، كما يفعل في القوة الناطقة، التي لها في البدء استعداد محض للانفعال، تكون شبيهة باللوح الذي لم يكتب فيه شيء بالفعل، ثم تنتقل من إلى الوجود بالفعل، وذلك عبر تدخل العقل الفعال الذي يمد هذه القوة بالمعقولات الأول.

أما أنه يفعل في الأجسام المتكونة الفاسدة، فلا يعني أنه قد يشوبه تغير في ذاته، فهو عقل بالفعل مفارق للمادة مفارقة تامة، يفعل فيها ولا يتأثر بأحوالها، كذلك الشأن بالنسبة لفعله في العقل الهيولاني الذي يخرجه العقل الفعال من الوجود بالقوة وينقله إلى الوجود بالفعل، فالعقل الفعال لا يتأثر بهذه الصيرورة، التي تنتقل فيها الموجودات المتكونة الفاسدة من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

العقل الفعال، بحسب الفارابي، لا يفعل دائما، بل يفعل حينا ولا يفعل حينا، لكن كونه لا يفعل دائما لا يعني أن هذا العقل قاصر بطبعه عن أن يكون فاعلا دائما، ذلك أنه "مفارق لكل مادة... فهو دائما على كماله الأخير، وهو باضطرار تغير من نسبة إلى نسبة، فإذن ليس النقص في ذاته، بل إما ألا يصادف دائما الشيء الذي فيه يفعل بأن لا يجد المادة والموضوع الذي فيه يفعل موطا وإما أن يكون له عائق من خارجه فيزول الأمران جميعا."[49] ظاهر إذن من قول الفارابي أن النقص لا يرجع إلى العقل الفعال في ذاته، بما أنه دائما على كماله الأخير، بل إن القصور قد يكون في الموضوع الذي فيه يفعل، وبما أنه مفارقة للمادة، فإنه لا يتأثر بالعوارض التي تحد من فاعليته، فهو فعال بطبعه وجوهره، لكن ما يعوق فعله هو العوائق الخارجية.

لقد قدم الفارابي تصورا متميزا عن تصور أرسطو والشراح الذين أعقبوه، فإذا كان أرسطو قد جعل من العقل الفعال ضمانة للتفكير بالنسبة للعقل بالفعل، معتبرا أنه "بدون العقل الفعال لا نعقل"[50]، والعقل الفعال في تصوره ينحاز إلى النفس الإنسانية، فإن الفارابي جعل من هذا العقل المبدأ الذي عنه صدرت الموجودات المتكونة الفاسدة، سواء تعلق الأمر بالموجودات المادية التي يهبها هذا العقل الصور النوعية الخاصة بها، أو تعلق بالقوة الناطقة التي لا تستكمل وجودها إلا بتدخل هذا العقل الذي ينقل العقل الإنساني من أدنى مستوياته إلى أرفع مستوياته، وذلك بأن يحصل العقل المستفاد الذي هو أرفع درجات العقل الإنساني.

العقل الفعال هو، إذن، المشرف والمدبر لعالم ما تحت فلك القمر؛ وذلك من جهة ما أنه صادر عن الأول الذي هو أشرف موجودات بإطلاق، والعقل الفعال ليس من شأنه فقد أن يمد هذا الوجود المتكون الفاسد بالصور التي يفيضها عليه، بل إن له كذلك فعل العناية بالإنسان، ومن أوجه ذلك، "العناية بالحيوان الناطق والتماس تبليغه أقصى مراتب الكمال الذي للإنسان أن يبلغه وهو السعادة القصوى، وذلك أن يصير الإنسان في مرتبة العقل الفعال."[51] فالعقل الفعال يعتني بالإنسان، وينقل قوته الناطقة من أحط درجاتها إلى أرفع درجاتها، وبذلك فإن هذا العقل لا يتوقف فعله فقط على منح الموجودات التي في عالم الكون والفساد الصور التي تشكل ماهياتها، بل إن فعله يستمر من خلال العناية الإنسان، أما عن باقي الموجودات المتكونة الفاسدة فلا نعثر على قول للفارابي يصرح فيه بأن هذا العقل يعتني بما عدا الإنسان من موجودات، إذ يكتفي هذا العقل الفعال بمد تلك الموجودات بالصور الخاصة بها، فهي لا تنتقل من حال أدنى إلى حال أرفع، كما الحال بالنسبة للقوة الناطقة، لذلك فوجودها الأول هو الكمال النهائي الذي يمكن أن تبلغه تلك الموجودات، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يملك القابلية للاكتمال، فيرتقي العقل الإنساني من مجرد الاستعداد لقبول المعقولات، أي من حالة الوجود بالقوة، إلى تحصيل المعقولات بالفعل، فيكون عقلا بالفعل والمعقولات التي كانت معقولة بالقوة تصير معقولة بالفعل.

خاتمة

يتضح مما تقدم، أن العقل عند الفارابي يشغل جل مناحي فلسفته، ولم تكن فلسفته في العقل مجرد بحث في طبيعة هذا العقل وقواه الإدراكية، أو في كيفية حصول المعارف العقلية للإنسان، بل هي، بالإضافة إلى ذلك، نظرية فلسفية ذات تعلق أساسي برؤيته للوجود. وقد تميز الفارابي في هذه النظرية عن الفلاسفة السابقين واللاحقين بأشياء كثيرة، فإذا كان العقل الفعال عند أرسطو قد ظل لصيقا بالإنسان وقواه الإدراكية، فإن الفارابي قد أكسب هذا العقل الفعال أهمية خاصة ووظفه وفق رؤية منهجية متميزة، فشغل نسقه الفلسفي كله، وأكسبه دلالات متعددة، أنطولوجية وابستيمولوجية، وبذلك فقد فصله عن عالم الإنسان ووضعه في آخر العقول المفارقة.

أما الاهتمام الكبير الذي أولاه الفارابي للعقل الفعال، فيجد تبريره في الجو الفكري الذي عاش فيه المعلم الثاني، بحيث برزت آنذاك إشكالات دينية ومعرفية كثيرة، فكان من الضروري أن تجد لها حلولا على المستوى النظري. وتظهر أهمية العقل عند الفارابي بما تركه من تأثير في نظرية العقل عند الفلاسفة المسلمين اللاحقين، وكذلك تأثيره في فلسفة العصور الوسطى في الغرب اللاتيني.

لقد حركت الإشكالات الدينية عمل الكثير من الفلاسفة المسلمين الذين سعوا جاهدين لتقديم حلول توافق العقل والدين على حد سواء، والفارابي لم يكن استثناء في هذا المناخ الفكري التوفيقي، وإن كان قد تميز عن غيره في نظرته للوجود والإنسان، فنظريته في المعرفة وفي السياسة والأخلاق لا تنفك عن نظريته في الوجود، ولا يمكن أن نفهم عالم الإنسان بمعزل عن فهم الوجود السماوي، وعلى رأسه الأول، وعالم العقول المفارقة ومنها العقل الفعال، الذي يرتبط أشد الارتباط بعالم الإنسان في بعديه الوجودي والمعرفي.

 

المصادر والمراجع المعتمدة

أبو نصر الفارابي، رسالة في العقل، نشرها الأب موريس بويج، المطبعة الكاثوليكية، بيروت- لبنان، ج1، سنة 1938

أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، حققه و قدم له و علق عليه الدكتور ألبير نصري نادر، دار المشرق (المطبعة الكاثوليكية)، بيروت- لبنان، ط سنة 2 سنة 1987

أبو نصر الفارابي، كتاب التعليقات ضمن الأعمال الفلسفية ج1، تحقيق و تقديم و تعليق الدكتور جعفر آل ياسين، دار المناهل للطباعة و النشر و التوزيع، بيروت - لبنان، ط 1 1992

أبو نصر الفارابي السياسة المدنية، حققه و قدم له و علق عليه الدكتور فوزي متري نجار، المطبعة الكاثوليكية- بيروت – لبنان، الطبعة الأولى سنة 1964

أبو المعالي الجويني، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، رواية أبي بكر ابن العربي عن الغزالي عن المؤلف، تحقيق و تعليق، محمد زاهد الكوثري، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، 1992

أرسطو "علم الأخلاق إلى نيقوماخوس" ج1، نقله إلى العربية أحمد لطفي السيد، مطبعة دار الكتب المصرية-القاهرة، سنة 1924

أرسطو، كتاب النفس، نقله إلى العربية أحمد فؤاد الأهواني، راجعه على اليونانية جورج شحاتة قنواتي، دار إحياء الكتب العربية، ط1، سنة 1949

علي عبد الواحد وافي، المدينة الفاضلة للفارابي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر- القاهرة.

القاسم الرَّسّي، كتاب أصول العدل و التوحيد، نشرها الدكتور محمد عمارة ضمن رسائل العدل و التوحيد، ج1، دار الشروق، مصر-القاهرة، ط2، سنة 1988

محمد ابن يعقوب الكليني، أصول الكافي الجزء الأول، منشورات الفجر، بيروت-لبنان، ط 1 سنة 2007

محمد قشيقش، نظرية الإنسان في فلسفة الفارابي، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، سنة 2011

محمود قاسم، في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، الطبع والنشر مكتبة الأنجلو المصرية، الإسكندرية، ط 2

Gilson Etienne. les sources gréco-arabes de l’augustinisme avicennisant, Archives d’histoire doctrinale et littéraire du Moyen Age, Paris, Vrin-Reprise, 1981

Henry Corbin, Histoire de la philosophie islamique, Ed Gallimard, Paris-France 1986

 

[1]: أبو نصر الفارابي، رسالة في العقل، نشرها الأب موريس بويج، المطبعة الكاثوليكية، بيروت- لبنان، ج1، سنة 1938، ص4

[2]: المصدر السابق ص ص 4-5

[3]: هذا المعنى أخذ به أيضا الشيخ محمد بن يعقوب الكليني (توفي سنة 329هـ)، فيما نقله عن السلف حيث يقول عن "أحمد ابن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما العقل؟ قال: ما عبد به الرحمن و اكتسبت به الجنان قال: قلت: فالذي كان في معاوية؟ فقال: تلك النكراء تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل، و ليست بالعقل. الشيخ محمد ابن يعقوب الكليني، أصول الكافي الجزء الأول، منشورات الفجر، بيروت-لبنان، ط 1 سنة 2007، ص 5

[4]: رسالة في العقل مصدر سبق ذكره، ص 6

[5]: رسالة في العقل، مصدر سبق ذكره، ص ص 7- 8

[6]: في هذا السياق، نجد الشهرستاني في معرض حديثه عن المعتزلة يقول إنهم قد "اتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجب قبل ورود السمع، و الحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل"، فالواضح أن المعتزلة يسندون للعقل مهمة التمييز بين ما يعتبرونه خيرا وما يعتبرونه شرا، ويسلكون في ذلك مسلك الكشف عما هو موجود في بادئ الرأي. الشهرستاني، الملل و النحل، ج1، صححه و علق عليه الأستاذ أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط 2 سنة 1992، ص39

[7]: يعتبر الجويني (توفي سنة 478هـ) أن "الجواز البديهي، الذي يبتدره العاقل من غير عبر، وفكر، و نظر: هو ما يحيط به العاقل، إذا رأى بناء من جواز حدوثه، فيعلم قطعا على الارتجال: أن حدوث ذلك البناء من الجائزات و كان لا يمتنع في العقل أن لا يبني، ثم يطرد حكم الجواز في صفاته و سماته، وارتفاعه، و اجتماعه، و طوله، و عرضه، و اختصاصه، بما هو عليه، من أشكاله، وفنون أحواله، ثم ينظر في تجويز العقل، إلى تخصيصه بأوقاته، فلا يخطر العاقل باله شيئا من أحواله إلا عارضه إمكان مثله، أو خلافه. فيستبين على الاضطرار أن كان يجوز أن لا ينبني ما بني، وإن بني كان يجوز أن يبنى على خلاف ما هو عليه الهيئات. و تنسحب هذه التقديرات في التقدم و التأخر الآيلين إلى الأوقات." أبو المعالي الجويني، العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، رواية أبي بكر ابن العربي عن الغزالي عن المؤلف، تحقيق و تعليق، محمد زاهد الكوثري، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث، مصر، 1992.ص 13

[8]: ذهب إمام الزيدية أبو محمد القاسم الرَّسِّي (توفي سنة 246هـ)، في حديثه عن مقام العقل، إلى أن "أصل المعقول ما أجمع عليه العقلاء و لم يختلفوا فيه." القاسم الرَّسّي، كتاب أصول العدل و التوحيد، نشرها الدكتور محمد عمارة ضمن رسائل العدل و التوحيد، ج1، دار الشروق، مصر-القاهرة، ط2، سنة 1988، ص 125

[9]: من أمثلة الجواز البديهي عند المتكلمين مثلا البناء المشيد، فالبناء المشيَّد يستدعي ضرورة وجود مشيِّد أحدث هذا البناء، ثم إن الناظر إلى هذا البناء، لابد أن يقف على هيئاته المختلفة، و لابد أن يدرك إمكانية وجود هذا البناء على نحو مخالف مما هو موجود عليه، ومنه يستنبط أنه لا بد للعالم من خالق مشيد، و أن لهذا الصانع إرادة مطلقة في خلقه. فبادئ الرأي، به يكون الوقوف على ما يقتضيه العقل دون الحاجة إلى البرهان، وبه يعرف الممكنات من المستحيلات، "فأما المستحيلات. فمثال المدرك البديهي منها: سبق العاقل إلى القطع بأن السواد و البياض لا يجتمعان، ولا يكون الجسم في حالة واحدة متحركا إلى مكان، ساكنا في غيره، إلى غير ذلك مما يطول تعداده. و مثال النظري من هذا القسم: العلم باستحالة وقوع جائز من غير مقتض يقتضيه. فإذا تحرك الشيء و علم أن تحريكه جائز، وكان يجوز أن يستمر به السكون، الذي عهد لجنسه في الزمن المتقادم."[9] وبادئ الرأي هو ما سماه إمام الحرمين الجويني بالبديهة. "العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية"، مرجع سابق، ص 14

[10]: الفارابي، رسالة في العقل، مصدر سابق ص 8

[11]: المصدر السابق، ص9                                                               

[12]: يذهب أرسطو إلى القول إننا "مستعدون لأن نصير عدولا وعادلين وحكماء وشجعانا ولأن ننمي في نفوسنا فضائل أخرى منذ أول لحظة من مولدنا." أرسطو "علم الأخلاق إلى نيقوماخوس" ج1، نقله إلى العربية أحمد لطفي السيد، مطبعة دار الكتب المصرية-القاهرة، سنة 1924، ص 150

[13]: يقول أرسطو بهذا الخصوص: "لا يوجد اختيار ممكن بلا عقل أو بلا عمل العقل ولا بدون استعداد أخلاقي ما مادام أنه لا يمكن أن يحسن عمل ولا أن يعمل ضد الخير في ميدان الفعل بدون تدخل العقل والقلب." المرجع السابق ص 117

[14]: الأخلاق إلى نيقوماخوس، مرجع سبق ذكره، ص ص 134-135

[15]: أبو نصر الفارابي، رسالة في العقل مصدر سبق ذكره، ص ص 8-9

[16]: أرسطو أنولوطيقا الثانية من كتاب البرهان، نقل أبي بشر متى بن يونس، منشور ضمن منطق أرسطو ج 2، حققه و قدم له عبد الرحمان بدوي، وكالة مطبوعات الكويت، دار القلم، بيروت-لبنان، ط 1، سنة 1980. ص 483

[17]: هذا ما بينه أرسطو عندما اعتبر أن "الملكات التي في الذهن التي نصدق بها، منها ما هي صادقة دائما، و منها ما تقبل الكذب بمنزلة الظن والفكر، و أما الصادقة دائما فهي العلم والعقل. وليس يوجد جنس آخر أشد استقصاء وأتقن من العلم إلا العقل. والمبادئ أعرف من البراهين. وكل علم هو مع قول. و المبادئ: أما العلم فلا سبيل إلى ان يقع بها. ولما كان يوجد شيء يمكن أن يكون أكثر صدقا من العلم غير العقل إذا ما نحن بحثنا من هذه الوجوه من قبل أن البرهان ليس هو برهانا هو للمبادئ. فإذا ولا مبدأ العلم أيضا هو علم، ولذلك لم يكن لنا جنس آخر صادق غير العلم. فيكون العقل هو مبدأ العلم، و يكون هو مبدأ للمبدأ، و جميعه عند الأمر هو علة مثال واحد" المرجع السابق ص 485

[18]: : يتقدم العقل على العلم عند أرسطو بل كما يقول إن"العلم هو بالنسبة للعقل ملكة إيضاح الأشياء على طريقة منظمة و بجميع الخصائص التي بيناها في الأنولوطيقا." أرسطو، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، مرجع سبق ذكره، ص ص 120-121

[19]: الذات التي يقصدها الفارابي هنا يعني بها العقل بالقوة (Intellect en puissance)، والمعقولات إنما سميت معقولات باشتقاق اسمها من اسم تلك الذات التي هي العقل، فتكون معقولة من جهة كونها معقولة لذات انتزعت ماهيات الموجودات كلها وصورها دون موادها، وهنا نكون في الدرجة الثانية من هذه الذات التي يسميها أرسطو في كتاب "النفس"، بالعقل المنفعل (Intelligence patient).

[20]: رسالة في العقل، مصدر سبق ذكره، ص ص 12-13

[21]: في هذا السياق ذهب أرسطو إلى أن العقل بالقوة شبيه "باللوح الذي لم يكتب فيه شيء بالفعل"[21]، فاللوح قبل أن تحدث فيه الكتابة بالفعل، يكون مستعدا لتقبل الكتابة، و ليس مستعدا لتقبل كتابة مخصوصة، بل له استعداد لتقبل سائر أنواع الكتابة، كذلك العقل الذي هو بالقوة له استعداد لتقبل سائر أنواع المعقولات. أرسطو، كتاب النفس، نقله إلى العربية أحمد فؤاد الأهواني، راجعه على اليونانية جورج شحاتة قنواتي، دار إحياء الكتب العربية، ط1، سنة 1949، ص 111

[22]: رسالة في العقل، مصدر سبق ذكره ص 13

[23]: المصدر السابق، ص 13

[24]: إذا كان العقل هو ذاك الجزء من النفس الذي به تفكر وتتصور المعاني، فإن هذا الجزء كما قال أرسطو، "ليس شيئا بالفعل قبل أن يفكر."، انظر أرسطو، كتاب النفس مرجع سابق، ص 108

كما أن العقل ليس بجسم، وإن كان معدا ومستعدا للنظر في الجسم، كما أنه لا عضو له، وهذا ما حذا بأرسطو إلى تأييد الزعم القائل أن النفس مكان الصور، لكن يرى "أن هذا لا يصدق على النفس بكليتها، بل على النفس العاقلة، و لا يصدق على الصور بالفعل، بل على الصور بالقوة." أنظر المرجع السابق، ص 109

[25]: رسالة في العقل، مصدر سبق ذكره ص 14

[26]: المصدر السابق ص 20

[27]: المصدر السابق ص 22

[28]: يقول المستشرق هنري كوربان بهذا الخصوص، في سياق شرحه للعقل الفعال عند الفارابي: « Cette Intelligence (L’Intelligence agente), celle qui dans la hiérarchie des êtres est l’être spirituel le plus proche au-dessus de l’homme et du monde de l’homme, est toujours en acte. Elle est appelée le ˱Donateur des Formes˲ (wâhib al-sowar), parce qu’elle irradie sur les matières leurs formes, et sur l’intellect humain en puissance la connaissance des formes. » Henry Corbin, Histoire de la philosophie islamique, Ed Gallimard, Paris-France 1986. P 230.

[29]: رسالة في العقل مصدر سبق ذكره ص 24

[30]: يصف أرسطو العقل الفعال بأنه "المفارق اللامنفعل وغير الممتزج، من حيث إنه بالجوهر فعل، "كتاب النفس، مرجع سبق ذكره، ص 112. ثم يضيف: "أما أنه مفارق، فمعناه أنه مفارق للمادة غير ممتزج معها، كما أنه غير منفعل، فهو يفعل دائما ولا ينفعل؛ لأنه بالفعل دائما، لذلك فهو أسمى وأرفع درجة من كل الأجسام الهيولانية، كما أنه خال من الهيولى، لذلك فهو مبدأ، والمبدأ لابد أن يكون أسمى من الهيولى، ذلك أن "الفاعل دائما أسمى من المنفعل." المرجع السابق ص 112

[31]: المصدر السابق ص ص 28-29

[32]: أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، حققه و قدم له و علق عليه الدكتور ألبير نصري نادر، دار المشرق (المطبعة الكاثوليكية)، بيروت- لبنان، ط سنة 2 سنة 1987، ص 37

[33]: المصر السابق، ص 68

[34]: : أبو نصر الفارابي، كتاب التعليقات ضمن الأعمال الفلسفية ج1، تحقيق و تقديم و تعليق الدكتور جعفر آل ياسين، دار المناهل للطباعة و النشر و التوزيع، بيروت - لبنان، ط 1 1992، ص 372

[35]: الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، مصدر سبق ذكره، ص 46

[36]: توزعت هذه الصفحات بين تسعة فصول، عرض في الفصل الأول للقول في الموجود الأول، وبين أنه بريء من جميع أنحاء النقص، كما اعتبر أن وجوده هو أفضل وجود، وأقدم وجود. وهو من كمال الوجود في أعلى المراتب. ثم نفى الشريك عنه في الفصل الثاني، وفي الفصل الثالث أفرد قولا نفي من خلاله الضد عن الأول، ثم ذهب إلى نفي الحد عنه سبحانه في الفصل الرابع، ثم شرع في القول في أن وحدته عين ذاته وأنه عالم وحكيم وأنه حق وحي، وذلك في الفصل الخامس. ثم في الفصل السادس أفرد القول في عظمته وجلاله ومجده تعالى، ثم ناقش في الفصل السابع كيفية صدور جميع الموجودات عنه، ثم عرض في الفصل الثامن لمراتب الموجودات ونسبتها إلى الأول، وانتهى بحديث عن الأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الأول تعالى مجده، وذلك في الفصل التاسع.

[37]: المصدر السابق ص 48

[38]: كتاب التعليقات، مصدر سبق ذكره، ص 382

[39]: علي عبد الواحد وافي، المدينة الفاضلة للفارابي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر- القاهرة، ص 24

[40]: آراء أهل المدينة الفاضلة، مصر سبق ذكره، ص 68

[41]: المصدر السابق، ص 67

[42]: هذه الملاحظة سبق للدكتور محمد قشيقش أن أبداها في سياق حديثه عن دور العقل الفعال في تحصيل الكمال الإنساني، حسب الفارابي، وفي كيفية بلوغ الإنسان السعادة التي تحصل بمفارقة الإنسان الآلة مفارقة تامة، و يصل إلى درجة يكون فيها شبيها بالعقل الفعال. أنظر د. محمد قشيقش، نظرية الإنسان في فلسفة الفارابي، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، سنة 2011، ص ص 253 – 254

[43]: يرد ذكر العقل الفعال في كتاب "السياسة المدنية" في الصفحة الواحدة والثلاثون في سياق حديث الفارابي عن مراتب الموجودات ومرتبة العقل الفعال ضمن هذه المراتب، كما يرد ذكره في الصفحة الثانية والثلاثون في سياق حديثه عن فعل العقل الفعال في القوة الناطقة، كما يرد في الصفحة الرابعة والثلاثون في سياق حديثه عن فعل التعقل الذي يقوم به العقل الفعال، كما يرد في الصفحة الخامسة والثلاثون في سياق حديثه عن فعل العقل الفعال في القوة الناطقة، كما يرد ذكره في الصفحة السابعة والثلاثون في سياق حديثه عن ارتقاء العقل الإنساني وحصول هذا العقل شبيها بالعقل الفعال، كما يذكره في الصفحة الأربعين في سياق حديثه عن أوجه النقص التي تلحق الجواهر غير الجسمانية التي دون الأول في الرتبة، كما يرد ذكره في الصفة الخامسة والخمسون في سياق حديث الفارابي عن طبيعة الجسم السماوي، وكيف أن العقل الفعال معد بطبعه أن ينظر في كل ما وطأه الجسم السماوي وأعطاه، كما يذكره في الصفحة الواحدة والسبعون في سياق حديثه عن الكمالات التي يهبها العقل الفعال للإنسان، ويرد ذكره كذلك في الصفحة الثالثة والسبعون في سياق حديث الفارابي عن السعادة التي يحصلها الإنسان وكيف يتدخل العقل الفعال في ارتقاء القوة الناطقة النظرية، إذ تحصل السعادة بكمال الجزء الناطق في الإنسان، ويذكره في الصفحة التاسعة والسبعون في سياق حديثه عن المرتبة التي يكون عليها عقل الرئيس الذي يحصل له العقل المستفاد عبر اتصاله بالعقل الفعال، ومنه يقال أن هذا الإنسان يوحى إليه عبر توسط العقل الفعال. ويرد ذكره في الصفحة الثانية والثمانون في سياق حديث الفارابي عن اتصال الأنفس وتكامل المعقولات التي لكل طائفة من الناس، إذ يرى أن المبتغى من هذا الاتصال هو تحقيق السعادة التي هي غاية العقل الفعال.

ويسمي الفارابي العقول الثواني أحيانا بالعقول الفعالة، ذلك أنها تفعل هي الأخرى في الموجودات السماوية وفي الكواكب أفعالا تصيرها من حال القوة إلى حال الفعل، فعقول الكواكب ليست بالفعل دائما بل فيها شيء من القوة وهو ما يستلزم تدخل مصدر آخر يخرج هذه العقول من القوة إلى الفعل، وهذا المصدر هو العقول الثواني. أنظر كتاب التعليقات، مصدر سبق ذكره، الصفحات 372-383- 389

[44]: أبو نصر الفارابي السياسة المدنية، حققه و قدم له و علق عليه الدكتور فوزي متري نجار، المطبعة الكاثوليكية- بيروت – لبنان، الطبعة الأولى سنة 1964، ، ص 31

[45]: المصدر السابق ص 32

[46]: المصدر السابق ص 32

[47]: محمود قاسم، في النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام، الطبع والنشر مكتبة الأنجلو المصرية، الإسكندرية، ط 2، ص 209

[48]: الفارابي، رسالة في العقل، مصدر سبق ذكره، ص ص 33-34

[49]: المصدر السابق، ص 33

[50]: أرسطو، كتاب النفس، مرجع سبق ذكره، ص 113

[51]: الفارابي، السياسة المدنية، مصدر سبق ذكره ص 32