المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا


فئة :  قراءات في كتب

المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا

على سبيل الاستهلال

أصدرت مؤسسة رؤية للتوزيع والنشر سنة 2017 كتابا بعنوان "الفرد والمجتمع: المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا" ترجمة وتقديم الدكتور حسن أحجيج. هذا الكتاب[1] يضم بين دفتيه ستة نصوص اختارها المترجم من كتابين لجورج زميلGeorg Simmel: فالنصان الأولان "مشكلة السوسيولوجيا" و"كيف يكون المجتمع ممكنا؟" مقتطفان من كتاب "السوسيولوجيا: دراسات في أشكال الاجتماع". أما النصوص الأربعة الأخرى، والتي عناوينها على التوالي: "ميدان السوسيولوجيا"، "المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي (مثال للسوسيولوجيا العامة)"، "المؤانسة (مثال للسوسيولوجيا الشكلية أو الخالصة)" و"الفرد والمجتمع في بعض تصورات الوجود في القرنين 18 و19 (مثال للسوسيولوجيا الفلسفية)"، فإنها مقتطفة من كتاب المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا. ويؤكد الدكتور احجيج أن فهم هذه النصوص ليس بالأمر اليسير، لأنها أولا: "نصوص كتبت بأسلوب معقد، وتتضمن مفاهيم يصعب بلوغ دلالتها بيسر، خاصة وأن القارئ العربي لم يألفها، ثانيا: لأنها تعكس تعقد الخلفيات الفكرية المتعددة لصاحبها، الفلسفية والسوسيولوجية والتاريخية، وثالثا: نظرا لكون بعضها يحمل أكثر من معنى في المتن الزيملي. لذلك آثرت، [يضيف المترجم] أن أضع لكل فصل مقدمة أوضح فيها بعض الالتباسات الدلالية وأبرز عند الاقتضاء، السياقات والمرجعيات التي تندرج في إطارها مقاربة زيمل للحياة الاجتماعية" (ص 22).

بعد أن عرضنا عناوين المواد التي يحتويها الكتاب، ننتقل الآن إلى تقديم قراءة أفقية في مضامينه، حيث سأقوم بعرض أهم أفكاره بشكل مقتضب.

I.

افتتح المترجم المقدمة التي وضعها للكتاب بثلاثة أسئلة جوهرية: الأولى حول الفائدة العلمية التي يمكن أن تضيفها هذه النصوص المترجمة لحقل العلوم الاجتماعية العربية، وخصوصا السوسيولوجيا بعد أزيد من قرن عن صدورها بالألمانية، خاصة وأن السوسيولوجيا عرفت تطورا كبيرا سواء على المستوى الإبستمولوجي أو المنهجي؛ ثم تساءل المترجم عن غياب سوسيولوجيا جورج زيمل من برامج التكوين السوسيولوجي في جامعتنا المغربية؛ وأخيرا، تساءل عن غياب ترجمات عربية لأعماله، هذا إذا استثنينا طبعا، بعض النصوص التي ترجمها محمد ديركي ونشرها في كتاب بعنوان: علم الاجتماع الديني[2]. يقول المترجم في هذا الصدد: "نظرا لغياب زيمل شبه الكلي من السوق الثقافية العربية، فإنني ارتأيت الاقتصار على الأعمال التي عالج فيها هذا السوسيولوجي الألماني موضوع السوسيولوجيا ومنهجها؛ أي على النصوص التي تضمنت مقاربته الإبيستمولوجية لهذا العلم الذي كان قد ولد لتوه في تلك الحقبة" (ص 21).

وللإجابة عن هذه الأسئلة المقلقة، استند حسن احجيج إلى نصوص باحثين آخرين، خاصة كتابات "كاترين كوليو- تلين C. Colliot- Thélène" الباحثة الفرنسية المتخصصة في السوسيولوجيا الألمانية. وقدم لنا بعض الإجابات التي تتجلى في بعض العوامل الأساسية التي ساهمت في تهميش إسهامات جورج زيمل في الحقل السوسيولوجي العالمي، وأهمها "هيمنة دوركهايم في فرنسا، وماكس فيبر في ألمانيا وبارسونز في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى غياب دراسات نقدية لأعماله التي كان من شأنها أن تكشف عن خيط ناظم يعطي وحدة إبستمولوجية لكتاباته الغزيرة التي كانت مواضيعها الشديدة التنوع توحي بأنها بدون وحدة عضوية، كما أن تصوره للمجتمع مثقل جدا بالتصورات الفلسفية، الشيء الذي سبب نفور كثير من السوسيولوجيين المعاصرين الذين كانوا يهابون مصادفة أشباح ميتافيزيقية داخل السوسيولوجيا العلمية، وربما لو استعمل زيمل المفاهيم التي كانت مألوفة في الممارسة السوسيولوجية كالبنية الاجتماعية مثلا لصادف مقاومة أقل. ويضيف المترجم عاملا أساسيا كان وراء الهامشية الثقافية التي عاشتها كتابات زيمل لعقود طويلة: إنه أصله اليهودي الذي أثار كثيرا من ردود الفعل السلبية لدى فاعلين مناهضين للسامية" (ص ص 10-11).

II.

في مقاله "مشكلة السوسيولوجيا" The Problem of sociology، الذي يشكل الفصل الأول من هذا الكتاب، يحاول جورج زيمل في هذا النص المساهمة في تأسيس حقل معرفي جديد قائم بذاته يدعى السوسيولوجيا؛ أي علم له موضوعه الخاص ومنهجه وعدته النظرية. يقال عادة إن موضوع علم الاجتماع هو المجتمع ذاته، لكن أليس المجتمع هو أيضا موضوع باقي العلوم الاجتماعية الأخرى؟ فالمجتمع إذن يمثل الموضوع الموحد لكل الحقول الاجتماعية، وهذه من التحديات المهمة التي تواجه العلوم الاجتماعية. ولتجاوز هذا التحدي الإبستمولوجي والمنهجي، كان ضروريا أن يحدد كل حقل معرفي زاوية نظره للمجتمع، حتى يستطيع أن يعرف ذاته؛ بمعنى أن يعرف المجتمع انطلاقا من رؤيته التي تحدد هوية هذا الحقل عن ذاك، لهذا يستبدل جورج زيمل "مفهوم المجتمع[3] الواسع جدا، الذي يمكن أن يشمل كل ما هو بشري، بمفهوم الاجتماع Sociation الذي يقصد به الشكل الذي يكتسيه التفاعل القائم بين الأفراد" (ص27). وبناء على ذلك، سيعرف زيمل السوسيولوجيا بأنها دراسة أشكال الاجتماع، لأنه يعتقد أن المجتمع يتكون من التفاعلات بين الأفراد، لذلك يجب على السوسيولوجي أن يدرس أنماط هذه التفاعلات وأشكالها بدلا من البحث عن قوانين اجتماعية.

يفهم مما سبق، أن وقائع المجتمع أو الظواهر الاجتماعية تتكون من بعدين: المضامين والأشكال. والمقصود بالبعد الأول "كل المصالح والأهداف والدوافع والميولات النفسية والبيولوجية التي تدخل في تركيبة الأفراد، كالعمل والتدين والزواج والحروب والجوع والعطش وغيرها. فمضمون الاجتماع هو كل هذه المثيرات التي تجعل الأفراد يتفاعلون فيما بينهم. أما الشكل، فيعني التشكيلات التي تكتسيها تجمعات الأفراد؛ أي الصورة التي يكتسيها مضمون معين، والتي تشمل كل البنيات والأنساق الاجتماعية. أو بلغة أخرى، الشكل هو الكيفية التي تتحقق بها العلاقة بين الأفراد المنخرطين في تفاعل ما، وذلك بغض النظر عن مضمون التفاعل؛ أي الأهداف والمصالح التي يسعى هؤلاء الأفراد إلى بلوغها" (ص ص 27-28). وينبغي أن لا يفهم أن الشكل والمضمون الاجتماعيين يوجدان منفصلين في الظواهر الاجتماعية، وإنما هذا الفصل الذي يقيمه زيمل هو فصل منهجي فقط. لهذا يقول: "لا يمكن لأشكال التفاعل أو الاجتماع أن تعالج منهجيا وتخضع لوجهة نظر علمية موحدة، إلا إذا فصلها الفكر عن المضامين التي تصبح مضامين اجتماعية إلا بواسطة تلك الأشكال"، وهذا ما سيجعل زيمل يقر بأنه "الأساس الوحيد الذي يجعل من الممكن وجود علم نوعي خاص بالمجتمع. ومع هذا العلم وحده، سيتم فعليا إسقاط الوقائع التي ننعتها بالواقع السوسيوتاريخي على سطح الاجتماع الخالص" (ص ص 42-43).

III.

"كيف يكون المجتمع ممكنا" How is society possible؟ يشكل هذا السؤال الفصل الثاني من الكتاب، وقد استلهم زيمل هذا السؤال من الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. وغني عن البيان أن سؤال كانط سؤال إبستمولوجي[4] يتعلق بإمكانية معرفة الطبيعة، لكن سؤال زيمل ليس إبستمولوجيا، لأنه لا يطرح سؤال كيف تكون معرفة المجتمع ممكنة، وإنما سؤال كيف يكون المجتمع ممكنا. وكان جواب زيمل هو أن المجتمع ليس شيئا آخر غير تمثل المجتمع. لكن زيمل يشير بوضوح إلى فارق جوهري، وهو أن العقل الذي يلاحظ (يتمثل) الطبيعة يوجد خارجها، فهو ليس جزءا منها، بينما الفرد الذي يلاحظ (يتمثل) المجتمع لا يوجد خارجه؛ بمعنى أن من يقوم بتركيب العناصر الفردية من أجل تكوين المجتمع ليس خارجا عن العملية نفسها التي تنتج تلك العناصر. وبالتالي، كما يقول زيمل: "إن المجتمع هو الوحدة الموضوعية التي لا تحتاج إلى ملاحظ خارج عنها" (ص 73).

IV.

في مقال "ميدان السوسيولوجيا" The Field of Sociology، الذي يشكل الفصل الثالث من الكتاب، يعترف جورج زيمل بصعوبة تحديد موضوع السوسيولوجيا، لأن المجتمع هو مجال اشتغال كل العلوم الاجتماعية، ومن جهة ثانية أنه في تغير دائم، مما يجعل السوسيولوجيين دائما يفكرون في موضوع تدرسه السوسيولوجيا. وقد انعكس ذلك على عدم وجود تعريف واحد للسوسيولوجيا كعلم مستقل بذاته متفق حوله بين السوسيولوجيين أنفسهم. وهذا ما جعل بعض المتشددين والمتعصبين في زمانه يشكك في علمية السوسيولوجيا؛ أي التشكيك في وجود السوسيولوجيا كعلم مستقل وقائم بذاته. وسينتج تعدد هذه التعاريف داخل السوسيولوجيا تصورين كبيرين: الأول يدعى الماكروسوسيولوجيا، والثاني الميكروسوسيولوجيا. فالأول يحيل على السلط والقيود التي يفرضها المجتمع على الأفراد كفاعليين اجتماعيين، والثاني يحيل على الحرية التي يتمتع بها هؤلاء الفاعلون وقدرتهم على المراوغة والإفلات من قيود المجتمع. وحاول زيمل تجاوز هذا التعارض بين هذين التصورين باقتراحه ثلاثة نماذج للسوسيولوجيا، وهي كالتالي: السوسيولوجيا العامة، والسوسيولوجيا الشكلية أو الخالصة والسوسيولوجيا الفلسفية. وفي الفصول الثلاثة المتبقية من هذا الكتاب سيخصص لكل فصل تيمةThème لكل نوع من هذه السوسيولوجيات.

تناول زيمل المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي كنموذج للسوسيولوجيا العامة، لكون هذا النوع من السوسيولوجيا يهتم بدراسة العلاقة بين الفرد والمجتمع، منظورا إليها من وجهة نظر الفرد أو الجماعة، ثم عالج تيمة المؤانسة كمثال لموضوع السوسيولوجيا الشكلية أو الخالصة، والتي تدرس نطاق البحث في أشكال التفاعل بين الأفراد أو في العلاقات المتبادلة التي تنتج المجتمع. وأخذ تيمة الفرد والمجتمع في بعض تصورات الوجود في القرنين 18 و19 كنموذج للسوسيولوجيا الفلسفية التي تهتم بنطاق البحث في أنماط المعرفة ومفترضاتها، انطلاقا من وجهة نظر سوسيولوجية (ص 106 الى 252).

خاتمة

وفي الختام، إن أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو: ما الهدف من إنجاز هذا النوع من القراءة (قراءة أفقية) التي ركز ت على العرض والتلخيص دون الاستشكال، علما أن الكتاب موجود في السوق، ويمكن لأي فرد أن يحصل عليه؟ فعلا إنه سؤال يفرض نفسه، وله معقولية كبيرة، وخاصة إذا استحضرنا الشروط الاجتماعية والتاريخية التي أصدر فيها الكتاب، حيث لم يتعرض للمنع ولا للحجز، لكن أيضا لم يحظ باهتمام كبير بين المهتمين والباحثين في السوسيولوجيا، ولم يخلق أي سجال سوسيومعرفي حول مضمونه، خاصة وأن السوسيولوجيا عرفت تطورا كبيرا على المستوى الإبستمولوجي والمنهجي، مما يجعلنا في حاجة إلى مؤرخ سوسيولوجي يرصد لنا هذه المنعطفات الإبستمولوجية التي عرفها هذه الحقل المعرفي بالذات. وحتى لا ندخل في سجال سوسيومعرفي يقوم على النقد ومحاورة الكاتب أو المترجم في بعض القضايا الجزئية، سواء المتعلقة بالترجمة كحرفة أو كحقل تخصصي قائم بذاته، والذي يفترض أن يكون المترجم ليس متمكنا من اللغتين فقط، وإنما يسبح بين الثقافتين. أو المتعلقة بأهم الإشكالات الواردة في نصوص جورج زيمل وتخص السوسيولوجيا كعلم له موضوعه ومنهجه. لذلك، ينبغي طرح سؤال آخر، هل نحن لازلنا في حاجة إلى السوسيولوجيا الكلاسيكية؟

معروف أن السوسيولوجيا الكلاسيكية كانت تعتبر كل أفعال الفرد مجرد تنفيذ لقيم المجتمع؛ بمعنى تستبعد قدرة الأفراد على الإبداع والخلق، وترى وظيفة الفرد داخل المجتمع محكومة بالانفعال وليس بالفعل، وخاصية الانفعال تميز الأفراد في المجتمعات المحافظة والتقليدية، ومجتمعنا العربي عموما والمغربي خصوصا لازال محافظا وتقليديا، رغم أنه تعرض لتحولات عميقة زحزحت مخزونه القيمي، وأهمها التركة الاستعمارية، النمو الديمغرافي، النمو الحضاري، الإقلاع الثقافي والثورة التكنولوجية، وهذا ما يجعل حاجتنا للسوسيولوجيا الكلاسيكية لازالت لها راهنيتها، لأننا لم ننتقل بعد إلى المجتمع الحديث، الذي يكون فيه الفرد فاعلا وليس منفعلا، منتجا ومبدعا ومبادرا ومشاركا في التخطيط لسياسات العمومية والقطاعية. وبناء على هذا نقول: إن الكتاب الذي اشتغلنا عليه سيفيد السوسيولوجيا العربية، عبر إسهامه في قراءة وضع المجتمع وتشخيص حاله، من أجل فهم حاضره والتحكم في مستقبله هذا من جهة، ومن جهة ثانية، الكتاب شكل إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث يعرف القارئ العربي على الإرث السوسيولوجي الألماني، في الوقت الذي كان هذا القارئ منحصرا فقط في الإرث السوسيولوجي الفرنكفوني بشكل كبير، والإرث السوسيولوجي الأنجلوساكسوني بدرجة أقل. كل هذه الاعتبارات كانت هي الدافع الأساسي للقيام بهذا النوع من القراءة. ورغم ذلك، فإن هذه الأخيرة لا تغني عن قراءة الكتاب، ولا تدعي الإحاطة الشاملة به.

 

الهوامش:

-          زيمل جورج، الفرد والمجتمع: المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا، ترجمة وتقديم حسن أحجيج، مؤسسة رؤية للتوزيع والنشر- القاهرة، الطبعة الأولى 2017

-          زيمل جورج، علم الاجتماع الديني، ترجمة محمد ديركي، المنارة –بيروت، الطبعة الأولى 1993

 


[1]- جورج زيمل، الفرد والمجتمع: المشكلات الأساسية للسوسيولوجيا، ترجمة وتقديم حسن احجيج، مؤسسة رؤية للتوزيع والنشر- القاهرة، الطبعة الأولى 2017

[2]- جورج زيمل، علم الاجتماع الديني، ترجمة محمد ديركي، المنارة –بيروت، 1993 (وفي الحقيقة هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة من النصوص حول ما أصبح يعرف الآن بسوسيولوجيا الأديان، اقتطفها المترجم من كتاب جورج زيمل الموسوم بالعنوان التالي: "علم الاجتماع: دراسات في أشكال الاجتماع").

[3]- اعترض زيمل على مفهوم المجتمع، لأنه يعتقد أنه ينتمي الى الميتافيزيقا أكثر مما ينتمي الى العلم الاجتماعي.

[4]- ونذكر هنا بسؤال كانط وجوابه دون تفصيل:

كيف تكون الطبيعة ممكنة؟ بمعنى ما هي الشروط الضرورية التي يجب أن تتوفر لكي يوجد شيء اسمه الطبيعة؟ ويجيب كانط بأن الطبيعة لا توجد إلا لأن هناك عقولا تفكر فيها، وبالتالي فليست الطبيعة شيئا غير تمثل الطبيعة. ص72