السّعادة في فلسفة لوك فيري أو نحو تحطيم وهم التّنمية الذّاتية


فئة :  مقالات

السّعادة في فلسفة لوك فيري أو نحو تحطيم وهم التّنمية الذّاتية

لا شيء يمنحنا لذّة هذا الوجود، أو الصّبر على معاناة الطّريق، أو تحمُّل بعض الآلام أو انتظار تحقّق بعض الآمال، إلا ذلك الشّيء المسمّى بالسّعادة. إنّها المبتدأ والمنتهى، وربّما هي الخلاص كما يحلو للبعض تسميتها، دون أنْ يدرك معناها، أو يستوعب مفارقاتها وتناقضاتها. إنّها تشبه إلى حدّ بعيد ما يسمّيه عبد الله العروي[1] بالأدلوجة، وهو يناقش موضوع الدّولة. والتّشابه هنا بين الدّولة والسّعادة أنّ هذه الأخيرة، تتبدى أيضا بوصفها أدلوجة؛ أيْ فكرة مسبقة، تطلب منّا قبولها باعتبارها معطىً جاهزا وبديهيا لا يحتاج إلى نقاش، كما نقبل خِلْقتنا أو حاجتنا للنّوم، أو ما شاكل ذلك؛ بمعنى أنّ السّعادة هي ذلك الإحساس السّابق على كلّ التّساؤلات، نحياها، ونتلمّسها في واقعنا قبل أنْ ندخل في متاهات مفهومها وفلسفتها؛ أي هي سابقة على النّظرية، ومن هنا يمكننا أنْ نستعير من العروي وصفها بالأدلوجة كما وصف بها هو نفسه طبيعة الدّولة مع إدراك بطبيعة الحال الفوارق الجلية.

الهروب من دوائر الألم اليوم، والخروج من متاهات عالم الاستهلاك، أضحى المطلب الأوّل لعالم كان ينشد المعنى في ما هو ديني، حيث الإيمان يمنح الإنسان امتلاءً من نوع خاص، فتحوّل المعنى إلى معنى اقتصادي، وهو في نهاية المطاف ليس سوى فراغ كما يسمِّيه برنار نويل[2]؛ ذلك الفراغ الذي لا يعبّئه سوى الاستهلاك من أجل أنْ يبعث فيه على الفور الشّهية ذاتها على الاستهلاك. هذا الوضع أو الواقع الذي يعيشه الإنسان المعاصر، تحت الضّغط الجامح للعولمة، وثقافة الاستهلاك، أنشأ تضخّما في قضية البحث عن السّعادة، أو السّعي وراء فكرة السّعادة، ربّما لأنّ الإنسان أدرك ولو بشكل متأخِّر أنّ السّلطة الاقتصادية تحاصرنا اليوم بالثّقب الذي تحفره فينا، وتقيم هناك فرجة كما يقول برنار نويل؛ أي أنْ تدفعنا لأنْ نستهلك موتنا الشّخصي، ونحن مغتبطون. هذا الواقع بحسب لوك فيري[3] ساهم في ظهور وانتشار فكرة السّعادة من خلال مؤلّفات وكتابات تزعم لنفسها الصّبغة الفلسفية باستنادها إلى أفكار وفلسفات وطرائق ومذاهب فكرية ودينية وفلسفية، وتقدّم نفسها للقارئ المستهلك والمضغوط والباحث عن اللّذة والسّعادة، في شكل نظريات تدّعي التّنمية البشرية، وأساليب التطوير الذاتي، وما سمّي بعلم النّفس الإيجابي؛ ذلك العلم الذي: "نشأ كي يوازن بين النّزعة المرضية المهيمنة، من خلال الاهتمام بأوجه الصحة وحسن الحال وبناء أوجه الاقتدار، والتمكُّن لدى الفرد والمجتمع"[4] (إطلاق طاقات الحياة21). علمٌ طوّره العالم الأمريكي في مجال علم النّفس كما أشار مصطفى حجازي، ليؤكّد أنّ هذا العلم ليس دراسة فقط للمرض والعجز، بل هو أيضا دراسة الاقتدار والفضائل الإنسانية. إنّه ليس مجرد إصلاح للخلل، بل هو كذلك بناء الصّحيح والصحّي، وهو ليس مجرد اهتمام بالمرضي، بل هو كذلك اهتمام بتنمية قدرات العمل والحبّ والنموّ والفرح والسّعادة[5]. هكذا أراد أصحاب هذا العلم أنْ يقفوا أمام هذا الزّحف الكاسر للاستهلاك في عالم اليوم، عبر استجلاب أساليب وتداريب معيّنة أطلقوا عليها علم التّنمية الذاتية أو البشرية. وحتى لا ننكر فضل أحد في هذا السّياق، فلقد حققّ هذا العلم طفرة كبيرة في مجتمع مثل المجتمع الأمريكي، حيث كلّ شيء قابل للاستهلاك، بما في ذلك هذه الأساليب والطرائق الذاتية. ولم يقف حدّ انتشار هذا العلم على المجتمع الأمريكي فقط، بل تجاوز الأمر ذلك إلى مجتمعات أخرى تعيش نفس الهواجس، ونفس التطلّعات، حيث كانت التّرجمة فيصلا حقيقيا في هذا المسار. بما في ذلك المجتمعات الإسلامية التي انتشر فيها هذا الأسلوب بشكل كبير، عبر استجلاب طرائق يظنّ أصحابها أنّها كافية لتقوية الإنسان وكسبه مناعة الانهيار الذاتي، من خلال استحضار آيات أو أحاديث أو أدعية معزولة عن سياقات تشكُّلها كما فعل ذلك عائض القرني في كتابه: "لا تحزن"، أو غيره من هواة أسلمة المعرفة كإبراهيم الفقي ومن على شاكلته.

إنّ سياقات تشكّل هذا الفرع المعرفي ليست ببعيدة كما تمّت الإشارة إليه سابقا، من كون أنّ البحث عن السّعادة هو هدف أساسي منذ لحظة تفتُّق الوعي الأولي للكائن الإنساني. هنا يقترح علينا لوك فيري، وهو موضوع دراستنا تأمّل فكرة السّعادة، انطلاقا من موجز تاريخي عنها. هذا الموجز التّاريخي الذي سيقودنا حتماً إلى قناعة أساسية مفادها أنّ فكرة السّعادة ذاتها هي فكرة تتجاذبها آراء في غاية التّناقض تضعنا أمام سياقين مختلفين:

البحث عن السّعادة هو هدف أساسي منذ لحظة تفتُّق الوعي الأولي للكائن الإنساني

الأطروحة الأولى: يرى أصحابها أنّ السّعادة هي الهدف الأول للحياة الإنسانية؛ فلا يمكن أنْ تستوعب مشاريع الفلاسفة وكبار المفكّرين قديما وحديثا، دون المرور بعلاقتهم بفكرة السّعادة، إذ النّاس كلّهم يسعون إلى تحقيق السّعادة بما في ذلك أولئك المقدِمين على الانتحار كما يشير باسكال. كلّ هذا غير مدهش إطلاقا كما يقول فيليب فان دان بوسش[6]؛ ذلك أنّ السّعادة هي الهدف الذي يجري وراءه كلّ إنسان ما إنْ يحدّد لنفسه هدفا خاصّا به. فلماذا نعمل إنْ لم يكن ذلك من أجل المال؟ ولماذا نريد المال إنْ لم يكن من أجل شراء الأشياء التي نرغب فيها؟ ولماذا نريد أنْ نشبع رغباتنا إنْ لم يكن ذلك من أجل السّعادة؟. لكنّ أصحاب هذه الأطروحة يرون بأنّ تحقيق السّعادة أمر ممكن شريطة القيام بتداريب واتّباع أساليب معينة.

الأطروحة الثانية: وتختلف بشكل كبير على نظيرتها الأولى، حيث ترى أنّ سعينا إلى تحقيق السّعادة هو أمر بديهيٌّ جدّا. لكنْ في الوقت نفسه ليس هذا السّعي الحثيث، وهذا الجري الإنساني وراء تحقيق السّعادة إلا وهما وخداعا. ليس فقط بسبب أنّ الإنسان من الكائنات المحكومة عليها بطبيعة الفناء. لكنْ أيضا، لأنّ رغباتنا محكومة بطابع التّناقض والتغيّر المستمرّ، حيث يصعب علينا في بعض الأحيان تحديد أو تعريف جاهز للسّعادة، كما يقول فيري: "لأننا ندرك بوضوح ما يجعلنا تعساء، ولكن يصعب علينا تحديد معرفة ما يسعدنا بالدّرجة نفسها من الوضوح"[7]. بمعنى آخر، لا يمكننا الاعتماد صراحة على تمارين ذاتية أو أساليب خاصّة كي يصل الإنسان في منتهاه إلى نهاية سعيدة، إلا إذا كان يؤمن بالأوهام بالقدْر نفسه الذي يؤمن به بالحقائق الثّابتة. هذا الشيء نفسه تحدّث عنه فيليب فان دان بوسش[8]، فالقول بأنّ السّعادة هي الهدف الأخير للنّاس، لا يكفي مع ذلك لتحديدها، لأنّ شخصا ما يعتقد بأنّه وجد سعادته في الحب، فقد يجدها الآخر في الشّهرة. وهنا يختلط علينا الأمر بشكل كبير بين السّعادة وبين وسائل تحصيلها، وهو الأمر القريب مما أشار إليه لوك فيري، وهو يتحدّث عن مفارقات هذه السّعادة، وربّما تناقضاتها العجيبة. فالحبّ مثلا وهو مصدر كلّ سعادة، حينما نجد من نهتمّ به ويهتمّ بنا، أو نتعلّق به ويتعلّق بنا، قد يصبح بالقوّة نفسها مصدرا لتعاستنا، حينما نفتقد بشكل طوعي أو كرهي من نحبّ[9]. وهذا لوحده من شأنه أنْ يجعل أصحاب الأطروحة الأولى، أو المهووسين بالاشتغال بتنمية الذات، وبأساليب التّطوير الذاتي على المحكّ، حيث تصير كلّ هذه الأحاسيس والمشاعر النّبيلة كما يراها الجمهور هي مصدر آخر للتّعاسة الإنسانية. وهنا المفارقة. كما أنّ المشتغلين بهذه المجالات تواجههم مآزق أخرى لعلّ أكبرها هو تحوّل البحث عن السّعادة إلى حزن وألم، حينما يعجز الإنسان تحت ظرف من الظّروف على تحقيق ما يصبو إليه، وسيكون الوعد المذهل بالشّعور بالغبطة محفوفا بتهديد التحوّل إلى طغيان ما أسماه باسكال بروكنر بطريقة معبّرة بـ "النّشوة الدائمة".

وهنا لا بدّ من استحضار مجموعة من المعطيات التّاريخية تلخِّص لنا فكرة السّعادة كما يراها لوك فيري، وتضعنا أمام سياقات مختلفة، ولكنّها مفيدة في رحلة بحث الكائن الإنساني عن سعادته والابتعاد قدر الإمكان عن مواطن الألم في حياته؛ بمعنى أنّ البحث عن المعنى داخل هذا الوجود، والبحث عن السّعادة أو الحياة الطيبة كما يسمّيها لوك فيري (أجمل قصة21) هي مهمّة الفلسفة قديما وحديثا؛ أي تلك الرّوحانيات اللائكية على حدّ تعبيره، دون المرور بالإله أو المعتقدات، بل بوسائل العقل البشري والفكر وحدها. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السّياق، هو إذا كانت الفلسفات تسعى جاهدة إلى البحث والدراسة والتفكير في السّعادة، فلماذا اختلفت في تحديدها أو في أجوبتها عنها؟. هنا يقدّم لنا لوك فيري جوابا يبدو منطقيا من الوهلة الأولى، وتحديدا لأنّه يعتبر تاريخ الفلسفة تاريخا يشبه إلى حدّ بعيد تاريخ الفنّ أكثر مما يشبه تاريخ العلم. ففي المجال الجمالي، يمكن للإنسان أنْ يحبّ رؤى للعالم مختلفة تماما. يمكن أنْ يحبّ الرومانسيين، كما يمكنه أنْ يحبّ الكلاسيكيين. ويمكن أنْ يحبّ الفنّ القديم، بالقدْر الذي يولع به آخر بالفنّ الحديث.[10]

تناغم الكوسموس:

يؤكّد لوك فيري أنّ في أغلب تعاليم اليونايين الأوائل من الأبيقوريين والرّواقيين، وأيضا عن أرسطو والبوذيين والطاويين تأخذ فكرة السّعادة مركزية في العقل اليوناني القديم لمجموعة من الاعتبارات. ومفاد هذا النّمط في التفكير هو أنّ الإنسان مُطالبٌ، لكي يحقِّق سعادته أو حياته الطيّبة، بالبحث عن التّناغم مع الكون؛ أي إنّ الرّوح الأصلية للعالم تكمُن في التّناسق؛ أيْ النّظام الذي هو في آن معا قويم وجميل، مما حذا باليونانيين لتسميته بالكوسموس؛ أيْ الكون[11]. فلا شيء حسب نظرة الرّواقيين خاضع للعبث، أو اللّعب، أو اللّهو، بل كلّ شيء خاضع لنظام خاصّ يدل على عظيم الصّنعة. وما على المرء إلا أنْ يبحث عن ذاته داخل هذا النّظام حتى يحسّ بالتّناغم بشكل أقوى، وبالتّالي يحقّق سعادته وحياته الطّيبة. إنّها نظرة إلى الكائن الإنساني على أنّه قطعة من السّرمد على وجه التّقريب؛ أي أجزاء من الكلّ الكوني الكبير. وبحسب هذا الرّؤية، فلن تفقدنا كما يقول فيري هذه الموت بالأساس إلا النّصيب الأتفه من وجودنا الفردي.

لكنْ لتحقيق هذا المبتغى يجب تجنّب مجموعة من المحاذير التي تجعل من وجودنا مهدّدا في تحصيل سعادته أو هنائه. ولعلّ أهمّها فكرة الإفراط hybris ذلك الغرور المنفلت من كلّ قيد، والّذي يجعلنا نقدر أنفسنا أكثر مما نحن عليه. ويخرجنا من المنزلة التي أسندت إلينا، بل يجعلنا على هذا النّحو نهدّد بالقطع مع التّناغم الكوني المسمّى بالكوسموس[12]. إضافة إلى ما سبق، فإنّ اليونانيين القدامي تنبّهوا من خلال تأمّلاتهم الفكرية والفلسفية أنّ تحصيل السّعادة أو الحياة الطيبة رهين بالانفصال التامّ عن هواجس الماضي أو المستقبل. فالماضي يمنعنا من الإقامة في الحاضر. إما لأنّه كان سعيدا فيشدّنا، أو حزينا فيغمرنا بالأحزان والآلام، وهو ما كان يسميه سبينوزا بـ "الأهواء الحزينة". فالحنين كما الأمل، والماضي كما المستقبل، كلاهما يثقلان كاهل الإنسان ويمنعانه من سعادته، لأنّ الماضي زال، والمستقبل لم يحن.، وعلى حد تعبير sénèque: "فإنّنا من فرْط العيش في الماضي أو في المستقبل تعوزنا الحياة".[13]

إنّ اليونانيين القدامي تنبّهوا من خلال تأمّلاتهم الفكرية والفلسفية أنّ تحصيل السّعادة أو الحياة الطيبة رهين بالانفصال التامّ عن هواجس الماضي أو المستقبل

أمّا الخطر الثالث الذي يتهدّد سعادتنا نحن البشر الفانون فهو الخوف، لهذا اعتبر اليونانيون القدامى الخوف عدوّهم الأول، لأنه يحوِّلنا إلى أغبياء وخبثاء: أغبياء لأنّ دواعي الخوف تكون لا عقلانية في أغلب الأحيان. كما أنّه يجعلنا منغلقين على أنفسنا، ومتمركزين على ذواتنا، وهو ما يتناقض مع الحكمة التي كانت إحدى تجليّاتها فِعْل التفلسف، إذ الحكيم هو نقيض الخوّاف، فهو ليس سوى شخصٍ قادر على التغلّب على ضروب الخوف، وبالتّالي على التّفكير بحرّية أكثر.

اللاهوت المسيحي: الخلاص روحا وجسدا

لا بدّ من التّأكيد هنا أنّ المسيحية أحدثتْ شرخاً كبيرا في الفلسفة اليونانية، حين اقترحت خلاصا آخر بعيدا عن فكرة التّناغم الكوني الذي اقترحتْه الفلسفة اليونانية وتحديدا الفلسفة الرّواقية ومن دار في فلكها. لكنْ هذا لا يمنعنا كما يؤكّد لوك فيري أنّ هذا النّصر، وهذا الانقلاب الفكري في التصوّرات والمفاهيم جاء بناء على خسائر أيضا. لعلّ أكبرها كان هو إخضاع العقل للإيمان؛ فبدل أنْ يكون المحدّد الأساسي لسعادة الإنسان همُ البشر أنفسهم، أصبح الإله هو المحدّد الوحيد. إنّ الفكرة الجديدة التي اقترحها اللاّهوت المسيحي كانت من طبيعة الحال انقلابا في التصوّرات، إذا ما استحضرنا البنيات الفكرية التي كانت سائدة حينذاك، وقد يبدو هناك الاقتراح الرّواقي أكثر سذاجة. فحالة الذّوبان التي تقترحها الرّواقية تجعلنا ذائبين ومغيّبين في نظام كوني المطلوب منّا أنْ نبحث عن أوجه التّناغم معه، حتى نحقّق آمالنا أو سعادتنا، ولا يخفى على قارئ أنّ حالة الذوبان هذه تجعلنا نفقد هويتنا الفردية الواعية. أمّا مع اللاهوت المسيحي، فالأمر مختلف تماما، إذ يصبح الخلاص هنا هو نوع من الخلود المغاير والمفارق للخلود الرّواقي، خلود شخصي لنا ولأحبّتنا ولمعارفنا وأصدقائنا جسدا وصورة وصوتا، حيث تتحوّل العقيدة المسيحية إلى إعادة صياغة عقيدة عالية التّقنية مكنّتها من هزيمة أعتى الفلسفات والسّيطرة على العالم خلال خمسة عشر قرنا تقريبا[14]. كيف تفوّقت المسيحية على النّظام الفكري اليوناني القديم؟. هنا يجيبنا لوك، فيري بأنّ هناك معطيات موضوعية لا يجب تجاهلها مهما كان موقف الإنسان من المسيحية:

- السمة الأولى: العقل الذي كانت سمته التّناغم مع النّظام الكوني عند الرّواقيين، سيتماهى عند المسيحيين مع شخص جديد، وهو المسيح. هذه الشّخصنة ستفسح المجال أمام انتقال آخر لفهم العالم. وتعطي للخلاص بعداً آخر. بتعبير آخر لولا التّثمين المسيحي لشخص المسيح، لما أبصرت فلسفة حقوق الإنسان اليوم النّور كما هي متعارف عليها في العالم المعاصر.

السمة الثانية: الإيمان يأخذ مكان العقل، ويقف في وجهه.

-  السّمة الثالثة: لم يعد المطلوب لتطبيق وممارسة النّظرية بشكل صحيح فهم الفلاسفة، بل تواضع البسطاء.

- السمة الرابعة: انطلاقا من هذا المنظور الذي يعطي الأولوية إلى التواضع وإلى الإيمان، وإلى التفكير بواسطة الآخر، بدل التفكير بواسطة الذات. لن تختفي الفلسفة بشكل كامل، بل ستصبح خادمة للدين.

- السمة الخامسة: وبما أنّ الفلسفة لم تعد عقيدة خلاص، بل خادمة للدين، فإنّ الفلسفة ستصبح فلسفة مدرسية؛ أيْ بالضبط مادة مدرسية، وليس حكمة أو مادة حياة.

المبدأ الإنسانوي:

كان بإمكان الإنسان أنْ يتوقّع بعد إنزال الفلسفة إلى مرتبة خادمة للدّين أنْ يتراجع الخطاب الأخلاقي، لكنْ الذي حدث هو العكس من ذلك؛ فقد حملت المسيحية ثلاث أفكار أخلاقية غير يونانية اعتبرت حينذاك بمثابة فتح جديد، أو انقلاب على مفاهيم سائدة في تلك المجتمعات. ولكي نتلمّس جدة ما نتحدّث عنه يكفي أن نشير إلى أن المجتمع اليوناني هو مجتمع طبقي أرستقراطي، وأنّ المدينة اليونانية هي مدينة عبودية. فجاءت المسيحية بفكرة المساواة لتوحّد الإنسانية في جوهرها، وتعتبر الكرامة الإنسانية هي المبتدأ والمنتهى في آن واحد. وهذا ما جعل فكرة المساواة، أو هذا الفتح المسيحي يتميز بمجموعة من السّمات:

السمة الأولى: حرية الاختيار (حرية الفكر) هي أساس الأخلاق.

الانقلاب الثاني: مرتبط بالأول: وهو يقضي بالتّسليم على المستوى الأخلاقي، بأنّ الرّوح أهمّ من الحرف، وبأنّ الميدان الدّاخلي، أكثر حسما من التّطبيق الحرفي، لقانون المدينة الذي يبقى قانونا خارجيا.

التجديد الثالث: إنه ببساطة ظهور الفكرة الإنسانية الحديثة.

طرائق تحصيل السعادة حسب لوك فيري:

- أنْ تحبّ: سعادة الحب وتعاسته: لماذا يسعدنا الحبّ ويجعلنا نفيض فرحا؟ ولماذا يتعسنا الحب ويغمرنا في اليأس؟. أسئلة مربكة في طرحها، بله أنْ تكون مربكة في إجاباتها. هنا لا بدّ من التّذكير بما تحدّث عنه روبير مسراحي في أحد حواراته التي اعتبر فيها أن هناك ثلاثة مبادئ مشكِّلة للسّعادة: فرحة الفرد في التأسيس بتأسيس حريته، والحب، والاستمتاع بالعالم[15]؛ وذلك بالوعي بأنّ دلالة أشياء العالم منتَجة من الفاعل وليست مفروضة عليه. كلّ شيء ينطلق من الفاعل ويذهب نحو الأشياء حتى الألم المعنوي. لنأخذ مثالا حالة السّخط الذي يشعر به الإنسان تجاه شيء غير عادل. والحال أنّ هذا الحدث غير عادل مقارنة فقط بمنظومتنا من القيم أي المبادلة réciprocité في هذا السّياق. فائدة انقلاب النّظرة هنا هي ما يجعلنا بحسب مسراحي موجودين في حضرة سلطة مبتكرة وحرية مبتكرة هي أيضا. وهكذا يجيب لوك فيري كذلك[16] بأنّه يمكننا أنْ نجعل الحبّ سعيدا قدر الإمكان مع العلم أنه في كلّ الأحوال لو لم نكن مؤمنين، وإذا لم نضع أنفسنا ضمن المشهد المرتبط بالخلود؛ فمن الأفضل أنْ نميز سريعا جدّا بين الفرح، وهو حقيقي لكنّه زائل، وبين السّعادة التي تنشد الأبدية لكنّها ليست إلاّ وهْماً.

- أنْ تُعجب: كيف يجعلنا الإعجاب سعداء: ذلك الإعجاب المقرون بالدّهشة. تلك اللّحظة التي نعجب فيها بالأشياء التي نشعر بأنّها تتجاوزنا؛ أيْ بما لا يمكن أنْ يكون بمقدورنا عمله أو الإتيان به. وبهذا المعنى، أٌعجب اليوناني القديم بالكوسموس، وأٌعجب المؤمن بالإله، والجمهوري بعبقرية الرجال والعظماء.

- أنْ تتحرّر: الحرية أم السعادة؟: سؤال أرّق أساطين التّفكير السّياسي من أمثال هوبز ولابواسيه. هل من الأفضل أنْ تحيا في سعادة لكنْ في ظلّ العبودية والوهم؟ أم الأفضل أنْ تعيش في الحرية بقدر أقلّ من السّعادة؟. وكان هوبز وأتباعه يرون بأنّ سعادة الحياة أوّلا وقبل كلّ شيء، حتى لو كان ذلك على حساب الحرية. لكنْ هل تستحقّ السّعادة أن نغامر بالانتقاص من حرّيتنا في سبيلها. هنا كان يرى كانط أنّ الطبيعة لم تجهّزنا فبماذا تفيدنا إذن الملكة الفكرية، والرّوح النّقدية، وإرادتنا الحرّة. ومن بعد هؤلاء جاء نتشه وفرويد، لينكروا مسألة التفاؤل بالسّعادة، ففكرة حرية الإرادة التي يقرّون أنّها مضلِّلة، تتسبّب فعلياً في تعاستنا.

أنْ توسّع أفقك: لماذا تجعلنا رحابة الفكر سعداء؟: تحيلنا هذه الرحابة إلى ما كتبه جمال علي الحلاق عن العقل المنفتح، وهي مناسبة للتّذكير بإشارات تبدو أنّها مهمّة لمن يرغب بالغوص في مغامرة الانفتاح المكسّر لجنون الانغلاق، والإيمان المطلق بالموروث والتّقاليد، والانحياز التامّ للمسبقات، لأنّ المنفتح لا محيط له، تماماً كالسّهم المنطلق في الفضاء. ولكي نفهم المفارقات التي يعيشها العقل المنفتح، حين يفكر خارج المجموع، وخارج النّسق السّائد، وجب أنْ نفهم الوسائل التي تتيح له هذا العيش، وهذا التحرّر الفكري، ولعلّ السّؤال أوّل هذه الخطوات نحو الانفتاح. السّؤال الّذي يعني الرّغبة في البحث عن معنى آخر، خارج خيمة الحقيقة الّتي ترسمها الجماعة، وتصادق عليها الثّقافة وحرّاسها وسدنتها. وأيضاً السّؤال الذي يمنح العقل التميّز والتفرد، والخروج من ربقة نمطية قاتلة، تستهدف العقل، وتميت عناصر الحياة فيه. إنّه السّؤال الذي يعطيك إمكانية العيش مع الآخرين، دون أنْ تحتويك سياجاتهم، أو تحاصرك قيود أفكارهم؛ فيكفي أنْ تسأل كي تعبُر إلى حيث تتلاقى مع ذاتك في وحدة وجودية لا يستطيع العقل المنغلق إدراكها. وهنا يقف الإنسان بعقله المنفتح، ليمدّ بفكره كلّ أواصر الاتصال مع الجميع، دون أنْ تذيبه شعاراتهم، أو تنزاح به تعبيراتهم إلى حيث مركز ثقلِهم الفكري والثّقافي.

إنّ فعلنا وعملنا من أجل الآخرين يشعرنا بالسّعادة. لكن هذا الفعل لن يكون بمقدوره أنْ يحمل الرّفاهية للعالم إلا بشرط أنْ يكون ذا معنى

يقرأ الحلاّق تجربة المنفتح كما قرأها من قبلِه نتشه الذي كان يرى أنّ المتوحّد يلتهم نفسه في العزلة، شرط أنْ يكون الالتهام هنا بدلالة الامتلاء بالذّات. هذا التّطابق مع الذات إلى حدّ التوحد يتيح بحسب الكاتب أنْ يطرح نفسه، باعتباره مشروعا إنسانياً لا يخلو من غاية، فهو يبحث عن المعنى لوجوده وحضوره في هذا العالم تعبيرا عن ذلك القلق الذي يسكنه. وبمجرد أنْ تشعُر هذه الذّات بنفاذ غائيتها، أو نهاية وظيفتها، تعلن خروجها من جديد على السَّائد في حركة متواصلة لا نهائية. وهنا يمكن استحضار نماذج من علماء ومفكّرين جسّدوا هذه المعطيات من خلال كتابتهم وأفكارهم. كما فعل الرّصافي بقراءته للشّخصية المحمدية، أو دان براون في قراءته للرّموز والرّسوم الكنسية، أو الرّتوش التي قام به حسين مردان على نصوص نشيد الإنشاد المقدّس، وغيرهم كثير؛ فكلّ ما تحيلنا عليه هذه الأعمال وغيرها هو ذلك القلق المزمن لدى العقل المنفتح من تكرار ذاته، لأنّ التكرار هو قتلٌ للذات، واستبطان لا إرادي لنمطية مفروضة عليها. ذاتٌ تخاف الدّخول في الآخرين، وتخشى في كلّ لحظة أنْ تتحول إلى فائض لا معنى له، وكأنّها في صراع أبديٍّ ضدّ التّنميط. وذاتٌ تفزع من كلّ شيء إلا الاختلاف، فهو المبتدأ وهو المنتهى. وهنا تساءل الحلاّق، وهو يستحضر تجربة كافكا: "هل أحسّ كافكا بالخوف من الدخول إلى ذاته باعتبارها فخّاً؟ هل أدرك أنّ تجربته الذاتية شكلٌ من أشكال الخطأ؟ لماذا أوصى بإحراق أوراقه كلِّها؟. لقد كان أقلّ شجاعة من أبي الحيان التوحيدي الذي أحرق كتبه بنفسه"[17].

- أنْ تتعلّم وتبدع: معاناة أفراح المعرفة: حسب أفلاطون لذة التعلّم لا تضاهيها أيّة لذة؛ ذلك الشّعور المصاحب للسّعادة المرتبطة بعملية الاكتساب والتعلّم والمعرفة، لأنّها اللذة الوحيدة التي لا تسبقها أية حاجة ما أو معاناة. لماذا؟ لأنّ المعرفة استكشاف وسوابق واسترجاع لذكريات، وحين نجد السّعادة نشعر كأنّنا وصلنا إلى مبتغانا. أمّا كانط، فقد كان أعمق من سابقيه حين اعتبر أنّ عملية اكتساب المعارف هي بالمعنى الاشتقاقي للمفهوم "تثير الحماسة" تدخلنا إلى المجال الإلهي، فالمعارف تمتلك حتى بالنسبة إلى أكثر الملاحدة من بين العلماء بعداً جماليا وروحانيا في الوقت ذاته.

- أنْ تفعل: لماذا العمل لأجل الغير يجعلنا سعداء؟: باختصار شديد إنّ فعلنا وعملنا من أجل الآخرين يشعرنا بالسّعادة. لكن هذا الفعل لن يكون بمقدوره أنْ يحمل الرّفاهية للعالم إلا بشرط أنْ يكون ذا معنى، ويختفي هذا المعنى جذريا بسبب الربط بينه وبين السّياسة.

[1]- العروي، عبد الله. مفهوم الدولة. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط10، 2014. ص: 6

[2]- نويل، برنار. الموجز في المهانة. ترجمة محمد بنيس.دار توبقال للنشر، ط1، 2017. ص: 14

[3]- فيري، لوك. مفارقات السعادة: سبع طرائق تجعلك سعيدا. ترجمة أيمن عبد الهادي. دار التنوير، ط1، 2018. ص: 7

[4]- حجازي، مصطفى. إطلاق طاقات الحياة. قراءات في علم النفس الإيجابي. التنوير للطباعة والنشر، 2012. ص: 21

[5]- نفس المرجع. ص: 23/24

[6]- انظر مقالا لفيليب فان دان بوسش حول السعادة في الفلسفة في كتاب: فلسفات عصرنا: تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها. جان فرانسوا دورتيي. تأليف جماعي مجلة العلوم الإنسانية. ترجمة ابراهيم صحراوي. منشورات الاختلاف، ط1، 2009. ص: 413

[7]- مفارقات السعادة. ص: 8                                                               

[8]- فيليب دان بوسش. المقال السابق. ص: 414

[9]- مفارقات السعادة. ص: 9

[10]- فيري، لوك. أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. بالتعاون مع كلود كبلياي. ترجمة محمود بن جماعة. دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 2015. ص: 25

[11]- فيري، لوك. تعلم الحياة. ترجمة سعيد الولي. دون دار النشر، أو طبعة أو تاريخ. ص: 50

[12]- أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ص: 24

[13]- أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ص: 29

[14]- تعلم الحياة. ص: 93

[15]- انظر مقالا لروبير مسراحي بعنوان بناء السعادة الخاصة. في كتاب جان فرانسوا دورتيي السابق. ص: 426

[16]- مفارقات السعادة. ص: 90

[17]- جمال، علي الحلاق. فن الإصغاء للذات قراءة في قلق المنفتح. منشورات الجمل، عمان/سيدني، 2002/2013. ص 18