ابن رشد والتعليل العقلي


فئة :  مقالات

ابن رشد والتعليل العقلي

لعله من نافل القول التذكير بالسمة العقلانية للجدل الفكري والفلسفي عند فلاسفة الإسلام في العصر الذهبي للمعرفة الإسلامية. وقد تجسّدت تلك السمة في النصوص الفلسفية التي تزخر بها المكتبة العربية، حيث تصعب الإحاطة بكل تفاصيل التصور العقلاني للمعرفة الإسلامية بغض النظر عن الاختلاف المذهبي الذي يصدر عنه كل فيلسوف أو عالم. وإذا جاز لنا، اليوم، الافتخار بهذا المنجز الفكري؛ فإننا في الوقت ذاته مطالبون بإحياء هذا النمط من الفكر الحر الذي لا مناص منه لإعادة الاعتبار للعقل العربي وتحرير الفكر الإسلامي من أغلال الجمود والتعصب والتطرف. ولعل أبرز القضايا التي جسّدت هذا الجدل والتنوع والاختلاف في الفكر الإسلامي الوسيط قضية التعليل العقلي، وما ترتّب عنها من الناحية الإبستمولوجية والأنطولوجية.

اعتبرت إشكالية التعليل من أبرز الإشكالات التي أثيرت ضمن المنظومة المعرفية الإسلامية في سياق التناظر الكلامي والفلسفي بين الفرق الإسلامية فيما بينها من جهة، والتفاعل المعرفي بين المنظومتين الإسلامية واليونانية من جهة ثانية؛ بيد أن ما قدّمه فلاسفة الإسلام في مجال التعليل تأثّر تأثرا واضحا بما أنتجه فلاسفة اليونان، حتى ذهب بعض الدارسين إلى اعتبار ما قدّمه فلاسفة الإسلام لا يعدو أن يكون سوى ترجمة حرفية لمذهب أرسطو في العلة، كما جاء في كتاب "المنطق".

حاول هؤلاء الفلاسفة، نذكر منهم بالخصوص الفارابي والكندي وابن رشد وابن سينا، الاستعانة بالمنطق الأرسطي في الدفاع عن العقائد الإسلامية. وفي هذا السياق، يقول ابن رشد في "فصل المقال": "إذا كان الفقيه يستنبط من قوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الأبصار) وجوب معرفة القياس الفقهي، فبالأحرى أن يستنبط منه العارف بالله وجوب معرفة القياس العقلي"[1]، فأشدّ ما أنكر ابن رشد على الأشاعرة هو رفضهم لمبدأ القياس العقلي، حيث إن الجمع بالعلة عندهم باطل؛ لأنه لا علة ولا معلول عند الأشاعرة. والمقصود من إنكار الجمع بالعلة هو إنكارها من الناحية العقلية؛ لأن الأشاعرة أنفسهم اعترفوا بمبدأ العلة في القياس الأصولي. ولا يقبل ابن رشد هذا النقد الذي يوجه إلى قياس الشاهد على الغائب، من ناحية أنه لا صلة ولا ضرورة بين الشرط والمشروط وبين الشيء وعلته ودليله. ثم يرجع القول بهذا كله إلى السفسطائيين.. ويقرر أن المتكلمين، وعلى رأسهم إمام الحرمين، إذا كانوا ينتقدون قياس الغائب على الشاهد على هذا الأساس، فإنهم قد تأثّروا في هذا النقد بهؤلاء السفسطائيين.. ولا يضيق ابن رشد بنقد قياس الغائب على الشاهد في ذاته بقدر ما يضيق بنقد العلاقة الضرورية بين العلة والمعلول.[2]

وإن العلاقة بين العلة والمعلول، فيما ذهب إليه ابن رشد، علاقة تلازمية؛ أي إنه كلما وجدت العلة وتحقّقت شروطها مع انتفاء الموانع استلزم ذلك وجود المعلول ضرورة، وهذا ما يحكم به العقل السليم. وابن رشد، في هذا السياق، لم يخرج عن ما جاء به معلمه الأكبر "أرسطو". إن هذا الأخير يعد مبدأ العلية من المبادئ الأولية العقلية الذي فيه ترتبط العلة بالمعلول ارتباطا لا ينفك عن الآخر مطلقا، إذ طبقا لهذه النظرية يعدّ المعلول ليس له وجود مستقل عن العلة؛ بل إنه ينبثق منها، حيث ليس له حقيقة أخرى وراء هذا الارتباط والتعلق، فكل قطع لهذه الرابطة يعني إفناء لوجوده. وعليه، يصبح كل ارتباط بين شيئين لا يتحقق به تعلقا وجوديا لا يجري عليه حكم العلة.[3]

لقد أشرنا، سابقا، إلى أن الأشاعرة رفضوا هذا المذهب في التعليل؛ فالغزالي وهو من أهم المنافحين عن مذهب الأشاعرة يرى أن من أهم المسائل التي يخالف فيها الفلاسفة في هذا العلم مذهبهم بأن الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، فليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب، ولا وجود المسبب دون السبب[4]. وإن الاقتران بينهما عند الغزالي منشؤه العادة، أي مما يبدو لنا بفعل التكرار. وتجدر الإشارة إلى أن ما ذهب إليه الغزالي في نقد مبدأ العلية هو نفس ما ذهب إله دفيد هيوم؛ فهذا الأخير أيضا قرّر أن هذه العلاقة ليست ضرورة منطقية، ولكنها ضرورة تجريبية فحسب؛ بيد أن الأمر ليس بهذه البساطة.. فإذا ما ربطناه بدقيق القول أو العلم الطبيعي، فإن النتائج التي تنتج عن إنكار العلية كافية لهدم حقائق العلوم كلها، فإن العلوم جميعها تستند إلى هذا القانون. وقد انتبه ابن رشد إلى هذا، فاعتبر هذا النقد قولا خطابيا أو جدليا تارة وقولا سفسطائيا طورا، وكان يحس بنتائجه الخطيرة في نطاق العلوم كلها، يقول: "إن من رفع الأسباب فقد رفع العقل، وصناعة المنطق تضع وضعا أن ها هنا أسبابا ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها، فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورافع له"[5].

وقد نقل ابن رشد أقسام العلة كما هي في الفلسفة الأرسطية، فصنّف العلة إلى أربعة: العلة الفاعلية، والعلة الصورية، والعلة الغائية، والعلة المادية. يقول في "تلخيص البرهان": "الأسباب أربعة وهي: الذي عن طريق الهيولي، والذي على طريق الصورة، والذي على طريق المحرك القريب والفاعل، والذي على طريق الغاية"[6].

التعليل في باب الإلهيات: هل العالم قديم أم حديث؟

أثارت هذه الإشكالية نقاشا حادا بين المتكلمين والفلاسفة، حتى إن الغزالي صنّف الناس في القول في المسألة إلى ثلاث فرق، ورأى أن الرأي الأصوب هو ما ذهب إليه الأشاعرة؛ فهم يقررون أن العالم حادث. وأما الفلاسفة، وابن رشد واحد منهم، فقد قالوا بقدم العالم ثم أثبتوا له مع ذلك صانعا. وهذا مذهب يرى الغزالي أنه متناقض لا يحتاج فيه إلى إبطال؛ لكن ابن رشد لم يقبل بما قرره الغزالي، وقال إن مذهب الفلاسفة مفهوم وواضح لا غبار عليه، يقول: "إن العالم فعل، أو شيء وجوده تابع لفعل، وكل فعل لا بد له من فاعل موجود بوجوده، فأنتجوا من ذلك أن العالم له فاعل موجود بوجوده؛ فمن لزم عنده أن يكون الفعل الصادر عن فاعل العالم حادثا قال: العالم حادث عن فاعل قديم؛ ومن كان فعل القديم عنده قديما قال: العالم حادث عن فاعل لم يزل قديما، وفعله قديم، أي لا أول له ولا آخر، لا أنه موجود قديم بذاته كما يتخيل لمن يصفه بالقدم"[7].

من الواضح، إذن، أن ابن رشد لم ينكر القول بأن العالم مخلوق؛ لكنه خالف المتكلمين في القول بفجائية الخلق، فالخلق عنده لم يكن دفعة واحدة أي مسبوق بالعدم، ولكنه خلق متجدد آنا بعد آن، به يدوم العالم ويتغير، بمعنى آخر هناك قوة خالقة تفعل باستمرار في هذا العالم وتحفظ عليه بقاءه وحركته، والأجرام السماوية على وجه خاص لا توجد إلا بالحركة، وهذه الحركة تأتيها من القوة المحركة التي تأثر فيها منذ الأزل، فالعالم قديم ولكنه معلول لعلة خالقة ومحركة والله وحده قديم لا علة له[8].

فابن رشد يرى أن العالم في حالة تغير مستمر وذلك يستلزم حركة أزلية تحتاج بدورها إلى محرك أزلي. وهذا المحرك الأزلي موجود وهو مبدع العالم ومنشئه، وهذا البرهان استقاه ابن رشد من مذهب أرسطو في ما وراء الطبيعة، وهو المسمى عند الفلاسفة بـ"برهان الحركة"، ومضمونه هو أن كل متحرك له محرك وأن المتحرك إما يتحرك بالقوة أي من جهة قابليته للحركة، وإما بالفعل، وسلسلة الحركة هذه لا بد أن تتوقف وتنتهي عند محرك أول لا يتحرك وليست الحركة من شأنيته أصلا ويكون أزلي بالضرورة، فإن قلنا إنه متحرك لزم من ذلك أن يكون له محرك. وهكذا، إلى ما لا نهاية له.

وخلاصة ما ذهب إليه ابن رشد هي أن العالم لا يتم وجوده إلا بالحركة، والفاعل للحركة هو الفاعل للعالم. ومن ثَمّ، فالعالم قديم والحركة قديمة، وكذلك هما الزمان والمكان قديمان قدم الفاعل للعالم. فليس للزمان هنا شأنية في تحديد الأسبقية؛ وإنما الأسبقية في الرتبة والشرف، حيث تتقدم العلة على المعلول فإن كان المعلول سبقت العلة والإرادة على الفعل.


[1] ابن رشد، "فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، دراسة وتحقيق محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص 25

[2] علي سامي النشار، "مناهج البحث عند مفكري الإسلام"، دار المعارف، الطبعة الرابعة ص 108 /109

[3] يحيى محمد، الاستقراء والمنطق الذاتي: دراسة تحليلية شاملة لآراء المفكر الكبير محمد باقر الصدر في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء، الانتشار العربي، الطبعة الأولى 2005، ص 24

[4] مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ص127

[5] نفسه، ص 129

[6] تلخيص البرهان، ابن رشد، الفقرة 125

[7] تهافت التهافت، ص 175

[8] نفسه، 176