احتكارُ الرّحمةِ الإلهيةِ


فئة :  مقالات

احتكارُ الرّحمةِ الإلهيةِ

لاهوتُ الأديانِ الإبراهيمية لاهوتٌ صراطي، بمعنى أن كلَّ ديانةٍ ترى أنها هي الحقّ وما سواها باطل، وأن أتباعَها هم المفلحون، لأنهم وحدهم الذين يظفرون بالخلاص ويفوزون بالنجاة في اليومِ الآخر؛ فقد نصّتْ التوراةُ على أن اليهودَ "شعب مقدَّس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض". "أنا الرب إلهكم الذي ميَّزكم من الشعوب... وتكونون لي قديسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكـم من الشعـوب لتكونوا لي".

وهكذا اشتهر عن المسيحية أن: "لا خلاص خارج الكنيسة"، وإن كانت هذه العبارةُ تغضب الكثيرَ من المسيحيين اليوم، والعبارةُ المتفَقُ عليها عندهم هي: "لا خلاص إلّا بدم المسيح وحده". يقول الرسولُ بولس: "بدون سفك دم لا تحدث مغفرة"، وذلك تعبيرٌ صريح عن انحصار ِالنجاة، إذ لا مغفرةَ وخلاصَ خارجَ الاعتقادِ بالمسيح. وتجاوزتْ الكنيسةُ الكاثوليكيةُ لاهوتيًا مقولةَ النجاة هذه في مجمع الفاتيكان الثاني 1962 – 1965، عندما منح المجمعُ الخلاصَ لكلِّ المؤمنين وإن كانوا خارجَ الكنيسة، وهذا يعني أن الفاتيكان استطاع – ولو متأخرًا - أن يتناغمَ ومنطقَ الحقوقِ والحريات في الحداثةِ الغربية، لكن مازالت أنساقُ اللاهوت الصراطي تغذّي مشاعرَ عددٍ غيرِ قليل من المسيحيين في الشرق والغرب ممن يظنون ألّا نجاةَ خارجَ حدودِ الكنيسة.

احتكارُ الرّحمةِ في اللاهوتِ الصّراطي

يغرس اللاهوتُ الصّراطي في كلِّ الأديان شعورًا عند الإنسانِ بأن رحمةَ الله مختصّةٌ به وبأتباعِ معتقدِه، وأنهم من دون سواهم يفوزون بالنجاةِ والخلاصِ من العذابِ والهلاكِ. ويغذّي ذلك على الدوام اعتقادَه بأنه يستطيع احتكارَ رحمةِ الله، بوصفها من الممتلكاتِ الخاصةِ التي يستحوذ عليها معتقدُه. ويظلُ يتوهمُ صاحبُ المعتقدِ الصّراطي بأنه قادرٌ على حصرِ الرحمةِ الإلهية بأتباعِ ديانته، وتضييقِها لدرجة يستطيع معها أن يستبعدَ كلَّ من هو خارج هذا المعتقد من إشراقات رحمة الله. بالرغم من أن الرحمةَ وردت في الكتاب المقدّس في أكثر من موضع، مثل: "امتلأت الأرضُ من رحمةِ الرب"، "وَلِذلِكَ يَنْتَظِرُ الرَّبُّ لِيَتَرَاءَفَ عَلَيْكُمْ. وَلِذلِكَ يَقُومُ لِيَرْحَمَكُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهُ حَقّ. طُوبَى لِجَمِيعِ مُنْتَظِرِيهِ". "كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ". "يا رَبِّ اْذكُرْ حَنانَكَ ومَراحِمَكَ، فإِنَّها قائِمةٌ مُنذُ أَزَلك". "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً".

واتخذت الرحمةُ فضاءً واسعًا في القرآنِ الكريم لم تتخذه في الكتابِ المقدّس وغيرِه من نصوص الأديان، إذ وردت بصيغٍ متنوّعة في القرآن تصرّح بشمولِها كلَّ شَيْءٍ وعدمِ خروجِ أي شَيْءٍ عنها، وهو ما تحدّثت به آياتٌ متعددةٌ، مثل: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ"، "كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"، "فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"، "وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ"، "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".

وينفرد القرآنُ من بين الكتبِ المقدّسةِ كلِّها في أن سورَه تبدأ بــ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، التي يُعبّر عنها بـ "البسملةِ"، وكما يقول جماعةٌ من المفسّرين والفقهاء، إنها تُحتسَبُ آيةً من كلِّ سورة. الرحمةُ مفهومٌ مفتاحي محوري لفهمِ المنطق الذاتي للقرآن، إذ تشكّل شبكةَ نسيجٍ دلالي تتسعُ لتغطي كلَّ ما ورد فيه، أو هي تكثيفٌ دلالي لمعنى يهيمن على كلِّ معاني السور والآيات في الكتاب.

وقد ذهب بعضُ المفسرين إلى أن كلَّ بسملةٍ هي آيةٌ مستقلة، لها معنى يشير لما تقوله السورةُ التي تتصدرها؛ أي إنها آيةٌ تبوح بلغةِ الرحمة التي يتأطّر بها المضمونُ الكلّي لتلك السورة، ومعناها يتنوّع بتنوّع مقاصدِ السور وما ترمي إليه مفاهيمُها، وغرضُها لا يخرج عن غرضِ السورة، وما يتحصّل من غاياتها. إنها حاكمةٌ على كلِّ المفاهيم التي تتحدّث عنها آياتُ السورة. وبعبارة أخرى إن افتتاحَ كلِّ سورة بالبسملة يعني أن الرحمةَ الناطقةَ بها البسملةُ مهيمنةٌ على المدلول العام للسورة، وحاكيةٌ عن أغراضها، فإن كان مضمونُ السورة أخلاقيا فأنه يكون متقوّمًا بالرحمة، وهكذا لو كان المضمونُ عقائديا أو تشريعيًا يكون متقوّمًا بالرحمة أيضًا. فتقديمُ نصّ كلِّ سورة بما تشتمل عليه البسملةُ من رحمةٍ يشي بأن المضامينَ المسوقةَ في آياتِ القرآن كافةً تتحدّث لغةَ البسملة، وعلى الرغم من تنوّعِ دلالاتِ الآيات، لكنها تلتقي في مشترَك يوحِّدُ ما ترمي إليه وهو الرحمةُ. الرحمةُ بمثابة البوصلة التي تهتدي بها معاني القرآن. الرحمةُ تحدّد مقاصدَ الآيات وتُرشد إلى مراميها، وتصوغ نسيجَ الفضاء الروحي والأخلاقي للسورة في سياقٍ قرآني يتناغم بإيقاع موحّد.

وجدتُ أن كلمةَ "الرحمة" وردت في 268 موضعًا في القرآن الكريم، وتكرّرت "الرحمةُ" ومشتقاتُها أكثر من 330 مرة، ما خلا ما ورد من تكرار البسملة في كلِّ سور القرآن إلّا سورةَ التوبة، لكنها تكرّرت في مفتتح سورة النمل والآية 30 منها، فصار مجموعها 114 مرة.

وبناء على قولِ بعض المفسرين بأن البسملةَ آيةٌ من كلِّ سورة، وورودِ "الرحمن الرحيم" في كل بسملة، فإن عددَ مرات ذكرِ الرحمةِ ومشتقاتِها في القرآن يفوق 550 مرة. وبذلك يتميز القرآنُ عن كتبِ الأديان بسعةِ مساحةِ حضورِ الرحمة فيه.

يصف القرآنُ الكريم النبيَّ محمد بأنه رحمة، وذكر بصراحة أن هذه الرحمةَ عامة، لا تختصّ بفرقة أو جماعة، وإنما هي شاملةٌ لكل العالمين: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، فهو رحمةٌ لكلِّ العالمين وليس للمسلمين فقط، أو لفرقةٍ أو مذهبٍ خاص منهم كما يظن لاهوتُ الفرقة الناجية. إن الحضورَ الواسعَ للرحمة في القرآن ظاهرةٌ تستحق دراسةً دلاليةً عميقةً تستند إلى المكاسبِ الجديدةِ في الألسنيات والسيميائيات والمناهج الجديدة في تفسير النصوص الدينية.

ومع كلِّ هذا الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ في القرآن، وكونها إطارًا مرجعيًا، نرى بوضوحٍ أن معانيَ القرآن كلَّها تنشد الرحمة، وهو ما أهمله أغلبُ المفسرين والفقهاء، إذ تغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسري القرآنِ وفقهاءِ الإسلام كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الأشدَّ أثرًا والأوسعَ حضورًا في القولِ والفعلِ في الحياة السياسية والثقافية لمجتمعات عالَم الإسلام.

لا يتأنسنُ الكائنُ البشري إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأيَ وحشٍ مفترس.كلُّ بيئةِ تديّنٍ تحتكرُ النجاةَ لفرقةٍ واحدةٍ غيرُ صالحةٍ لاستنباتِ الرحمةِ، لأن اللاهوتَ والفقهَ الصّراطي على الضدِّ من منطقِ الرحمة، فقد أضحى صوتُ من يدعو لإيقاظِ الرحمةِ وما يؤول إليها في بيئاتِ التديّن هذه نشازًا أحيانًا، وربما يُتهم بالجبنِ والخوفِ والهوانِ فيُدان دينيًا ومجتمعيًا.

الأيديولوجيا عدوةُ الحرية، فلا يمكنها أن تتصالحَ مع إيمانِ الحرية، وهي لا تنمو وتزدهرُ إلّا في بيئاتِ تديّنٍ يتسيّدُ فيها إيمانُ الاستعباد، وفي مجتمعاتٍ تتحدثُ معتقداتُها لغةَ اللاهوتِ والفقهِ الصراطي. وعلى الرغم من أن الموقفَ الأخلاقي يفرضُ على الإنسانِ أن يفضحَ منابعَ الكراهيةِ والتعصّبِ بين البشر في تراثِه، مثلما يفضحها في تراثِ غيرِه، ويعترفَ بأخطاءِ تاريخِه مثلما يفضحُ أخطاءَ تاريخِ غيره، لكن سطوةَ الأيديولوجيا أشدُّ من الأخلاق، لذلك تنهزمُ الأخلاقُ عندما يعلو صوتُ الأيديولوجيا، فيرضخ الأيديولوجي لما يفرضه عليه المعتقدُ من مواقفَ، وإن كانت تلك المواقفُ على الضدِّ من بداهاتِ الأخلاقِ التي يحكمُ بها العقلُ العملي.‬

وهذه واحدةٌ من المشكلاتِ الموروثةِ في مجتمعاتنا، التي تنبغي دراستُها والكشفُ عن العواملِ المولّدة لها والروافدِ الدينية والثقافيةِ والسياسية والاقتصادية الراقدةِ في أعماقِ شخصية الفرد والمجتمع التي تستقي منها. ولا ينجز ذلك إلّا الإفادةُ من المناهجِ الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية والألسنية والسيمائية الحديثة وتوظيفُها في تفسيرِ وتفكيكِ هذه المشكلة المزمنة، والعملُ على الخلاصِ من آثارها التدميرية في مجتمعاتِ عالَم الإسلام أمس واليوم. إن ضروراتِ الواقعِ المريرِ الذي تغرق فيه هذه المجتمعاتُ تفرض عليها إيقاظَ صوتِ الرحمةِ في القرآن، ووضعَه في نصابِه الحياتي الذي ينبغي أن يحتلَّه في التربيةِ والتعليمِ والعلاقاتِ الأسريةِ والاجتماعية.

الرحمةُ أشملُ وأوسعُ من العدالة. العدالةُ تنشد التوازنَ والمساواةَ والإنصافَ في الحكم، وهي مفهومٌ يبتني على القانونِ والحقوقِ والأخلاقِ. أما الرحمةُ فهي "حالةٌ"، و"الحالةُ" هي ما يتلبس بها الإنسانُ ويعيشُها بوصفها حقيقيةً وجوديةً كما يعيشُ الحبَ والإيمان، وتصير مكوّنًا لماهيتِه الشخصيةِ.

الرّحمةُ تنتج ما لا تنتجه العدالةُ، فمن الرحمةِ يتوالدُ الغفرانُ والعفوُ والعطفُ والرفقُ واللينُ والشفقةُ، لذلك يستطيعُ من يمتلك الرحمةَ تحمّلَ الأقوالِ والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيعُ العفوَ عنها. الرّحيمُ يتحملُ ما لا يتحمله غيرُهُ، ويعفو عمّا لا يعفو عنه سواهُ من البشر. وما أجمل تفسير الشيخ محيي الدين بن عربي لمنطقِ الرحمةِ في القرآن، إذ يكتب في الفصّ الزكرياوي من كتابه "فصوص الحكم": "والرحمةُ على الحقيقةِ نسبةٌ من الراحمِ، وهي الموجبةُ للحكمِ، وهي الرّاحمةُ، والذي أوجدها في المرحومِ ما أوجدها ليرحمه بها، و إنما أوجدها ليرحم بها من قامت به". بمعنى أن الحقَ سبحانه إذا رحمَ إنسانًا أوجدَ فيه الرحمةَ، أي جعلَ الرحمةَ تقومُ به، حيث يصبح قادرًا على أن يرحمَ غيرَه من المخلوقات، وبذلك يصبح المرحومُ راحمًا. الحقُ لا يوجِدُ الرحمةَ في المرحومِ ليرحمه بها، بل ليكسبه الصفةَ الإلهية التي بها يرحمُ غيرَه .

الكائنُ البشري ليس رحيمًا بالطبع، ولعل في ذلك سرُّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشري ولا يتصفُ بها بيسر، ولا يتمثلها بسهولة، بل لا يطيقها أكثرُ الناس، لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشري عن التحققِ بها، إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسّب في أعماقِ الكائنِ البشري تمنعه من امتلاكِها.

الكائنُ البشري ليس خيّرًا بالطبع، ونادرًا ما يتخلص إنسانٌ في نشأتِه من آثار العواملِ التي تكّوّن نواةَ السلوك العدواني في شخصيته، ولولا ذلك لكان أغلبُ الناس رحماء. ويتطلب خفضُ تأثيرِ هذه العوامل على سلوكِ الإنسان أن ينشأ في بيئةٍ تربويةٍ صحيةٍ، وتنمو شخصيتُهُ في فضاءِ تربيةٍ أخلاقيةٍ صالحة، وحياةٍ روحيةٍ أصيلة، وثقافةٍ حيويةٍ ديناميكية، كي تترسخ في شخصيته النزعاتُ الخيرية، وتولد في روحه بذرةُ المحبةِ وتنمو وتتجذّر باستمرار، بوصفها طاقةً ملهمةً لأجمل معاني الحياة، ولكلِّ ما يُكرّس الرحمةَ وما يتوالد عنها من قيمِ العفوِ والغفرانِ والشفقةِ على الخلق، وما يحمي الكائنَ البشري من الاغترابِ الوجودي.

وكلُّ ذلك لا ينجزه إلّا فهمٌ بديلٌ للدين، وموقفٌ مختلف لنمطِ الصلةِ بالله، ورؤيةٌ جديدة للعالم، وإرادةٌ جديّةٌ في تبنّي العلومِ والمعارفِ والخبراتِ الإنسانيةِ الجديدة، والخلاصُ من الغرام بعلومِ ومعارفِ الموتى التي نسخت أكثرَها العلومُ والمعارفُ الحديثة، لكن المؤسفَ أن أكثرَ ذلك مازالت تفتقر إليه مجتمعاتُ عالَم الإسلام.

احتكار النجاة

اشتهر في الإسلامِ حديثُ الفرقةِ الناجية. واستلهمه المتكلمون في تشييد أسسِ انحصارِ الحقّانيةِ والنجاةِ بمعتقداتهم، وكانوا يحاولون احتكارَ ذلك للفرقةِ الناطقةِ باسمها. وفي فضاءِ انحصار الحقّانية والنجاة تم رسمُ صورةِ الإله القومي والمذهبي والطائفي، الذي هو إلهٌ لجماعةٍ بشرية تنتمي لأثنيةٍ أو مذهبٍ أو طائفةٍ خاصة، فهو ينشغل بها من دون غيرها من الناس، ويهبها كلَّ شيء ويحرم غيرَها من كلِّ شيء، ويتساهل معها فيقبل منها كلَّ شيء مهما كان يسيرًا، ولا يقبل من غيرها كلَّ شيء حتى لو كان كبيرًا، وذا أثرٍ عظيمٍ في إسعادِ البشرية. إنه إلهٌ متحيّزٌ لهذه الجماعة دائمًا، لا يعنيه غيرُها من البشر مهما كانت إبداعاتُهم وآثارُهم في تطوير وسائل العيش وتأمينها، ومهما كانت منجزاتُهم وأعمالُهم في صناعة ِعالَمٍ أجمل لعيشِ الإنسان.

إن هاجسَ المتكلّم هو إثباتُ حقّانية مقولاتِه الاعتقادية، والمحاججةُ لدحضِ حقّانيةِ ما سواها وانحصارِ الحق فيها. وتشكِّل هذه المقولات بمجموعها منظومةً اعتقاديةً واضحةَ الحدود، على نحوٍ يمكن الاستنادُ فيه إليها بوصفها معيارًا للتعرّف على كلِّ ما يقع في إطارها من آراء، ونفي ما هو خارجها.

تتألف المنظومةُ الاعتقاديةُ من رؤيةٍ للعالم، وتصوّرٍ مصوغ بعناية لصورةِ الله، ونمطِ علاقة الإنسان به، وكيفيةِ الارتباط معه تنتظم في سياقها مدونةٌ فقهيةٌ ترتسم فيها كيفيةُ العبادات والأحكام، على نحو تتطابق وجهةُ المدوّنة الفقهية فيه مع ما تؤشر إليه المنظومةُ الاعتقادية. وترى بعضُ المذاهب، خاصة السلفية، أن كلَّ ما هو خارج عنها من آراء وفتاوى اجتهادية في العبادات هو مروقٌ وابتداع.

متكلمو كلِّ فرقة يحتكرون صورةً لله، بعد نحتِها في سياقِ مواقفِهم ومقولاتِهم الاعتقادية، وآفاقِ انتظارهم، مع أن اللهَ تعالى لا صورةَ حسيّة له. اللهُ صورةُ من يتصوّره. الإنسانُ يرى اللهَ على صورتِه. يحكي محيي الدين ابنُ عربي عن أبي طالب المكي أنه قال: "لا يرى مَنْ ليس كمثله شيء، إلّا مَنْ لَيسَ كَمثلِه شيء".

صورةُ الله هي أولُ ممارسة تأويلية اجترحها البشر، إذ نحت أولُ البشر على صورتهم صورةً لله، ثم استمر بنو آدم يصوّرون اللهَ على صورهِم المتنوعة، المنتزَعةِ من عوالمهم المتنوعة. بنو آدم لا صورةَ نهائية يصلون إليها، لذا فإن اللهَ لا صورةَ نهائية له. اللاتناهي هنا هو لاتناهي وعي بني آدم وتأويلِهم. وعادة ما يُحكَم بالمروق على كلِّ من يتبنى معتقدًا خارج الصور النمطية الراسخة لله عند الفرق الكلامية، فيما تكون النجاةُ في الآخرة هي المآلُ الطبيعي لأتباعِ هذه المنظومة الاعتقادية.

لقد حاول المتكلمون التوكؤَ على المدونة الحديثية في خلع المشروعية النصّية على مقولاتهم لتبرير موقفهم الاعتقادي، إذ تداولوا هنا مروياتٍ نبويةً تتحدّث عن الفرقة الناجية والفرق الهالكة، وشاع في آثارهم حديثُ "افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة"، وهو حديثٌ موضوع يؤكّد على أن الفرقةَ الناجيةَ دائمًا واحدةٌ؛ أي إن كلَّ فرقة تحتكر النجاةَ لنفسها، فيما تعتقد بهلاكِ ما سواها. الخلاصُ دائما نصيبُ فرقة واحدة، لا تتعدّد. والعذابُ نصيبُ عشرات الفرق الأخرى غيرها، مهما كانت اعتقاداتُها واجتهاداتُها.

وبمرور الزمن تفشّى لاهوتٌ صراطي في التفكيرِ الكلامي، لا يقبل في دائرةِ الإيمانِ والنجاةِ إلّا الفرقةَ الناجية، في حين يُخرج كلَّ فرقةٍ أخرى غيرها من دائرةِ الإيمان، ولا يمنحها حقَّ النجاةِ مهما كانت اعتقاداتُها واجتهاداتُها. وبذلك، سقط حقُّ كلِّ إنسان في أن يعتقدَ بما يراه حقًا، وتم تعطيلُ دلالةِ آية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.." لصالحِ انحصارِ الحقّانيةِ والنجاةِ بفرقة واحدة.

ولم يعبأ المتكلمون بحقِّ الناس وحريتِهم في الاعتقاد. بالرغم من أن الاعتقادَ أمرٌ باطني خارجٌ عن وسائلِ المنع والردع والإكراه، فلا يمكن التحكّمُ به. ما يمكنُ التحكّمُ به هو التعبيرُ العنيفُ عن المعتقد، بوصفه اعتداءً على حياةِ الفردِ والمجتمع، سواء كان ذلك التعبيرُ جسديًا أو لفظيًا أو رمزيًا.

لقد أفضى اللاهوتُ الصّراطي إلى تقويضِ مرتكزات العيش معًا في فضاء التنوّع والاختلاف، ففي ضوءِ منطق هذا اللاهوت لا يمكن بناءُ أسس حقيقية للتعايش في مجتمع ودولة حديثة واحدة، تقوم أسسُ المواطنة فيها على مساواةِ المواطنين في الحقوق والواجبات كافة، بغض النظر عن معتقداتهم وآرائهم وأعراقهم.

في فضاءِ اللاهوت الصّراطي يجري تصنيفُ أفراد المجتمع الواحد عموديًا بتراتبية اعتقادية، تجعل من يعتنقون المعتقدَ الرسمي في المرتبة الأولى، في حين يُوضع ما سواهم في مراتب دنيا، لا ترقى إلى مقاماتهم السامية. وتبعًا لذلك أيضًا، تتحدّد لائحةُ حرّياتِ وحقوقِ ومسؤوليات كلِّ فرد في المجتمع، فتمنح له، لا على أساس إنسانيتِه ومواطنتِه وانتمائِه لبلد يعيش الكلُّ فيه متساوين شركاء، وانما على أساسِ معتقده.

وقد تجسّد ذلك تاريخيًا في نظامِ الملل العثماني، وشيوعِ أحكام أهل الذمّة ومكانةِ غير المسلمين في دولة الخلافة والدولة السلطانية، وهو ما تحكيه لنا التجربةُ التاريخيةُ للاجتماع الإسلامي عبر العصور، وما تفشّى فيها من تمييز وتراتبية عقائدية اجتماعية سياسية.

وحتى لو تمكن البعضُ من تبرير هذه التراتبية قبل عدة قرون في دول الخلافة والسلطنة، لكن كيف يتمكن اليوم من بناء دولة حديثة في سياق المدونة الكلامية والفقهية، التي تصنّف المواطنين على حسب معتقداتهم؟

من المؤسف أن أدبياتِ الجماعات الدينية تتحدّث عن الديمقراطيةِ وحرياتِ الإنسان وحقوقِه بأسلوب تلفيقي ذرائعي، فهي من جهة تدعو لدولةٍ مدنية حديثة، وتصوّت على دستورٍ يكفل المساواةَ بين المواطنين، ويمنحهم حريةَ الاعتقادِ والتعبيرِ عن معتقداتهم، لكنها من جهة أخرى تتبنّى ما ورد في المدونة الكلامية والفقهية، ومقولاتِها التي تشدّد على انحصارية عقائدية، من دون أن تتدبّر التناشزَ الصريحَ بين المبادئ الدستورية للدولة المدنية الحديثة وما تتشبّث به من مقولات صراطية تحصر المعتقدَ بلون واحد تفرضه على الكلّ، بل تتهم أيةَ محاولة لاستئناف النظر في المدونة الموروثة بالعداء لتراثِ الأمة ودينِها وقيمِها.

ينبغي أن نكون أكثرَ صراحةً في الكشف عن المقولات الكلامية التي تمثل إطارًا مرجعيًا للفقه المتشدّد والعنيف حيال الآخر المختلِف فقهيًا وكلاميًا ودينيًا، ونفضح هذا المأزقَ الذي يكتوي به عالمُ الإسلام اليوم، من الجماعات السلفية المقاتلة وغيرها من الجماعات المتطرفة التي تستبيح دماءَ الكلّ، وتسترقّ غيرَ المسلمين في أوطاننا وتسبيهم، وتمعن في تفتيتِ كلِّ شيء، من: دول، وميراث حضاري، وفنون، وآداب، وثقافات، وقيم سامية، وبنى اجتماعية، واقتصادية، وسياسية.. إلخ. فكلُّ ذلك نقرؤه في مدونةِ الكلام والفقه الموروثة، وكلُّ ما فعله هؤلاء أنهم بعثوها من رقادها في رفوف المكتبات.

لماذا يتخفّى الكثيرُ من كتّاب هذه الجماعات خلف كلماتٍ وشعاراتٍ موهِمة، تزعم أنها تقول كلَّ شيء لكنها لا تقول شيئًا؟! ألا يدعونا كلُّ ذلك لفضح ما يتفشّى في ذلك التراث الكلامي والفقهي من مقولات اعتقادية وفتاوى فقهية تشرعن كلَّ هذه المواقف التي تمزّق مجتمعاتِنا، وتعمل على تخريبِ الأمن الاقليمي، وتهدّد السلامَ العالمي؟ ألا يدعونا كلُّ ذلك الى العمل على بناء "علم كلام جديد"، يتيح للمسلم الاحتفاظَ بإيمانه من جهة، ويُمكّنه من العيش في عالم يسوده التنوعُّ والاختلافُ من جهة أخرى؟ أليس من أهم أسباب المأزق الذي نعيشه غيابُ التراحم والعفو والمغفرة والسلام، وشحةُ حضورِ قيم المحبة والجمال، وتغييبُ كلِّ ما هو مضيء في نصوصنا الدينية، ونسيانُ ما هو إنساني من تجارب الاجتماع الإسلامي، وافتقارُ مناهجِ التربية والتعليم ومنابرِ الجمعة لكل ذلك، وعدمُ تبنيها في تربية الأبناء وتعليمهم في العائلة والمدرسة؟