إشكالية الزمني والروحي عند حسن حنفي


فئة :  مقالات

إشكالية الزمني والروحي عند حسن حنفي

إشكالية الزمني والروحي عند حسن حنفي

تمهيد

في نهاية القرن العشرين دار حوار شهير سُمي وقتها بحوار المشرق والمغرب، بين مفكر يمثل المشرق العربي هو الأستاذ حسن حنفي (1935- 2021) ومفكر من المغرب هو الأستاذ محمد عابد الجابري (1935- 2010)، حدد فيه كل واحد منهما موقفه من عديد القضايا الشائكة التي كانت تشغل الساحة الفكرية والثقافية والسياسية في تلك الحقبة الدقيقة من التاريخ العربي، وبالضبط في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ومن بين تلك القضايا المثيرة للجدل وقتها، الأصولية والحركات الإسلامية المعاصرة والوحدة العربية والليبرالية والحداثة والتقليد والناصرية والقضية الفلسطينية، وغيرها من الموضوعات، لكن المسألة التي أثارت جدلا واسعًا في هذا الحوار، هي مسألة فصل الدين عن الدولة، بالنظر إلى كثرة المواقف من هذه المسألة، بين مؤيد ومعارض[1].

والمثير للاستغراب، أن كلّا من المفكرين الكبيرين المصري حسن حنفي والمغربي محمد عابد الجابري، كان لهما نفس الموقف من مسألة العلاقة الشائكة بين الإسلام والدولة عموما، بين الدين والسياسة خصوصا، رغم أن الحوار كان في شكل مناظرة، ومن المفروض في هكذا مناظرات، أن الطرف الأول في المناظرة يختلف موقفه مائة وثمانين درجة عن موقف الطرف الثاني، حتى لا نقول يتناقض معه تمامًا، ولكن ما حدث في هذه المناظرة، أننا وجدنا توافقا في الأفكار وانسجاما في الآراء إلى حد كبير، وهو الموقف المتمثل في رفض من الأساس فكرة الفصل بين الدولة والدين.[2] وفي هذه المقالة، نسعى للدخول في نقاش مع أستاذ الفلسفة حسن حنفي في هذه المسألة المُحددة والحساسة، وهي مسألة العلمانية، وسوف نحلل ونناقش موقفه الرافض، كما نحاول دحض براهينه وتفنيد حججه.

عندما يتناقض الفكر مع نفسه

لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول إن قضية العلمانية موضوع دسم، يحلو فيه الحديث ويكثر فيه الكلام، علمًا أن النقاش لم يهدأ في هذا الموضوع في الفكر العربي منذ أكثر من قرن ونصف؛ أي منذ أن طرح أحد أركان النهضة الأدبية اللغوية العربية بطرس البستاني (1819-1883) فكرة الفصل بين الدين والدولة[3]، ولم يكن صاحب مشروع اليسار الإسلامي، سوى حلقة من حلقات طويلة من المفكرين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع الحساس، سواء بالدفاع عن فكرة الفصل أو بالهجوم عليها.

ومما يعرف عن حسن حنفي أنه ليس فقط مفكرا وكاتبا، بل وصاحب مشروع فكري مثير للجدل، كما أنه مفكر يتميز عن غيره من المفكرين العرب، بمواقفه في عديد القضايا والإشكاليات الفكرية التي شغلت الساحة الثقافية العربية منذ عقود، إلى درجة أن المفكر العربي السوري جورج طرابيشي قال عنه في مقالة شهيرة: "..بإمكانك أن تجد عند حسن حنفي الأطروحة ونقيضها في كل موضوع من الموضوعات المطروقة...فهناك حسن حنفي الحداثي جدًا، وهناك حسن حنفي التراثي جدًا ...يدافع أحيانًا عن الانفتاح ويدافع أحيانا أخرى عن السلفية والانغلاق...و يدافع عن نظرية فويرباخ الخاصة بالدين، ثم سرعان ما ينقضها...ويدافع عن الفقهاء ثم سرعان ما يهجوهم...ويدافع عن الحضارة الغربية في بعض النصوص، ثم يسخفها ويُقلل من أهميتها في نصوص أخرى عديدة...ويُدافع عن المنهج التاريخي للمستشرقين، ثم يرتد عليه لاحقا، وهكذا دواليك..."[4].

خطاب حسن حنفي بهذا المعنى خطاب متناقض، ولا يحتاج المرء إلى جهد كبير للكشف عن تناقضاته، والسبب في ذلك يعود، إما لغزارة الإنتاج أو بسبب كثرة الحقول المعرفية والفكرية التي نهل منها، أو بسبب الكم الهائل من الموضوعات والإشكاليات التي اشتغل عليها وأعمل عقله فيها، سواء في الفلسفة الغربية أو في الفكر العربي المعاصر أو الفلسفة الإسلامية الوسيطة أو في التاريخ العربي /الإسلامي أو في قضايا الفقه والاجتهاد والتجديد في الفكر الديني، وبالأخص مند بداية ثمانينيات القرن الماضي، عندما قدم مشروعه الفكري "الثورة والتجديد"، ورغم كثرة القضايا التي أثارها وكثرة التناقضات التي وقع فيها. وقد اخترنا في هذه المقالة، مناقشة موقفه من قضية علاقة الإسلام بالسياسة وبالدولة، والحقيقة أن موقف حسن حنفي كان واضحًا غاية الوضوح في هذه القضية التي شغلت الفكر العربي /الإسلامي السياسي المعاصر؛ وذلك في مقالة عنوانها: "الإسلام والعلمانية...الإسلام لا يحتاج الى علمانية غربية" بمجلة اليوم السابع الباريسية في حواره مع المفكر العربي الكبير محمد عابد الجابري.[5]

عندما تحتدم معركة المفاهيم

إذا كان صاحب مشروع اليسار الإسلامي[6]، قد تطرق إلى قضية العلاقة بين الدولة والدين في كثير من كتاباته ونصوصه؛ لأنه كما أشرنا سابقا يتميز بغزارة الإنتاج وسيولة كبيرة في التعبير والكتابة، فإنه في الرسالة أو المقالة التي كتبها إلى محاوره، كان موقفه من العلمانية واضحا تمامًا، وهو الرفض المطلق لها، وكان ذلك جليًا في عنوان الرسالة/المقالة "الإسلام لا يحتاج إلى علمانية غربية".

إذن منذ البداية وكما يعبر عن ذلك عنوان المقالة يرفض أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، فكرة الفصل بين الدولة والدين رفضا قاطعًا؛ وذلك لعدة اعتبارات نجملها في هذا النص الذي يرى أن العلمانية "لفظ معرب وليس لفظا عربيا أصيلاً نقلا عن لفظ -sécularisme- من اللاتيني -saeculum- الذي يعني العصر، فهو لفظ ينتمي إلى الحضارة الغربية، يلقى أشد المعارضة من أنصار الأصالة الذين يرفضون الوافد جملة وتفصيلاً .."[7].

والرفض هنا مؤسس بحجة أن المفهوم مأخوذ من العجم؛ أي مرفوض بدعوى أن هذا المفهوم ليس مفهوما عربيًا/إسلاميا؛ لأنه مترجم عن اللغة اللاتينية؛ أي إنه دخيل على اللغة العربية وغريب عن السياق التاريخي العربي وأجنبي عن الثقافة الإسلامية.

ومما لا شك فيه أنه، إذا تتبعنا هذا المنطق الغريب، فإن اللغة العربية القديمة في القرون الوسطى أو الحديثة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، أخذت الكثير من الألفاظ والمصطلحات الفارسية واليونانية والأوروبية، بحكم الاحتكاك الثقافي والتلاحق الحضاري؛ فالألفاظ والكلمات عابرة للقارات ومخترقة للثقافات وتنتقل ما بين الحضارات، ثم إن هناك الكثير من المفاهيم والمقولات الحديثة التي أصبح الفكر الإنساني العالمي لا يمكن أن يتنفس من دونها، صحيح أنها في الأصل مفاهيم ومقولات، تنتمي إما للفضاء الثقافي/الحضاري اليوناني القديم، وإما أنها صدرت عن السياق التاريخي الأوروبي الحديث، فمثلاً مفاهيم ومقولات من قبيل الاشتراكية والليبرالية والرأسمالية واليسار واليمين والميثاق والدستور والبرلمان، صحيح أنها مفاهيم ومقولات أوروبية المنشأ في القرون السابع والثامن والتاسع عشر، ولكنها أصبحت عالمية وكونية في القرن العشرين[8]، وهذا له أسباب نزول وراجع لعوامل تاريخية وسياسية واقتصادية، لا يستطيع أحد أن ينكرها، منها ما اقتضاه التوسع الرأسمالي/الاستعماري، ومنها ما فرضته الهيمنة الإمبريالية، ومنها ما حتمته ضرورات التقدم العلمي/التقني وضرورة التأقلم مع العصر ومحاولات الاندماج في النظام العالمي الحديث.

وإذا كان الرفض يستند على حجة أن هذا اللفظ منتوج غربي، فكذلك مفاهيم ومقولات من قبيل الديماغوجيا، الإنتلجانسيا، الإيديولوجيا، البروباغندا، المتروبول، الكومبرادور والبرجوازية، هي ألفاظ وكلمات ومفاهيم مُعربة ومشتقة من اللغة اليونانية، فهل في هذه الحالة كذلك نرفض هذه المفاهيم وهذه المقولات[9]، ثم إنه لا يجب التوقف في الكلمات والألفاظ عند الدال، بل يجب التعمق في الفهم، أقصد التعمق في المدلول، فمثلا مصطلح ديمقراطية المتداول كثيرا في الفكر العربي المعاصر، ماذا يضيرنا إن كان أصل كلمة الديمقراطية مقتبس من اللغة الآرامية أو من اللغة السومرية أو من اللغة الهيروغليفية !، المهم بالنسبة لنا - نحن العرب والمسلمين اليوم - هو ما تحمله الألفاظ والمفاهيم من معان ودلالات تساهم في إغناء اللغة العربية وفي تطور الفكر السياسي العربي، وما تقدمه لنا من مصالح وما تحققه من مقاصد، فلا أحد يداخله الشك في قيمة وأهمية المبادئ التي جاءت بها الفلسفة السياسية الأوروبية وما قدمه عصر الأنوار من مبادئ وقيم وأفكار، مثل مبادئ الحرية والعدالة وقيم التسامح وحق الاختلاف وأفكار فصل السلطات وسيادة الأمة والتمثيل النيابي والانتخابات الحرة والنزيهة وحقوق الإنسان ومبدأ المواطنة.

وفي خضم هذا النقاش، لا ننسى أن نُذكر أن العلمانية لفظ عربي مائة في المائة، مشتق من العَالم؛ أي من الدنيا ومصاغ بصيغة المصدر الصناعي. ومن المعلوم أن سؤال العلمانية، سؤال إشكالي أثار وما يزال يثير الكثير من المشكلات اللغوية، ويشعل الكثير من النقاشات الفكرية، سؤال كان مطروحا بحدة على النخبة الفكرية العربية في عصر النهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر[10].

واللافت للانتباه أن مشكلة الاشتقاق اللغوي هي في حد ذاتها شغلت الفكر العربي الحديث والمعاصر، وكان السؤال كما يلي: هل العلمانية مُشتقة من العِلم أم من العَالَم[11]؟ فإذا كان الجواب أنها مأخوذة من العلم، ففي هذه الحالة تُنطق علمانية (بكسر العين(. أما إذا كان الجواب إنها من مشتقات العَالَم، معنى ذلك أنها تُنطق عَلمانية (بفتح العين(. وبالتالي انقسم المثقفون العرب إلى قسمين؛ قسم يرجع العلمانية إلى العالم، وعلى رأس هؤلاء نجد العالم اللغوي اللبناني عبد الله العلا يلي[12]، وقسم آخر يربط العلمانية بالعلم. والحقيقة أنه سواء أرجعنا الكلمة إلى العالم أم إلى العلم، فالمعنى يتشابه؛ لأن من معاني العلمانية الكثيرة، هو قدرة الإنسان على الفعل في هذا العالم مقابل العالم الأخروي، والوسيلة الأساسية لهذا الفعل الإنساني، هي العلم الوضعي/التجريبي، وليس الميتافيزيقا والغيبيات ولا السحر والخزعبلات ! ونحن نعتقد أن لفظ عَلمانية بفتح العين هو الأصح، وهذا راجع لعدة مبررات؛ أهمها أننا نميل إلى الرأي القائل إن العلمانية مُشتقة من العالم، هذا العالم الدنيوي الزمني والنسبي في مقابل عالم أخروي روحي ومطلق، وكذالك لأن الكلمة بهذا المعنى هي الأقرب إلى الكلمات اللاتينية المستخدمة في هذا السياق. وحتى نكون أكثر دقة، العلمانية تنتسب إلى العالم من الناحية اللغوية، وليس إلى العلم كما يعتقد البعض، وإن كان يتشابه المعنى كما أشرنا سابقا؛ لأن الربط بين العلمانية وبين العلم ربط غير دقيق، فمن ينتسب للعلم في اللغة العربية يقال له علمي، كأن نقول البحث العلمي والمنهج العلمي والتفكير العلمي، وفي هذا السياق اللغوي الاشتقاقي يؤكد باحث عربي معاصر ".. أن لفظ علمانية مُشتق من العَالَم وليس من العلم، والطريقة الصحيحة للنطق بها هي بفتح العين واللام معا، فالعلماني هو ما يشار إليه عادة في كتاباتنا المعاصرة بالعلموي غير أن لفظ علموي لا يمكن لغويا اشتقاقه من العلم، والأصح لغويا أن نقول علماني بكسر العين بدل علموي، والعلماني بكسر العين هو من يتخذ العلمية كما هي ممثلة في العلوم الطبيعية بخاصة نموذجا لكل أنواع المعرفة. إنه يتبنى وجهة النظر الوضعية أو وجهة نظر مماثلة لها، مما يعني عدم اعترافه بإمكان المعرفة الخلقية أو الدينية أو الميثافيزيقة؛ لأن القضايا المزعومة لأي منها لا يمكن إخضاعها حتى من حيث المبدأ لمعايير العلم.."[13].

ونحن لا نملك غير الاتفاق مع هذه الآراء إلى حد كبير؛ لأنه بالفعل إذا أخذنا بعين الاعتبار قواعد الاشتقاق في اللغة العربية، العلمَاني بفتح العين شيء، والعلماني بكسر العين شيء آخر. لكن مرة أخرى نؤكد، أن هذا الاختلاف في نطق الكلمتين، لا يمنع من وجود تشابه بين العلمانية والعلم. وفي هذا السياق نحن نعتقد أن أحد أبرز أغراض العلمانية في أوروبا منذ بداية الصدام بين العلم الحديث القائم على أسس المنهج التجريبي، وبين الدين المسيحي في القرن السادس عشر هو تمييز المجال الديني عن الحقل العلمي، وبعبارة أدق فصل المعرفة الدينية عن المعرفة العلمية وقد تحقق الانفصال شيئًا فشيئًا، ولكن بعد أن تم دفع ثمن باهظ، حيث تعرض العلماء لشتى أنواع الاضطهاد، نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر غاليليو غاليلي الذي تعرض للمحاكمة، وجوردانو برونو الذي أُحرق، وغيرهم كثير ممن عانوا من الاستبداد الكنسي/ اللاهوتي. وهناك من الباحثين من يعتقد، انطلاقا من الاشتقاق اللغوي أن الربط بين العلمانية والعالم هو أكثر دقة ويحقق المعنى المراد، أكثر من ربط بين لفظ العلمانية بلفظ العلم[14]، ولهذا الترجمة الصحيحة والأكثر ملاءمة، بله وتؤدي الغرض المطلوب هي لفظ الزمانية؛ لأن الكلمة التي تدل عليها في اللغة الإنجليزية هي secular- - المأخوذة من كلمة لاتينية معناها القرن - saeculum- وعلى هذا الأساس، العلمانية في اللغات الأوروبية، ترتبط بالشؤون الزمنية؛ أي شؤون هذا العالم وأحداث هذه الأرض في مقابل الشؤون الروحانية التي تتعلق أساسا بالعالم الآخر أي بالآخرة. [15]

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإنه ليس فقط مفاهيم ومقولات الفلسفة السياسية الأوروبية الحديثة التي لقيت في البداية معارضة شديدة في العالم العربي من القوى المحافظة والمؤسسات الدينية والنخب التقليدية، بل إن كل الوسائل المادية والتقنية الحديثة وكل الأجهزة والمعدات الحديثة وجدت مقاومة شديدة، من منطلق التمسك بالأصالة وبحجة الحفاظ على الهوية. ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول إن مقاومة التجديد ومحاربة الإبداع وتكفير التفكير والتقوقع على الذات والتشبث بثقافة القرون الوسطى التي أكل عليها الدهر والشرب، واعتبار الماضي هو المستقبل والتَقنفُذ (من القنفذ)، لهو أكبر دليل على أننا نسير في الطريق الخطأ ونغوص يوم بعد يوم، في قاع عميق، ليس له أول ولا آخر[16].

ثم بعد ذلك، يعرف أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة العلمانية بأنها لفظ "... يعني في الغرب الفصل بين الكنيسة والدولة، بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وقد كان ذلك هو الحل الوحيد لتقدم الشعوب الغربية بعد أن سيطرت الكنيسة على الدولة.."[17] هذا التعريف يبدو في الظاهر أنه تعريف صحيح، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك، أو على الأقل إنه تعريف سطحي، والمشكلة أنه تعريف شائع ليس فقط في الأوساط الإعلامية والصحفية، ولكن حتى في الأوساط الأكاديمية، انطلاقا من الفهم والمعرفة السائدة، وهذا الفهم يعرف العلمانية بالأغراض التي جاءت الحركات العلمانية في أوروبا لتحقيقها، ومن أهم هذه الأغراض وضع حد لسيطرة الكنيسة على الدولة، وبالتالي الفصل بين الشؤون الدينية والشؤون السياسية.

وهكذا، فإن هذا الفهم يربط ربطا محكما ".. بين مفهوم العلمانية والسمات التي اكتسبها هذا المفهوم في التجربة الأوروبية في سياق الصراع بين السلطة الزمنية وسلطة الكنيسة..."[18]. والحقيقة أن هذا التعريف يقدمه في الغالب، المناهضون لفكرة فصل الدين عن الدولة، وخاصة من مفكري الإسلام السياسي أمثال أنور وجدي ومحمد عمارة؛ لأنه يسهل لهم الطريق للوصول إلى النتيجة التالية، وهي أن: العلمانية مسألة متعلقة بالتاريخ الأوروبي، ولا شأن لنا نحن العرب والمسلمين بها، كما أن التاريخ الإسلامي لم يعرف الدولة الدينية ولا عرف الكهنوت، كما أن الإسلام ليس فيه رجال دين، بل كل ما عرفه ويعرفه علماء الدين.

عندما يختلف الإسلام عن المسيحية

في التاريخ الأوروبي/المسيحي وفي القرون الوسطى، كانت هناك دولة دينية/ ثيوقراطية تجمع بين الزمني والروحي بين المقدس والمدنس، كما أنها دولة قهرية مارست باسم الله شتى أنواع التسلط ومختلف أشكال العسف والقهر والاستبداد. أما التاريخ الإسلامي، فلم يعرف الدولة الدينية، والإسلام ليس فيه كنيسة ولا رجال دين، وبالتالي لا شأن لنا بالعلمانية.

إذًن العلمانية مشكلة أوروبية /مسيحية، وبالتالي ليست مشكلة إسلامية؛ لأن رجال الدين المسيحيين بمؤسسة الكنيسة في القرون الوسطى شكلوا ما يسمى بالإكليروس أو الكهنوت كانت لهم سلطة وسطوة ونفوذ، هؤلاء الرجال كانوا يجمعون بين السلطة الدينية والسلطة السياسية؛ أي نشأت طبقة اجتماعية متحالفة مع الإقطاع تجمع بين الزمني والروحي، بينما الإسلام ليس فيه كنيسة، ويخلو تماما مما يسمى برجال الدين، ولم يعرف شيئا اسمه السلطة الدينية.

هذا هو مضمون مقاربة حسن حنفي للتجربتين، الإسلامية والمسيحية، وعلاقة كل منهما بالسياسة من جهة، وبالدولة من جهة أخرى، وخلاصة القول: الإسلام لا يحتاج إلى فكرة "برانية" مستوردة.

وفي هذا الصدد نتفق مع ما يقوله حسن حنفي عن التاريخ الأوروبي من سيطرة الكنيسة وجبروت الباباوات والسلطة الدينية. "... صحيح ليس في الإسلام كنيسة ولكن فيه بالبداهة سلطة دينية، ليس فيه كهنوت ولكن فيه ككل دين، رجال دين ...و رجال الدين ليسوا كهنة، ولكن وظيفتهم مثل أي رجال دين هي القيام بشؤون الدين، وهم في أكثريتهم الساحقة متفرغون للقيام بشؤون هذه الوظيفة، وصحيح أن وظيفتهم ليست، كما في الكاثوليكية، أن يكونوا وسطاء بين الإنسان وربه، ولكن وساطتهم لا يمكن الاستغناء عنها بين الإنسان وشؤونه الدينية...وقد يقع خلاف حول جواز هذه التسمية بالذات "رجال الدين" لكن لا يمكن أن يقع خلاف على الواقع التاريخي لوجودهم، إذن ليس في الإسلام كنيسة ولا كهنوت، ولكن فيه سلطة دينية.."[19] ومما يلفت الانتباه إليه، أن داعية الثورة والتجديد في نقضه للعلمانية يردد كثيرا هذه العبارة "...وهذا الموضوع لا شأن لنا به، من حيث هو تاريخ أوروبي صرف ...".[20]

وإذا كان الأمر كذلك، فالديمقراطية والدستور والبرلمان والانتخابات وكل ما يتعلق بالدولة الحديثة، كُلها تاريخ أوروبي صرف، وبناءً على ذلك، لا شأن لنا بها ما دامت صادرة من عمق التجربة الأوروبية الحديثة ومتعلقة بالسياق التاريخي الأوروبي الصرف ! ومع ذلك يشير صاحب مشروع "العقيدة والثورة" إلى أنه "...لما انتشرت مفاهيم الثقافة العربية بيننا، وأصبحنا نفهم أنفسنا ونعبر عن أمانينا وندافع عن حقوقنا، بهذه المفاهيم مثل العلمانية والليبرالية بعد أن انتشرت وذاعت بيننا، وكانت أحد أسباب التقدم في الغرب، ولما كان التقدم واحد والشعوب واحدة وقانون التاريخ واحد، فلا ريب في أن الدفاع عنها والتمسك بها والدعوة إليها يحقق التقدم في مجتمعاتنا دون مراعاة لخصوصيات المجتمع وللمراحل التاريخ المتباينة التي تمر بها المجتمعات..."[21]

ولا يداخلنا شك، بأن هذه المفاهيم كانت أحد أسباب التقدم في أوروبا وأمريكا واليابان، ونحن لا نختلف مع حسن حنفي حول فكرة مراعاة خصوصيات الشعوب الثقافية والاجتماعية، ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار السياقات التاريخية التي تنشأ فيها هكذا مفاهيم، وهذا ما ينطبق تماما على مفهوم العلمانية، وفعلا لا يوجد نموذج جاهز للعلمنة، بل هناك عدة نماذج حسب خصوصية المجتمع والتاريخ؛ فالعلمانية في فرنسا هي غير العلمانية في أمريكا والنموذج الألماني في العلمنة يختلف عن النموذج الإنجليزي، لاختلاف السياقات التاريخية واختلاف الشعوب، مثلها مثل الديمقراطية، فلا نعتقد أن هناك "كتالوج" واحد للتجربة الديمقراطية يُطبق في جميع البلدان، بل إن لكل بلد مساره التاريخي الخاص وتجربته السياسية/الديمقراطية المتفردة، وظروفه الاجتماعية والاقتصادية الخاصة.

وبالتالي لا أحد يداخله شك، أن هناك اختلافا وتباينا في تجارب الأمم والشعوب فيما يتعلق بالعلمنة والديمقراطية، وبالمناسبة علينا أن نقر بأنه لا علمانية من دون ديمقراطية ولا ديمقراطية من دون علمانية. فالعلمانية بمعنى حرية الاعتقاد والضمير تستدعي نظاما سياسيا ديمقراطيا لحماية هذه الحقوق وهذه الحريات[22].

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، يتطرق حسن حنفي إلى دعاة الفصل بين الدين والدولة في العالم العربي وإلى رواد العلمانية في مصر والشام، حيث يقول في هذا الصدد: "...قام العلمانيون في بلادنا منذ شبلي شُميل ويعقوب صروف وفرح أنطون ونقولا حداد وسلامة موسى وولي الدين يكن ولويس عوض وغيرهم يدعون إلى العلمانية بهذا المعنى الغربي، فصل الدين عن الدولة والدين لله والوطن للجميع، والملاحظ أنهم كلهم من النصارى وغالبيتهم من نصارى الشام، الذين كان ولاؤهم الحضاري للغرب، ولا ينتسبون إلى الإسلام دينا أو حضارة، وتربّوا في المدارس الأجنبية وإرساليات التبشير، فكان الأسهل في دعوتهم الصادقة للتقدم والنهوض بالبلاد أخذ النمط الغربي الذي عرفوه ودعوا إليه ورأوه ماثلا في تقدم الغرب الفعلي .."[23] ونحن هنا نتفق كذلك مع أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة، علما أن أستاذنا كان "الوكيل المعتمد" الوحيد للمنهج الظواهري في المنطقة العربية، وهو بالمناسبة منهج غربي/أوروبي! ولن نجادل بأن معظم رواد العلمانية في الفكر العربي المعاصر هم من المسيحيين من بطرس البستاني وشبلي شُميل وفرح أنطون، ولكن أغلب دعاة الفصل بين الدين والسياسة في القرن العشرين كانوا من المسلمين العرب نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر، أحمد لطفي السيد وطه حسين وإسماعيل مظهر وعلي عبد الرزاق وقاسم أمين وفؤاد زكريا وصادق جلال العظم وعزيز العظمة وكمال عبد اللطيف وعبد الإله بلقزيز. أما القول إن الرواد كانوا من المسيحيين النصارى- لاحظ استخدام لفظ النصارى - وكانوا موالين للغرب وتربّوا في مدارس الأجانب، فكلام فيه افتراء على هؤلاء الرواد الذين ساهموا في تجديد اللغة العربية وفي النهوض بالثقافة العربية كتابة ونشرًا، وفي نشر الوعي السياسي وفي الدعوة الى فلسفة العقلانية والتنوير عن طريق الصحافة والأدب، وأما استعمال لفظ النصارى فهو استعمال غير بريء نظرًا، لما يحمله هذا اللفظ في الذاكرة الجمعية والمخيال الاجتماعي لشعوب المنطقة من معاني وتصورات في غاية السوء، منها ارتباطه في الخطاب الديني باليهود كقوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" (سورة البقرة- الآية 120).

ومن الافتراءات والتهم الجاهزة التي ساقها داعية "علم الاستغراب" ضد هؤلاء الرواد الذين كان يحركهم هاجس التقدم، هي أنهم من الموالين للغرب وهي تهمة بالخيانة تصب في ثقافة التحريض الطائفي، والتي تساهم بطريقة أو بأخرى في تأجيج الفتنة داخل مجتمعات مشحونة أصلا طائفيًا لأسباب سياسية واجتماعية وتاريخية[24]. والغريب في الأمر أن ثقافة التحريض الطائفي صادرة من مفكر له باع طويل في ساحة الفكر ويتعاطى الفلسفة ويتقن عدة لغات، ضف إلى ذلك حاصل على شهادة دكتوراه من فرنسا، البلد الأكثر علمانية في العالم، ثم لا ننسى أن صاحبنا يعيش في بلد فيه نسبة كبيرة من الأقباط، هم مواطنون مصريون أولا وقبل كل شيء، يعيشون في مصر منذ مئات السنين، ساهموا في الحياة السياسية والفكرية بقوة منذ بداية عصر النهضة[25] كما كان لهم نشاط كبير في الحركة الوطنية المصرية، وكان منهم مكرم عبيد الأمين العام لأكبر حزب جماهيري في الوطن العربي في ذلك الوقت (حزب الوفد)، والذي قال قولته الشهيرة: "..إذا كانت الأقلية المسيحية نصرانية بالمولد، فهي إسلامية بالحضارة .."[26] ولا يكتفي صاحب اليسار الإسلامي بذلك، بل إنه عندما يذكر المفكر المسلم العلماني يذكره باعتباره تابعا يردد ما قاله المفكر المسيحي العلماني، كما يذكره بطريقة تخدم موقفه الرافض للعلمانية، وهو أن هذا المفكر بدأ علمانيا ثم تاب وعاد إلى حضن الإسلام، وفي هذا الصدد يقول حسن حنفي: "..وتبعهم في ذلك بعض المسلمين مثل قاسم أمين في دعوته إلى تحرير المرأة "والمرأة الجديدة" وعلي عبد الرزاق في "الإسلام وأصول الحكم" وخالد محمد خالد في بداياته الأولى "من هنا نعلم" وباقي مؤلفاته الأخرى قبل أن يتحول في الثمانينيات إلى التوحيد بين السلطتين من جديد في "الدين والدولة" و إسماعيل مظهر في دعوته إلى الداورينية، قبل أن ينقلب في الستينات إلى "الإسلام أبدا" وزكي نجيب محمود قبل أن يتحول هو الآخر في السبعينيات منذ كتاب "تجديد الفكر العربي" ولو أن الفكر العلمي الغربي مازال هو مقياس التجديد عند فؤاد زكريا ومعظم الماركسيين التقليديين آخذين بنصف عبارة ماركس الأولى "الدين أفيون الشعوب" وتاركين النصف الآخر "صرخة المضطهدين"[27].

ومرة أخرى نشاطر الرأي في ما ذهب إليه، بأن بعض المفكرين العرب فعلا عاشوا تحولات فكرية كبرى، وقد انقلبوا عن مواقفهم الأولى في بداية حياتهم الفكرية، ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر، المفكر الإسلامي محمد عمارة (1933- 2022) الذي بدأ ماركسيًا وانتهى إسلاميا متشددًا، كما كان عادل حسين (1935 مفكر اقتصاديًا مرموقًا قبل أن يتحول الى مفكر إسلامي لا يرى بديلا عن إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة ![28] ولهذا لا نستغرب أن تذوب الفوارق الفكرية بسرعة بين المفكر الإسلامي محمد عمارة (1933-2021) وبين سيد قطب (1906-1966) صاحب كتاب "معالم في الطريق" ولا اختلاف بين عادل حسين، وبين الشيخ محمد الغزالي (1917- 1996) وعبد السلام فرج مؤلف كتيب "الفريضة الغائبة".

وللتذكير فقط، فإن "معالم في الطريق" و"الفريضة الغائبة" يعتبران من مناهج ومقررات مدرسة "الجهاد الإسلامي" و"الجماعة الإسلامية"، وهي الجماعات والتنظيمات التي أعلنت الجهاد في مصر، في موجة إرهابية لم يسبق لها مثيل، عندما قتلت الرئيس محمد أنور السادات عام 1981 واغتالت الكاتب والمفكر الليبرالي فرج فوده (1945- 1992) عام 1992، وأطلقت الرصاص على رئيس البرلمان المستشار رفعت المحجوب في عام 1990 وأردته قتيلا، كما حاولت اغتيال الأديب العالمي نجيب محفوظ (1911-2006) عام1994، كما دبرت محاولة قتل وزير الداخلية حسن الألفي.

صحيح أن بعض المفكرين العرب يتراجعون عن مواقفهم الثورية وأفكارهم التنويرية، ولكن نختلف مع حسن خنفي في بعض النقاط؛ منها أن هذه التراجعات لم تمس كافة من اشتغل على قضايا الفكر العربي، وحتى التراجعات، علينا أن نفهم أنها جاءت في الأغلب الأعم، في سياق المد الأصولي الذي لا يتوانى عن قتل المثقفين، بالإضافة إلى الضغوط التي تمارسها السلطة الحاكمة بواسطة الأجهزة الأمنية على كل من يحاول إعمال العقل وممارسة التفكير الحر في قضايا الدين والتاريخ والمجتمع، فهناك في المجتمعات العربية/الإسلامية إرادة الإبقاء على الجهل المقدس وإرادة الحفاظ على السياج الدوغمائي[29].

ففي هكذا مجتمعات هناك سقف للتفكير لا ينبغي تجاوزه، وهناك خطوط حمراء للكتابة والبحث لا ينبغي تخطيها، وكلما انخفض المستوى المعرفي للمجتمع انخفض معه سقف التفكير، وزاد عدد الخطوط الحمراء وفي نفس الخط المناهض، لأي شكل من أشكال الدعوة للفل بين الدين والدولة.

يرى حسن حنفي أن الحركات الإسلامية كانت على حق، عندما رفضت العلمانية وربطتها بالتغريب لما يتضمنه من استعمار وتبشير، وبالتالي فهذه الحركات تمسكت بالإسلام الذي يربط الدين بالدنيا ورفعت شعار الحاكمية[30]. وعند مناقشة هذه الأفكار نقول إن هذه الحركات ليست حركات دينية، بل هي حركات سياسية، هي أحزاب سياسية، تستخدم الدين لتحيق أغراض سياسية[31]، وبطبيعة الحال الغرض الأساسي هو الاستيلاء على السلطة بأي وسيلة، بالانتخابات على الطريقة النازية أم بالعمل المسلح على الطريقة الماركسية/ اللينينية، وبالتالي فإن هذه الحركات تناهض العلمانية التي هي بالأساس الفصل بين الدين والسياسة، بين الشؤون الدينية والشؤون السياسية.

إذن هذه الحركات ليست على حق عندما تناهض العلمانية؛ لأن هذه الأخيرة لا علاقة لها بالتغريب، وإن كان هذا المفهوم يحتاج إلى تدقيق في الفهم والتعريف، ونحن نفضل بدلاً منه مفهوم الحداثة وما تتضمنه من قيم ومبادئ ونمط معيشة وطرائق ومناهج في السياسة والاجتماع، بها يقاس الفرق بين التقدم والتخلف؛ فالحداثة مقياس عالمي اليوم نقيس به مدى تقدم المجتمعات والدول في العمران والسياسة والاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة. وفيما يخص أن الإسلام يربط الدين بالدنيا، فهذه العبارة خاطئة؛ لأن الإسلام لا يربط ولا يحل، والذي يفعل ذلك هو الفكر الإسلامي الذي يرى أن الإسلام دين ودولة (محمد رشيد رضا) وقد يرى أن الإسلام دين وليس دولة (علي عبد الرزاق) وكذلك الأمر بالنسبة إلى مفهوم الحاكمية الذي هو نتاج فكر سياسي اعتقد صاحبه "أن الحكم لله وليس للرجال"، وهذه الفكرة قال بها الخوارج عندما قبل الخليفة الرابع مبدأ التحكيم بعد معركة صفين، وكان الصراع على السلطة على أشده بين جيش العراق بقيادة علي بن أبي طالب وجيش الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان.

ولهذا، فلفظ الحاكمية في الماضي وعند فرقة الخوارج الطائفية، هو نتاج صراع سياسي طاحن في تاريخ الإسلام المبكر، ومفهوم الحاكمية في الحاضر كما صاغه المفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي في سياق تاريخي اجتماعي خاص بوضع المسلمين في الهند، ثم وظفه المفكر سيد قطب في المنطقة العربية، وبالتالي هذا المفهوم هو أحد إفرازات الصدام القاتل بين جماعتين تعتقدان بامتلاك الحقيقة، هما جماعة الإخوان المسلمين من جهة، وجماعة الضباط الأحرار (العسكر) من جهة أخرى[32].

ولا يداخلنا شك في أنه صراع سياسي ضار على السلطة وعلى الحكم وعلى الدولة، تم فيه إقحام الدين في أتون الصراع، ومن الطرفين، لما يمثله الدين من رموز ومعاني وما يفيده في اكتساب الشرعية وما يسهم فيه في اكتساب المشروعية، ومن هذا المنطلق الكل كان يسعى من دون كلل وملل للاستحواذ على هذا الرأسمال الرمزي الذي هو ملك للأمة جمعاء، والكل يسعى لاستخدام وتوظيف هذا السلاح الفتاك في الصراعات السياسية !

والنتيجة...

كانت كارثية على أكثر من صعيد؛ لأن النظام السياسي الناصري أراد أن يثبت للعامة والجماهير، أنه نظام لا يعادي الدين الإسلامي فساهم - بوعي أو بدون وعي- وبقدر كبير، في تسييس الدين وتديين المجتمع surpolitisation-- من خلال إنشاء عدد لا يحصى من المؤسسات والهيئات الدينية الإسلامية، من قبيل إذاعة القرآن الكريم وبناء أكبر عدد ممكن من المساجد والتوسع في التعليم الديني هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ساهمت جماعة الإخوان المسلين وبقدر كبير في إعادة أسلمة المجتمع islamisation- - المجتمع المصري بكل الطرائق وكافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة، وبالتالي جعل الدين هو مركز كل شيء في المجتمع. ومن هنا دخلت مصر منذ بداية السبعينيات في نفق سياسي/ثقافي/فكري مظلم لم تخرج منه حتى اليوم؛ لأن تسييس الدين أدى إلى تديين السياسة، وتديين السياسة أدي إلى تديين المجتمع.

والنتيجة.. هي الوصول عند محطة الانسداد التاريخي[33]. والغريب في الأمر أن حسن حنفي يقر ويعترف بأن الإسلام دين علماني، حيث يقول بصريح العبارة: "..الإسلام دين علماني بجوهره ومن ثم لا حاجة له لعلمانية زائدة عليه مستمدة من الحضارة الغربية، إنما تخلفنا عن الآخر هو الذي حول الإسلام إلى كهنوت وسلطة دينية ومراسم وشعائر وطقوس وعقوبات وحدود، حتى زهق الناس واتجهوا نحو العلمانية الغربية بما تمثله من عقلانية وليبرالية وحرية وديمقراطية وتقدم .."[34].

والسؤال المطروح: هل حقًا الإسلام دين علماني؟ إذا كان الجواب بنعم، فعملية الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية سوف تكون أسهل بكثير على عكس ما كان عليه الأمر في التاريخ الأوروبي/ المسيحي، مع الكنيسة والمسيحية، أين كانت الولادة عسيرة للدولة العلمانية وكان المخاض طويلا ومعقدا لدولة سيادة القانون الوضعي، ولم يأت الحل العلماني إلا بعد حروب دينية مدمرة.

وثمة ملاحظة أخرى في مقالة أبرز الرافضين للعلمانية في الفكر العربي المعاصر، هي الاعتراف بوجود كهنوت في التاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًا، ونحن نعرف أن أحد أهم أهداف العلمانية، هي تحديد مهام رجال الدين، وبعبارة أصح تقييد حركة رجال الدين في داخل الدائرة الدينية. والتجربة التاريخية الإنسانية أثبتت أنه إذا تضخمت سلطة رجال الدين، فإن الناس، مع مرور الوقت، يضيقون ذرعًا بهذه السلطة الدينية المستبدة التي تحسب على الناس أنفاسهم، وبالتالي سوف يبحثون عن المخرج من هذا التسلط وهذا الاستبداد وهذا المأزق التاريخي، ولن يكون المخرج غير الاتجاه نحو الحل العلماني، وهذا بالنظر إلى القيم التي تحملها والمبادئ التي تنتظمها - وهذا باعتراف حسن حنفي - قيم العدل والحرية والعقلانية والتقدم والتسامح.

والحقيقة أن داعية "علم الاستغراب" كان محقا في توصيف العلمانية بأنها تحمل قيم العدل والحرية والتقدم؛ لأنه بالفعل المجتمعات اليوم التي قطعت شوطا كبيرا في الحداثة والتحديث، والتي تكرست فيها قيم العدل والحرية وسادت فيها مبادئ العقلانية والديمقراطية هي دول علمانية. أما المجتمعات التي مازالت تكتوي بنار القمع والقهر وتئن من شدة التسلط والاستبداد وتُسيطر عليها ثقافة الخرافة والخزعبلات، ومازالت فيها السياسة متشابكة بالدين والدولة ملتصقة بالدين، فهي مجتمعات متخلفة حضاريًا وثقافيًا وسياسيًا.

والحقيقة أن الدين في هكذا مجتمعات، باعتباره رأسمال رمزي خطير، يكون عرضة لمن هب ودب، ويكون بالتالي سلاحًا فتاكًا، إما للبقاء في السلطة أو للوصول إليها، فالأنظمة السلطانية الحاكمة في كافة مراحل التاريخ الإسلامي كانت تستخدم الدين، أو بالأحرى توظف الدين لستر عورة لا شرعيتها من ناحية، ومن ناحية أخرى وظفت الدين لقطع الطريق على المعارضة الاحتجاجية التي تتدثر برداء الدين، والتي هي بدورها تستخدم الدين بقصد الوصول إلى السلطة، ومن ثمة الاستيلاء على الدولة.

 

 

مصادر ومراجع:

  1. فيصل جلول وأخرون: حوار المشرق والمغرب. نصوص إضافية. الدار العربية للعلوم ناشرون منشورات الاختلاف ط2 بيروت 2010
  2. هاشم صالح: الانسداد التاريخي...لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي، رابطة العقلانيين العرب. دار الساقي ط1بيروت 2007
  3. نصر حامد أبوزيد: نقد الخطاب الديني. سينا للنشر ط2 القاهرة 1994
  4. مصطفى دحماني: إشكالية العلمانية في الخطاب العربي النهضوي...بطرس البستاني نموذجا، مجلة التدوين. جامعة وهران، المجلد 10 العدد 2 وهران 2018
  5. عزيز العظمة: العلمانية من منظور مختلف. مركز دراسات الوحدة العربية.ط1 بيروت 1992
  6. محمد المباركي: الإسلام والعلمانية: منشورات اختلاف ط1 الرباط 1999
  7. عبد الغني عماد: حاكمية الله وسلطان الفقيه، دار الطليعة. ط2 بيروت 2005 لبنان.
  8. فؤاد زكريا: العلمانية ضرورة حضارية. ضمن كتاب "الإسلام والسياسة" موفم للنشر ط1 الجزائر 1995
  9. عادل ظاهر: الأسس الفلسفية للعلمانية. دار الساقي. ط2 بيروت 1998
  10. كمال عبد اللطيف: سلامة موسى وإشكالية النهضة. المركز الثقافي العربي، ط 1 الدار البيضاء 1982
  11. نصر حامد أبو زيد: الخطاب والتأويل: المركز الثقافي العربي ط2الدار البيضاء 2005
  12. سمير أمين- برهان غليون: حوار الدولة والدين. المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء 1996
  13. ناصيف نصار: نحو مجتمع جديد. دار الطليعة ط4 بيروت 1981

[1]- فيصل جلول وآخرون: حوار المشرق والمغرب. الدار العربية للعلوم ناشرون منشورات الاختلاف، ط2 بيروت 2010 ص9

[2]- فيصل جلول وآخرون: المصدر نفسه ص 233

[3]- ناصيف نصار: نحو مجتمع جديد. دار الطليعة ط4 بيروت 1981 ص 23

[4]- جورج طرابيشي ذكره هاشم صالح في كتاب "الانسداد التاريخي...لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العرب" رابطة العقلانيين العرب. دار الساقي ط1بيروت 2007 ص 268

[5]- فيصل جلول وآخرون: المصدر نفسه ص71

[6]- نصر حامد أبوزيد: نقد الخطاب الديني. سينا للنشر ط2 القاهرة 1994 ص 139

[7]- فيصل جلول وآخرون: المصدر نفسه ص 71

[8]- المصدر نفسه ص 244

[9]- المصدر نفسه ص 244

[10]- مصطفى دحماني: إشكالية العلمانية في الخطاب العربي النهضوي...بطرس البستاني نموذجا، مجلة التدوين، العدد 11 يوليو السداسي الثاني 2018، وهران، ص 169

[11]- فيصل جلول وأخرون: المصدر نفسه ص37

[12]- عزيز العظمة: العلمانية من منظور مختلف، مركز دراسات الوحدة العربية ط 1 بيروت 1992 ص 18

[13]- عزيز العظمة: المرجع نفسه ص 46

[14]- المرجع نفسه ص 17 و18

[15]- فؤاد زكريا: العلمانية ضرورة حضارية. ضمن كتاب "الإسلام والسياسة " موفم للنشر ط1 الجزائر 1995 ص 270

[16]- محمد المباركي: الإسلام والعلمانية: منشورات اختلاف ط1 الرباط 1999 ص 26

[17]- فيصل جلول وأخرون: المصدر نفسه ص 71                                                                                                                  

[18]- عادل ظاهر: الأسس الفلسفية للعلمانية. دار الساقي. ط2 بيروت 1998 ص 41

[19]- فيصل جلول وآخرون: المصدر نفسه ص 235 و236

[20]- المصدر نفسه ص 72

[21]- المصدر نفسه ص 72

[22]- فيصل جلول وآخرون: المصدر نفسه ص 244

[23]- المصدر نفسه ص 73

[24]- فيصل حلول وآخرون: المصدر نفسه ص 245

[25]- كمال عبد اللطيف: سلامة موسى وإشكالية النهضة. المركز الثقافي العربي، ط 1 الدار البيضاء ص 96

[26]- فيصل جلول وأخرون: المصدر نفسه ص 245

[27]- المصدر نفسه ص 73

[28]- نصر حامد أبو زيد: الخطاب والتأويل: المركز الثقافي العربي ط2الدار البيضاء 2005ص 92

[29]- محمد أركون: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد. دار الساقي ط4 بيروت 2007 ص 8

[30]- فيصل حلول وآخرون: المصدر نفسه ص 73

[31]- سمير أمين- برهان غليون: حوار الدولة والدين. المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء 1996، ص 83

[32]- عبد الغني عماد: حاكمية الله وسلطان الفقيه، دار الطليعة. ط2 بيروت 2005 لبنان، ص 23

[33]- هاشم صالح: الانسداد التاريخي: المرجع نفسه ص 20

[34]- فيصل حلول وأخرون: المصدر نفسه ص 76