"الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان" لحسن الصّفّار


فئة :  قراءات في كتب

"الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان" لحسن الصّفّار

كتاب "الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان" لـحسن الصّفار؛ صدر عن المركز الثّقافيّ العربيّ، الطّبعة الأولى 2005م، عدد صفحاته 192 صفحة، تطرّق فيه الكاتب إلى موضوعات مهمّة، منها: الخطاب الدّينيّ وحقوق الإنسان، الإسلاميّون وحقوق الإنسان، قدسيّة الحياة وثقافة الاستهتار، وغيرها من الموضوعات الّتي سنبيّن أهم أفكارها الرّئيسة.

لقد عدّ الكاتب "حقوق الإنسان" أقدس قضيّة تستحقّ النّضال؛ بل هي القضيّة الأمّ والعنوان الشّامل لكل القضايا الإنسانيّة، فالشّرائع الإلهيّة هدفها الأساس إحقاق حقوق الإنسان، وتحرير إرادته من أيّ هيمنة جائرة، كي يخضع لربّه وحده بملء حرّيته واختياره، ويرى أنّ المطلوب من المدافعين عن حقوق الإنسان الآتي:

- أوّلًا: تأصيل حقوق الإنسان في الفكر والثقافة الدّينيّة المعاصرة، ومعالجة بعض المسائل المطروحة في الفكر والفقه الإسلاميّ، الّتي يبدو منها التّعارض والتّصادم مع بعض مبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق العالميّة.

- ثانيًا: ينبغي الانفتاح على تطوّرات الفكر البشريّ، وتقدّم الحركة الحقوقيّة عالميًّا، لإيجاد تواصل معرفيّ وتفاعل ثقافيّ، نستفيد عبره من تجارب الآخرين، ونفيدهم بالاطّلاع على ما في تراثنا وثقافتنا الإسلاميّة؛ من مفاهيم وتشريعات وموارد تخدم تطلّعات الإنسان لحماية حقوقه وتعزيز كرامته.

- ثالثًا: لا بد من تكثيف حركة الدّفاع عن حقوق الإنسان داخل مجتمعنا وأوطاننا، بأن تصبح من أولويّات اهتمامنا، وأن نرصد لها القسط الأكبر من جهودنا وإمكانيّات نشاطنا.

الإنسانيّة بين النّصّ والخطاب الدّينيّ:

في البداية، يرى الكاتب أنّه لا بدّ من التّفرقة بين الخطاب الدّينيّ والنّصّ الدّينيّ؛ فالنّصّ الدّينيّ: هو كل ما ثبت وروده عن الله وعن رسوله، أمّا الخطاب الدّينيّ؛ فهو ما يستنبطه الفقيه والعالم والمفكّر ويفهونه من النّصّ الدّينيّ، أي إنّ الخطاب الدّينيّ: هو فتاوى الفقهاء، وكتابات العلماء، وآراء ومواقف القيادات والجهات الدّينيّة، ويعلّق الكاتب على هذا بقوله "وهنا لا قداسة ولا عصمة، فلاجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، والمجتهد يعبّر عن مقدار فهمه وإدراكه، كما قد يتأثّر بمختلف العوامل النّفسيّة والاجتماعيّة الّتي تنعكس على آرائه وتصوّراته، صحيح أنّ الخطاب الدّينيّ يستنيد إلى النّصّ الدّينيّ ويحتجّ به، لكن ذلك يكون عبر فهم وتفسير للنّصّ، ذلك أنّ الفهم والتّفسير قابلين للأخذ والرّدّ، فهناك تفسيرات لبعض النّصوص تفتقد الموضوعيّة والدّقّة، أو تجتزىء النّصوص من سياقاتها، وتقرؤها خارج منظومة قيم الرّسالة ومقاصد الشّريعة"[1]، وهذا ما يجعلنا أمام خطاب دينيّ شعاره التّسامح، أو خطاب دينيّ مبنيّ على العنف والكراهيّة.

في الحديث عن النّزعة الإنسانيّة؛ يرى الكاتب أنّ من أبرز مظاهر العجز والخلل في واقع مجتمعاتنا تدنّي موقعية الإنسان، وانخفاض مستوى الاهتمام بقيمته وحقوقه، وحماية كرامته، حتّى أصبحت الأمّة تحتلّ الصّدارة في تقارير انتهاك حقوق الإنسان، ليس من قبل السّلطة السّياسيّة فقط، بل على الصّعيد الاجتماعيّ العام؛ إذ إنّ هناك إرهابًا فكريًّا يصادر حريّة التّعبير، وتمييزًا ضدّ المرأة يحوّلها إلى إنسان من الدّرجة الثّانية، ونظرة دونيّة إلى الآخر المختلف ضمن دائرة من دور دوائر الاختلاف، بالتّالي، الكاتب يرى أنّ علينا محاكمة الخطاب الدّينيّ المعاصر وتقويمه على ضوء النّصوص الدّينيّة، لمعرفة مدى الخلل والقصور الّذَين يعاني منهما في مجال الاهتمام بإنسانيّة الإنسان واحترام كرامته وحقوقه؛ إذ رغم حديث النّصّ القرآنيّ عن مكانة الإنسان وموقعيّته، فالخطاب الدّينيّ لا يواكب ذلك، أو نقول: هو اهتمام خافت لا يتناسب مع المساحة الّتي أفردها القرآن الكريم لإبراز قيمة الإنسان ومكانته، بوصفه أفضل الموجودين وأكرمهم.

كرامة الإنسان والخطاب الدّينيّ:

يؤكد الكاتب أن انتماء جمع من النّاس إلى إطار مادّيّ أو معنويّ مشترك، تترتّب عليه درجة من الخصوصية للعلاقة فيما بينهم، فإذا كانوا أبناء عشيرة واحدة، مثلًا، فإنهم يشعرون بالتزام خاص تجاه بعضهم، وإذا كانوا أهل دين واحد، كانت العلاقة فيما بينهم أوثق واحترامهم لبعضهم أكثر، هنا يتساءل الكاتب: هل تعني خصوصيّة العلاقة فيما بينهم الازدراء والتّحقير لمن هم خارج إطارهم من بني البشر؟ وهل يعني ذلك أن الإكرام والاحترام يقتصر على الناس المشاركين لهم في انتمائهم فقط، أمّا غيرهم فهم بشر من الدّرجة الثّانية؟

بناءً على ما سلف؛ يرى الكاتب أنّ من مناطق الخلل الرّئيسة في مساحة واسعة من الخطاب الإسلاميّ، القول بتجزئة الكرامة الإنسانيّة، وأنّها خاصّة بالمسلمين، فغير المسلم لا يشمله التّكريم، وتضيق الدّائرة أكثر بتخصيصها بالمؤمنين؛ أي أتباع المذهب فقط، وما عداهم من المخالفين والمبتدعة لا ينطبق عليهم عنوان التّكريم، وتستباح حقوقهم المادّيّة والمعنويّة، مع أن القرآن نصَّ على منح الكرامة من الله تعالى لعموم بني آدم مصداقًا لقوله سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [سورة الإسراء: 70] "هذا البيان الواضح الصّريح كان ينبغي أن يكون أصلًا يرجع إليه في فهم بعض النّصوص واستنباط بعض التّشريعات المتعلّقة بالموقف تجاه الآخر المخالف في الدّين أو المذهب، وأسلوب التّعامل معه"[2].

إنّ الخطاب العنصري المتطرّف - وهو كثير في السّاحة الإسلاميّة - ومنه ما يأتي في صيغة دعاء في خطبة الجمعة بالهلاك لجميع اليهود والنّصارى والكفّار المخالفين في المذهب، وترميل نسائهم وتيتيم أطفالهم، فمثل هذا الخطاب هو ما خلق أرضيّة للعنف والإرهاب الّلذَين تعاني منهما بلاد المسلمين والعالم، ما شوّه - في الآن نفسه - صورة الإسلام والمسلمين.

الخطاب الدّينيّ والاهتمام بالإنسان:

لتوثيق صلة الإنسان بربّه وتأكيد عبوديّته له، ولتفعيل البعد الرّوحيّ في شخصيّة الإنسان وإثرائه، شرّع الإسلام العبادات؛ من صلاة وصيام وحجّ وعمرة وغيرها من الشّعائر، وفي ذات الوقت، وجهّت تعاليم الإسلام إلى الاهتمام بخدمة الإنسان ونفعه؛ من إطعام الجائعين، وكفالة الأيتام، عون الفقراء ومساعدة الضعفاء، يعلق الكاتب على ذلك بالقول: "حين نقرأ النّصوص الدّينيّة نجد اهتمامًا متوازيًا بالجانبين معًا؛ بل نجد إشارات في الكثير من النّصوص إلى أنّ البرامج العباديّة؛ كالصّلاة والصّيام وأمثالها، تستبطن وتستهدف تنمية دوافع الخير تجاه النّاس في نفس الإنسان، كما أن القرآن الكريم يجعل الحدّ الفاصل بين التديّن الصّادق والتديّن الزّائف، هو مدى اهتمام الإنسان بمساعدة النّاس الضّعفاء، كاليتامى والمساكين، ويعدّ أداء عبادة الصّلاة دون عون الأيتام والفقراء تديّنًا كاذبًا ورياء مفضوحًا، يقول تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [سورة الماعون]، إذن، لا بدّ من الاهتمام بالإنسان، وليس فقط أداء العبادات دون مبالاة بالآخر.

ملاحظة يتوقّف عندها الكاتب بقوله: "إنّ إقبال النّاس في مجتمعاتنا على بناء المساجد، لا يوزايه إقبال على بناء الجامعات والمكتبات، ومواظبة البعض على تكرير الحجّ والعمرة لا يزاحمه توجّه لكفالة الأيتام ومساعدة المعاقين، وحرص البعض على السّعي إلى صلاة الجماعة لا يمثاله حرص على السّعي إلى الاهتمام بالشّأن العام"[3]، وبالمقارنة بالغرب؛ نجد الاهتمام بمثل هذه الأمور من الأولويّات.

يعود الكاتب إلى ملاحظة أخرى على مستوى البحث الفكريّ والفقهيّ؛ حيث يرى أنّ المكتبة الإسلامية تمتلئ بالبحوث العقديّة والفقهيّة العباديّة؛ كأحكام الصّلاة والصّيام والحجّ، الّتي تستغرق مجلّدات كثيرة، وتتفرّع مسائلها إلى مختلف الصّور والاحتمالات، حتّى الخياليّة منها، لكن قضايا حقوق الإنسان، لم يتبلور لها عنوان جامع في الفقه، ولا تطرح إلّا بشكل عابر ضمن أبواب فقهيّة مختلفة.

الحلّ - إذن - هو تطوير الخطاب إنسانيًّا، وحسب الكاتب؛ فإنّ تطوير الخطاب الدّينيّ إنسانيًّا ليس مطلبًا كماليًّا، وليس قضيّة هامشيّة؛ بل هو ضرورة ملحّة تقع في الصّميم من قضايا الأمّة واحتاجاتها؛ بل هو السّبيل إلى تحقيق مهامّ أساسية تأخّرت الأمّة كثيرًا عن إنجازها وتحقيقها، من أبرزها:

- أوّلًا: إنجاز تقدّم على مستوى التّنمية الإنسانيّة في مجتمعاتنا؛ حيث يعيش الإنسان واقعًا متخلّفًا يفتقد فيه مقوّمات بناء الحياة الفاضلة، والتّمتّع بحقوقه الإنسانيّة.

- ثانيًا: الإسهام في خدمة القضايا الإنسانيّة على الصّعيد العالميّ، لتكون الأمّة بمستوى ما تتبناه من قيم الإسلام ومفاهيمه وشعاراته الرّساليّة العظيمة.

الإسلاميّون وحقوق الإنسان:

بعد الحديث عن اهتمام النّصّ الدّينيّ بحقوق الإنسان، تطرّق الكاتب إلى واقع الاهتمام بحقوق الإنسان؛ إذ يرى أنّ هناك كثيرًا من من المباهاة والاعتزاز لدى الإسلامييّن أمام الحضارة الغربيّة بأسبقيّة الإسلام، وأفضليّة اهتمامه بحقوق الإنسان، وهو أمر صحيح على مستوى النّصوص والتّعاليم والأحكام، لكن لا بدّ - على مستوى الممارسة والواقع - من الاعتراف بالقصور والتّقصير، فالآخرون سبقونا وتقدّموا علينا بمسافات بعيدة.

فلماذا هذا التّغاضي عن حقوق الإنسان؟ يرى الكاتب أنّ المسافة البعيدة الفاصلة بين اهتمام الإسلام فكرًا وتشريعًا بحقوق الإنسان، وبين ضعف اهتمام المسلمين - خاصّة - الإسلاميّين منهم بقضاياها، تطرح تساؤلًا ملحًّا عن الأسباب والعوامل الكامنة خلف هذا التّبيان، ويأتي العامل الثّقافيّ المعرفيّ - حسب الكاتب - في طليعة تلك العوامل؛ حيث ركّزت الثّقافة الدّينيّة على محوريّة الدّفاع عن حقوق الله تعالى على عباده في الجانب العقديّ والعباديّ، فاهتمّ علماء المسلمين ودعاتهم بتبيين العقائد الدّينيّة، أمّا حقوق الناس فيما بينهم وسبب نجاحهم في تنظيم حياتهم الدّنيويّة فلم تنل حظّها من الاهتمام والتّركيز، وهناك - أيضًا - عامل سياسيّ يتعلّق بتحاشي العلماء والمفكّرين الاصطدام مع السّلطات والحكومات، ممّا يجعل الحديث عن الحقوق بمثابة اعتراض على تلك السّلطات، أو تحريض للجمهور على ممارستها.

رغم وجاهة هذه المبرّرات، يرى الكاتب أنّه لا يصحّ أن تحجبنا عن حقيقتَين عظيمتَين:

الأولى: منزلة حقوق الإنسان في الشّريعة الإسلاميّة، والتّأكيد الخطير على رعايتها وحمايتها، فلم تحذّر النّصوص من شيء تحذيرها من جريمة الظّلم والاعتداء على حقوق الآخرين.

الثّانية: الارتباط العميق بين رعاية حقوق الإنسان ومستوى التّقدم الحضاريّ للأمّة؛ حيث لا يمكن لأمّة أن تتقدّم، وأن تحقّق الكرامة لأبنائها، فالإنسان المقهور المسحوق لا ينجز تقدّمًا حقيقيًّا، ولا ينتج عطاء، كما أنّ عالم اليوم لن يحترم أمّة تتجاهل حقوق الإنسان.

يعلّق الكاتب على ذلك بقوله: "هاتان الحقيقتان تفرضان على الإسلاميّين الواعين أن يظهروا الاهتمام اللّازم بقضيّة حقوق الإنسان، وأن يتصدّوا للدّفاع عنها، بنشر رؤية الإسلام وثقافته الحقوقيّة، عبر مناهج التّدريس، ووسائل الإعلام والتّخاطب مع الجمهور، وبتشكيل المؤسّسات والجمعيّات الّتي تتبنّى قضايا حقوق الإنسان، وممارسة مختلف الوسائل والأساليب المشروعة"[4].

ثقافة حقوق الإنسان وبرامج العمل:

إنّ أول خطوة يراها الكاتب في طريق إرساء حقوق الإنسان والدفاع عنها؛ هي التّعريف بتلك الحقوق، ونشر ثقافتها، ذلك أنّ الكثيرين في مجتمعاتنا لا يعرفون حقوقهم أو واجباتهم، فلا يطالبون بما لهم، ولا يلتزمون بما عليهم، بسبب الجهل وانعدام المعرفة، يقول الكاتب: "إننا في حاجة إلى جهود كبيرة لنشر ثقافة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا، بدراسة حقوق الإنسان، والاطّلاع على الأنظمة والقوانين الوطنيّة، ومعرفة الضّوابط والحدود في علاقاتنا الاجتماعيّة، وفي كثير من الأحيان يكون الطّرح الحقوقيّ في خطابنا الدّينيّ أحاديًّا؛ حيث يركّز على حقوق طرف، ويتجاهل حقوق الطّرف الآخر، بما يخدم نظام الهيمنة تحت هاجس الخوف من التّمرّد، فلا يجري التأكيد على حقوق المعلّم دون تبيين حقوق الطّالب"[5]، وهذا منهج خاطئ وخطير لأنّ فيه تهميشًا وإقصاءً.

إنّ التّقدّم الّذي أحرزته المجتمعات الأخرى في مجالات حقوق الإنسان، لم يحدث بين عشيّة وضحاها، ولم يتحقّق دفعة واحدة، ولم يأت بسهولة ويسر، فقد رزحت تلك الشّعوب تحت وطأة الاستبداد الدّينيّ للكنيسة، وظلم الإقطاع السّياسيّ، فانبعثت أفكار التّحرّر والإصلاح من رحم المعاناة الشّديدة، ويرى الكاتب - هنا - أنّنا في حاجة إلى العمل من أجل حقوق الإنسان على ثلاثة أصعدة:

الأوّل: صعيد القوانين والتّشريعات؛ بأن تنسجم الأنظمة والسّياسات المعتمدة مع مواثيق حقوق الإنسان الإسلاميّة والعالميّة، وأن يعاد النّظر في أي واقع تنظيميّ ينتهك شيئًا من تلك الحقوق، أو يشكّل ثغرة لانتهاكها، هذا دور المجالس التّشريعيّة والمفكّرين والدّعاة وواجبهم.

الثّاني: على مستوى الأداء التّنفيذيّ لأجهزة الدّولة وموظفيها، ذلك أنّ نسبة كبرى من انتهاكات حقوق الإنسان تحدث نتيجة ممارسات خاطئة من بعض المسؤولين والموظّفين في مؤسّسات الدّولة، ولا بدّ - هنا - من تفعيل مؤسّسات الرّقابة والتّدقيق، وديوان المظالم، ووسائل الإعلام، لتشكّل قوّة ردع وضغط لحماية حقوق المواطنين.

- الثّالث: يرتبط بالعلاقات الاجتماعيّة؛ فهناك خروق وانتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان على المستوى الاجتماعيّ؛ في علاقات النّاس مع بعضهم، ومن مظاهرها حالات العنف الأسريّ في التّعامل مع الأولاد والزّوجات؛ حيث يمارس بعض الآباء سلطة وحشيّة على أبنائهم، كما يتعدّى بعض الأزواج على الحقوق الإنسانيّة والشّرعيّة لزوجته، وكذا الحال في التّعاطي مع الخدم والموظّفين.

بين الحقوق والواجبات:

انتظام حياة الإنسان في المجتمع يقتضي أن يتمتّع بالحقوق الّتي له، وأن يؤدّي الواجبات الّتي عليه، وإذا ما حصل خلل في هذه المعادلة، فسيؤدي إلى الاضطراب في حياة الفرد والمجتمع، يقول الكاتب: "وإذا كان على الإنسان من الواجبات تجاه الآخرين، بمقدار ما له من الحقوق، فنقطة البداية لبناء علاقة صحيحة ناجحة مع الآخر، يجب أن تنطلق منه بالمبادرة لأداء الحقوق المتوجّبة عليه، ما يلزم الآخر ويشجّعه على التّعامل بالمثل، فتنتظم العلاقة - حينئذ - وتستقيم، ومعنى ذلك؛ أن يفكّر الإنسان في الواجبات الّتي عليه، قبل أن يفكّر في الحقوق التي له، وأن ينجز ما عليه، قبل أن يطالب بما له"[6]، ولا بدّ من التّأكيد - هنا - على أنّ قضيّة الحقّ والواجب لا تزال تشكّل خللًا منهجيًّا إلى اليوم.

يتساءل - هنا - الكاتب: لماذا يتجاهل أكثر النّاس الواجبات التي عليهم أو يتساهلون في القيام بها؟ يرى الكتاب أنّ العوامل المفسّرة لذلك عديدة، وهي:

- عامل الجهل وضعف الوعي الحقوقيّ؛ حيث لا يعرف الكثيرون ما يتوجب عليهم تجاه الآخرين، فالعلاقات والارتباطات في مجتمعاتنا تسير بشكل عفويّ، وضمن أعراف وتقاليد، ترتكز على قوّة الطّرف وموقعه.

- عامل آخر يرتبط بالتّربية النّفسيّة، والبناء الأخلاقيّ لشخصيّة الإنسان؛ حيث يحتاج إلى التّذكير بالقيم والمبادئ، وأنّها يجب أن تكون المقياس والمحور لمواقفه وتصرّفاته، وليس مصالحه الذّاتية.

- في أحيان كثيرة يتساهل الإنسان في حقوق القريبين منه، وهذا خطأ كبير.

قدسيّة الحياة ثقافة الاستهتار:

الحياة بالنّسبة إلى أيّ إنسان هي قرار إلهيّ خارج عن إرادته وسيطرته، بالتّالي، فإنّ أيّ محاولة لمصادرة تلك الحياة هي اعتراض على الإرادة الإلهيّة، فيتشكّل بذلك معيار لفرز النّظم القانونيّة والثّقافيّة، فكلّ نظام لا يسعى للحافظ على حياة الإنسان هو نظام مرفوض وفق السّنن الإلهيّة، وبعكسها؛ تكون النّظم الّتي تشكّل سياجًا للمحافظة على حياة الإنسان الّذي كُتبت له الحياة.

فالنّظرة إلى الحياة على أنّها حقيقة يجب الحفاظ عليها هي بداية السّير في الاتجاه الصّحيح، من هنا كانت الحياة أقدس شيء في الإسلام، يقول الكاتب: "هكذا، إنّ من أبجديات الثّقافة الّتي حاول الإسلام تكريسها في نفس النّاس، حتّى تشكّل قاعدة ومنطلقًا لسلوك حضاريّ رصين، هي قدسية الحياة وضرورة الحفاظ عليها"[7]، بالتّالي، يرى الكاتب أنّ الأمّة تحتاج إلى صياغة جديدة لوعي الإنسان المسلم، لعل ذلك يطبّب تلك الجراحات الّتي أحدثتها ثقافة الاستهتار بالحياة، ثمّ رسم لوحة من القيم النّبيلة للإسلام الحقيقيّ الّذي عملت تلك العقليّات على تشويهه في نظر الآخرين، حتّى صار الإرهاب سمة بارزة من سمات الإسلام عندهم.

أخيرًا؛ إنّ موضوع الخطاب الإسلاميّ أصبح - اليوم - في حاجة إلى إعادة النّظر أكثر من أي وقت مضى، كي يتناسب وروح العصر بعيدًا عن الجمود والتّقليد اللذَين سينعكسان سلبًا ليس على هذا الخطاب وحسب؛ بل سينعكس على المسلمين قاطبة، خصوصًا، مع تصاعد وتيرة العنف والتّطرّف المبنيّ على المرجعيّة الدّينيّة المتشدّدة.


[1]- الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان، حسن الصفار، المركز الثّقافيّ العربيّ، الطّبعة الأولى، 2005م، ص ص 20- 21

[2]- الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان، حسن الصّفار، ص 43

[3]- الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان، حسن الصّفار، ص 62

[4]- الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان، حسن الصّفار، ص 89

[5]- نفسه، ص 109

[6]- الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان، حسن الصّفار، ص 123

[7]- الخطاب الإسلاميّ وحقوق الإنسان، حسن الصّفار، ص 136